@


@
الميمر الأول
وصايا إلى الإخوة المقيمين معه
أنتم
الذين تريدون السكنى معي أنصتوا باسم اللـه : ليجلس كل واحد وحده في قلايته بمخافة
اللـه ؛ لا تَهملوا عمل أيديكم لأجل وصية اللـه ؛ لا تتوانوا عن التأمل والصلاة
الدائمة .
احرسوا قلوبكم مقابل كل الأفكار الغريبة ؛ كي
لا ينشغل القلب بأي إنسان ، أو بأي عمل من أعمال هذا العالم ؛ بل داوموا فحص
ذواتكم لتعلموا فيما تعثرون .
جاهدوا
أن تقوَّموا نفوسكم طالبين اللـه من قلب حزين ؛ بالدموع والأتعاب لكي يغفر لكم؛
ويحفظكم من معاودة السقوط في نفس الخطايا.
اجعلوا الموت أمام أعينكم كل يوم؛ وتفكروا في
خروجكم من الجسد؛ كيف تفلتون من قوات الظلمة التي تأتي عليكم في الهواء ؛ وكيف
تلاقون اللـه بلا عائق .
تأملوا ذلك اليوم الرهيب ؛ يوم الدينونة
ومجازاة كل أحد على كل عمل وقول وفكر ؛ ذلك لأن كل شئ عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي
سنقدم أمامه الجواب . (جا9:11 ، عب13:4) .
بغير حاجة ضرورية لا تتكلموا ألبته ، سواء
كنتم على المائدة أو في الكنيسة ؛ ولا تصححوا خطأ الذي يسبح بينكم ، ما لم يكن هو
الذي طلب منكم ذلك .
ليعمل كل واحد منكم في المطبخ أسبوعاً
بالتناوب فيما بينكم بمخافة اللـه ؛ دون أن تبطلوا هذيذكم .
لا يدخل أحد قلاية أخيه أبداً ؛ ولا يطلب قبل
الموعد أن يراه .
لا ينظر أحدكم إلى أخيه ليرى إن كان قد عمل
أكثر منه ؛ أو أن أخاه قد عمل أكثر منه .
إذا خرجتم للعمل فلا تتكلموا باطلاً ؛ ولا تكن
بينكم دالة ؛ بل ليكن كل واحد بمخافة اللـه متيقظاً لنفسه سراً ؛ منتبهاً إلى عمل
يديه ؛ وهذيذه ؛ وقلبه .
إذا انتهت الخدمة (الصلاة) ؛ أو إذا قمتم عن
المائدة لا تجلسوا معاً لتتحادثوا ؛ لا بأقوال اللـه ؛ ولا بأقوال العالم ؛ بل
ليرجع كل واحد إلى قلايته ليبكي على خطاياه .
وإذا كانت هناك ضرورة داعية إلى الكلام فيما
بينكم؛ فليكن باختصار على قدر إمكانكم ؛ وباتضاع ووقار متذكرين أن اللـه ناظرٌ
إليكم .
لا تتخاصموا على شيء فيما بينكم ؛ ولا تغتابوا
أحداً أو تدينوه ؛ لا تحتقروا أحداً ؛ لا بالفم ولا في القلب .
لا تتذمروا على أحد ؛ ولا تخرج كلمة كاذبة من
أفواهكم قط .
لا تشتهوا أن تقولوا أو تسمعوا شيئاً مما ليست
لكم فيه منفعة .
لا تقبل شراً على قريبك في قلبك ؛ لا حقداً
ولا حسداً ؛ ولا يكن على فمك شيء وفي قلبك شيء آخر ؛ لأن اللـه لا يُخدع ؛ إذ هو
يرى الخفايا والظاهرات . (غل7:6) .
لا
تخفي فكراً أو تجربة أو هوى أو ظناً مما لك ؛ بل أكشفها بكل صراحة لأبيك ؛ وجاهد
لكي تكمل بإيمان كل ما تسمعه منه .
احرصوا ألا تُهملوا حفظ وصاياي ؛ وإلا
فسامحوني لو رفضت سكناكم معي ؛ إذا حفظتم وصاياي سراً وعلناً ؛ سأكون أنا الذي
يعطي أمام اللـه الجواب عنكم ؛ وإذا لم تحفظوها فسوف يسألكم الجواب عن إهمالكم .
كما وعن عدم انتفاعكم بي ؛ أما الذي يحفظ
وصاياي هذه في السر وعلانية ؛ يحفظ الرب الإله حياته من كل شر ؛ ويحفظه من كل
تجربة قد تأتي في الخفاء أو في الظاهر .
أُناشدكم يا إخوتي أن تعلموا لأي سبب خرجتم من
العالم ؟ ولماذا أتيتم إلى هنا ؟ لكي لا يكون خروجكم باطلاً ؛ فتخزوا أمام اللـه
وأمام قديسيه الذين أنكروا كل شيء من أجله وجاهدوا .
اهتموا أن تبعدوا عن المخاصمات ؛ وتمارسوا
الإماتة ؛ والاتضاع ؛ وقطع المشيئة بمعرفة في كل شيء ؛ وعدم اعتمادك على برك ؛ بل جعلك خطاياك كل
حين نصب عينيك ؛ هذه كلها تولد فيك الفضائل .
وأعلم كذلك أن الراحة ومحبة الأتساع والمجد
الباطل تتلف جميع ثمار الراهب .
@
الميمر الثاني
عن حالة الروح الطبيعية
وكذلك عن الخلاص الذي تم بالمسيح
والعودة إلى مطابقة الطبيعة
لستُ أريد أن تجهلوا يا إخوتي ؛ أنه منذ البدء
لما خلق اللـه الإنسان ؛ وضعه في الفردوس بحواس سوَّية ومستقرة في حالتها الطبيعية
؛ لكنه لما سمع للمُضل ؛ ارتدت كل حواسه إلى حالة مخالفة للطبيعة ؛ وبالتالي سقط
من مجده .
أما الرب ؛ فمن أجل محبته العظيمة أشفق على
جنس البشر ؛ وصار الكلمة جسداً (يو14:1) ؛ أي إنساناً كاملاً مشابِهاً لنا في كل
شيء ما خلا الخطية (عب14:4) ؛ لكي يعيد كل ما هو مخالف للطبيعة إلى حال مطابق
للطبيعة بواسطة جسده المقدس .
وهكذا إذ ترأف على الإنسان ردَّه إلى الفردوس
؛ مُنهضاً جميع الذين يتبعون خطواته (1بط21:2) ويسلكون بحسب الوصايا التي أعطانا
إياها ؛ لكي نغلب الذين غلبونا وأقصونا عن مجدنا ؛ واضعاً لنا خدمة مقدسة وناموساً
نقياً ؛ لكي نثبت في الحالة الطبيعية {الأولى} التي خُلقنا عليها .
أما الذي يريد أن يبلغ حالة المطابقة للطبيعة
؛ فليقطع عنه كل مشيئاته التي بحسب الجسد ؛ إلى أن يصير ثابتاً في الحالة الطبيعية
.
الأوجاع
المخالفة للطبيعة :
يوجد
في النفس اشتياق طبيعي نحو اللـه ؛ وبدون الاشتياق لا توجد محبة ؛ لذلك دعي دانيال
" رجل الاشتياقات " . ( دا 23:9 ) .
هذه المحبة قد حولها العدو فينا إلى شهوة
الخزي ؛ التي تحملنا على اشتهاء كل ما هو غير طاهر .
كذلك توجد في النفس الغيرة التي بحسب الطبيعة
؛ وبدون الغيرة لأجل اللـه لا يوجد تقدُّم ؛ كقول الرسول " غيروا للمواهب
العظمى " .
وهذه الغيرة التي لأجل اللـه ؛ تحولت فينا إلى
ما هو على خلاف الطبيعة ؛ فصرنا نغار ونحسد بعضنا بعضاً ؛ ونفتري أحدنا على الآخر
.
كما يوجد في النفس الغضب الذي بحسب الطبيعة ؛
والذي بدونه لا توجد في الإنسان أية نقاوة ؛ لأنه به يحقد على ما يزرعه فيه العدو
.
لذلك نرى أن فينحاسُ بن ألِعازار حينما أحتدّ
طعن الرجل والمرأة ؛ وبذلك سكن سخط الرب على شعبه ( عد 7:25 ) .
أما نحن فقد تحول فينا هذا الغضب
"الطبيعي" إلى غضب ضد القريب ؛ من أجل أمور باطلة ؛ ومخالفة للصواب .
توجد في النفس أيضاً الكراهية التي بحسب
الطبيعة ؛ تلك التي لما أحتدَّ بِها إيليا قتل جميع أنبياء الخزي ( 1مل 40:18 ) .
كذلك فعل صموئيل مع أجاج ملك عماليق ( 1صم
23:15) ؛ وبدون الكراهية للعدو " وأعماله " لا يستعلن للنفس المجد .
أما نحن فقد تبدلت هذه الكراهية فينا فصارت
على خلاف الطبيعة ؛ إذ جعلتنا نبغض القريب ونحتقره ؛ مع أن البغضة تطرد جميع
الفضائل .
كذلك يوجد في النفس الشموخ الذي بحسب الطبيعة
مقابل العدو ؛ هذا الشموخ الذي أنفصل به أيوب عن أصحابه
أعدائه بقوله : " وكانوا محتقرين ومرذولين ؛ مفتقرين إلى كل
صلاح" ؛ " الذين كنت أستنكف أن أجعلهم مع كلاب غنمي " ( أي 1:30 )
.
أما بالنسبة إلينا فقد تبدل هذا التشامخ مقابل
أعدائنا فصار مذلة ؛ فضلاً عن أننا امتلأنا بالتشامخ الواحد على أخيه ؛ نزدري
بعضنا بالبعض مبررين نفوسنا على حساب قريبنا؛ وبسبب كبريائنا جعلنا اللـه عدواً
لنا.
هذه " الطبائع " كلها قد خلقت في
الإنسان ؛ هي التي لما أكل الإنسان من شجرة العصيان ؛ تحولت فيه إلى الأوجاع
المخزية .
فلنجتهد إذاً أيها الأحباء أن ننعتق منها ؛
ونقتني ما أظهره لنا ربنا يسوع المسيح في جسده المقدس ؛ لأنه قدوس ويستريح في
القديسين .
فلنسهر على أنفسنا لكي نرضي اللـه ؛ مكملين
أعمالنا قدر استطاعتنا ولنقايس كل عضو من أعضائنا لكي يصير مطابقاً للطبيعة
(رو13:6،19 * أف16:4).
ذلك لكي نجد رحمة في ساعة التجربة العتيدة أن
تأتي على العالم كله (لو26:21 * رؤ10:3) .
ونبتهل كل حين إلى صلاحه لكي يسند بمعونته
ضعفنا ؛ ويخلصنا من أعدائنا ؛ لأن له القدرة ؛ ومنه المعونة والعزة ؛ إلى دهر
الدهور ؛ آمين .
A
الميمر الثالث
وصايا للمبتدئين
إننا نحتاج قبل كل شيء إلى الاتضاع ؛ فكن
مستعداً دائماً أن تقول : "اغفر لي" إزاء كل كلمة تسمعها ؛ أو في أي عمل
تعمله ؛ لأنك بالتواضع تَهزم كل ما يأتي عليك من العدو .
لا تثق بنفسك في أي عمل من أعمالك ؛ لكي تبقى
بلا اضطراب في أفكارك .
لتنِم طلعتك عن رزانتك ؛ لكن كن
بشوشاً مع الغرباء ؛ كي يسكن خوف اللـه فيك .
إن سرت مع إخوة في طريق ؛ تباعد عنهم قليلاً
لكي تحفظ سكوتك ؛ وفي مشيك لا تلتفت يمنه أو يسره؛ بل هِذَّ بفكرك وصلِّ إلى اللـه
بقلبك.
أي موضع تصله لا تسلك فيه بدالة ؛ لكن كن
جاداً في كل أمر .
أيما يوضع على المائدة أمامك ؛ أمدد إليه يدك
كمن يغصَب ليأكل ؛ وإن كنت شاباً لا تقبل أن تمد يدك لتضع شيئاً في فم آخر .
الموضع الذي تنام فيه لا تتغطَّ مع آخر بغطاء
واحد ؛ وصلِّ في قلبك صلوات كثيرة قبل أن تنام .
إن كنت قد تعبت في الطريق وأردت أن تُدهَّن
بقليل زيت بسبب تعب السفر ؛ فلا تَدهن إلا قدميك فقط بسبب استحيائك من كشف جسدك ؛
ولا تدع أحد يدهن لك جسدك ؛ إلا عند الضرورة في حالة المرض .
إذا كنت جالساً في قلايتك وأتاك أخ غريب ؛
أصنع هكذا معه :
أدهنه فإن لم يُرد بسهولة فلا تكرهه ؛ أما إذا
كان شيخاً عمالاً فألح عليه حتى تدهنه كله بالزيت .
إذا جلست على المائدة مع إخوة وأنت بعد شاب ؛
فلا تقل لأحد أن يأكل شيئاً تمتدحه له ؛ بل أذكر خطاياك كي لا تأكل بتلذذ ؛ وأمدد
يدك إلى ما هو قدامك فقط ؛ ولا تمدها إلى ما هو قدام آخر غيرك .
لتغطِ ثيابك قدميك وركبتاك مضمومتان أحدهما
إلى الأخرى .
وإن كان هناك ضيوف على المائدة فأعطهم ما هم
في حاجة إليه بموّدة؛ فإذا كفوا عن الأكل قل لهم مرتين أو ثلاثاً : اصنعوا معي
محبة وكلوا أيضاً قليلاً .
لا ترفع رأسك نحو جارك أثناء الأكل ؛ ولا
تلتفت هنا وهنالك ؛ ولا تتكلم كلمة فارغة ؛ ولا تمدد يدك نحو شيء تريده دون أن
تقول : "بارك يا أبي" ؛ وإذا شربت الماء لا تدع حلقك يحدث صوتاً مثل أهل
العالم .
إن كنت جالساً مع إخوة واضطررت للبصاق ؛ فلا
تبصق أمامهم ؛ بل قم وألقه خارجاً .
لا تتمطى على مرأى من أحد ؛ وإذا جاءك التثاؤب
لا تفتح فمك فيذهب . إذا اضطررت إلى الضحك
فلا تفتح فمك واسعاً ؛ لأن هذا علامة عدم المخافة .
لا تشته شيئاً مما تراه لصاحبك ؛ لا قميصه؛
ولا قلنسوته ؛ ولا منطقته؛ ولا تكمل شهوتك وتصنع لك مثله .
إن عملت لكَ مجلداً فلا تزينه ؛ فإن ذلك يعرض
لكَ شهوة من الوجع.
إن أخطأت في أمر ما فلا تستح وتكذب ؛ بل أعمل
مطانية وقل "اغفر لي" فتنقل عنكَ خطيتكَ .
إذا وجَّه إليك إنسان كلمة قاسية ؛ فلا
يستكبرن قلبك عليه ؛ بل بادر وأصنع له مطانية قبل أن تتولد الملامة عليه في قلبك ؛
وإلا فالغضب يداهمك سريعاً .
إذا افترى عليك أحد في شيء فلا تحتد ؛ بل أصنع
مطانية سواء كنت تعلم بالأمر أم تجهله ؛ وقل : " اغفر لي فلن أعود إلى مثل
ذلك ثانية " .
فهذه كلها هي التي تأتي بالشباب حقاً إلى
النمو .
إن كنت تمارس عمل يديك ؛ فلا تتوانى ألبته ؛
بل أهتم به بمخافة اللـه كي لا تخطئ دون وعي .
في كل عمل يدوي تتعلمه ؛ قل لمن يعلمك ولا
تستح أن تكرر له القول " اصنع محبة وأنظر إن كان عمل جيداً أم لا " .
إن دعاك أخوك وأنت منشغل بعمل يديك ؛ أسرع
لترى ما الذي يريده منك ؛ وأنجز معه شغله تاركاً عملك .
إذا فرغت من تناول الطعام ؛ فأدخل قلايتك
وأكمل صلواتك ؛ ولا تجلس للتحدث مع من لا ينفعك ؛ أما إن كانوا شيوخاً يتكلمون
بكلام اللـه ؛ فقل لأبيك : " هل أجلس لأستمع ؛ أم أنصرف إلى قلايتي ؟ "
؛ وكل ما يقوله لك أفعله .
إذا أرسلك أبوك خارجاً لقضاء حاجة ؛ قل له :
" إلى أين تريدني أن أذهب ؟ وما الذي تحتاجه ؟ " . وكل ما يقوله لك
أعمله دون أن تزيد عليه أو تنقص منه . إن
سمعت خارجاً أحاديث فلا تحفظها لترددها لآخر حال عودتك ؛ فإنك إن حفظت أذنيك فلن
يخطئ قط لسانك .
إن أردت أن تصنع أمراً لا يهواه الأخ الساكن
معك ؛ فأقطع هواك لأجله ؛ لكي تتجنب المخاصمة ؛ وحتى لا تحزنه .
إذا سكنت كغريب مع أخ في مسكنه ؛ فلا تأمره
بشىء ؛ ولا تشتهي أن تكون عليه رئيساً .
إذا سكنت مع إخوة فلا تشتهي أن يشركوك معهم في
أحاديثهم ؛ وإن طالبوك بأمر لا تَهواه ؛ فأرفض مشيئة نفسك وأتممه كي لا تحزنَهم ؛
فتفقد وقارك وسلامة سكناك معهم .
إذا كنت ساكناً مع أخ وسألك قائلاً : أطبخ لي
شيئاً . قل له : ماذا تريد أن أعمل ؟ فإن ترك لك الاختيار قائلاً : كما تريد .
فمهما وجدته "موافقاً له " أطبخه بخوف اللـه .
إذا كنتم ساكنين معاً وعرض لكم عملٌ شاق؛
فأجمع الكل معاً لتأديته؛ فلا تشفق على جسدك حرصاً على ضمير الآخرين .
إذا قمت باكر كل يوم؛ فقبل أن تقوم بعمل يديك
أتلُ في كلام اللـه؛ وإن كان لديك شيء يحتاج الإصلاح سواء كان قفة أو وعاء أو أي
شيء آخر ؛ فأعمل ذلك بِهمة وبلا تواني .
وإن قمت بعمل مقابل أجر فأشرك فيه أخاك معك ؛
فلا تكن طامعاً ؛ فإن كان هذا العمل قليل الأهمية وأجابك أخوك عنه قائلاً : أمضي
أنت في عملك فأمضي أعمله أنا وحدي ، أطعه ؛ فالذي يطيع هو الأعظم .
إذا جاءَك أخ غريب ليكن وجهك أمامه مبتهجاً
حين سلامك عليه ؛ وأحمل عنه أحماله بسرور ؛ وكذلك تفعل معه إذا أرد الانصراف ؛
ولتودِّعه بلياقة وبخوف اللـه لكي لا يتأذى من ألم ما .
أحذر
أن تسأله عن أمور غير نافعة ؛ بل أجعله يصلي صلاة ؛ وعندما يجلس قل له : كيف حالك
؟ ولا تزد على ذلك ؛ وأعطيه كتاباً ليتلوا فيه؛ فإن كان قد جاءك مُتعباً ؛ فأعمل
على إراحته ؛ وأغسل له قدميه .
فإذا حدثك بكلام غير لائق ؛ قل له بمحبة :
اغفر لي فإني ضعيف ؛ ولست أقوى على احتمال هذا " الكلام " .
وإن كان ضعيفاً وثيابه متسخة ؛ أغسلها له ؛
وإن كان وضيع الحال وثيابه متسخة وممزقة خيطّها له .
أما إذا كان واحداً من الطوّافين ؛ وتصادف أن
كان عندك بعض المؤمنين فلا تدخله إليهم ؛ بل أصنع معه صدقة لأجل محبة اللـه .
وإن حل عندك أخ غريب في سفره باسم اللـه ؛ فلا
تصرف وجهك عنه ؛ بل بالعكس أقبله بفرح بين المؤمنين الذين لديك ؛ فإن كان فقيراً
لا تدعه يمضي فارغاً ؛ بل أعطه البركة التي أعطاك اللـه إياها ؛ عالماً أن كل شيء
لك ليس هو ملكك ؛ إنما هو عطية من اللـه .
إذا استودعك أخ وديعة فلا تفتحها في غيابه
لتعرف ما بِها ؛ وإن كانت الوديعة ثمينة ؛ قل له : سلمّها لي بالتمام .
إن ذهبت إلى ضيعة وحللت عند إنسان في منزله ؛
ثم خرج وتركك وحدك ؛ فأحذر أن ترفع رأسك لتبصر شيئاً مما عنده ؛ ولا تفتح شيئاً ؛
باباً ؛ أو صندوقاً ؛ أو كتاباً ؛ بل عند خروجه قل له : أعطني عملاً لأعمله حتى
تعود ؛ وأعمل ما يوصيك به بلا كسل .
لا تثنِ على ما لم تراه ؛ ولا تتحدث على ما
سمعته كما لو كنت قد رأيته . لا تحتقر
أحداً من أجل ملابسه .
إذا جلست لقضاء حاجة الطبيعة فلا تتوانَ ؛ بل
اذكر أن اللـه ناظرٌ إليكَ .
إذا وقفت في قلاتيك لتصلي ساعاتك ؛ فلا تفعل
ذلك بتهاون وكسل؛ لأنك بذلك تغضب اللـه بدلاً من أن تكون تكرمه .
لكن قف بخوف اللـه ؛ لا تتكئ على الحائط
ورجلاك مرتخيتين ؛ ولا تستند بواحدة وتريح الأخرى كالجهال ؛ جاهد مقابل قلبك لكي
لا يخطئ تابعاً مشيئاته ؛ حتى يقبل اللـه ذبيحتك .
إن كنتم تسبحون معاً " تقرءون صلواتكم
" في اجتماعكم ؛ فليقل كل واحد منكم صلواته ؛ وإن وجد بينكم غريب ؛ فاسألوه
بمحبة أن يتلو أيضاً الصلوات ؛ ألحوا عليه مرتين أو ثلاث مرات دون إكراه .
في وقت تقدمة القربان " القداس "
جاهد مع أفكارك لكي توقف حواسك بخوف اللـه ؛ لتكون مستحقاً للأسرار المقدسة فيشفيك
الرب .
أحرص ألا تترك جسدك في حالة لا تليق بسبب
قذارته ؛ لئلا يسرقك المجد الباطل ؛ أما الشاب فليترك جسده بغير اهتمام ؛ لأن هذا
نافع له ؛ كذلك لا يلبس الشاب ثياب جيدة حتى يبلغ الشيخوخة؛لأن هذا دواء له.
أما النبيذ ؛ فلا يزد " الشاب " عن
ثلاثة كؤوس في حالة الضرورة ؛ ولا يكشف أسنانه إذا ما ضحك ؛ بل ليكن ناظراً بوجهه
إلى الأرض بخشية .
إذا ذهب لينام فليحفظ بمنطقته ؛ ويحرص ألا
يدخل يده داخل ملابسه؛ لأن الجسد مملوء أوجاعاً إن وافقه القلب .
إن اضطر للخروج فليلبس صندله إلى أن يعود إلى
قلايته ؛ إذ ينبغي أن يتعود على ألا يلبسه في قلايته .
وإذا مشى فليثبت يديه على جانبيه ولا يتركهما
تَهتزان مثل العلمانيين.
إذا سرت مع من هو أكبر منك ؛ فلا تتقدمه أبداً
؛ فإذا ظل واقفاً يتكلم مع آخر فإياك أن تحتقره وتجلس ؛ بل أثبت واقفاً حتى يرتب
لك ما يجب أن تعمله .
إذا ذهبت إلى مدينة أو قرية ؛ فليكن نظرك
مطرقاً إلى أسفل ؛ لئلا تسبب لك من ذلك محاربات داخل قلايتك .
لا تَبيْت خارجاً في بيت تخشى أن تخطئ فيه
بقلبك .
إذا دعيت لتأكل " عند إنسان " وعلمت
أن هناك امرأة ستأكل معك ؛ فلا تجلس ألبته ؛ لأنه خير لك أن تحزن الذي دعاك ؛ من
أن تزني خفية في قلبك .
وإن استطعت فلا تبصر ولا حتى ثياب النساء ؛
وإن كنت في طريق وقالت لك امرأة : السلام لك . فجاوبَها في قلبك ؛ وعيناك ناظرتين
إلى أسفل .
إذا ذهبت في طريق مع شيخ ؛ فلا تدعه يحمل
أحمالك ؛ فإن كان كلاكما شاباً ؛ فليحملها كل منكما قليلاً ؛ والذي يحمل فليتقدم
المسيرة .
B
من أجل الذين يعيشون
في القلاية
إن
كنتم سائرين في طريق وكان معكم إنسان ضعيف ؛ فليكن هو المتقدم وذلك لكي يمكنه أن
يجلس إذا أراد الجلوس .
إن كنتم شباناً واجتمعتم ( عند إنسان ) فعند
الاغتسال أو على المائدة؛ فاسبقوا واعرفوا من سيتقدمكم ؛ حتى إذا حان وقت الغسل لا
ترتبكوا . وإذا تقدم أحدكم هذه المرة فليدع الآخر يتقدم في مرة أخرى .
إذا سألت شيخاً عن أحد أفكارك ؛ فأكشف له
الفكر بصراحة ؛ وذلك إن تأكدت أنه ذو أمانة وسيحفظ كلامك .
إذا علمت بخطيةٍ ما لأخيك؛ فلا تقل ذلك لإنسان
لأن هذا موت لك.
إذا تحدث أُناس بأفكار تجلب عليك حرباً ؛ فلا
تسعَ إلى سماعها ؛ لئلا تجلب على نفسك ذلك القتال .
أغصب نفسك أن تصلي في الليل صلوات كثيرة ؛ لأن
الصلاة هي نور لنفسك .
راجع نفسك في كل يوم في أي شيء أخطأت ؛ فإذا
صليت من أجل خطاياك يغفرها لك اللـه .
إذا تجرأ أحد الإخوة أن يدين آخر أمامك ؛ فلا
تستح منه ولا تسمع له فتخطئ أمام اللـه؛ بل قل له باتضاع : اغفر لي يا أخي فإني
إنسان بائس؛ وهذه الأمور التي تذكرها هي لي ؛ ولست أحتمل ذكرها .
إذا أساء إليك أخ ؛ وجاء آخر وذمَّه أمامك ؛
فأحفظ قلبك لئلا يتجدد فيه تذكر الشر ( الذي أساء به إليك ) ذاكراً خطاياك أمام
اللـه ؛ فإن كنت تشاء أن يغفرها لك ؛ فلا تجازِ قريبك ( عن إساءته ) .
إذا مضيت إلى ضيعة مع إخوة لا تعرفهم ؛ فأعطهم
التقدم في كل شيء؛ ولو كانوا أصغر منك . وإن دخلت عن صديق لك ؛ فليكونوا هم
المتقدمين عليك دائماً ؛ سواء في الغسل ( اليدين أو القدمين ) أو مدّ اليد لتناول
الطعام ؛ ولا تظهر كأنه بسببك يكرمهم صديقك ؛ بل أرجع ذلك إليهم قائلاً : أنه
بسببكم يصنع بي هذا الإحسان .
إن سرت في طريق مع أخ ؛ وأردت أن تذهب لتتحدث
مع صديق لك في أمر ما واستأذنت الأخ قائلاً : أجلس هنا ؛ فإن دعاك صديقك أن تدخل
عنده لتأكل ؛ فلا تضع شيئاً في فمك قبل أن تدعو أخاك لكي يأكل معك .
إن سرت في طريق مع إخوة كثيرين ؛ وكنت لا
تتجاسر أن تأخذهم معك عند صديقك بسبب كثرة عددهم ؛ فلا تحتقرهم وتتركهم خفية لتدخل
وتأكل ( وحدك ) ؛ بل تباحث معهم فيما ينبغي أن تفعلوه ؛ واسمع منهم باتضاع فيما
يقولونه لك .
وإذا مشيت معهم فلا تزكِّ نفسك وتَهرب من
الأعمال الحقيرة .
إذا كنت مسافراً وأردت أن تدخل عن أحد الإخوة
؛ ورفض أن يقبلك ؛ فإن رأيته بعد ذلك في الطريق ؛ أو أتاك دون أن يعرفك أظهر له
أعظم الحب .
إذا علمت أن إنساناً يغتابك ؛ وحدث أن التقيت
به في مكان ما ؛ أو أتى هو إليك ؛ فأظهر له بقدر استطاعتك بشاشة وجهك ولطفك .
ولا تقل له بشأن ما سمعته : لماذا قلت هذا ؟
لأنه مكتوب في الأمثال "من يحفظ الحقد يخالف الناموس " {أم24:21}
.
إذا كنتم إخوة وخرجتم لزيارة أخ فقير ؛ فلا
تثقلوا عليه من جهة حاجتكم ؛ بل اشتروا ما أنتم في حاجة إليه لطعامكم ؛ بحيث يتبقى
له منه شيئاً ؛ واكتفوا بالمأوى الذي يصادفكم عنده .
إذا مضيت إلى بعض الشيوخ الذين تعرفهم ؛ وكان
معك إخوة آخرون غير معروفين لديهم ؛ فلا تزاحم وتتقدمهم لكي يكشفوا هم أيضاً
أفكارهم .
إن كان بعض الإخوة ساكنين معك ؛ فأهتم بِهم
كثيراً ما داموا يسمعون منك ؛ عالماً أنك سوف تعطي أمام اللـه عنهم حساباً .
إذا مضيت في غربة من أجل اللـه ؛ فلا تَسْعَ
أن تتصادق مع أهل تلك الضيعة ؛ ولا تختلط بالتحادث معهم ؛ وإلا فكان أحرى بك أن
تبقى مع آبائك الجسدانيين .
إذا أردت أن تذهب إلى الجبل لتزور الإخوة
الذين في الأديرة ؛ فأمكث عند ( الأخ ) الذي تذهب إليه؛ ولا تمضي إلى آخر دون أن
تستأذنه : هل يمكنني أن أذهب إلى فلان ؟ فإذا لم يوافق فلا تضايقه حتى ترحل من
عنده.
إذا أخذت قلاية في موضع تعرفه ؛ فلا تجعل لك
صداقة بكثيرين ؛ يكفيك صديق واحد في حالة مرضك ؛ ولا تفسد فضيلة الغربة .
إن قدمت إحساناً إلى فقير ؛ فلا تطلب منه أن
يؤدي لك عملاً ما مهما كان صغيراً ؛ لئلا تتلف الإحسان الذي صنعته به .
إذا دخلت ديراً لا تعرفه ؛ فألزم المكان
الذي يُسمح لك به ؛ ولا تدخل قلاية أخرى دون أن يدعوك أحد .
إذا كنت ساكناً في قلاية ؛ فلا تحتفظ عندك
بشىء يجعلك تكسر وصية المحبة الأخوية ؛ فإذا سألك أخ أن تُعيره إياها ؛ فلا تبخل ؛
" فخير لك أن يهلك أحد أعضائك من أن
يلقى جسدك كله في جهنم " ؛ أما إذا كان ما عندك بالكاد يكفي حاجتك ؛ فحينئذٍ
يمكنك عدم التخلي عنه لكي تتجنب الاضطراب .
إن كنت قد تركت أهلك بحسب الجسد لكي تتغرب من
أجل اللـه ؛ فلا تدع لذة تذكرَّهم يتسلل إلى قلبك ؛ وإن كنت في قلايتك وعرض لك أن
ترثي لأبيك أو أمك ؛ أو أن تتذكر أخاك أو أختك ؛ أو أن يبرح بك الحنين إلى أولادك
؛ أو أن تشتهي في قلبك المرأة التي تركتها ؛ فاذكر ساعة خروجك وانتقالك الأكيد ؛
حيث لا يوجد أحد من أولئك يستطيع أن يعينك ؛ فلماذا لا تتركهم من أجل الفضيلة ؟
إذا كنت في قلايتك وتذكرت إنساناً قد أساء
إليك؛فأنْهض حالاً وصلِّ إلى اللـه من كل قلبك لكي يغفر اللـه له؛ فبذلك يفارقك
فكر الانتقام.
إذا ذهبت في الاشتراك في الأسرار الإلهية ؛
راقب جميع أفكارك لئلا يكون تناولك دينونة لنفسك {1كو29:11} .
إن قوتلت بزنى في أحلام الليل ؛ فاحفظ قلبك
بالنهار من تذكر تلك الأجساد التي أبصرتَها في حلمك ؛ لئلا تتدنس بلذتِها ؛ وتجلب
على نفسك غضباً ؛ لكن ألقِ ضعفك أمام اللـه من كل قلبك وهو يعينك ؛ لأنه رحوم
ويرثي لضعف الإنسان .
إذا تدّبرت بأعمال النسك ؛ فلا يتكلمن قلبك
عليها كأنَها تحفظك ؛ بل قل في فكرك : من أجل الشقاء الذي شقى به جسدي ؛ لعل اللـه
ينظر إلى مذلتي .
إن شتمك إنسان فلا تجبه حتى يسكت ؛ فإذا فتشت
نفسك ( بمخافة اللـه ) فستجد أن ما سمعته منه هو فيك ؛ ( أو أن العلّة هي منك ) ؛
عندئذ أصنع له مطانية مثل إنسان يعرف بالحقيقة أنه هو الذي أخطأ ؛ وصلاح اللـه
يقبلكما إليه ثانية .
إن كنت ماضياً في طريق مع إخوة ؛ وكانت بينك
وبين أحدهم مودة حسب اللـه ؛ فلا تكن لك معه دالة أمام الآخرين ؛ لئلا يكون بينهم
أحد ضعيف ؛ فيموت من الغيرة ( منكما ) ؛ وتكون خطيته عليك ؛ لأنك سببت له عثرة .
إذا مضيت إلى إخوة ؛ فلا تضع في قلبك أنَهم
سيفرحون جداً بلقائك؛ لكن إذا قبلوك ؛ تشكر اللـه على ذلك . إذا أصابك مرض وأنت
ساكن في قلايتك ؛ فلا تصغرن نفسك ؛ بل أشكر اللـه على ذلك .
وإذا رأيت نفسك قد اضطربت ؛ فقل لها : لما
تضطربين ؟ أليس هذا المرض أفضل لكِ من أن تطرحين في جهنم ؟ عند ذلك تَهدأ نفسك .
إن مضيت إلى إخوة وقال لكَ أحدهم : إنني لا
أجد راحة في هذا الموضع ؛ وأود أن أسكن معك ؛ فلا توافقه لئلا تسبب له عثرة
ولكثيرين غيره ؛ فإن قال لك : ( إن نفسي تَهلك ) لسبب أمر خفي ؛ فقل له أن يهرب (
إلى مكان آخر ) ولكن لا تدعه يسكن معك .
إن كنت ساكناً في قلاية ؛ فأجعل لطعامك
مقداراً معيناً ؛ وأعطِ جسدك حاجته بالقدر الذي به تستطيع أن تخدم اللـه في صلواتك
؛ لكن لا تشته أن تخرج من قلايتك .
لا تأكل شيئاً لمجرد إشباع شهوتك من التلذذ به
؛ بصرف النظر عما إذا كان نافعاً أو غير نافع .
إن عرض عليك أمر ضروري ؛ كافتقاد أخ ؛ أو
الذهاب إلى دير ؛ فلا تُعطِ جسدك أن يشبع مما تجده هناك من أطعمة لذيذة لكي تسرع
في العودة إلى قلايتك ولا يخدعنك الأمر .
إن أشغل الشيطان قلبك بأتعاب تفوق طاقتك ؛ فلا
تسمع لهم ؛ لأنَهم إنما يشغلون قلب الإنسان بأمور لا يقوى عليها ؛ لكي يسقط في
أيديهم فيشمتون به .
فلتأكل مرة واحدة في النهار ؛ وأعطِ جسدك
حاجته بقدر ؛ بحيث تكف عن الطعام وأنت لا تزال تشتهيه .
اسهر في الصلاة بوقار ؛ ولا تمنع جسدك من أن
يأخذ حاجته ( من النوم ) ؛ لكن أكمل قانونك بقدر وبمعرفة ؛ لئلا بسبب كثرة السهر
يظلم العقل وتمل النفس من الجهاد ؛ فيكفيك نصف الليل لتكميل قانونك ؛ ونصفه الآخر
لراحة جسدك .
اسهر ساعتين قبل أن تنام ؛ مصلياً ومزمراً ؛
ثم أسترح ؛ وعندما يوقظك الرب أصنع قانونك باجتهاد .
إذا أبصرت جسدك قد كسل فقل له : أتريد أن
تستريح في هذا الزمان اليسير ؛ ثم تذهب إلى الظلمة الخارجية ؟ وهكذا إذ تستحثه
قليلاً قليلاً ؛ تأتيك القوة . لا تصنع لك صداقة مع أُناس تخشى بضميرك أن يعلم
بِها الآخرون ؛ لكي لا تجعل عثرة بمعرفة .
إذا كنت في دير وكان لك عبد واحتفظت به؛ فإنك
تسئ إلى طقسك؛ كذلك إذا أعطيته لأخ آخر ؛ فأنت تخطئ أمام اللـه ؛ فعليك أن تعتقه
وتطلقه ؛ فإن كان يريد أن يصير راهباً ؛ فأتركه وشأنه ؛ لكن لا تدعه يبقى معك لأن
هذا غير نافع لنفسك .
إن كنت متسيراً بتدبير ما تشقي به جسدك من أجل
اللـه ؛ فأعجب بك الناس وأكرموك بسببه ؛ فينبغي أن تترك ذلك التدبير وتمسك بغيرة
لئلا يكون تعبك باطلاً ؛ أما إن كنت قد هربت من المجد الباطل ؛ وعلمت أن اللـه
راضٍ عن عملك فلا تلتفت إلى الناس .
إذا كنت قد تركت العالم ؛ فلا تحتفظ لنفسك
بشىء قط مما فيه ؛ وإذا أحسست بشهوة الانتقال من موضع إلى موضع ؛ وكانت حواسك لا
تزال سقيمة ؛ فإن في الانتقال مضرة لنفسك ؛ فأتعب بالحري جسدك في عمل يديك ؛ لكي تثبت
في السكون كما يجب في قلايتك؛ وتأكل خبزك.
إذا مضيت إلى مدينة لتبيع عمل يديك فلا تتشدد
في الثمن كالعلمانيين بل بعه بما يساويه ؛ كي لا تُهلك تعبك في قلايتك .
وإذا أردت أن تشتري شيئاً فلا تساوم قائلاً :
أن هذا غير موافق ؛ فلن أدفع شيئاً . بل إن كنت تحتاج إلى الشىء ؛ فأغصب نفسك
قليلاً وخذه ؛ أما إذا لم يكن معك ما تدفعه ؛ فأتركه بسكوت . فإن أقلقتك أفكارك
قائلة : وأين تجد هذا الشىء ؟ قُلْ : قد صرت بِهذا مثل القديسين الذين أمتحنهم
اللـه بالفقر؛ لكي يرى صدق نيتهم فيوصلهم إلى الغنى الحقيقي.
إن أودع أخ عندك شيئاً ووجدت أنك في حاجة إليه
؛ فلا تمسه في غيابه ؛ ما لم تكن قد أخبرته .
إن ذهبت إلى قرية وأوصاك أخ أن تشتري له شيئاً
؛ فإن كنت تعرف أن تشتريه لنفسك فأشتريه له أيضاً ؛ أما إذا كنت مع آخرين فلا تفعل
ذلك دون أن تستشيرهم لئلا تقلق رفقائك .
إذا اضطررت لقضاء مصلحة في بلدك ؛ فاحتفظ من
أهلك حسب الجسد ؛ لا تجعل لك دالة معهم ؛ ولا تشترك في أحاديثهم .
إن
استعرت من أخيك شيئاً لاستعمالك ؛ فأهتم بأن ترده إليه بسرعة ؛ فإذا كان أداة (
فأساً أو غيرها ) فأرجعها إليه حال قضاء حاجتك ؛ فإن انكسرت أعمل له غيرها ولا تكن
غير مكترث .
إن أقرضت أخاً مسكيناً شيئاً ما ؛ وعرفت أنه
لا يستطيع أن يرده لك؛ فلا تحزنه وتضيق عليه ؛ سواء كان ما أعطيته نقوداً أو
ثياباً ؛ وذلك بقدر ما في وسعك .
إن أقمت في مكان وابتنيت فيه قلاية ؛ وأنفقت
على بنائِها نفقة ما ؛ ثم عرض لك بعد حين أن تركتها ؛ وأقام فيها أخ آخر ؛ فإن
أردت الرجوع إليها مرة أخرى ؛ فلا تخرج ذلك الأخ منها ؛ بل أبحث لنفسك عن قلاية
أخرى كي لا تخطئ أمام اللـه .
أما إن غادر الأخ قلايته من تلقاء نفسه ؛ فلا
لوم حينئذٍ عليك ؛ وإن كنت قد تركت فيها متاعاً وتخلص هو منه ؛ فلا تطالبه به .
إن تركت قلايتك فأحذر أن تأخذ معك شيئاً مما
هو ضروري ؛ بل أتركه لأخ فقير ؛ واللـه يرزقك حيثما حللت .
لا تستح أن تكشف لمن هو أكبر منك جميع الأفكار
التي تحاربك فتخف حينئذٍ عنك ؛ لأنه ليس شيء يفرح له الشياطين مثل إنسان يخفي
أفكاره ؛ رديئة كانت أم جيدة .
عند تقدمك للأسرار الإلهية ؛ أحذر أن تكون
هناك خصومة بينك وبين أخيك ؛ وإلا فأنت تخدع نفسك .
إذا أنكشف لك المعنى الرمزي لبعض أقوال
الأسفار الإلهية ؛ ففسرها كذلك ؛ ولكن أحذر أن تبطل الحرف ؛ لئلا تتكل فيما بعد
على ذكائك في تفسير الأسفار المقدسة ؛ لأن هذا علامة كبرياء .
إذا أنخدع أخوك بتعاليم الهراطقة ؛ وأبتعد عن
الإيمان دون أن يعلم ؛ ثم عاد فلا تحتقره لأن ما عرض له كان عن جهل .
احفظ نفسك من مجادلة الهراطقة ؛ بحجة أنك تريد
الدفاع عن الإيمان ؛ لئلا يخزيك سم أقوالهم المخزية .
إن وجدت كتاباً مشهوراً بالهراطقة فلا تشتهي
أن تقرأه ؛ لئلا يمتلئ قلبك بِسِّم الموت ؛ بل تمسك بإيمان معموديتك دون أن تزيد
عليه أو تنقص منه .
أحذر من العلم الكاذب الذي يقاوم التعليم
الصحيح ؛ كما يقول الرسول . {1تي10:1 ، 20:6} .
إن كنت شاباً ولم تُخضع جسدك بعد ؛ فإن سمعت
أخبار فضائل القديسين العالية ؛ فلا تطمع في اقتنائها بلا عمل ( تعب ) ؛ لأنَها لا
تأتي إليك إن لم تقم بفلاحتها أولاً ؛ فإذا أقدمت على أعمال فلاحتها ؛ أتتك من
تلقاء نفسها .
أحفظ نفسك من الضجر فإنه يتلف ثمرة الراهب .
إن كنت تجاهد مقابل أحد الأوجاع ؛ فلا تصغر
نفسك ؛ بل أطرح ذاتك قدام اللـه وقل له من كل قلبك : " أعني يارب أنا الشقي (
فإني لا أقوى على هذا الوجع ) ". عندئذ ستجد راحة .
إذا زرع ( العدو ) في قلبك أفكار نجسة وأنت
جالس في قلايتك ؛ فجاهد لكي لا تتسلط عليك ؛ أغصب نفسك على تذكر اللـه كيف أنه
يراك ؛ هو الذي جميع أفكار قلبك مكشوفة أمامه ؛ وقل لنفسك : " إن كنتِ تخشين
أن يرى الخطاة أمثالك خطاياك ؛ فكم بالأولى إذا كان اللـه الذي يرى جميعها "
.
وبِهذا الفكر تتولد فيك مخافة اللـه فإن
لازمته فإنك تثبت بغير اضطراب وسط الأوجاع حسب المكتوب : " المتوكلون على
الرب مثل جبل صهيون ؛ لا يتزعزع إلى الأبد الساكن بأورشليم " .
إن كنت في جهاد النسك مقابل العدو ؛ ورأيته قد
أنْهزم أمامك وأنصرف مغلوباً ؛ فلا يفرح قلبك لأن مكر الشياطين يختفي من خلفهم ؛
إذ أنَهم يهيئون لك قتالاً أشر من الأول .
فإنَهم يتركون بعضهم خلف المدينة ؛ ويوصونَهم
بالهدوء ؛ فمتى تقدمت لملاقاتِهم يتظاهرون أمامك بالهروب ؛ فإن تعالى قلبك بأنك
طردتَهم ؛ فعندما تترك المدينة يقوم عليك الكمين من خلفك ؛ ويهاجمك الآخرون من
قدامك ؛ وعندئذ تصير النفس الشقية في وسطهم وليس أمامها من مهرب ؛ أما المدينة (
أو الحصن ) فهي ارتماؤك أمام اللـه بكل قلبك ؛ حيث يخلصك من قتالات عدوك .
إذا صليت إلى اللـه لكي يخلصك من قتال يواجهك
؛ ولم يسمع منك فلا تصغرن نفسك ؛ لأنه يعرف ما فيه خيرك أكثر منك .
بل في كل صلاة تخاطب بِها اللـه وقت القتال لا
تقل له : " أرفع عني هذا أو هبني ذاك " ؛ بل
قُلْ : " يا ربي يسوع المسيح أسرع إلى معونتي ؛ ولا تتركني أخطئ إليك
لأني ضال ؛ لا تدعني أتبع هواي ؛ ولا تسمح أن أسقط في خطاياي .
تحنن على خليقتك لا ترذلني فإني ضعيف ؛ ولا
تسلمني لأني التجأت إليك ؛ أشف نفسي لأني أخطأت إليك ؛ جميع مقاومي قدامي وليس لي
ملجأ سواك يارب فخلصني من أجل رحمتك ؛ فليخز ويخجل كل القائمين علىَّ الذين يطلبون
نفسي لإهلاكها .
لأنك أنت يارب قادر على كل شئ ؛ ومن قبلك
المجد للـه الآب والروح القدس إلى الأبد آمين " .
وإذ
ذاك سيحدثك ضميرك سراً عن سبب عدم استجابة اللـه لك ؛ فعليك حينئذٍ آلا تزدري بصوت
ضميرك ؛ فمهما يقول لك أن تفعله فأفعله ؛ لأن اللـه لابد أن يستجيب للإنسان ؛ إلا
إذا خرج الإنسان عن طاعة اللـه ؛ لأنه ليس ببعيد عن الإنسان ؛ لكن شهوتنا هي التي
تمنعه عن الاستماع لنا .
فلا يخدعنك أحد ما ؛ لأنه كما أن الأرض لا
يمكن أن تثمر من ذاتِها من غير زرع ولا سقي ؛ كذلك لا يمكن للإنسان أن يأتي ثماراً
بغير إماتة واتضاع .
الحث
على إتباع الضمير :
فلنثبت إذاً يا أحبائي في مخافة اللـه ؛
ولنحتفظ ونلاحظ ممارسة الفضائل ؛ ولا نضعن عثرة لضميرنا ؛ بل لنتيقظ لكي نثبت في
مخافة اللـه إلى أن يتحرر الضمير معنا ؛ حتى يتحقق التآلف بيننا وبينه ؛ فيصير هو
مرشدنا الذي ينبهنا إلى كل شيء قبل أن نخطئ فيه ؛ أما إذا لم نخضع له ؛ فسيبتعد
عنا ويهجرنا ؛ فنقع في أيدي أعدائنا الذين لا يرحموننا .
فكما علمنا سيدنا حين قال : " كن مراضياً
لخصمك سريعاً ما دمت معه في الطريق ؛ لئلا يسلمك ( الخصم ) إلى القاضي ؛ ويسلمك
القاضي إلى الشرطي ؛ فتلقى في السجن ؛ الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي
الفلس الأخير " .
فهكذا نقول : أن الضمير هو الخصم ؛ لأنه يقاوم
الإنسان إذا أراد أن يكمل شهوات جسده ؛ فإذا لم يسمع حثه سلمّه إلى أعدائه .
هذا هو الذي بسببه يبكي هوشع النبي من أجل
إفرايم قائلاً : " أذله عدوه ؛ داس القضاء بقدميه ؛ أشتهى مصر واقتيد إلى
أشور " .
فقوله " مصر " يعني أن قلبه قد سعى
وراء شهوات جسده ؛ وقوله "اقتيد إلى أشور " يعني أنه خدم أعدائه كارهاً
أم طائعاً .
فلنحرس أيها الأحباء أنفسنا كي لا نسلمها إلى
مشيئات الجسد ؛ لئلا تقودنا رغم إرادتنا إلى الأشوريين ؛ فلنسمع ذلك القول المر :
" وصعد ملك أشور على كل الأرض ؛ وسبى إفرايم وإسرائيل إلى أشور ؛ وأسكنهم حلج
وخابور أنْهار جوزان ؛ وهم هناك إلى هذا اليوم " .
ثم أخذ ملك أشور جماعة من شعوبه ؛ وأرسلهم ليسكنوا
في أرض إسرائيل ؛ وأقام كل منهم تمثاله وعبدوه ؛ وهؤلاء هم أيضاً هناك إلى هذا
اليوم " . { 2 مل 17 : 5 ، 6 ، 24 ؛ 41 } .
نماذج من القديسين :
اعرفوا
الآن يا إخوتي من هم الذين يتبعون شهواتِهم الرديئة ويقاومون ضمائرهن ولا تشاركوهم
يا أحبائي ؛ بل شاركوا جميع القديسين الذين رفضوا حتى الموت أن يخضعوا للخطية ؛
وأطاعوا ضميرهم الطاهر ؛ فورثوا الملكوت السماوي . فجميعهم أدركوا كمال النقاوة
كلٌ في جيله ؛ وصارت أسمائهم تذكاراً لجميع الأجيال .
مثال يعقوب :
فلنعتبر يعقوب الرجل المحبوب ؛ الذي أطاع
أبويه بحسب اللـه في كل شيء ؛ ذاك الذي بعد أن أخذ بركتهما أراد أن يرتحل إلى ما
بين النهرين طالباً ذرية ؛ لأنه لم يشأ أن يقتني أولاداً من بنات الكنعانيين
اللواتي أسأنَ إلى والديه .
فأخذ عصاه مع وعاء الزيت وذهب إلى الموضع الذي
يدعى بيت إيل ؛ الذي تفسيره بيت اللـه ؛ ونام هناك ؛ وفي الليل رأى في رؤية ؛
سلماً منصوباً في الأرض إلى السماء ؛ وملائكة اللـه تصعد عليها والرب واقف فوقها . {تك 28 : 1ـ25}
وهذه علامة لمن يبدأ خدمة اللـه : ففي
البداية يستعلن له منظر الفضائل ؛ ولكنه إن لم يتعب
من أجلها ؛ فلن يصل إلى اللـه .
وقام يعقوب وقطع عهداً مع
اللـه أن يكون خادماً له ؛ وشدده اللـه قائلاً : " إني أكون معك وأحفظك
" .
ثم
مضى ما بين النهرين ليختار من هناك زوجة ؛ ولما رأى راحيل ابنة أخي أمه أحبها ؛
وخدم من أجلها سبع سنين .
لكنها
لم تعطَ له قبل أن يأخذ ليئة أولاً ؛ ومكثت راحيل عاقراً إلى أن أكمل من أجلها سبع
سنين أخرى . {تك28: 15ـ29: 30}
فهذا
هو المعنى: " ما بين النهرين " دعيت هكذا لأنَها كائنة بين نَهرين؛
الأول يدعى "دجلة" والثاني "الفرات"؛ الأول يجري نحو
الأشوريين؛ والثاني الفرات ليس عدواً بل بالعكس نحن ندعوه الذي يصب في الراحة
والسرور
فنهر الدجلة يرمز إلى الإفراز والتمييز ؛ أما
الفرات فيرمز إلى التواضع .
ليئة رمزاً للأعمال الجسدية ؛ وراحيل رمزاً
إلى التأمل الحق .
هذه الأمور تحدث للإنسان
الذي هو فيما بين النهرين ؛ لكي بالإفراز تكمل أعمال الجسد ؛ التي تقاوم حقد
الأشوريين ؛ ولكن بالاتضاع يقتني التأمل الحقيقي .
لكن راحيل لم تلد له أولاداً قبل أن تلد ليئة
جميع أولادها ؛ وقبل أن يخدم سبع سنوات أخرى من أجل راحيل
. {تك31:29ـ35}
وهذا هو المعنى : إن لم يكمل الإنسان كل
الأتعاب ( النسكية ) لن يُنعم عليه بالتأمل الحقيقي .
كان له امرأتان ؛ لكنه أحب راحيل أكثر من ليئة
؛ لأن عيني هذه كانتا ضعيفتنان ؛ أما راحيل فكانت حسنة
جداً .{تك27:29}
فبقوله
أن عيني الأولى كانتا ضعيفتان يعني : أن الإنسان طالما هو في أعمال الجسد لا يرى
مجد التأمل الحقيقي .
لأنه
ينبغي للعدو أن يخلط أعمال الإنسان بالكرامة البشرية ؛ لكنه لا يحب أن يضطرب قلبه
بسببها .
لما توقفت ليئة فترة عن إنجاب الأولاد ؛ أعطت
جاريتها زلفة لزوجها فعادت تنجب أولاداً ؛ ودعت اسم الولد أشير أي مغبوطاً .
ولما توقفت ليئة عن الإنجاب ؛ أفتقد اللـه راحيل.{تك30: 24ـ9}
وهذا هو المعنى : متى أخضعت الأعمال الجسدية
حواس ( الإنسان ) فتحررت من الأوجاع ؛ فإن التأمل الحقيقي يعلن أمجاده للنفس .
مع أن أولاد ليئة كانوا سنداً ليعقوب ؛
إلا أنه أحب يوسف أكثر من جميعهم .{تك37: 3،8}.
ويمكن القول بالمثل أنه وإن كانت الأعمال
الجسدانية تحرس الإنسان من العدو ؛ إلا أن التأمل الحقيقي هو الذي يوحده باللـه ؛
وهذا هو السبب في أن يعقوب لما رأى يوسف أراد أن يعود إلى أبويه ؛ لأنه علم أن
ابنه سيكون ملكاً على إخوته .
قد قيل أن يعقوب عندما عبَّر كل محلته مخاضة
يُبوق ؛ وبقى وحده على النهر ؛ تقبل بركة اللـه الذي قال له : لا يُدع اسمك فيما بعد
يعقوب بل إسرائيل .{تك32: 23ـ33}
لقد دعي يعقوب لأنه تعقب العدو لكي يستحق
البركة ؛ ويخلص حواسه التي كانت تحت سلطان العدو؛ فلما حررها تغير اسمه إلى
إسرائيل؛ أي النفس التي نظرت اللـه .
عندما تأتي النفس إلى رؤية مجد الألوهية
؛ يخاف العدو منها ويَرهبها .
هذا هو السبب الذي من أجله لما خرج عيسو
لملاقاة يعقوب وهو ممتلئ مرارة وغماً ؛ أبطل يعقوب باتضاعه قصد لشرير ؛ فلم يعد
عيسو يحاربه من بَعد ؛ لكونه قد ألقى نفسه أمامه
.{تك33: 1ـ4}
هكذا فإن العدو يحسد الإنسان حينما يرى
المجد العظيم الذي حصل عليه ؛ لكنه لا يستطيع أن يصنع به مضرة لأن اللـه هو الذي
يعينه ؛ كما هو مكتوب : أرجع إلى أرض آبائك وعشيرتك ؛ فأكون معك .
وأخيراً يأتي يعقوب إلى ساليم ؛ وهناك
يشتري حقلاً ويبني مذبحاً للرب الذي سمعه يوم الضيقة
.{تك33: 18ـ20}
واسم ساليم يرمز إلى السلام ؛ أي أن
الإنسان إذا ما جاز الحرب التي يناصره اللـه فيها ؛ فإنه يبلغ إلى السلام ؛ ويقيم
مذبحاً من اثني عشر حجراً ؛ ويقدم عليه من ثمر أتعاب خدمته في ما بين النهرين مع
الخيرات التي أقتناها في أرض الموعد .
مثال موسى :
وهذا هو موسى المحبوب أيضاً : عندما
أخرج الشعب من مصر ؛ وخلصهم من يد فرعون؛ وأجازهم البحر الأحمر ورأى موت جميع
أعدائه.
وعندما أرسل يشوع ليهلك عماليق ؛ بينما هو كان
واقفاً على قمت الجبل ويداه ثابتتان ؛ مستنداً على هارون وأور لكي لا تنخفضا
لعلامة الصليب ؛ عاد يشوع بعد أن هزم عماليق .
حينئذٍ أقام موسى مذبحاً من اثني عشر حجراً
فوق الجبل ؛ ودعى اسمه "الرب ملجأي ؛ لأن الرب يحارب عماليق بيده الخفية من
جيل إلى جيل". {خر17: 8 ـ 15}
فاسم ( عماليق ) يرمز إلى الضجر ؛ لأن
الإنسان حين يبدأ في قطع مشيئته تاركاً عنه خطاياه راجعاً إلى اللـه ؛ يلاقيه
الضجر من بداية جهاده أول ما يلاقيه ؛ مريداً أن يردَّه إلى خطاياه مرة أخرى .
ولكن ( مداومة ) العشرة مع اللـه هي التي
تلاشيه ؛ أما الوسيلة التي تُقتنى بِها هذه العشرة فهي : ضبط النفس ( والتعفف ) ؛
وما يحفظ ضبط النفس هو الأعمال الجسدية ؛ هذه هي التي حررت إسرائيل ؛ حينذاك يقدم
الإنسان الشكر للـه وهو يقول : إنني ضعيف ؛ لكن أنت يارب عوني من جيل إلى جيل .
مثال
إيليا :
هكذا أيضاً إيليا النبي العظيم ؛ فقد
يستحيل عليه أن يهلك جميع أنبياء البعل الذين قاوموه ؛ من قبل أن يظهر المذبح ذي
الاثني عشر حجراً ؛ ويرتب فوقه قطع الخشب التي يصب عليها الماء ويضع فوقها الذبيحة
المقدسة ؛ ومن قبل أن يرسل اللـه ناراً لتحرق المذبح وكل ما عليه .
تلك اللحظة التي فيها امتلأ ثقة مقابل أعدائه
؛ وعندما أهلكهم عن أخرهم ؛ قدم الشكر للـه قائلاً : " أنت يا اللـه هو (
العامل ) في كل ذلك " . لأنه مكتوب أنه جعل وجهه بين ركبتيه .
فالنفس إذا ضبطت حواسها بعناية ؛ فإنَها
تقتني عدم الموت ؛ وعدم الموت يقودها إلى تلك الأمجاد التي يعلنها لها اللـه .
فإذا كان غلام إيليا لما تطلع لم يرى واحداً
من السبعة أوجاع قائماً لمح وقتذاك غيمة صغيرة قدر كف إنسان صاعدة من ماء البحر (
التي هي راحة الباركليت المقدس ) ؛ هكذا فإن عدم الموت هو تكميل كل جهاد صادق ؛
وعدم العودة إلى شيء مما طلبنا من أجله المغفرة .
لأن اللـه إذا قبل جهاد الإنسان ؛ يجعله آمناً
من العدو ؛ عندئذ لا يجرؤ أعدائه فيما بعد أن يقفوا مقابله ؛ لأنَهم حين يدركون أن
مشيئتهم ليست بداخله ؛ يتبددن من تلقاء أنفسهم ؛ كما هو مكتوب : " أنتم تدعون
باسم آلهتكم ؛ وأنا ادعوا باسم الرب إلهي ؛ والذي يجيب بنار هو الرب الإله "
.
وعلى هذا المنوال يكون شأن العدو من كل
ما يزرعه في الإنسان الذي لا يستسلم له ؛ فالأعداء لا يستطيعون أن يكملوا مشيئتهم
فيه ؛ باستخدام كل قوتِهم ؛ لأن رجل اللـه لا يطيعهم ولا يوافقهم في قلبه ؛ بل
يجعله ثابتاً في مشيئة اللـه ؛ كما هو مكتوب : " تدعون باسم آلهتكم ؛ وأنا
فادعوا باسم الرب إلهي " ؛ فلأن مشيئتهم لم تكن فيه ؛ لذلك لم يسمع لهم اللـه
في شيء .
الخاتمة
الصلاة المستجابة :
وهذه الأقوال لم تكتب من أجلهم فقط ؛ بل من
أجل جميع الذين يتبعون مشيئة اللـه ؛ ويحفظون وصاياه ؛ كما أنَها حدثت لهم ؛ لتكون
لنا مثالاً ؛ وكتبت لإنذارنا نحن الذين نقتفي آثار خطواتِهم .
لقد جاهدوا لكي يدركوا عدم الموت ؛ هذا الذي
حفظهم من كل سهام العدو ؛ لأنَهم ألقوا نفوسهم تحت حمي اللـه سائلين معونته ؛ غير
جاعلين اتكالهم على أي عمل أو جهاد أكملوه .
لقد كان حفظ اللـه لهم كمدينة حصينة ؛ لأنَهم
علموا أنَهم بغير معونة اللـه عاجزون ضعفاء؛ كما أن اتضاعهم جعلهم يقولون مع
المرتل: " إن لم يبن الرب البيت ؛ فباطل تعب البنائين ؛ إن لم يحرس الرب
المدينة ؛ فباطل سهر الحراس " . {مز1:126}
فإذا رأى اللـه أن النفس تطيعه بكل قوتِها ؛
وأنه ليس لها من سند غيره وحده ؛ فهو يشددها قائلاً : لا تخف يا يعقوب ابني ؛
إسرائيل الصغير . {أش14:4} .
وأيضاً : لا تخف لأني فديتك ؛ دعوتك
باسمك ؛ أنت لي ؛ إذا جزت المياه فأنا معك ؛ والأنْهار فلا تغمرك ؛ إذا مشيت في
النار فلا تلذع ؛ واللهيب لا يحرقك ؛ لأني أنا الرب إلهك ؛ قدوس إسرائيل مخلصك .
{أش43: 1ـ3} .
فمتى أدركت النفس هذه الأقوال المطمئنة
تتحدى العدو قائلة : من يخاصمني ؟ من يقف أمامي ؟ من هو الذي يدينني فليتقدم إليَّ
؟ هوذا السيد الرب يعينني ؛ فمن هو الذي يؤذيني ؟ هوذا كلكم كالثوب تبلون ؛
وكالصوف يأكلكم العث . {أش50: 8 ـ 9} .
اللـه قادر أن يجعلنا مع أولئك الذين
اقتنوا الاتضاع وحفظوه ؛ وجعلوه لهم عوض خوذة ؛ وحصناً مقابل كل سهام العدو ؛
بنعمة اللـه الذي له المجد والقوة والعزة ؛ إلى أبد الآباد آمين .
تعاليم نافعة
لفائدة الذين يريدون أن يعيشوا
معاً في سلام
إن مضيتم معاً في طريق ؛
فاهتموا في كل شيء بمراعاة مشاعر الأخ الضعيف بينكم ؛ إن كان في حاجة إلى أن يجلس
قليلاً ؛ أو أن يأكل قبل الوقت .
إذا خرجتم للعمل معاً ؛
فليحرص كل منكم أن يكون فيما لنفسه ؛ وليس فيما لأخيه ؛ كأن يعلمَه أو يعطيه أوامر
.
إذا كنتم تعملون عملاً ما
في القلاية ؛ مثل بناء موقد أو أي شيء آخر؛ فأترك ما يقوم بالعمل ليعمله كما
يتراءى له ؛ ولكن إن سأل قائلاً : من أجل المحبة أروني كيف أعمل لأني لا أعرف ؟
وكان آخر يعرف ذلك ؛ فلا يؤخرن نفسه ويقول : لست اعرف . فليس هذا هو الاتضاع الذي
بحسب اللـه .
إذا رأيت أخاك يقوم بعمل ما
كيفما أتفق ؛ فلا تقل له : أنت تفسده . فإن طلب منك قائلاً: عرفني من أجل المحبة ؛
وسكتَّ أنت دون أن تُعَرفه؛ فليست فيك محبة اللـه ؛ لأنك تراع المكر .
إذا أعد أخوك طعاماً ولم
يكن جيداً ؛ فلا تقل له : أنت طبخته رديئاً ؛ لأن هذا موت لنفسك ؛ لكن أفحص نفسك
قائلاً : لو كنت أنت الذي سمعت هذا الكلام من آخر كم كنت تتضايق ؟ عند ذلك ستجد
راحة .
إذا كنتم تسبحون معاً وأخطأ
أحدكم في كلمة ؛ فلا تصححها له على الفور لكي لا تزعجه ؛ كذلك إن سقطت كلمة فليكن
؛ أما إذا طلب الأخ وقال : من أجل المحبة قلها لي . فذكره بِها .
إذا جلستم على المائدة
تأكلون شيئاً ؛ وكان بينكم من لا يرغب أن يأكل منه ؛ فلا ينبغي أن يقول : "
أنا لا أقدر أن آكل " . لكن ليغصب نفسه حتى الموت من أجل اللـه ؛ واللـه
يعطيه راحة .
إذا كنتم تعملون معاً في
عمل ما؛ وتركه واحد منكم بسبب فتور همته؛ فلا ينبغي أن يوجه أحد إليه اللوم ؛ بل
بالحري أظهروا له كل محبة ولطف.
إذا جاء عندكم إخوة ؛ فلا
يجب ( بصفة خاصة ) أن يسألهم أحدكم لمعرفة خبر قد يضركم ؛ فيتركون في قلايتكم علة
للطياشة ؛ أما إذا لم يستطيع أحدهم أن يمسك نفسه عن أن يقول لأحدكم كما قلت (
أموراً مؤذيةً ) ؛ فينبغي لمن سمعها ألا ينقلها لأحد من الإخوة ؛ بل أن يسكت حتى
يفحص أثرها منه ؛ لكي لا يملأ قلوبَهم بسم مميت .
إذا تغيبت وقتاً من أجل
ضرورة ؛ فلا تسأل أحدٍ عن أمر لا يهمك لكي تمكث في قلايتك سالماً ؛ وإن كنت قد
سمعت شيئاً دون إرادتك ؛ فلا تنقله لإخوتك عند عودتك .
إذا وُجدت في الخارج ؛ فلا
تجعل لك دالة مع أهل ذلك المكان الذي توجد فيه ؛ ذلك لكي يجدوا منفعة من مثالك ؛
ولا سيما من جهة سكوتك الخفي والظاهر .
جميع تلك الأوجاع تكون في
الضعيف بسبب تراخي قلبه ؛ لأنه لا يبصر خطاياه ؛ فمعونة اللـه مع الرجاء والوداعة
والضمير ( اليقظ ) وقطع الهوى ؛ وغصب الإنسان لذاته في كل أمر .
هذه جميعها تخص الاتضاع ؛
أما الكبرياء وعدم الوفاق ؛ والاعتقاد بأنك أكثر معرفة من أخيك ؛ ودوسك لضميرك غير
مبال إن كان أخوك يتألم بسببك ؛ وقولك : " وما شأني أنا به " ؛ كلها
علامة قسوة القلب .
إذا كنت تقوم بعمل يديك ثم
دخلت قلاية أخيك ؛ فلا تحسب إن كنت قد اشتغلت أكثر منه أو أن يكون قد أشتغل أكثر
منك . إذا كنت تعمل مع شخص ضعيف فلا تنافسه خفية ؛ مريداً أن تعمل أكثر منه .
إذا كان أخوك يعمل عملاً
ويتلفه ؛ فلا تقل له شيئاً ؛ إلا إذا سألك : " اصنع معي محبة يا أخي وعرفني
" ؛ فإن كنت تعرف ومع ذلك تسكت فهذا موت لك .
إذا كنت تعمل عمل يديك ؛
فمهما كان ذلك العمل أبذل جهدك ألا تعرف قدر ما عملته أو ما عمله أخوك خلال
الأسبوع ؛ لأن هذا عدم لياقة .
إذا ذهبت إلى عمل مع إخوتك
؛ فلا تشتهي أن يعرفوا أنك عملت أكثر منهم؛ لأن كل عمل يعمله الإنسان في الخفاء هو
ما يقبله اللـه منه.
إذا جاوبك أخ بكلمة صعبة
بقلة صبره ؛ أحتملها بفرح ؛ وإذا فحصت نفسك بحسب حكم اللـه فسوف تجد أنك قد أخطأت
.
إذا كنت ساكناً مع إخوة ؛
وفكرت أن تتنسك عن الطعام ؛ قل لفكرك : " الضعيف الذي هنا هو معلمي " ؛
أما إذا رغبت في نسك زائد جداً ؛ فخذ لنفسك قلاية صغيرة وحدك ؛ ولا تزعج أخاك
الضعيف .
إن أتاكم أخ غريب ؛ وسمعتم
من يقول عنه أنه محب للظهور ؛ فلا تجتذبوه بالأحاديث بقصد أن يظهر لكم عيبه .
احذروا أن تعملوا أي عمل
تعرفون أن أخاكم إذا تبينه حزن .
إذا أردت أن تحصل على شيء
تحتاج إليه ؛ فلا تتذمر على أخيك وتقول : لماذا لم يهتم بأن يعطيه لي من ذاته ؟
لكن قل له بكل صراحة وبساطة : من أجل المحبة أعطني هذا الشىء لأني محتاج إليه
" . فهذه هي حقاً نقاوة القلب المقدسة ؛ لأنك إذا لم تقل ذلك وتمرمرت ولُمت
أخاك في قلبك ؛ فإنك تجلب على نفسك دينونة .
إن عرض لكم سؤال عن ( تفسير
) قول من الأسفار الإلهية ؛ فليت من يعرف ذلك ويفهمه يحاول قدر استطاعته أن يبسط
وجهة نظره لأخيه عاملاً على إراحته بسرور ؛ فالتفسير المطلوب هو هذا : إتضاعك أمام
أخيك .
ليت من يتأمل قضاء يوم
الدينونة العتيد أن يُفحص فيه ؛ أن يعمل ما في استطاعته ؛ لكي لا يستد فمه دون أن
يجد ما يجيب به عن نفسه في تلك الساعة الرهيبة .
لا تطلبوا أن تستقصوا عن
أعمال هذا العالم ؛ لئلا تصيروا مثل المرحاض الذي يُلقي فيه كل واحد ما في جوفه ؛
حيث تفوح رائحة نتنه للغاية .
بل بالحري كونوا مذبحاً
للـه في الطهارة ؛ لترفعوا فوقه بخور الصباح وبخور المساء بلا انقطاع ؛ بواسطة
الكاهن الداخلي ؛ حتى لا يبقى المذبح بغير بخور أبداً .
وابذلوا كل جهد أمام اللـه
؛ لتطلبوا كل يوم أن يمنحكم البساطة والنقاوة ؛ ويبعد عنكم كل ما يضاد ذلك ؛ أعني
: المكر ؛ الحكمة الشيطانية ؛ الفضول ؛ محبة الذات ؛ وخبث القلب ؛ لأن هذه كلها
تُهلك كل أتعاب من يسلك فيها .
وختام القول إذا كان
الإنسان خائفاً اللـه بمعرفة وكانت أذناه خاضعة لضميره وفق مشيئة اللـه ؛ فسيعلمه
اللـه في الخفاء أكثر مما قلته بكثير .
أما إذا كان رب البيت
غائباً عنه ؛ فإن ذلك الإنسان الشقي يُترك لمشيئته الخاصة ؛ وكل من أراد أوحى إليه
بما يريد ؛ ذلك لأن قلبه ليس خاضعاً لسلطان سيده ؛ بل لأعدائه .
إذا أردتم الخروج لعمل شغل
يسير ؛ فلا يحتقرن الواحد منكم الآخر ويخرج وحده ؛ تاركاً أخاه يُعذّب من ضميره في
قلايته ؛ بل فليقل له بمحبة : أتريد أن نخرج ؟ فإن لاحظ أن أخاه مُتعَب في تلك
اللحظة أو أن جسده متوعك ؛ فلا ينازعه قائلاً : ينبغي أن نخرج الآن . بل ليتأخر
قليلاً ويعود إلى قلايته بالمودة التي هي ثمرة الإشفاق .
وأن كان أحد ساكناً مع أبيه
أو أخيه فلا ينبغي أن يأخذ برأي أحد من الخارج ؛ بل ليلجأ في كل شيء إلى ذاك الذي
يسكن معه ؛ فإن هذا هو السلام والخضوع .
إن كنت مقيماً مع أبيك أو
أخيك ؛ فلا تكن لك صداقة في السر مع أحد ؛ ولا تكتب في الخفاء رسائل لا ترغب أن
يعرفها الإخوة الذين معك؛ لأن في ذلك خسارة لك ولهم .
إذا كنت ساكناً مع آخر أكبر
منك فلا يجب أن تقوم بعمل إحسان لفقير دون أن تستشيره أولاً ؛ فلا تفعل ذلك في
غفلة منه .
إذا كنت تسأل بخصوص أفكارك
؛ فلا تسأل بعد أن تكون حققتها ؛ بل أعرض الأمر الذي يقاتلك في حينه ؛ إن كان
يحركك لترك موضعك ؛ أو أن تتعلم عملاً يدوياً ؛ أو أن تغيره ؛ أو أن تسكن مع قوم
أو أن تتركهم ؛ وأسأل ذلك بصراحة من قبل أن تعمل شيئاً .
من جهة أمراض النفس أو
الأوجاع الجسدية التي لا تزال تجاذبك لا تسأل بشأنَها كما لو كنت قد امتنعت عن
ممارستها بل أسأل عن جرحك قائلاً : لقد جرحت فعلاً . وذلك لكي يُقَدَّم لك العلاج
المناسب لجرحك.
إذا تحدثت عن أفكارك فلا تكن مرائياً بقولك
شيئاً بدلاً من شئ آخر؛ أو كما لو كان الأمر قد حصل لشخص آخر ؛ لكن أذكر الحقيقة
وأعدد نفسك للعمل بحسب كل ما يقال لك ؛ إن لم تفعل ذلك فإنك إنما تخدع نفسك ؛ وليس
الشيوخ الذين تسألهم .
إن سألت الشيوخ عن حرب ما ؛
فلا تطع فكرك بأن تعمل أزيد مما يقوله لك الشيوخ ؛ بل صلِّ إلى اللـه أولاً قائلاً
: اصنع معي رحمة وألهم آبائي أن يقولوا لي ما تريده . ثم أعمل بإيمان حسب كل ما
يقوله لك الآباء فيعطيك اللـه راحة .
إن كنت مقيماً مع إخوة ولم
تجد راحة لسبب من الأسباب ؛ إما من أجل عمل اليدين ؛ أو من أجل تضيُّق ؛ أو من أجل
الراحة ؛ أو لأنه ليس لديك الصبر الكافي ؛ أو بسبب الضجر .
وإما لأنك تريد أن تقيم في
الوحدة ؛ أو لكونك لا تستطيع أن تحمل النير ؛ أو لكونك لا تستطيع أن تتمم مشيئتك ؛
أو لأنه ينقصك ما هو ضروري ؛ أو أنك تريد أن تلتزم بإماتات زائدة ؛ أو لأنك مريض
وليس بمقدورك أن تحتمل التعب .
أو أيّا كان السبب الذي
يضغط على قلبك ويدفعك للرحيل ؛ فأحرص ألا تقتنع بالرحيل طارحاً عنك النير ؛ أو أن
تغادرهم في حزن .
أو أن تَهرب سراً في الضيقة
؛ أو وقت تلومون فيه بعضكم بعضاً ؛ وليت المودة الأخوية لا يحجبها عنك تذكار الشر
.
ولكن أنتهز بالأحرى فرصة
سلام لكي يجد قلبك راحة حيثما تذهب ؛ وعُد باللوم على نفسك لكي لا تأتي باللائمة
على الإخوة الذين كنت تسكن معهم .
ولا تسمع لأعدائك فتؤوَّل
أعمال الإخوة الصالحة إلى رديئة متبرئاً هكذا من خطاياك ؛ راغباً أن تتستر على
خطاياك وراء خطايا أخيك ؛ لأنك بذلك تقع تحت تسلط أعدائك في أي مكان تسكن فيه .
إذا مضيت إلى موضع لتسكنه
فلا يجب أن تتخذ لك بسرعة قلاية لتقيم فيها قبل أن تتعرف على الحياة التي
يعيشونَها في ذلك الموضع ؛ فربما لا تكون موافقة لك ؛ سواء بسبب الاهتمامات أو
لأنك سترى أشخاصاً معينين ؛ أو بسبب الكرامة ؛ أو الراحة ؛ أو بسبب الضرر الناتج
من أصدقائك . فإن كنت حكيماً فإنك تستطيع أن تفطن إلى ذلك كله في أيام قليلة ؛
وترى إن كان الأمر لموتك أو لحياتك .
إذا أعرت قلايتك لأحد
الإخوة لكي يقضي فيها بضعة أيام ؛ فلا تعتبر أن أخاك آنذاك تحت سلطانك . إذا أخذت
قلاية لتقضي فيها بعض الوقت؛ فلا تَهدم أو تبني فيها شيئاً دون أن تسأل أولاً الذي
أعارك القلاية إن كان ذلك يرضيه أم لا ؛ لأن هذا عدم تمييز .
إن سكنت مع آخر " ولو
لمدة عابرة " وأعطاك أمراً ما ؛ فأحذر من أجل اللـه أن تحتقره أو أن تعصاه ؛
سواء في الخفاء أو العلانية .
إذا أردت أن تعتزل في
قلايتك وألزمت نفسك بشىء وقت تناولك الطعام ؛ كأن لا تأكل طبيخاً أو أي شيء آخر ؛
فأحرص إذا خرجت خارج القلاية ألا تقول لأحد حال جلوسك على المائدة : اغفر لي لأنني
لا آكل من هذا . لأن كل تعبك إذ ذاك يضيع بلا منفعة في يدي أعدائك .
فإن المخلص معلمك يقول :
أعمل في الخفاء ؛ وأبوك الذي يراك يجازيك علانية . والذي يحب أعماله ؛ ينبغي أن
يحرص ألا يتلفها .
إن كنتم تعملون معاً عملاً
ما ؛ فلا تكشف غلطة لاحظتها خارجاً عند آخرين ؛ لا تضعها على فمك لتقولها للإخوة ؛
"حتى إن كنت حكيماً " لأن هذا موت لنفسك .
إن كنت مقيماً مع إخوة
يكدحون طوال النهار ؛ فخفف عنهم بأن تقدم لهم الطعام قبل الوقت .
لا تنظر لنفسك بل كن
منتبهاً إلى دينونة اللـه ؛ وأجعل اللـه أمام عينيك في كل عمل تعمله .
إذا مضيت لتسكن في موضع ؛
سواء على انفراد أو مع الذين أتوا قبلك؛ ورأيت عندهم صنعة أو أعمالاً مخسرة أو
ضارة أو ليست رهبانية ؛ فلا تفتح فمك لتنتقدها ؛ فإذا لم تمتنع تلك الأمور فأنتقل
إلى موضع آخر ؛ وأحفظ لسانك ألا تغتاب من تركتهم ؛ لأن في هذا موتك .
إذا كنت في تعب من الأوجاع
؛ فأحرص ألا تدع أحداً يكشف لك أوجاع أفكاره ؛ كما لو كنت شخصاً جديراً بالثقة ؛
لأن هذا العمل يصير هلاكاً لنفسك .
إذا عرض بينكم كلام مثير
للضحك ؛ فاحرصوا ألا يُسمع ضحككم ؛ لأن هذا علامة فقدان التأدب ؛ وانعدام مخافة
اللـه ؛ وإشارة إلى أن السهر والتيقظ لا يوجدان فيكم .
إذا كانت أيامنا قد أتى
فيها الغضب على العالم ؛ فلا تجزعوا من جهة كل ما تسمعونه ؛ ولكن قولوا في قلوبكم
: وماذا يكون هذا بالمقابلة مع الموضع الذي نستحق أن نذهب إليه بسبب خطايانا ؟
من أجل محبة اللـه أقرءوا
هذا ( الكلام ) لكي تحفظوه ؛ لأنه ليس هيناً أن يمارس المؤمن عملاً به بعض العيب ؛
فإذا اعتنيتم بذلك ببساطة ومعرفة ؛ فإنكم تمضون فرحين إلى راحة ابن اللـه .
أما إذا لم تلاحظوا ذلك
فستكونون في شقاء هنا ؛ وعندما تخرجون من الجسد تؤخذون إلى العقاب المكتوب .
فإن معلمنا المسيح سيأتي من
أجل ما قلته ؛ ولكن قسوة قلوبنا أعمت عيوننا بسبب شهوات قلوبنا التي نفضلها على
اللـه ؛ وليس لنا من نحوه محبة مثل ما لشهواتنا .
هوذا قد التزمت بأن أكتب
لكم مرة ثانية عن هذه الأمور إذا لم تكفكم كتابتي السابقة ؛ لهذا فمن أجل المحبة
جاهدوا منذ الآن ولا تمكثوا غير مختونين في قلوبكم ؛ بل التجئوا إلى معينكم الأمين
؛ في القليل الباقي من أيامكم .
إن راعيتم ذلك ؛ فهذا هو
الاتضاع والسلام ؛ والصبر وقطع المشيئة والمحبة .
أما إذا لم تحفظوه بل كان
فيكم الحسد والخصام ؛ والشقاق والكبرياء ؛ والملامة والتذمر أو العصيان ؛ فأنتم
تضيعون زمانكم في البؤس والشقاء ؛ وسوف تمضون حتماً إلى العذاب عند خروجكم من
الجسد .
فلهذا يا أحبائي؛ أحبوا
إخوتكم بمحبة مقدسة؛ واحرسوا ألسنتكم؛ فلا يخرج من أفواهكم أي كلام دون تروٍّ لكي
لا تجرحوا مشاعر إخوتكم .
الرب الإله قادر أن يمنحنا
جميعاً ؛ أن نكمل ونحفظ ذلك ؛ كي نحظى بالرحمة من قبل نعمته ؛ مع جميع القديسين
الذين أرضوه ؛ لأن له المجد والكرامة والسجود ؛ الآن وكل أوان ؛ وإلى دهر الدهور .
آمين
من
أجل الذين يريدون أن يعيشوا في وحدة حقيقية ؛
ويسهرون
على نفوسهم ؛ ويطردون الذين يسلبونهم
فلا تضيعون زمانهم في الطياشة ومرارة العبودية
لأن هؤلاء يشغلون قلوبهم بأمور لا تناسبهم
محبة فحص الأسفار المقدسة
بفضول تولد الحقد والخصام ؛ بينما البكاء على خطاياك يجلب السلام .
المتوحد الجالس في قلايته
إن ترك خطاياه ليفحص بغير فطنة في الأسفار المقدسة فذلك خطية ؛ فالذي يشغل قلبه في
السؤال : ماذا يعني الكتاب ؟ أهذا الأمر أم ذاك ؟ من قبل أن يصير مُلماً به ؛ فهو
متجاسر القلب وخاضع لعبودية عظيمة ؛ أما من يحرص ألا يقع في العبودية فيجب عليه أن
يطرح نفسه كل يوم قدام اللـه .
الذي يطلب تصويراً للـه
يجدف على اللـه ؛ أما الذي يطلب أن يكرم اللـه فهو يفضل الجهل في مخافة اللـه ؛
الذي يحفظ أقوال اللـه يعرف اللـه {1يو3:2} ؛ ويتمم الوصايا كمثل إنسان مدين للـه
.
لا تفحص أمور اللـه العالية
بينما ( لا تزال ) تطلب من معونته أن يأتي إليك ويخلصك من خطاياك ؛ لأن أمور اللـه
تأتي من نفسها إذا كان المكان طاهراً ونقياً .
الذي يتكل على معرفته ويذهب
وراء مشيئته يقتني العداوة ؛ ولا يقدر أن يفلت من الروح الذي يجلب للقلب الكآبة .
كل من يرى الأسفار الإلهية
ويكملها بحسب معرفته الخاصة ويتكل عليها بقوله : هكذا هي . مثل هذا يجهل مجد اللـه
وغناه ؛ أما من يحفظها ويقول : أنا لا اعرف إنما أنا إنسان . هذا يعطي المجد للـه
؛ وغنى اللـه يسكن فيه بقدر مقدرته وفهمه .
لا تكشف أفكارك لكل أحد ؛
بل لآبائك فقط ؛ لئلا تجلب عليك كآبة القلب . أحفظ فمك لكي يتكرم قريبك في عينيك .
علم لسانك بمعرفة أقوال
اللـه فيبتعد عنك الكذب ؛ محبة المجد البشري تولد الكذب ؛ ورفضه باتضاع ينمي في
القلب مخافة اللـه .
لا تشته أن تصاحب عظماء هذا
العالم؛لئلا يصغر في عينيك مجد اللـه.
إذا أغتاب أحد أخاك أمامك
وحقره وأظهر حقده له ؛ فلا تستمع له لئلا يجتذبك إلى ما لا تريده .
بالبساطة وعدم اعتبار المرء
لذاته ؛ يتنقى القلب من الشر .
الذي يسلك بالمكر مقابل
أخيه ؛ لا تبرح عنه كآبة القلب .
الذي يقول شيئاً ويخفي
شيئاً آخر في قلبه بخبث ؛ فكل خدمته باطلة . لا تلتصق بمثل هذا الإنسان لئلا تتلوث
بخبثه النجس ؛ رافق الأطهار (البسطاء) لكي تشترك في مجدهم ونقاوتَهم .
لا تضمر لأي إنسان أذية؛
لئلا تجعل أتعابك باطلة . نقِّ قلبك من جهة الكل ؛ لكي تجد سلام اللـه داخلك ؛
فكما أن العقرب إذا لدغت أحداً فإن السم يستشري في جسمه كله حتى يصل إلى قلبه ؛
وهكذا أيضاً يفعل في القلب سوء النية نحو القريب ؛ فإن سمه يؤذي النفس ويجعلها في
خطر .
فالذي يهتم ألا يتلف أعماله
؛ ليقضي عنه في الحال هذا العقرب أي الخبث وسوء النية .
ثلاث فضائل تحفظ العقل دائماً وهو محتاج إليها :
ثلاث فضائل أخرى إذا أقتناها العقل يثق بأنه قد بلغ عدم الموت
:
@ الإفراز الذي يميز بين شيء وآخر . @ التبصر في الأمور قبل الإقدام عليها
ثلاث فضائل تشع في العقل ضوءاً على
الدوام هي :
@ أن
لا يعرف شر إنسان . @ أن يصنع الخير
لمن يسئ إليه .
@ وأن
يحتمل بلا انزعاج كل ما يحدث ( له ) .
هذه
الفضائل الثلاثة تولد ثلاثاً أخرى أعظم منها :
@ فالذي لا يعرف شر إنسان ؛ يقتني المحبة
.
@ ومن يفعل الخير لمن يسئ إليه ؛ يقتني
السلام .
@ ومن يحتمل بلا انزعاج كل ما يأتي عليه ؛
ينال الوداعة .
أربع فضائل تنقي النفس :
@ السكون . @ حفظ الوصايا . @ المسكنة . @ والاتضاع .
يحتاج العقل دائماً إلى هذه الفضائل
الأربعة :
@ الصلاة للـه مع السجود الدائم . @ طرح الإنسان نفسه أمام اللـه .
@ أن يكون بلا هم من جهة كل إنسان لكي لا
يدينه .
@ وأن يصير أصم مقابل أفكار الأوجاع .
أربع فضائل تقوي النفس ؛ وتجعلها في مأمن من
بلبلة الأعداء :
@ الرحمة . @ عدم الانغلاب للغضب . @ الصبر .
@ طرح كل بزور للخطية ترد عليها . ومقاومة
النسيان تحفظ جميع ذلك .
أربع
فضائل هي عون ( الراهب ) الشاب بنعمة اللـه :
@ الهذيذ الدائم ( في ناموس اللـه )
. @ العزيمة ( النشاط في الصلاة ) .
@ السهر ( الدائم ) . @ وأن لا يعتبر نفسه شيء .
أربعة أشياء تدنس النفس :
@ المشي في المدن بلا تحفظ
العينين . @ التعرف على النساء .
@ مصادقة عظماء العالم . @ محبة الخلطة بالأقرباء
الجسديين .
أربعة تثير في الجسد النجاسة :
@ النوم بلا قياس . @ الأكل حتى الشبع .
@ اللعب والمزاح . @ تزين الجسد .
أربعة
أشياء تظلم النفس :
@ مقت
القريب . @ الازدراء به . @ الحسد . @ التذمر .
أربعة
أشياء تجعل النفس مقفرة :
@ الطواف
من موضع إلى موضع . @ محبة اللهو .
@ الرغبة
في القنية .
@ البخل
.
أربعة
أمور تضرم فيك الغضب :
@ الأخذ
والعطاء . @ الاعتداد بالرأي .
@ محبة
تعليم الآخرين . @ ظنك في نفسك إنك حكيم .
ثلاثة
أمور يقتنيها الإنسان بصعوبة ؛ وهي تحفظ جميع الفضائل :
@ النوح
. @ البكاء على الخطايا . @ وأن يجعل موته قدام عينيه .
ثلاثة أمور تتسلط على النفس التي لم تبلغ إلى
الكمال ؛ ولا تدع الفضائل مكاناً في القلب :
@ السبي
. @ التواني . @ النسيان .
فالنسيان
يحارب الإنسان إلى النفس الأخير إذ يسلمه للقتالات ؛ وهو أقوى من جميع الأفكار ؛
ويولد جميع الشرور ؛ ويهدم في كل وقت جميع ما يبنيه الإنسان .
أعمال
الإنسان الجديد والعتيق :
تلك هي أعمال الإنسان الجديد ؛ وأعمال الإنسان العتيق ؛ والذي يحب
نفسه لكي لا يهلكها ؛ فليلاحظ كل ما للإنسان الجديد ؛ والذي يطلب الراحة في هذا
الزمان اليسير ؛ يطلب ويكمل ما للإنسان العتيق ؛ ويهلك نفسه .
الذين
يهلكون نفوسهم في هذا العالم :
إن ربنا يسوع المسيح إذا أظهر الإنسان الجديد في جسده يقول : من يحب
نفسه يهلكها ؛ ومن يهلكها من أجلي يجدها {مت39:10} .
ومع أنه رئيس السلام الذي بواسطته نُقض حاجز العداوة إلا أنه يقول:
ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً ؛ كما قال أيضاً : جئت لألقي ناراً على الأرض وأريد
الآن أن تضطرم {لو49:12} ؛ يعني بِهذا نار لاهوته (تعمل) في أولئك الذين يتبعون
تعاليمه المقدسة ؛ ويجوزون سيف الروح {أف 17:6} الذين يقطعون كل مشيئات الجسد ؛
ويهبهم الفرح أخيراً بقوله لهم : سلامي أترك لكم سلامي أعطيكم {يو37:14} .
هؤلاء هم الذين يهتمون بإهلاك نفوسهم في هذا العالم بقطعهم مشيئتهم ؛
فيستحقون أن يصيروا له كخراف مقدسة للذبيحة .
وحينما يظهر في مجد لاهوته يدعوهم إلى يمينه قائلاً : تعالوا إليَّ
يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم ؛ لأني كنت جائعاً
فأطعمتوني . هؤلاء هم الذين يهلكون أنفسهم في هذا الزمان القليل ؛ ليجدوها في ساعة
الضيقة إذ ينالون مكافأة أكثر بكثير مما كانوا يتوقعون .
نَهاية
الخطاة :
أما الذين أكملوا مشيئتهم ( شهواتِهم ) ؛ فهم الذين راعوا أنفسهم في
هذا الدهر مخطئين ؛ وانخدعوا بغناه الباطل دون أن يهتموا بحفظ وصايا اللـه ؛
لأنَهم ظنوا أنَهم يمكثون إلى الأبد في هذا الدهر .
وهكذا سيظهر عملهم وخزيهم ساعة الدينونة ؛ ويصيرون جداء ملعونة ؛ إذ
يسمعون ذلك الحكم المملوء رعباً القائل : أبعدوا عني
يا ملاعين إلى الظلمة الخارجية الأبدية ؛ المعدة لإبليس وملائكته ؛ لأني جعت فلم
تطعموني {مت:41:25} .
سوف تستد أفواههم فلا يجدون ما يقولونه ؛ لأنَهم يتذكرون قساوة
قلوبِهم وبغضهم للفقراء . وإذ ذاك يقولون : يارب متى رأيناك جائعاً ولم نخدمك ؟
ولكن سوف تستد أفواههم إذ يجيبهم قائلاً : من فعل خيراً لأحد أولئك المؤمنين بي ؛
فبي قد فعل {مت:41:25} .
ينبغي لكل
واحد أن يكمل الوصايا على قدر استطاعته :
فلنفحص نفوسنا إذاً يا أحبائي ؛ إن كان كل منا
يكمل وصايا اللـه بحسب قدرته أم لا ؛ لأننا جميعاً مطالبون بأن نحفظها بحسب
استطاعتنا ؛ الصغير على قدر صغره ؛ والكبير على قدر قامته .
لأن جميع الذين ألقوا عطاياهم في الخزانة كانوا أغنياء ؛ لكنه سُرَّ
بالأكثر بالأرملة الفقيرة صاحبة الفلسين ؛ لأن اللـه إنما ينظر إلى مشيئتنا
الصالحة {مر41:12} .
فلا نفسحن في قلوبنا مكاناً للضجر ؛ لئلا يفصلنا حسد الشياطين عن
اللـه ؛ بل لنكمل واجباتنا على قدر مسكنتنا .
لأنه كما أظهر شفقته نحو ابنة رئيس المجمع وأقامها {مت25:9} ؛ هكذا
تحنن أيضاً على نازفة الدم التي أنفقت كل أموالها على الأطباء قبل أن عرفته
{مت22:9} .
كما أنه شفى عبد قائد المائة بسبب إيمانه {مت23:8} ؛ هكذا أشفق على
الكنعانية إذ شفى ابنتها {مت28:15} .
وكما أقام لعازر حبيبه {يو4:11} ؛ كذلك أقام للأرملة المسكينة ابنها
الوحيد من أجل دموعها {لو15:7} .
وكما لم يحتقر مريم التي دهنت قدميه بالطيب {يو15:7} ؛ هكذا أيضاً لم
يرفض الخاطئة التي دهنتهما بالدموع مع الطيب {يو3:12} .
وكما دعا بطرس ويوحنا من القارب قائلاً لهما : هلمَّ ورائي {مت30:4}
؛ هكذا دعا متى وهو جالس مكان الجباية {مت9:9} .
وكما غسل أرجل تلاميذه؛كذلك أيضاً غسل رجلي يهوذا دون تفرقة.
وكما حل الروح البارقليط على الرسل {أع4:2} ؛ حل أيضاً على كرنيليوس
دون تردد {أع11:10} .
وكما ألزم حنانيا من أجل بولس قائلاً : هذا لي إناء مختار {أع15:6}
هكذا أيضاً ألزم فيلبس في السامرة من أجل الخصي الحبشي {أع27:8} لأن ليس عند اللـه
محاباة {رو11:2} لصغير أو كبير ؛ لغني أو فقير .
لكنه يطلب النية الصالحة ؛ والإيمان به ؛ وتكميل وصاياه ومحبة
الجميع. فهذه حقاً هي ختم النفس وقت خروجها من الجسد بحسب التعليم الذي أعطاه
لتلاميذه قائلاً : بِهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم لبعض
{يو35:13} .
وإلى من يشير بقوله "يعرفونكم" إلا على القوات التي على
اليمين وعلى اليسار ؛ لأنه إذا رأت القوات المضادة علامة المحبة منطبعة على النفس
يبتعدون عنها مرتعدين ؛ بينما يفرح معها جميع القوات السمائية .
جبل كلمة
اللـه :
فلنجاهد إذاً يا أحبائي على قدر قوتنا لكي نقتني المحبة حتى لا
يعوقنا أعدائنا ؛ فإن الرب قال : لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل . {مت12:5}
فعن أي جبل يتكلم سوى كلامه المقدس .
أنه من الواجب يا أحبائي أن نعمل أعمالنا بغيرة ومعرفة مكملين قوله :
من يحبني يحفظ وصاياي {يو23:14} . حتى تصير لنا أعمالنا كمدينة آمنة حصينة تحفظنا
في كلمته من أيدي جميع أعدائنا إلى أن نلقاه .
لأننا إذا وجدنا ملجأً وطيداً ؛ فإن جميع أعدائنا يضمحلون بفضل كلمته
المقدسة التي هي ذلك الجبل الذي قطع منه بغير يدين ؛ الحجرُ الذي حطم تمثال الذهب
والأربعة عناصر : الفضة والنحاس والحديد والفخار {دا 34:2} .
كما يقول الرسول : ألبسوا سلاح اللـه الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد
مكائد إبليس . فإن مصارعتنا ليست هي مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين ؛ مع
ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر ؛ مع أجناد الشر التي في السماوات . {أف 6 : 11 ـ
12}
فتلك
الرئاسات الأربعة قد شُبهت بالتمثال المصنوع من الأربعة عناصر الذي هو العدو ؛
وكلمة اللـه القدوس قد حطمها حسب القول : أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً
كبيراً وملأ الأرض كلها .
فلنلتجئ يا إخوتي تحت حمايته لكي يصير لنا
ملجأ فيخلصنا من قوات الشر الأربعة تلك ؛ لكي نسمع نحن أيضاً الصوت الفرح بصحبة
جميع القديسين المجتمعين أمامه من أربعة أركان الأرض ؛ لأن كل واحد منهم يدرك
سعادته بحسب أعماله .
لأن
اسمه القدوس قادر أن يكون معنا لكي يقوينا فنكمل عمله ؛ ولكي لا نترك قلبنا تضله
الأعداء بالغفلة ؛ بل يحفظنا لكي نحتمل على قدر قوتنا كل ما يعرض لنا من أجل اسمه
القدوس ؛ حتى نجد رحمة مع أولئك الذين استحقوا أن يحظوا بتطويبات ؛ لأن له المجد
إلى دهر الدهور ؛ آمين .
C
أقوال مأثورة
قال أنبا إشعياء : أشبه نفسي أحياناً بحصان لا
صاحب له كل من يجده يركبه ؛ وإذا تركه يستولي عليه آخر ويعتليه .
وقال أيضاً : إنني أشبه إنساناً أصطاده أعدائه
وقيدوه وطرحوه في حفرة مملوءة وحلاً فإذا صرخ نحو ربه فإنَهم يوسعونه ضرباً لكي
يجعلونه يسكت
وقال أيضاً : إنني أشبه عصفوراً أمسكه طفل
وربط رجله فإذا أطلقه يطير في الحال متخيلاً نجاته ؛ ولكن إذا أجتذبه الطفل فهو
يسقط ثانيةً .
على هذا الحال أرى نفسي ؛ وما أريد أن أقوله
هو أنه ينبغي أن لا يتهاون أحد قط إلى أخر نسمة من حياته .
وقال أيضاً : إذا أقرضت إنساناً شيئاً ما
وتركته له فقد تشبهت بطبيعة يسوع ؛ وإذا طالبته به فقد تشبهت بطبيعة آدم ؛ أما إذا
أخذت ربحاً تكون قد سلكت مخالفاً لطبيعة آدم .
وقال أيضاً : إذا أتَهمك إنسان من أجل شيء
فعلته أو لم تفعله فإن سكت فقد صرت متشبهاً بطبيعة يسوع ؛ فإذا أجبت وقلت : وماذا
فعلت أنا ؟ فليس هذا موافقاً لطبيعته ؛ وإذا جاوبت بكلمة مقابل كلمة فهذا مخالف
للطبيعة .
وقال أيضاً : حينما تقوم بخدمة صلواتك ؛ إن
قدمتها بالاتضاع معتبراً نفسك غير مستحق ؛ صارت مقبولة عند اللـه .
أما إذا تعاليت في قلبك متذكراً شخصاً آخر
ينام أو يهملها صار عملك باطلاً .
وقال عن الاتضاع :
ليس للتواضع لسان يقول عن أي إنسان ما أنه متهاون ؛ أو أنه حقير ؛
وليس له عينان ليلاحظ عيوب الآخرين ؛ ولا أذنان ليسمع الأمور المؤذية للنفس ؛ وليس
له انشغال بأحد ما خلا أن ينشغل بخطاياه .
وبالأكثر جداً فالمتواضع محب للسلام مع جميع الناس من أجل اللـه ؛
وليس من أجل محبة ( أو ألفة بشرية ) .
وقال : أنه إذا صام إنسان ستة أيام من السبعة ؛ وباشر أعمالاً عظيمة
وركن إلى تعاليم غريبة عن هذا السبيل تصير كل أعماله باطلة .
وقال أيضاً : إذا أقتنى إنسان أداة لاستعمالها ثم حدث أنه لم يجدها
حين احتياجه لها ؛ فاقتناؤه لها يكون بغير منفعة ؛ هذا يشبه من يقول : إنني أخاف
اللـه ؛ وحينما يحتاج إلى خوف اللـه تجده إذا تكلم يغضب .
أو يؤكد في تعليمه لآخر بما لم يصل إليه بعد ؛ بسبب ( محبة ) المجد
البشري واهتمامه بسمعته بين الناس ؛ وبسبب جميع الأوجاع الأخرى ؛ لأنه إذا لم تظهر
منه مخافة اللـه في هذه الأوقات بصفة خاصة فجميع أعماله تصير باطلة .
وقال أيضاً : ما لم يكن ربنا
يسوع المسيح قد شفى أولاً جميع أوجاع الإنسان الذي جاء من أجله ؛ لَما صعد إلى
الصليب .
فمن قبل مجيء الرب في الجسد ؛ كان الإنسان أعمى أصم أبكم مفلوجاً ؛
أبرص وأعرج ؛ يعاني الموت بسبب كل ما هو مخالف للطبيعة . فلما أشفق علينا وأتى
بيننا ؛ أقام الميت وجعل الأعرج يمشي ؛ والأعمى يبصر ؛ والأخرس يتكلم ؛ والأصم
يسمع ؛ وأقام الإنسان الجديد متحرراً من جميع الأسقام ؛ وإذ ذاك أرتفع على الصليب
وعُلق معه لِصان .
فالذي كان عن اليمين مجده وتوسل إليه قائلاً : اذكرني يارب متى جئت
في ملكوتك والذي على اليسار جدَّف عليه .{لو44:22} .
وإيضاح ذلك هو هكذا : من قبل أن تستيقظ النفس من غفلتها ؛ فهي تكون
مع العدو ؛ فإذا أقامها ربنا يسوع المسيح من غفلتها وأعاد لها البصر فابتدأت تميز
كل الأشياء ؛ تستطيع أن تصعد على الصليب .
حينئذٍ يداوم العدو التجديف بأقوال صعبة مؤملاً أن يضعف النفس وتكف
عن أعمالها ؛ وتعود مرة أخرى إلى غفلتها .
هذه هي حالة اللصين الذين فصل بينهما ربنا يسوع المسيح من جهة
ميولهما المشتركة ؛ فالواحد منهما جدَّف مؤملاً أن يثنيه عما يقصده ( أي يتخلص من
آلام الصليب والموت ) {لو39:23} .
بينما داوم الآخر الابتهال حتى سمعه قائلاً له : اليوم تكون معي في
الفردوس ؛ فانطلق إلى الفردوس وأكل من شجرة الحياة .
وقال أيضاً عن الشركة المقدسة ( التناول ) : إننا ندعوها اتحاداً
باللـه؛ فحينما نكون مغلوبين للأوجاع " الغضب والغيرة والكرامة البشرية
والمجد الباطل والبغضة أو أي وجع آخر " ؛ فنحن بعيدون عن اللـه ؛ فأين هو
إذاً الاتحاد باللـه ؟ وقال أيضاً : إذا كنا نؤدي صلواتنا وبعد هذا يثور في قلبنا
أحد الأوجاع نكون قد تعبنا باطلاً لأن اللـه لن يتقبلها .
قال إلى أحد الشيوخ : لماذا لا تُقاتل يا أبي ؟ أجاب قائلاً : إذا
نزل المطر على أرض مزروعة ( ألقي بِها البذار )
فإنَها تنبت ؛ لكن إذا لم يكن بِها بذور فكيف تقدر أن تنبت ؟
وقال أيضاً : إذا جاهد إنسان لكي يطرد من قلبه أموراً تخالف الطبيعة
فهي لا تعود تتحرك فيه .
فاللـه يريد من الإنسان أن يتشبه به في كل شيء ؛ ولهذا السبب أتى
وتألم لكي يبدل قساوة طبيعتنا ويبطل أهوائنا ومعرفتنا الكاذبة التي استولت على
نفوسنا .
لأن الحيوانات التي لا عقل لها حفظت طبيعتها الخاصة بِها بينما
غَيَّر الإنسان طبيعته .
لهذا كما أن الماشية تخضع للإنسان بالمثل ينبغي على كل إنسان أن يخضع
لقريبه من أجل اللـه ؛ فأنه من أجل هذه الغاية أتى الرب .
فأنظر إذاً كم تفْضُلك الماشية أنت الذي تتكل على معرفتك الكاذبة .
فإذا كنت بالتالي أريد العودة إلى الحالة الطبيعية ينبغي أن أسلك
كالبهيمة التي ليس لها مشيئة خاصة ولا معرفة .
ليس مع الذي يشاركني في مقصدي ورأيي ؛ بل وأيضاً مع الذي يقاومني ؛
لأن هذه هي مشيئة اللـه .
فالذي يُريد حقاً أن يدرك راحة القلاية دون أن يضيعها منه العدو ؛
فليبعد من الناس في كل شيء ؛ لكي لا يلوم أحداً أو يمدحه ؛ أو يزكيه أو يدعوه
مغبوطاً ؛ أو ينادي بصلاحه ؛ أو يسبب له حزناً في أي أمر من الأمور ؛ أو يطلع على
عيوبه .
كما ينبغي أن لا يترك في قلبه حركة أو فكر يدفعه إلى البغضة مقابله ؛
ولا يهلك معرفته بسبب الجاهل ونيته من أجل الأحمق .
فأمتحن نفسك حينئذٍ وأنت تعرف ماذا يضرك .
أما الذي يتكل على بره الذاتي ؛ ويتمسك برأيه ؛ فلا يستطيع أن يفلت
من العدو ؛ أو يجد الراحة ؛ أو يرى ما الذي ينقصه ؛ وعندما يخرج من جسده بالجهد
يجد رحمة .
وجُلَّ الأمر هو أن تداوم الالتصاق باللـه بشدة من كل قلبك ؛ ومن كل
قوتك ؛ وتقتني شفقة نحو الجميع ؛ وتلازم النوح والصلاة للـه ؛ لكي تُحفظ بمعونته
ورحمته .
وقال أيضاً من أجل تعليم وصايا اللـه للقريب :
كيف أعلم إذا كنت قد صرت مقبولاً أمام اللـه حتى أقول لآخر : أفعل
هذا الأمر أو ذاك . بينما أنا نفسي أقدم دينونة من أجل خطاياي .
فالإنسان إذا سقط مرة يصير تحت التوبة ؛ ولا يكون في مأمن طالما لم
يعرف إذا كان قد وُهب الغفران ؛ فالخطية قد ارتكبت بالفعل أما الرحمة فهي من
اختصاص اللـه وحده ؛ لذلك فقلبك لا يقدر أن يصرف عنه الاهتمام ؛ إلى عندما نقف
أمام منبر اللـه .
إذا أردت أن تعرف إن كانت خطاياك قد غفرت لك فهذه هي العلامة: إذا لم
يثر في قلبك شيء مما أخطأت فيه ؛ أو إذا كلمك إنسان عنها ولم تعد تعرفها بعد ؛
تكون قد نلت الرحمة فعلاً .
أما إذا كانت مازالت تحيا فيك ؛ أردعها وأبكِ عليها ؛ فالخوف والرعدة
والرعب ؛ هو أن لا تَهتم من أجلها قبل أن تتراءى أمام منبر اللـه .
إذا سألك إنسان أن تعلمه شيئاً وعرضت نفسك للموت في سبيل أن تعرفه
بالجواب ؛ فإذا جاء مرة أخرى يسألك الشىء نفسه دون أن ينتفع بما قلته له ؛ فهو
بالتأكيد لم يفعل ( كما قلت ) .
فأبتعد إذاً عنه لئلا يسبب موتاً لنفسك ؛ لأنه أمر عظيم للإنسان أن
يتخلى عما يبعد له صلاحاً بحسب اللـه ؛ وأن يحفظ كلام من يعلمه وفق مشيئة اللـه .
هكذا فعل رجل اللـه أنبا نستيروس الذي كان يرى مجد اللـه ؛ كان يسكن
مع أبناء أخته وما كان يأمرهم بأي أمر ؛ بل كان يترك كل واحد منهم لمشيئته الخاصة
؛ فإن سلكوا مستقيماً أو ردياً لم يكن يهتم بِهم .
وكان يقول عن قايين وهابيل : أنه لم يكن الناموس بعد؛ ولا الأسفار؛
فمن علمهم أن يعملوا هذا الأمر أو ذاك ؟ لهذا فإن كان اللـه لا يُعَلم الإنسان ؛
فباطلاً تعب من يتعب .
وقال أيضاً : إذا حدثك إنسان بأقوال غير نافعة فلا يجب أن تنصت لها
لئلا تتسبب في هلاك نفسك ؛ ولا تخجل من أن تحزنه وتقاطع كلامه قائلاً: أنني لا
أتقبل هذا الكلام في قلبي .
فلا تقل هذا : لأنك لست أفضل من خليقة اللـه الأولى التي جبلها بيده
؛ فأهرب إذاً دون أن تشتهي سماع شيء ؛ وأحذر حال هروبك بالجسد أن تطلب معرفة ما
قيل ؛ لأنك إذا كنت قد سمعت جانباً من الحديث فالشياطين لا يتغاضون عن الشىء الذي
سمعته لكي يهلكوا به نفسك ؛ فإن هربت فليكن هروبك كاملاً .
وقال أيضاً : على ما أرى فإن محبة الكسب والكرامة والراحة ؛ تتصارع
مع الإنسان حتى موته .
وقال أيضاً : تعليم القريب سقوط للنفس ؛ وشهوة تَهذيبه بطبيعة خيِّرة
هو خراب عظيم للنفس ؛ كذلك عندما تُعَلم قريبك قائلاً : أفعل هذا أو ذاك . انظر
إلى نفسك واذكر أنك أمسكت معولاً لتهدم به مسكنك ؛ فيما تريد أن تبني مسكناً لآخر
.
قال أيضاً : يا لشقاء النفس التي أخطأت بعد المعمودية المقدسة ! إن
مثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يكون بلا هم .
لأنه في حال التوبة لكونه قد أخطأ جسدياً ؛ أو سرق ؛ أو فعل أي خطية
أخرى ؛ سواء بواسطة عينيه بالتطلع إلى جسد آخر بشهوة ؛ أو أنه تجرأ أن يأكل شيئاً
في السر وهو يتطلع ألا يراه أحد ؛ أو أنه عبث بمحتويات حافظة استودعها آخر عنده
ليعرف ما بِها ؛ فإن من يتصرف هكذا يهين يسوع .
حينئذٍ سأله واحدٌ : أهكذا الأمر خطير يا أبي ؟
فأجابه قائلاً : إن الذي ينقب جداراً ويأخذ مالاً فهو قد انخدع من
العدو ؛ وهكذا الحال مع هذا ؛ لأن من غلب واحداً فقد غلب الآخر ؛ والذي ينغلب في
الأمور الصغيرة ينغلب أيضاً في الكبار .
وقال أيضاً : إن عمل إنسان معجزات عظيمة وأشفية ؛ وإن كان له كل
العلم ؛ وإن أقام الموتى ؛ ثم سقط في خطية ؛ فمنذ ذلك الوقت لا يستطيع أن يكون بلا
هم لأنه تحت التوبة .
وإن كان يمارس أعمالاً عظيمة ( للتوبة ) ثم يحتقر شخصاً آخر رآه
يرتكب خطية ما أو إهمالاً ؛ فكل توبته تصير باطلة ؛ ذلك لأنه ازدرى بأحد أعضاء
المسيح فحكم عليه ولم يترك الحكم للديان الذي هو اللـه .
وقال أيضاً : نحن جميعاً كما لو كنا في مستشفى ؛ الواحد يشكوا من ألم
في عينيه ؛ والآخر يشكوا من قرحة ؛ وهناك أمراض من كل نوع ؛ حقاً توجد جروح قد
التأمت ؛ ولكن إن أكل المريض شيئاً ضاراً تنفتح من جديد ؛ هكذا الحال من كان في
التوبة ويدين ويحتقر آخر فقد ضيع توبته ثانية .
والذين في المستشفى يقاسون
من آلام متنوعة ؛ فإن صرخ واحد فهم تحت وطأة ألمه هل يسأله آخر: لماذا تصرخ؟ ألا
يفكر كل واحد في ألمه الخاص؟
هكذا إذا كان ألم خطاياي أمامي ؛ فلن أنشغل بآخر يخطئ ؛ والذين
يلزمون الفراش أمام الطبيب؛ كل منهم يحترس ألا يأكل شيئاً ضاراً بجرحه.
ويحٌ للنفس التي تريد أن تَهزم جميع الخطايا لأنَها ستواجه ضيقات
كثيرة من الذين يبغضونَها ويتقدمون لملاقاتَها ؛ ولهذا فهي في حاجة إلى شكر كثير
ولعمل النعمة في كل شيء .
فالشعب حين كان في مصر ؛ كانوا يأكلون ويشربون حسب ما يريدون ولكن
كعبيد لفرعون ؛ وحينما أرسل الرب لهم عوناً أي موسى لكي يخلصهم من فرعون كانوا إذ
ذاك مقهورين ومكروبين .
وأثناء كل الضربات التي جلبها اللـه على فرعون لم يكن موسى متأكداً
بعد من خلاصهم ؛ إلى أن جاء الوقت حيث قال له اللـه : ضربة واحدة أيضاً أجلب على
فرعون وتقول له : أطلق شعبي لأني مزمع أن أضرب بكرك .
وإذ ذاك فقط حصل موسى على اليقين . وقال له اللـه : تكلم سراً في
مسامع شعبي أن يطلب كل رجل من صاحبه ؛ وكل امرأة من صاحباتِها ؛ أمتعة فضة وأمتعة
ذهب وثياباً ؛ وتضعونَها على أعناق أولادكم فتسلبون المصريين . وبعض هذه الأشياء
صارت نافعة في صنع خيمة الاجتماع .
وأضاف : يقول الشيوخ إن أمتعة الفضة والذهب ؛ وكذلك الثياب هي الحواس
التي كانت في خدمة العدو ؛ هذه هي التي إذا لم يستردها الإنسان من العدو لكي تثمر
للـه ؛ فإن ستر راحة اللـه لن تحل عليه ؛ أما إذا استخلصها من العدو فأثمرت للـه ؛
فإن ستر اللـه يحل عليه ؛ فالسحابة لم تغطِ الخيمة قبل اكتمالها ؛ بل غطتها بعد أن
صارت كاملة .
كذلك الهيكل أثناء إقامته ؛ لم تغطه السحابة طالما كان ينقصه شيء ؛
لكن حينما أكمل وأدخلوا فيه دماء وشحوم الذبائح ؛ أشتم اللـه رائحتها وحينئذٍ غطت
السحابة المسكن .
معنى ذلك أن الإنسان إذا لم يحب اللـه من كل قوته وبكل فهمه ولم
يلتصق به بكل قلبه ؛ فلن يحل عليه ستر راحة اللـه .
وقال أيضاً : إن أرد العقل أن يصعد على الصليب قبل أن تشفى الحواس من
أمراضها يأتي عليه غضب اللـه ؛ لأنه جسر على عمل يفوق قامته ؛ قبل أن يكون قد شفى
حواسه .
إذا اشتدت عليك النجاسات ووافقتها وقبلت ما يتولد منها دون أن تبكت
نفسك بقلب محزون ؛ فهذا مخالف للطبيعة الآدمية .
أما إذا غَلب قلبك الخطية حقاً ؛ وأبتعد من كل ما يولدها ؛ ووضَعت
عقابِها نصب عينيك عالماً أن حارسك يسكن معك ؛ ولم تحزنه في أي شئ بل تبكي أمامه
قائلاً : الرحمة هي من عندك يارب لكي تخلصني ؛ أما أنا فلست قادراً أن أفلت من
أيدي أعدائي بغير معونتك ؛ كذلك إذا أنتبه قلبك ألا تحزن من يعلمك وفق مشيئة اللـه
؛ فهذا يكون مطابقاً لطبيعة يسوع ؛ وهو يحفظك من كل شر . آمين .
D
الميمر التاسع
وصايا للذين تركوا العالم
إن كنت قد تركت العالم ؛ وقربت نفسك للـه لتتوب ؛ فلا تدع فكرك يزعجك
من جهة خطاياك القديمة كما لو كانت لم تُغفر لك ؛ ولا تحتقر بعد الوصايا ؛ وإلا
فلن تُغفر لك خطاياك القديمة .
احفظ هذه إلى الموت ولا تحتقرها : ألا تأكل مع امرأة أو تصاحب
صبياناً ؛ إذا كنت شاباً لا ترقد مع آخر على فراش واحد ما خلا أخيك أو أبيك ؛
وليكن هذا بمخافة ودون تَهاون .
لا تخطئ بعينيك عندما تخلع ثيابك .
إن دعتك الضرورة لشرب الخمر فخذ إلى ثلاثة كؤوس ؛ وإياك أن تحل هذه
الوصية لأجل الصداقة .
لا تسكن في موضع أخطأت فيه أمام اللـه .
لا تُهمل صلواتك لئلا تقع في أيدي أعدائك .
أجهد نفسك في تلاوة المزامير؛ فإنَها تحفظك من الطياشة في النجاسة .
أحبب كل أنواع الإماتات ؛ فتذلل جميع أوجاعك .
أحذر أن تعتبر نفسك شيئاً في أي أمر من الأمور ؛ فيتسنى لك أن تبكي
على خطاياك .
احتفظ من الكذب فهو يبعد عنك مخافة اللـه .
لا تكشف أفكارك لكل الناس ؛ لئلا تسبب عثرة لقريبك ؛ أكشف أفكارك
لآبائك لكي تحيطك نعمة اللـه .
أجهد نفسك في عمل يديك ؛ ليسكن خوف اللـه فيك .
إذا رأيت أخاك قد زلَّ ولم يقوده ذلك للموت ؛ فلا تحتقره لئلا تقع في
أيدي أعدائك. أحذر لئلا تسبى بتذكار خطاياك القديمة؛ لئلا تتجدد فيك.
أحبب الاتضاع فهو يحفظك من الخطية .
لا تكن مشاكساً لئلا يسكنك كل الخبث .
ضع في قلبك طاعة آبائك ؛ فتسكن فيك نعمة اللـه .
لا تكن حكيماً في عيني نفسك ؛ لئلا تسقط في أيدي أعدائك .
عود لسانك دائماً أن يقول : اغفر لي . فيأتيك الاتضاع .
إذا جلست في قلايتك أهتم على الدوام بِهذه الأمور الثلاثة :
عمل اليدين . الهذيذ . الصلاة .
تأمل كل يوم قائلاً : ليس لي سوى هذا اليوم أحياه في هذه الدنيا ؛
عندئذ لم تخطئ أمام اللـه . لا تكن نَهماً في الأطعمة ؛ لئلا تتجدد فيك خطاياك
القديمة . لا تصغر نفسك في أي عمل لئلا تُهاجمك قوات العدو .
أغصب نفسك في هذيذك ؛ فتأتيك سريعاً راحة اللـه .
لأنه كما أن البيت الخرب خارج المدينة يُلقى فيه كل نتن ؛ كذلك نفس
الراهب المبتدئ الكسول تصير مأوى لكل وجع معيب .
أغصب نفسك في صلوات كثيرة بدموع ؛ لعل الرحمة تدركك وتخلصك من
الإنسان العتيق الذي أخطأ .
ثبت نفسك في هذه كلها ؛ لأن التعب ؛ والمسكنة ؛ والغربة؛ والإماتة؛
والسكون ؛ تولد الاتضاع ؛ والاتضاع يغفر الخطايا كلها .
إلهنا وربنا الصالح أنت القادر أن تجعلنا قادرين أن نقرأ ونكمل هذا ؛
كي نحظى بالرحمة مع القديسين الذين حفظوا هذه الوصايا . آمين .
الميمر العاشر
أقوال أخرى
لقد أظهر اللـه لبطرس الرسول المغبوط أنه ينبغي ألا يحكم على أي
إنسان بأنه دنس أو نجس .
فما دام قلب الإنسان مقدساً ؛ يصير الجميع في عينيه مقدسين . أما من
كان قلبه في الأوجاع ؛ فليس إنسان طاهراً عنده ؛ بل هو على العكس يحكم على حالة كل
واحد بحسب الأوجاع التي في قلبه .
كذلك إذا قال له إنسان : هذا الإنسان صالح يغتاظ للوقت في قلبه ؛
فاحرصوا إذاً ألا تلوموا أحداً لا بالفم ولا في القلب .
ما دام الإنسان متهاوناً مع نفسه ؛ فهو يظن في قلبه أنه صديق اللـه ؛
أما إذا كان متحرراً من الأوجاع ؛ فهو يستحي أن يرفع عينيه إلى السماء أمام وجه
اللـه ؛ لأنه يرى نفسه بعيداً جداً عن اللـه .
كان لإنسان خادمان وأرسلهما ليحصدا الحنطة من حقله ؛ وعين لكل واحد
منهما أن يحصد كل يوم سبعة أحواض ؛ فعمل الأول بكل جهده لكي يتم أمر سيده ولكنه لم
يحظى بتكميل المقدار الذي كان يفوق طاقته؛ أما الثاني فتملكه الغم وقال في نفسه :
من ذا الذي يستطيع مثل هذا العمل في يوم ؟
فأزداد تَهاوناً ولم يعمل ؛ بل كان تارة ينام؛ وتارة يجلس وتارة
يتثاءب؛ وأخرى يدور حول نفسه كالباب على صائده {أم14:26} وهكذا أضاع اليوم كله .
ولما أقبل المساء وتقدما إلى سيدهما الذي فحصهما كليهما ؛ مدح الخادم
الغيور وإن لم يستطع إكمال ما كلفه به ؛ وطرد عنه الصبي المهمل الكسلان .
فلا تصغرن نفوسنا إذاً في جميع الأتعاب والمحن ؛ بل لنعمل قدر ما
نستطيع ونجتهد بكل قوتنا ؛ ولي ثقة أن اللـه يقبلنا مع القديسين .
فيلزم للإنسان أن يصلي كثيراً أمام اللـه ؛ باتضاع عظيم بالقلب
والجسد ؛ ولا يحسبن شيئاً مما يعمله أنه حسن ولا يصدق مديحاً أو يحزن لمذمَّة ؛ بل
يقتني تذكار خطاياه ؛ ويصلح قلبه نحو أعدائه ولا يخرج من فمه كلام مُرَّ يقوله لهم
؛ ولا يغتابَهم أمام أصحابه .
أخيراً ينبغي للراهب أن يسد جميع منافذ نفسه ؛ حارساً كل حواسه لئلا
يسقط بسببها ؛ وأن يحفظ نفسه من الذين ينقلون إليه الأحاديث العالمية ؛ ومغبوط هو
الذي يلزم الاهتمام بخطاياه .
E
الميمر الحادي عشر
حبة الخردل
حبة الخردل مثال للمسيح :
إن مثل حبة الخردل كما قال الآباء يحمل سراً لكي نتمثل نحن بما يشير
إليه لأنه مكتوب : يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي
أصغر جميع البزور ؛ ولكن متى نمت فهي أكبر أشجار البقول ؛ حتى أن طيور السماء تأتي
وتتآوى في أغصانَها {مت13: 32 ـ 33} .
فلأن المسيح هو حبة الخردل فصفات حبة الخردل تنطبق عليه ؛ وهو يريد
أن يتشبه به الإنسان في كل شيء .
تفسير المثل :
لقد قال أنَها " أصغر جميع البزور " وذلك من أجل الاتضاع
الذي يجعل الإنسان يضع نفسه تحت الكل .
وكونَها " ملساء " : يشير إلى الوداعة والصبر .
أما " لونَها الأحمر الناري " فيرمز إلى الطهارة والنقاء
من كل دنس الجسد .
وهي من داخل ذات طعم لاذع إشارة إلى البغضة التي يجب أن نقتني مقابل
الشهوات ؛ لأنَها مرة للذين يشتهون هذا العالم .
والصفة الحسنة التي فيها لا تظهر إلا إذا " مضغت أو سحقت "
؛ وفي ذلك إشارة إلى الإماتة .
الذي يسحقها " تألمه عيناه " إشارة إلى تعب الأعمال .
وهي تستعمل " للأعضاء المائتة " لتمنع عنها تولد الرائحة
الكريهة .
فلنتأمل هذه الحبة ونتمثل بِها ؛ ونسارع لنملح أعضائنا المتوجعة لكي
نحفظها من النتن والدود .
الخاتمة :
إن هذا حقاً هو غاية تجسد ربنا يسوع ؛ أي أن نَهتم أن نقوم أنفسنا
متشبهين به حسب قدرتنا وأن نحفظ ذواتنا وفق مثاله .
هل نحن كتلك الحبة أي كيسوع في هيئته وفي تواضع قلبه ؛ في لطفه
ووداعته وعذوبته أم لا .
وهو برحمته قادر أن يقوينا حسب مشيئته ؛ لأن له المجد مع الآب والروح
القدس إلى دهر الدهور آمين .
G
الميمر الثاني عشر
عن الخمر
صناعة الخمر مثال للتقدم الروحي :
يوجد
في طبيعة الخمر سر خفي كما هو الحال في طبيعة الإنسان الذي يسعى لكي يتقابل مع
اللـه في الطهارة ؛ محافظاً على نقاوة أعماله حتى يقبلها اللـه بمسرة .
فالجرن
الذي يُحفظ فيه الخمر يُطلى بالقار جيداً ؛ وهذا مثال لطهارة الجسد الذي صارت جميع
أعضاؤه سليمة مقابل الأوجاع المخزية ؛ لأنه يستحيل على من كان عبداً ولو لشهوة
واحدة أن يخدم اللـه .
مثلما
هو غير ممكن أن يوضع الخمر في جرن لم تُطْلَ تماماً بالقار ؛ أو كان به تشقق .
كذلك فلنمتحن أنفسنا ؛ لأننا لا نستطيع أن نرضي اللـه إن كان فينا حقد أو عداوة
لأحد ؛ لأن هذه تعوق الإنسان عن التوبة .
في
البداية يتخمّر النبيذ : وهذا رمز للشباب ؛ فهو يكون مضطرباً إلى أن يبلغ الوقت
ويهدأ .
ثم
لا يصير خمراً إلا إذا وضع فيه قدر من الجبس بكمية محدودة كخميرة ؛ وهكذا فإنه يستحيل
على الشباب أن ينمو بحرية إرادته ما لم يتقبل من آبائه الخميرة التي بحسب اللـه ؛
أي أن يرشدوه إلى طريق ؛ إلى أن يمنحه اللـه نعمته فيبصر .
تترك
الخمر في البيت إلى أن تثبت ؛ وبالمثل يستحيل على الشاب أن يدرك الهدوء والاستقرار
بدون الاعتكاف والإماتة وكل أنواع الأتعاب وفق مشيئة اللـه .
إذا
تركت في الخمر بعض البذور أو الجراثيم ؛ تحولت إلى خل ؛ وهكذا طبيعة الشباب إذا
وجد وسط أهله حسب الجسد أو بين آخرين ممن لا يسلكون طريق نسكه ؛ فأنه يتلف التدبير
المسلم إليه من آبائه حسب اللـه .
حفظ الخمر :
يُحفظ
الخمر في الأرض كي لا يفسد أو يُتْلَف ؛ بالمثل إذا لم يقتنِ الشباب
التواضع في كل شيء ؛ فإن جميع أتعابه تكون باطلة .
إن كنا نتذوق الخمر كثيراً
نفسده ونتلف مذاقته ؛ كذلك فإن الإنسان الذي يستعرض أتعابه يبيد المجد الباطل كل
أعماله .
إذا تركنا فوهة وعاء الخمر
مفتوحة فالذباب الكريه يفسد الخمر ؛ وهذا ما تفعله الثرثرة والمزاح والأحاديث
الماجنة في النفس .
وإذا عرَّضنا الخمر للهواء
يتغير لونه وطعمه ؛ كذلك فإن الكبرياء تبيد كل ثمر الإنسان .
الخمر يُخبَّأ في المخازن
ويغطى بالقش ؛ وهذا هو تدبير الاعتكاف وإنكار الذات في كل شيء ؛ لأنه يستحيل على
الإنسان أن يحفظ أتعابه بدون السكون وإنكار الذات .
هذا هو كل ما يختص بصناعة
الخمر ؛ إلى أن يطيب للكرام فيفرح بثماره ؛ وهو مثال لما ينبغي على الإنسان أن
يكمله لكي تصير أعماله مرضية للـه .
وكما أنه يستحيل أن نقدر
نوعية الخمر دون أن نفتح الوعاء ونتذوقه ؛ هكذا أيضاً يستحيل على الإنسان أن يثق
بنفسه طالما هو كائن في الخوف؛ إلى أن يلاقي اللـه ويرى إن كانت أعماله كاملة .
وكما يحدث أن أي نضج في
الجرن يجعل الخمر تُهرق كلها على الأرض قبل أن يدرك صاحبها ذلك إن كان مهملاً ؛
كذلك فإن وجعاً صغيراً غير ملحوظ يهلك ثمر الراهب إن كان متغافلاً .
صلاة :
فلنعمل إذاً يا إخوتي قدر
استطاعتنا أن نتحفظ من الذين يتسببون في أذيتنا ؛ ورحمة اللـه ونعمته تمكننا أن
نقول في ذلك اليوم : لقد عملنا على قدر ضعفنا أن نَهتم بكل ما أوحي به ضميرنا ؛
لكن لك القوة والرحمة والمعونة ؛ وعندك الحماية والمغفرة وطول الأناة ؛ لأنه من
أكون أنا بين يدي الأشرار الذين خلصتني منهم ؟
ليس لي شيء أعطيك إياه
لأني خاطئ وغير أهل لعطاياك ؛ وقد حفظتني من أيدي أعدائي ؛ أنت هو ربي وإلهي ولكَ
المجد والإغاثة والرحمة والمعونة والقوة إلى دهر الدهور . آمين .
I
الميمر الثالث عشر
من أجل الذين يجاهدون
ويصلون إلى الكمال
الآيات التي أكملها الرب
قبل آلامه :
هذه هي الآيات التي أكملها
الرب يسوع قبل ارتفاعه على الصليب ؛ فهو قال : اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما
وسمعتما ؛ أن العمي يبصرون ؛ والعرج يمشون ؛ والصم يسمعون ؛ والبرص يطهرون ؛
والموتى يقومون ؛ والمساكين يبشرون ؛ وطوبى لمن لا يعثر فيَّ . { لو 7 : 22 ، 23 }
.
فيوحنا الذي عمَّد الرب
يسوع هو الذي تسلَّم هذه الرسالة التصويرية؛ لأنه كان لائقاً أن المُعَمَّد ( يسوع
) يُظهر سيرته ؛ وكثيرة هي الآيات التي أكملها الرب يسوع . { يو 20 : 30 } .
أما أن " العمي
يبصرون " فهذا يعني أن الذي يضع رجاءه في هذا العالم هو أعمى ؛ فإن هجره
وثبَّت رجاءه في الآتي فإنه يبصر .
كذلك فإن " العرج
يمشون " تشير إلى أن الذي يشتاق إلى اللـه ؛ ويميل كذلك إلى أفكار قلبه
الجسدية هو أعرج ؛ فإن تخلى عنها وأحب اللـه من كل قلبه فهو يمشي .
أما " الصم يسمعون
" فتبين أن الذي في الطياشة هو أصم بسبب السبي والإهمال ؛ فإذا أنتبه بمعرفة
فهو يسمع .
أما " البرص يطهرون
" كما هو مكتوب في ناموس موسى : لا يدخل نجس في بيت الرب { لا 15 : 31 } .
فيقصد بِهم كل من يحمل عداوة نحو القريب أو حقداً أو حسداً أو يغتابه ؛ فإذا تركوا
هذه يصيرون أطهاراً.
وبالإجمال : إذا أبصر
الأعمى ومشى الأعرج وطُهر الأبرص ؛ فإن الإنسان الذي كان ميتاً بسبب إهماله
وتوانيه ؛ يقوم ويصير منذ الآن جديداً ؛ ويبشر حواسه التي افتقرت إلى الفضائل
المقدسة ؛ هذه البشارة المفرحة ؛ أعني أنه الآن يبصر ويمشي وقد صار طاهراً ؛ وهذا
هو التبرر الذي تقدمه لمن عمَّدك .
وهذا ما تتضمنه المعمودية
: الإماتة في التواضع والسكون ؛ فقد كتب عن يوحنا أن لباسه كان من وبر الإبل
ومنطقة من جلد على حقويه {مت4:3} ؛ وأنه كان في البرية ؛ وهذه علامات الإماتة ؛
وهي أولاً تطهر الإنسان إذا سعى واجتهد ليقتنيها ؛ فإذا أقتناها يستطيع أن يرتفع
على الصليب بحريته .
والصليب علامة الخلود الذي
يتم الوصول إليه بالضرورة بعد أن تكون قد استدت أولاً أفواه الفريسيين والصدوقيين
.
فالصدوقيين هم رمز الشك وفقدان الرجاء ؛ أما
الفريسيين فهم مثال المكر والرياء والمجد الباطل كما هو مكتوب " ومن ذلك
اليوم لم يجسر أحد أن يسأل يسوع بته . " { لو 22 : 8 } .
وحينئذٍ أرسل بطرس ويوحنا
لإعداد الفصح { لو 22 : 8 } . وهذا لنا فيه مثال : لأن الروح عندما ترى أنَها لم
تعد منغلبة لأحد فهي تستعد للعبور إلى الخلود ؛ بتجميع حواسها لتجعلها جسداً
واحداً وتعتني بِها وتقوتَها وهي التي تأخذ منها دون فحص .
وبعد ذلك صلى يسوع قائلاً
: إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس في هذه الساعة . { مت 26 : 39 } . هذا القول هو
لنا : فالنفس إذا أرادت أن تصعد على الصليب ؛ تحتاج إلى صلوات كثيرة ودموع غزيرة .
كما ينبغي أن تنطرح أمام
اللـه كل حين طالبة معونة صلاحه لكي تقويها ويحفظها إلى أن تقيمها لحياة جديدة
مقدسة غالبة ( منتصرة )؛ لأن الحظر الكائن وقت الصليب عظيم ؛ ففي صلواتِها تحتاج
أن يكون بطرس ويعقوب ويوحنا معها الذي هم الإيمان الصادق ؛ بأس القلب ؛ والرجاء
ومحبة اللـه .
تفاصيل الآلام :
وهذا ما حدث من أجلنا
لمعلمنا نفسه وربنا وإلهنا المحبوب يسوع الذي صار لنا مثالاً في كل شيء كما قال
الرسول : لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته لعلي أستطيع أن أبلغ إلى
القيامة من الأموات .
المر الذي ذاقه لأجلنا {
مت 27 : 34 } ؛ هو لكي نبيد فينا كل الشهوات الرديئة ؛ ونسدَّ منافذها ؛ ولا نسمح
لها أن تتجاوز الجسد إلى تكميل الفعل .
الخل الذي ذاقه لأجلنا هو
لكي نبطل كل ادعاءاتنا وكل انفعالاتنا الباطلة .
البصاق الذي بُصق به عليه
من أجلنا هو لكي نبطل منا محبة الكرامة البشرية وكل مجد هذا العالم .
إكليل الشوك المضفر الذي
وُضع على رأسه هو مثال لنا لكي نحتمل الملامة التي تصادفنا ونتحمل كل حين الإهانة
دون أن نضطرب .
القصبة التي ضرب بِها على
رأسه لأجلنا هي مثال لنا لكي نلبس كل حين خوذة التواضع ونبطل كل كبرياء يثيره فينا
العدو .
يسوع قد سُلم ليجلد قبل أن
يُصلب ؛ لكي نستهين بكل هزءٍ وكل تعيير بشري .
اقتسموا ثيابه وألقوا
عليها قرعة : هذه تعني أنه مكث بلا اضطراب لكي نستهين نحن بكل خيرات هذا العالم
قبل أن نصعد على الصليب ؛ حسب ما يقول الرسول : قبلتم سلب أموالكم بفرح ؛ عالمين
في أنفسكم أن لكم غنى أفضل في السماوات { عب 10 : 34 } .
هذه هي الأمور التي ينبغي
أن يعملها الإنسان ؛ لكي يستطيع أن يصعد مع الرب على الصليب ؛ لأنك ما لم تعمل كل
ما عمله على قدر استطاعتك كإنسان ؛ فلن تقدر أن تصعد على الصليب .
على الصليب :
وكانت الساعة السادسة حين
صلبوه {يو 19 : 14 } .
إذ احتمل يسوع الصلب بكل
جراءة القلب من أجل خلاصنا ؛ صار لنا مثالاً لكي نتشجع نحن مقابل كل ضجر وجبن إلى
أن تموت الخطية ؛ حسب المكتوب : بالصليب قتل الخطية والعداوة فيه . {أف 2 : 16} .
ولما صارت الساعة التاسعة
صرخ بصوت عظيم إلهي إلهي لماذا تركتني { مت 15 : 34 } . هذا يُعلمنا أنه يعد
معاناة الضيقة التي تستوجبها الأوجاع حتى تبطل ؛ من ذلك الحين يجب أن نتمسك بالثقة
مع كل اتضاع والصراخ نحو اللـه .
وعند غروب الشمس سَلم روحه
{لو 23 : 44} . هذا مثال لنا أن النفس إذا صارت حرة في كل رجاء في الأشياء المرئية
التي لهذا العالم ؛ فهذه علامة أن الخطية قد ماتت فيها .
حجاب الهيكل قد أنشق إلى
اثنين من فوق إلى أسفل {مت 27 : 1} هذا مثال لنا أن النفس إذا تحررت تماماً (
بموتَها عن المرئيات) زال كل ما يحجب اللـه عنها .
الصخور تشققت ؛ والقبور
تفتحت {مت 27 : 52} هذا يعني أنه إذا كان هذا الموت هو موتنا ؛ فكل بلادة وضلال
وكل ما يثقل النفس يتحطم ؛ والحواس المائتة التي كانت تثمر للموت {رؤ 7 : 15} تشفي
وتنهض منتصرة .
الدفن والقيامة :
لف الجسد بكتان نقي مع
الأطياب {مت 27 : 29 ، يو 19 : 40} يعلمنا أن الإنسان الذي يُلَف بالطهارة بعد هذا
الموت ؛ يجد راحته في عدم الفساد .
وضع الجسد المقدس في قبر
جديد لم يوضع به أحد قط {يو19: 40} ودحرجة حجر كبير على الباب {مت 27 : 90} . هذا
مؤداه ؛ أنه إذا تحرر العقل من كل الأشياء الحاضرة وأحتفل بالسبت ؛ فهو يعيش في
عالم آخر مملوءاً أفكاراً جديدة يحرص على البعد من كل ما هو فاسد شاغلاً فكره
بالحقائق غير الزائلة .
وأخيراً : حيث الجثة هناك
تجتمع النسور {مت 24 : 28} ؛ وأيضاً إذ قام في مجد أبيه ؛ صعد إلى السماوات ؛ وجلس
عن يمين العظمة في الأعالي {عب 1 : 3} . هذه هي لأجلنا كقول الرسول : فإن كنتم قد
قمتم مع المسيح ؛ فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللـه . اهتموا بما فوق
لا بما على الأرض لأنكم قد مُتم {كو 3 : 1 ـ 3} .
إلهنا اسمه قدير مكرَّم ورحوم صار في كل شيء مثالاً للقديسين ؛ لكي
يعين ضعفنا ويجبر نقص قوتنا فنترك خطايانا ونجد رحمة مع الذين صاروا له أهلاً .
آمين .
مرثية
الخاطئ :
الويل
لي الويل لي ؛ لأنني لم أتحرر بعد مما هو لجهنم ؛ إن الذين يجتذبونني ما زال لهم
ثمارهم داخلي ؛ وجميع أعمالهم تتحرر في قلبي .
والذين
يطرحونني في النار مازالوا يشاغبون في جسدي أملين أن يصنعوا أثماراً . لم أتيقن
بعد إلى أي جهة يقودونني ؛ والطريق اليميني لم يعد لي بعد؛ إلى الآن لم أتحرر من
القوات التي تمسكني في الهواء طالبة أن تحتجزني بسبب الأعمال الشريرة التي لهم
فيَّ .
إلى
الآن لم أعاين مجيء الفادي ليخلصني منهم ؛ لأن شرهم مازال يثمر في داخلي ؛ إلى
الآن لم أجد دالة أمام الديان {يو 4 : 27} ؛ ولم يُشهد لي بعد أني لست مستوجباً
للموت ؛ إلى الآن لم أنفصل عن الأشرار .
المجرم المسجون :
الشرير لا يفرح إذا ألقي في السجن ! والذي
يُمسك في القيود لا يستطيع أن يعمل مشيئته ؛ والذي رُبط على الخشبة لا يُعلم آخرين
.
الذي
في الآلام لا يذكر راحته ؛ والمقيد بعنقه لا يجد شهوته في الأكل؛ كذلك لا يخطر على
باله أن يصنع شراً لكنه يذرف الدموع بحزن قلبه لأنه أخطأ في كل شيء ؛ أنه يقول عن
الشرور والعقوبات التي تصيبه :
نعم أني أستحقها . وهو يتوقع دائماً كيف ستكون
لحظات حياته الأخيرة ؛ ويتساءل أي عذابات تستوجبها خطاياه ؛ لم يعد قلبه يهتم بأن
يدين أحداً فحزن هذه الأهوال يغني ( يملأ ) قلبه .
ويا للحسرة ! لقد صار له التأمل مرّ المذاق .
لم يعد يشدد الآخرين لتحمل الضجر ؛ ولا صار له
اهتمام بالأكل ؛ لا يلتفت إلى عطف الذين يرثون لحاله ؛ لكونه لا يحس بمذاق عطفهم
لحزنه كونه أخطأ في كل شيء .
أنه لا يرد بغضب على الذين يهينونه ؛ ويحتمل
الآلام مظهراً أنه مستحق لها . ضحكة الأسنان
قد ابتعدت عنه {سي 19 : 3} ؛ وهو يهز رأسه متأوهاً لأفتكاره في كرسي القضاء المزمع
أن يظهر أمامه .
إذا سمع كلاماً لا يقول : حسناً أو بئس .
فسواء كان جيداً أو رديئاً لم تعد أذنه تصغي لذلك .
تسيل أجفانه دموعاً لسبب الآلام التي تضغطه ؛
وإن كان من عائلة نبيلة ؛ فإنه يتكدر بالأكثر بسبب الخجل أمام الذين سيرونه عند
الحكم .
الحكم والإدانة :
إذا أعدت المحاكمة لا تجده ينتبه إلى الحاضرين
إن كانوا صالحين أم أشراراً ؛ كما لا يهتم إن كان آخرون يشاركونه القيود ؛ ولا
يفحص معهم تدبيرهم الذي يتدبرون به ؛ لأن كل واحد سيحمل حمل نفسه .
حين يجتذبونه للحكم يتكدر وجهه ؛ ليس من يقول
كلمة واحدة من أجله خوفاً من العذاب ؛ وهذا يعترف بما عمله ويتحقق من أنه قد أدين
بعدل من أجل الخطايا التي أقترفها .
إلى متى أظل ثملاً دون أن أشرب خمراً ؛ فلا
أبالي بما هو أمامي ؟ إن قساوة قلبي قد أضعفت عيناي ؛ سكر همومي أثقل رأسي ؛ وشرود
ذهني جعلني أنسى حتى ساعة الظلمات . احتياجات الجسد قيدتني واليأس دفعني إلى أن
أترك الطريق .
لم يعد لي من صديق يتكلم من أجلي ؛ وليست لي
هدية أتوجه بِها لرجال المدينة . خبر سيئاتي يمنعهم من أن يتعرفوا عليَّ ؛ إن
توسلت إليهم لا يلتفتون إليَّ ؛ لأنَهم يرونني أنني لم أتوقف بعد عن فعل الشرور ؛
وأنني لستُ أتوسل إليهم بقلب مستقيم .
أشواك خطاياي لم ينجرح لها قلبي بعد على
الدوام ؛ ثقل تعدياتي لم أشعر بعد أنه يرهقني ؛ إلى الآن لم اعرف تمام قوة النار
لكي أصارع كي لا أسقط فيها ؛ إن صوتاً واحداً يتردد في أذنيَّ : العذاب هو مصيري
لأنني حقاً إلى الآن ما طهَّرت قلبي .
المريض الذي يقاوم الطبيب :
قد قاحت جراحاتي في جسدي لكن نتانتها لم
تقنعني بعد أن أطلب دواء . أخفي عن الناس الجراحات التي أصابتني بِها سهام العدو ؛
ولا أقوى أن أحتمل حتى ينزعها الطبيب مني ؛ هو يشير عليَّ بضمادات أضعها على جروحي
؛ ولكن ليست لديَّ شجاعة كافية لأحتمل آلامها الحارقة .
الطبيب الصالح لا يطالبني بأتعابه ؛ لكن كسلي
لا يسمح لي أن أذهب لأستشيره ؛ يأتي بنفسه إليَّ ليتعهدني ؛ فيجدني أستعمل أطعمة
تزيد من تقيح جروحي ؛ يناشدني ألا أستعملها فيما بعد ؛ ولكن توبتي ليست صادقة ؛
يُرسل إليَّ أطعمته ويقول لي : كل منها لكي تشفى . لكن عاداتي الشريرة لا تدعني
أتعاطاها .
أخيراً فإنني لستُ اعرف ماذا افعل ؟
فأبكوا جميعاً معي يا إخوتي ومعارفي ؛ لكي
تدركني معونة أعظم كثيراً مني ؛ وتملك فيَّ ؛ لتجعلني مستحقاً أن أكون له تلميذاً
؛ ذاك الذي له القوة إلى دهر الدهور . آمين .
فلنهتم
يا أحبائي بنفوسنا؛ لأن الوقت منذ الآن مقصر{1كو7: 29}؛ ولا يمكن للإنسان أن يهتم
بنفسه بينما هو يهتم بجسده ؛ فكما أنه ليس بمقدور أحد أن ينظر إلى السماء بعين
واحدة ؛ ويتطلع إلى الأرض بالعين الأخرى ؛ كذلك لا يستطاع الاهتمام بأمور اللـه
وأمور العالم .
لأنه
أمرٌ مُخزٍ أن تَهتم بما لا ينفعك وقت خروجك من الجسد .
تفكر
دائماً أن اللـه ناظر إليك في كل ما أنت تفعله ؛ وتذكر أنه مطلع على جميع أفكارك ؛
فأي أمر تخجل أن تفعله قدام الناس ؛ من العار أن تفكر فيه في الخفاء .
"
من الثمر تعرف الشجرة " {1كو7: 29} هكذا العقل يعرف أفكاره وفق تأمله ؛
والنفس العاقلة تعرف ذاتِها بحسب تأملها .
فلا
تظن إذاً أنك قد أعتقت من الآلام بينما الخطية تخدعك ؛ لأن مَن وُهِبت له الحرية
لا يفكر فيما بعد أن يفعل ما يخالف الطبيعة ؛ فلا تظن إذاً أنك صرت حراً وأنت ما
تزال تُغضب ربك ؛ لأن الحرية لا تأتيك طالما يشتهي قلبك شيئاً من أمور العالم .
أهتم
بجسدك كما بِهيكل اللـه {1كو7: 29} أهتم به لأنه لابد لأن يقوم ويعطي حساباً أمام
اللـه ؛ خَف اللـه لأنك سوف تعطي عن كل ما فعلته جواباً ؛ وكما إذا أصيب جسدك بجرح
تسعى لشفائه ؛ كذلك أبذل جهدك لتجعله صحيحاً من الأوجاع عند القيامة .
تأمل
في نفسك كل يوم أيَّة أوجاع غلبت ؛ وذلك قبل أن تقدم طلباتك في صلواتك .
كما
أن الأرض لا يمكن أن تعطي ثماراً بغير بذار ؛ هكذا الإنسان لا يستطيع أن يصنع توبة
بغير الاتضاع ؛ وتعب الجسد .
بفضل
اعتدال الهواء تزهر الزروع؛ وبحفظ الوصايا تزهر نفس الإنسان.
حفظ
الوصايا هو الإيمان باللـه ؛ ومخافة اللـه هو ألاَّ يُحزن الإنسان ضميره .
إذا
أُلقيت فيك بذور شهوة النجاسة وأنت في قلايتك ؛ أحرص أن تقاوم الفكر لئلا يستولي
عليك ؛ اجتهد أن تذكر اللـه الذي يراك ؛ وأن جميع أفكار قلبك ظاهرة أمامه ؛ قُل
لنفسك إذاً : إن كنت تخجل من أن يعرف الخطاة أمثالك خطيتك ؛ فبالأولى كثيراً إذا
كان اللـه هو الذي يرى أعماق قلبك .
وبإمعان
النظر في هذا الفكر تتولد مخافة اللـه في نفسك ؛ فإن دمت ثابتاً في مخافة اللـه
تصير بغير قلق ؛ ولا تستطيع الأوجاع فيما بعد أن تُزعجك بحسب المكتوب : المتوكلون
على الرب مثل جبل صهيون ؛ لا يتزعزع إلى الأبد الساكن بأورشليم . {مز 124 : 1} .
الذي
يؤمن أنه سيدان عند خروجه من الجسد ؛ لا يستطيع أن يدين قريبه في أي شيء ؛ لأنه
لابد أن يقدم حساباً للـه عن كل أعماله بحسب المكتوب : لأنه لابد أننا جميعاً نظهر
أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً .
{1كو 5 : 10} .
الذي
يؤمن أنه يوجد ملكوت للقديسين يهتم بأن يتحفظ حتى في الأمور الصغيرة والأشياء
التافهة ؛ حتى يصير إناءً مختاراً {أع 9 : 15} .
لأنه
مكتوب : يشبه ملكوت السماوات شبكة مطروحة في البحر وجامعة من كل نوع من السمك ؛
فلما امتلأت أصعدوها إلى الشاطئ {مت 13 : 47} .
فالصالحون
يُختارون لملكوته المقدس أما الأشرار فيُطرحون في جهنم .
الذي
يؤمن أن جسده سيقوم حقاً يوم القيامة ؛ ينبغي له أن يهتم بتطهيره من كل النجاسات ؛
لأنه مكتوب : سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسده بحسب عمل استطاعته . {في
3 : 2} .
الذي
تسكن فيه محبة اللـه لا يمكن لشيء من أمور هذا العالم أن يفصله عن اللـه ؛ لأنه
مكتوب : مَن سيفصلنا عن محبة المسيح ؛ أشده ؛ أم ضيق ؛ أم اضطهاد ؛ أم جوع ؛ أم
عري ؛ أم خطر ؛ أم سيف .
{رو 8 : 35} .
اللـه
قادر أن يجعلنا نُوجد بين أولئك الذين لم يفصلهم شيء من هذا العالم عن محبة المسيح
؛ لكي نحظى بالرحمة مع الجميع ؛ بقوة ربنا يسوع المسيح ؛ لأن له المجد مع الآب
الغير المبتدئ والروح المحيي ؛ الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين .
K
الميمر السادس عشر
لأجل الفرح الذي يكون للنفس
التي تطلب أن تتعبد للـه
مقدمة
الرسالة :
قبل
كل شيء أبلغك السلام في مخافة اللـه ؛ وأُناشدك أن تكون كاملاً فيما يرضيه لئلا
يكون تعبك باطلاً ؛ بل كاملاً لكي يقبله اللـه منك بفرح .
التطَّلع
إلى الفرح الأخير :
إن
الذي يُتاجر ويربح يفرح ؛ والذي يتعلم صنعة ما يُسر ؛ وما يحسب الأتعاب التي
قاساها لأنه تعلَّم ؛ والذي يأخذ امرأة تريحه وتحفظ أموره جيداً يفرح قلبه لأنه
يثق بِها {أم 11 : 31} ؛ والجندي الذي يجسر على الموت ويقاتل عن مَلِكهُ يتقدم
لقبول الإكليل .
هذه
هي أعمال هذا العالم الزائل ؛ والذين يكملونَها هكذا يفرحون لأنَهم نجحوا في
أعمالهم .
كم
فرحاً وسروراً تظن أن تجده نفس ذاك الذي قد بدأ يتعبد للـه ويكمل أعماله ؟ فعند
خروجه من هذا العالم تتقدمه أعماله وتفرح معه الملائكة إذ يرون أنه قد تخلص من
قوات الظلمة .
لأنه
عندما تخرج النفس من الجسد تأتي الملائكة لتسير معها ؛ حينئذٍ تخرج جميع قوات
الظلمة لملاقاتِها يريدون أن يضبطوها ويفحصوها إن كان فيها شيء مما يخصهم .
عند
ذلك لا تحارب الملائكة عنها ؛ بل الأعمال التي صنعتها هي التي تحفظها وتسترها من
أن يقتربوا منها ؛ فإن فازت أعمالها بالغلبة عند ذلك تتقدمها الملائكة بالتسبيح
إلى أن تلتقي اللـه بالفرح والابتهاج ؛ وفي تلك الساعة تنسى جميع أعمال هذا العالم
وكل تعبه .
الحث
على اقتناء الفضائل :
فلنجاهد
إذاً قدر استطاعتنا أن نعمل الصلاح في هذا الزمان القليل ليكون عملنا سالماً من
جميع الشرور لكي نستطيع أن نخلص من أيدي الرؤساء الذين يتقدمونا ؛ لأنَهم أشرار
ولا شفقة عندهم .
طوبى
لمن لا يجدون فيه شيئاً مما يخصهم لأن فرحته وبَهجته وراحته وإكليله يفوق القياس ؛
جميع أمور هذا العالم تزول ؛ إن كان أولئك الذين تاجروا ؛ والذين أخذوا نساء ؛
والباقين الذين سبقت فتكلمت عنهم .
فلنجاهد
يا إخوتي بكل قوتنا قدام اللـه بالدموع ؛ لعل صلاحه يُدركنا برحمته ويرسل لنا قوة
الغلبة التي بِها نواجه قوات الشر الذين يبادرون إلى ملاقاتنا .
فلنهتم
إذاً بقلب ثابت ؛ ولنقتن لنا الاشتياق للـه ؛ فهو يخلصنا من يد الزنى عندما يخرج
لملتقانا هنا .
ولنحب
الرحمة على المساكين ؛ لأنَها تخلصنا من محبة الفضة عندما تخرج لملاقاتنا .
ولنحب
السلام مع الكل ؛ الصغار والكبار ؛ لأنه يحفظنا من البغضة حين تخرج لملاقاتنا .
لنقتني
الصبر في كل شيء ؛ فهو يحفظنا من صغر النفس حين يخرج للقائنا .
لنحب
جميع إخوتنا ولا نمسك في قلبنا بغض لأحد ؛ ولا نكافئ أحداً شراً {رو 12 : 17} ؛
لأن هذا يحفظنا من الغيرة عندما تخرج للقائنا .
فلنحب
الاتضاع في كل شيء ؛ ونحتمل كلمة القريب إن كانت تجريحاً أو تعييراً ؛ وهو يخلصنا
من العظمة عندما تخرج لملاقاتنا .
فلنطلب
كرامة قريبنا ؛ ولا نسيئ لأي إنسان بالملامة ؛ فإن هذا يخلصنا من النميمة عندما
تخرج لملاقاتنا .
لنرذل
استعمال هذا العالم وجميع كراماته ؛ لكي نخلص من الحسد عندما يخرج للقائنا .
لنُعَلِّم
لساننا الهذيذ باللـه والبر والصلاة ؛ لكي تحفظنا من الكذب عندما يخرج للقائنا .
ولنطهر
جسدنا وقلبنا من الشهوة لكي نخلص من النجاسة عندما تخرج للقائنا .
جميع
هذه الأوجاع تضبط النفس عندما تخرج من الجسد ؛ وأما الفضائل فتعينها إن كانت
اقتنتها .
فأي
حكيم لا يبذل نفسه حتى الموت ليتخلص من جميع هؤلاء ؟
فلنعمل
إذاً قدر استطاعتنا ؛ وقوة ربنا يسوع المسيح قادرة أن تعين ضعفنا ؛ لأنه يعرف أن
الإنسان عاجز ضعيف ؛ ولهذا أعطاه التوبة ما دام في الجسد حتى النسمة الأخيرة .
فليكن
فكرك واحداً مع اللـه لكي يحفظك ؛ لا تَهتم بخيرات هذا العالم كما لو كنت ترجوا أن
تخلص بواسطتها ؛ لأن جميع أمور هذا العالم سوف تتركها وتمضي عنها ؛ وكل ما عملته
لأجل اللـه هو ما تجد فيه الرجاء الصالح في تلك الساعة الصعبة . {2تي 2 : 16} .
أقوال متفرقة :
ابغض
كلام هذا العالم ( ومفاوضاته ) ؛ لينظر قلبك اللـه .
أحبب
الصلاة بغير انقطاع ؛ لكي يستضئ قلبك .
لا
تحب الكسل لئلا تحزن عندما تبلغ لقيامة الأبرار . {لو 14 : 24}.
احفظ
لسانك ليضئ قلبك ؛ لا تحب الكسل فتسكن فيك مخافة اللـه.
أعطِ
الصدقة لمن لهم احتياج بعين قريرة ؛ لئلا تخزى وسط القديسين ومحاسنهم .
ابغض
شهوة المآكل لئلا يعوقك عماليق . {قض 7: 4} .
كن
مجتهداً في خدماتك ؛ لئلا تفترسك الوحوش .
لا
تحب الخمر للسكر ؛ لئلا يحرمك من الفرح باللـه .
أحبب
المؤمنين لكي بواسطتهم تحلَّ عليك الرحمة .
تودَّد
إلى القديسين لكي تضطرم فيك غيرتَهم . {مز 68 : 9} .
اذكر
ملكوت السماوات ؛ لكي تجذبك شهوتُها قليلاً قليلاً ؛ وتفكر في الجحيم لكي تبغض
أعمالها .
عندما
تنهض باكر كل يوم ؛ اذكر أنك سوف تعطي جواباً للـه عن جميع أعمالك ؛ حينئذٍ لن
تخطئ أمامه ؛ ومخافته ستسكن فيك .
أعدد
نفسك لملاقاته ؛ عندما تصنع إرادته .
دِن
نفسك ها هنا كل يوم من أجل نقائصك ؛ وأنت لن تحزن ساعة الموت المحتومة .
فلينظر
إخوتك أعمالك الصالحة لتضطرم فيهم غيرتك .
افحص
كل يوم أي ألم غلبت ؛ ولا تطمئن لنفسك لأن هذا هو عمل رحمة اللـه وقوته .
لا
تحسب نفسك آمِناً إلى النسمة الأخيرة .
لا
تتعظم بفكرك أنك صالح ؛ لأنك ما تستطيع أن تطمئن لأعدائك . ولا يستريح بالك من أجل
نفسك ما دمت في الحياة ؛ إلى أن تجوز جميع قوات الظلمة .
تيقظ
يا أخي قبالة الروح الذي يجلب الحزن ( الكآبة ) على الإنسان ؛ لأن كثيرة هي فخاخه
ليجعلك أخيراً بغير قوة .
الحزن
الذي بحسب اللـه هو فرح ؛ عندما ترى أنك قائم في مشيئة اللـه ؛ أما ذاك الذي يقول
لكَ : إلى أين يمكنك أم تَهرب ؟ فلم تعد لك توبة . فذلك من العدو الذي يضغط على
الإنسان حتى يتخلى عن تجلده .
أما
الحزن بحسب اللـه فهو بالعكس لا يثقل على الإنسان بل يقول له: لا تخف ؛ تعالى مرة
أخرى . لأن اللـه يعرف أن الإنسان ضعيف وعاجز وهو يقويه .
فليكن
قلبك صاحياً مقابل الأفكار فتخف عنك ؛ أما الذي يفزع منها فتجعله ينحلَّ تحت ثقلها
؛ من يخاف ويجبن من أمثال الشياطين يدل على عدم إيمانه باللـه ؛ أما الذي يطرح
نفسه أمام يسوع بكل قلبه ؛ فهو يثبت مقابلهم .
الذي
لا يتعظم ويكون غير معروف ؛ يدل على أنه غير متفاوض مع الآلام ليصنع مشيئتها ؛ بل
مشيئة اللـه .
الذي
يطلب أن يقول كلمة قدام كثيرين يُظهر أن مخافة اللـه ليست فيه لأن مخافة اللـه هي
حافظٌ ( صالحٌ ) ومعين للنفس ؛ وحارس للذهن يهلك جميع أعدائه .
الذي
يريد أن يكرم اللـه ؛ فليجتهد أن يطرد عنه النجاسة .
الذي
يهتم بمعرفة ؛ يقطع عنه الآلام ؛ لأنه مكتوب : الاهتمام يأتي إلى رجل حكيم . {أم
17 : 12} .
الذي
قد مرض هو الذي يعرف الصحة .
الذي
يأخذ الإكليل يُكلل لأنه غلب أعداء الملك .
توجد
آلام وتوجد أيضاً فضائل ؛ وإذا استسلمنا للضجر فهذا دليل على إننا صرنا مثل
المرائين ؛ لأن شجاعة القلب هي معونة للنفس بعد اللـه ؛ كما أن الضجر يعين على
الشرور .
قوة
أولئك الذي يريدون أن يقتنوا الفضائل هي إنَهم إذا سقطوا لا تصغر نفوسهم ؛ بل
يدأبون على المثابرة من جديد .
أدوات
الفضائل هي الأعمال الجسدانية التي تكمل بمعرفة ؛ وأولاد الآلام يتولدون من
الإهمال .
عدم
إدانة القريب هو سور لأولئك الذين بالمعرفة يقاتلون ؛ أما ملامته فهي تَهدم هذا
السور بالجهل .
اهتمام
المرء بضبط لسانه يدل على أنه ناسك ( عمَّال ) ؛ أما عدم تأدب اللسان فيدل على أنه
ليس بداخله فضيلة .
الصدقة
التي تصنع بمعرفة تلد التبصر ؛ وتجذبنا للحب ؛ فإن كنت لا تصنع صدقة فهذا علامة
على أنه لا يوجد فيك فضيلة .
الصلاح
يلد النقاوة ؛ والطياشة تلد الآلام .
قساوة
القلب تلد الغضب ؛ أما اللطف فيلد الرحمة .
نسك
النفس هو أن تبغض الطياشة ؛ ونسك الجسد هو أن تكون في عوز .
علة
سقوط النفس هي محبة الطياشة وتقديمها هو في جميع الحواس بمعرفة
الشبع
من النوم يحرك الأوجاع بالجسد ؛ أما صحة القلب فهو السهر بمقدار ؛ كثرة النوم يغلظ
القلب ؛ والسهر بمقدار يلطِّفه ( ينقيه ) .
حسن
هو النوم مع السكون بمعرفة ؛ أفضل من السهر مع كلام باطل .
النوح
يطرد جميع الشرور بغير اضطراب
ألا
تجرح ضمير القريب ؛ يولد فيك الاتضاع
تمجيد
الناس يولد العظمة قليلاً قليلاً .
محبة
الراحة تطرد المعرفة .
ضبط
البطن يُضعف الآلام ؛ شهوة المآكل تثيرهم بلا جهد .
تزَيُّن
الجسد خراب للنفس ؛ أما الاهتمام به بمخافة اللـه فهو حسن .
التأمل
في دينونة اللـه يولد المخافة في النفس ؛ أما الازدراء بتوبيخ الضمير فيطرد
الفضائل من القلب .
المحبة
للـه تقطع التهاون ؛ وعدم المخافة يجلبه .
حفظ
الفم يرفع الفكر نحو اللـه إن كان سكوته بمعرفة ؛ أما كثرة الكلام فتولد الضجر
والجنون .
قطع
الهوى للقريب يدل على أن الذهن ينظر الفضائل ؛ أما إقامة هواك مع القريب فعلامة
الجهل .
الهذيذ
بمخافة اللـه يحفظ النفس من الآلام ؛ والكلام في الأمور العالمية يظلم الذهن من
الفضائل .
محبة
الهيوليات تكدر الذهن والنفس ؛ أما التجرد منها فيجددهما .
سكوتك
عند كشف أفكارك ( الاعتراف ) يدل على أنك تشتهي تكريم العالم ومجده السمج ؛ من
يظهر أفكاره قدام آبائه بصراحة يطردها بعيداً عنه .
كالبيت
الذي ليس له باب أو نوافذ فتدخله الزواحف متى تشاء ؛ هكذا الذي يعمل وما يصون
أعماله .
كما
أن الصدأ يأكل الحديد ؛ هكذا تكريم الناس يفسد القلب إذا أنخدع له .
كالشوك
الذي يلتف على الكرم ويتلف ثمرته {نا 1 : 10} ؛ هكذا المجد الباطل يتلف جميع ثمار
الراهب إذا أتغلب منه .
قبل
كل الفضائل هو الاتضاع ؛ وقبل كل الآلام شهوة البطن .
كمال
الفضائل هو المحبة ؛ وكمال الآلام هو أن يُبرر الإنسان نفسه .
كالدودة
التي تنخر الخشب وتتلفه ؛ هكذا الشر في القلب يظلم النفس.
طرح
الإنسان نفسه أمام اللـه ؛ يلد احتمال المحقرة بغير انزعاج ؛ ودموع تلك النفس تكون
صحيحة ؛ وسالمة من كل ما هو بشري .
عدم
ملامة الإنسان لنفسه ؛ يجلب له عدم احتمال الغضب .
من
يخلط كلامه بأحاديث العلمانيين يسجس قلبه ؛ ويملأه خزياً عندما يصلي للـه بسبب
فقده الدالة .
محبة
خيرات العالم تظلم النفس؛ والتهاون بِها في كل أمر يجلب المعرفة .
محبة
التعب هي بغضة الآلام ؛ أما الكسل فيجلبها بغير جهد .
لا
تقيد نفسك بتدبير ما ؛ فيصير فكرك هادئاً فيك .
لا
تكن متكلاً على قوتك {3كو 1 : 9} ؛ فتأتيك معونة اللـه .
لا
يكن لك عداوة مع إنسان ؛ لئلا تكون صلاتك غير مقبولة .
أصطلح
مع كل أحد ؛ لتقتني دالة عندما تصلي .
احفظ
عينيك كي لا يعاين قلبك الشرور ؛ الذي ينظر في إنسان بلذة هو فاسق . {مت 5 : 28} .
لا
تشتهي أن تسمع أذية الذي أحزنك ؛ لئلا تكافئه بالشر في قلبك .
احفظ
أذنك لئلا تثير عليك حروباً .
اشغل
نفسك في عمل يديك ليجد المسكين خبزاً ؛ لأن البطالة موت وخراب للنفس .
الصلاة
الدائمة تبطل السبي ؛ أما ترك النفس للتهاون قليلاً قليلاً يلد النسيان .
الذي
يتوقع الموت عن قريب لا يخطئ كثيراً ؛ أما الذي يؤمل أن يعيش طويلاً يشتبك في
خطايا كثيرة .
الذي
يعدَّ نفسه ليعطي الجواب للـه عن جميع أعماله ؛ يهتم به اللـه ليطهر جميع طرقه من
الخطية ؛ أما الذي يتهاون قائلاً : إلى أن أصل هناك. فهو يسكن مع الأشرار .
في
كل يوم قَبل أن تعمل أي عمل ؛ ذكر نفسك دائماً كيف أنت ؟ وإلى أين ستمضي عندما
تخرج من الجسد ؟ عندئذ لن تتهاون بنفسك ولا ليوم واحد ؛ تفكر في الكرامة التي
أدركها جميع القديسين فتجذبك الغيرة منهم قليلاً قليلاً ؛ فكر كذلك أي خزي أدرك
الخطاة ؛ فهذا يحفظك دائماً من الشرور .
خذ
دائماً بمشورة آبائك ؛ وأنت تعبر زمانك كله بالراحة .
أحذر
أن تحتقر أخاك ؛ إن كان فكرك يقلقك بأنه متحامل عليك ؛ بل أصنع له ميطانية بصوت
متضع لكي تقنعه ؛ وأنظر ألاَّ يتقسى قلبك على أخيك ؛ لأننا جميعنا نُغتصب من العدو
.
إن
سكنت مع إخوة فلا تأمرهم بشيء ؛ بل اشترك معهم في العمل لكي لا يضيع أجرك .
إن
أقلقتك الشياطين من أجل القوت والكسوة ومن أجل فقرك الشديد وعيروك بذلك ؛ فلا
تجاوبَهم بشيء يل سلم ذاتك للـه بكل قلبك فيهبك الراحة .
أحذر أن تغفل عن تكميل صلواتك لأنَها هي
التي تجلب الاستنارة لنفسك
إن
كنت قد صنعت أعمالاً صالحة فلا تفتخر بِها ؛ وإن كنت قد صنعت شروراً كثيرة ولم
يحزن قلبك لذلك كثيراً ؛ فأحرص ألا ينخدع لها قلبك فيما بعد ؛ فإن كنت حكيماً تحفظ
من العظمة .
إن
ضُيِّق عليك في النجاسة ؛ أشقى جسدك بلا فتور قدام اللـه ؛ وباتضاع ؛ ولا تدع قلبك
يظن أنه قد غفرت لكَ خطاياك ؛ وأنت تجد راحة .
إن
أضرت بك الغيرة اذكر أننا جميعاً أعضاء المسيح ؛ وأن كرامة القريب أو محقرته تخصنا
جميعاً فتستريح .
إن
قاتلتك محبة البطن بشهوة الأطعمة ؛ تذكر نتونتها فتستريح .
إن
ضغط عليك الفكر لكي تغتاب أخيك ؛ اذكر أنه إن سمع بذلك يحزن ؛ أبتعد عن مواجهته
فتستريح .
إن
تسلطت عليك العظمة ؛ اذكر أنَها هي التي تضيع جميع أتعابك ؛ وأنه ليست هناك توبة
للذين يستسلمون لها ؛ وأنت تجد راحة .
إن
قوتل قلبك بمحقرة القريب ؛ فاذكر أنه لهذا السبب يسلمك اللـه لأيدي أعدائك ؛ فتجد
عندئذ راحة .
إن
أجتذب قلبك حُسُ الجسد ؛ تذكر نتونته حين يموت وأنت ترتاح .
إن
كانت شهوة الإنسان تلذ لك ؛ تفكر في الذين ماتوا أين مضوا وأنت تستريح .
الإفراز :
هذه
كلها يجمعها الإفراز ويتفحصها ويبطلها .
ولا
يمكن أن يأتيك الإفراز إلا إذا باشرت فلاحته :
فأولاً
السكون ؛ والسكون يلد النسك ؛ والنسك يلد الدموع ؛ والدموع تلد المخافة ؛ والمخافة
تلد الاتضاع ؛ والاتضاع يلد البصيرة ؛ والبصيرة تلد المحبة ؛ والمحبة تلد للنفس
الصحة وعدم التألم ؛ عند ذلك يعرف الإنسان أنه بعد كل هذا ما يزال بعيداً عن اللـه
.
الخلاصة :
فعلى
من يبتغي أن يأتي إلى كرامة جميع هذه الفضائل ؛ أن يكون بغير هم من جهة كل إنسان ؛
وأن يعد نفسه للموت ؛ وكلما تقدم للصلاة فليفحص ما هو الشيء الذي يفصله من اللـه
فيبطله ؛ وأن يرذل العالم الحاضر ؛ ونعمة اللـه تَهب له الفضائل سريعاً .
لكن
أعلم هذا : أن كل إنسان يأكل ويشرب بغير تحفظ ؛ أو يحب شيئاً من هذا العالم ؛ لن
يبلغها (الفضائل) أو يدركها؛ بل هو يخدع نفسه.
وإنني
أسأل كل من يطلب أن يصنع توبة للـه ؛ أن يحفظ نفسه من كثرة الخمر ؛ لأنه يجدد جميع
الآلام ويطرد مخافة اللـه من النفس ؛ بل الأحرى بك أن تطلب من اللـه بكل قوتك أن
يرسل لك مخافته لكي باشتياقك إلى اللـه تبطل جميع الآلام التي تقاتل النفس الشقية
طالبة أن تفصلها عن اللـه لعلها تستسلم ؛ فمن أجل هذا الأمر يعمل الأعداء بكل
قوتَهم في جهادهم مقابل الإنسان .
لا
تتطلع إذاً يا أخي إلى الراحة ما دمت في هذا الجسد ؛ ولا تثق بنفسك إذا نظرت في
وقت ما أنك قد استرحت من الآلام .
لأنَهم
يمسكون أنفسهم بمكر إلى حين ؛ لعل الإنسان يحل تجلد قلبه ظناً منه أنه قد استراح
وعند ذلك ينقضون بغتة على النفس الشقية ويختطفونَها كالعصفور {مراثي 3 : 51 } ؛
وإن قووا عليها أذلوها بغير شفقة في خطايا يعثر جداً غفرانَها أكثر من تلك التي
كانت تصلي من أجلها في المبتدأ .
فلنثبت
إذا في مخافة اللـه ؛ ولنحرص أن نكمل جهاد نسكنا ملاحظين جميع الفضائل التي تقاوم
شر الأعداء ؛ لأن أتعاب وآلام هذا الزمان القصير ليست من الشرور فقط تحفظنا ؛ بل
أيضاً تعد للنفس الإكليل ؛ من قَبل خروجها من الجسد .
مواعيد الرب وتشجيعه لنا :
إن
معلمنا القدوس الرب يسوع إذ يعرف شدة قساوتَهم ؛ يفيض تحننه على جنس البشر أمر أن
نكون بكل عزم القلب مستعدين في كل لحظة : " لأنكم لا تعلمون في أي ساعة يأتي
السارق " { مت 24 : 42 } ؛
" لئلا يأتي بغتة ويجدكم نياماً " { مر 13 : 36 } .
وهو
يعلم خواصه واضعاً أمامهم هذه الوصية : " احترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم
في خمار وسكر وهموم الحياة فيصادفكم ذلك اليوم بغتة . ولمعرفة أن الأشرار هم أكثر منا؛ أوضح لخواصه أن القوة التي بِها نثبت
غير خائفين منهم هي من عنده ؛ فقال لهم : " ها أنا أرسلكم مثل حملان بين ذئاب
" { لو 10 : 13 } . ومع ذلك أمرهم أن لا يحملوا شيئاً للطريق لأنه ما دام ليس
لهم شيء مما يخص الذئاب فما تقدر أن تفترسهم .
ولما
رجعوا معافين سالمين وقد حفظوا ما أوصاهم به ؛ فرح معهم شاكراً للـه الآب من أجلهم
؛ ولكي يثبت قلوبِهم قال لهم :
"
رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء ، ها أنا قد أعطيتكم سلطاناً أن تدوسوا
الحيات والعقارب وكل قوة العدو ؛ فلا تضركم . فحين
أرسلهم كانوا في خوف وتحفظ ؛ ولما حفظوا ما أوصاهم به ؛ أعطاهم السلطان مع القوة .
وهذه
الأقوال لم تكن لهم فقط ؛ بل ولجميع الذين يكملون الوصايا ؛ لأنه عندما أحبهم الحب
الكامل قال : " لا تخاف أيها القطيع الصغير لأن أباكم السماوي قد سُرَّ أن
يعطيكم الملكوت ؛ بيعوا أمتعتكم وأعطوا صدقة ؛ واعملوا لكم أكياساً لا تبلى ؛
وكنوزاً لا تفنى في السماوات . ولما حفظوا
أيضاً هذه الكلمة قال لهم : " سلامي أعطيكم سلامي أترك لكم . { يو 16 : 37 }
.
ولكي
يمنحهم الثقة والطمأنينة قال : " إن الذي يحبني يحفظ وصاياي ؛ أنا والآب نأتي
إليه وعنده نصنع منزلاً " .
ولكي
يجعلهم أشداء إزاء العالم قال لهم : " في العالم سيكون لكم ضيق ولكن تشجعوا
لأني قد غلبت العالم " .
ولكي يقوي عزيمتهم حتى لا تصغر نفوسهم في
الضوائق ؛ ألقى الفرح في قلوبِهم قائلاً : " أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي
وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً ؛ لتأكلوا وتشربوا على مائدتي. {لو22:
28ـ30}.
الثبوت في المسيح في الضيقات :
لم
يقل هذا للجميع ؛ بل لأولئك الذين ثبتوا معه في الضيقات . ومن هم الذين ثبتوا مع
يسوع في الضيقات إلا الذين قاوموا الرذائل التي هي بخلاف الطبيعة حتى قطعوها ؟
والحال أنه قال لهم هذه الأمور عندما مضى إلى الصليب .
لأن
الذي يريد أن يأكل ويشرب على مائدته ؛ فليمضي معه إلى الصليب ؛ وصليب يسوع في
الحقيقة هو التجلد على جميع الآلام إلى أن تنقطع ؛ لأن الرسول الحبيب الذي قطعها
جسر وقال : مع المسيح صلبت؛ ولست أنا حياً بعد بل المسيح هو الحي فيَّ . { غل 2 :
20 } .
لهذا
فالمسيح حي في أولئك الذين أبطلوا الآلام . والرسول إذ يعظ أولاده يقول : "
الذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات . { غل : 5 : 24 } .
كما
يكتب الرسول لابنه تيموثاوس فيقول : " إن كنا قد مُتنا معه ؛ فسنحيا أيضاً
معه ؛ وإن كنا نصبر ؛ فسنملك أيضاً معه ؛ إن كنا ننكره ؛ فهو أيضاً سينكرنا "
. { 2تي 2 : 11 ، 12 } .
ومن
هم الذين ينكرونه إلا الذين يكملون أهواءهم الجسدية ؛ ويهينون المعمودية المقدسة ؟
لأنه
باسمه قد وهبت لنا مغفرة الخطايا . { أع 2 : 38 } .
وبالجسد
استعبدنا العدو ثانية بواسطة الخطية ؛ وربنا يسوع المسيح لمعرفته أن هذا الشر عظيم
من منشئه وهب لنا التوبة إلى النسمة الأخيرة .
فلو
لم تكن هناك توبة ما كان أحد يخلص والرسول لمعرفته أنه قد يخطئ المرء بعد العماد
يقول : " لا يسرق السارق فيما بعد " . الاستعداد للمجىء الثاني والدينونة :
فإذ
لنا ختم المعمودية المقدس فلنبادر بترك خطايانا لكي نجد رحمة من الرب في ذلك اليوم
. { 2تي 1 : 18 } ؛ لأنه قريب ؛ وسيأتي ويجلس على عرش مجده ؛ وتجتمع جميع الشعوب
قدامه . { مت 25 : 13 } ؛ وكل واحد يُعرف من المصباح الذي بيده .
كل
من ليس له زيت ينطفئ مصباحه ويلقى في الظلمة ؛ أما الذي ينير مصباحه فيدخل معه إلى
الملكوت . { مت 25 : 1 ؛ 13 } .
فلنسرع
يا أحبائي لنملأ أوانينا بالزيت ما دمنا في الجسد ؛ لكي تنير مصابيحنا فندخل معه
الملكوت .
فالإناء
يشير إلى التوبة ؛ والزيت الذي يحتويه هو ممارسة جميع الفضائل؛ والمصباح المضىء هو
النفس الطاهرة ؛ هكذا فالنفس الحاملة النور بواسطة أعمالها تدخل معه الملكوت ؛ أما
النفس التي صارت مظلمة من جراء الشر فتمضي إلى الظلمة .
جاهدوا
إذاً يا إخوتي لأن الوقت قريب . { لو 21 : 8 } ؛ وطوبى لمن له هذا الاهتمام ؛
فالثمار قد نضجت والآن زمان الحصاد ؛ وطوبى لمن يحفظ ثماره لأن الملائكة تضمنه إلى
الأهواء الأبدية ؛ والويل للذين هم من الزوان لأن ميراثهم هو النار . { مت : 23 :
31 } .
لنفرَّ
يا إخوتي من العالم وكل ما فيه لكي نرث الخيرات السمائية ؛ لأن ميراث هذا العالم
هو الذهب والفضة والثياب والبيوت ؛ وهذه ليست فقط تجعلنا نخطئ ؛ بل سوف نتركها
أيضاً عندما نمضي .
أما
ميراث اللـه فهو بلا كيل : " ما لم تره عين ؛ ولم تسمع به أذن ؛ ولم يخطر على
قلب بشر " . واللـه يعطيه للذين يطيعونه في هذا الزمان القليل؛ وهم ينالونه
من أجل الخبز والماء والكساء الذي قدموه للمحتاجين؛ ومن أجل محبتهم للبشر وطهارة
أجسادهم ؛ ولأنَهم لم يصنعوا شراً للقريب ؛ ولأجل القلب الذي لا شر فيه ؛ وبقية
الوصايا .
فالذين
يحفظون هذه الأمور ؛ يكون لهم نياح في هذا العالم ؛ وكرامة لدى الناس ؛ وعندما
يخرجون من الجسد ينالون فرحاً أبدياً .
أما
الذين يكملون أهويتهم بالخطية ولا يريدون أن يتوبوا ؛ الذين بانجذاب الشهوة
والضلال يكملون شرورهم ؛ ومجون أحاديثهم ؛ وصراخ خصوماتَهم ؛ وعدم خوفهم من دينونة
اللـه ؛ وعدم شفقتهم على المساكين ؛ وبقية الخطايا ؛ فهؤلاء يغطي الخزي وجوههم في
هذا العالم ويصيرون مرذولين من الناس ؛ وعندما يخرجون من هذا العالم يتقدمهم الخزي
والعار إلى جهنم .
ختام :
إن
إلهنا قادر أن يجعلنا مستحقين أن ننمو في أعماله ؛ ونحفظ أنفسنا من جميع أعمال
الشرور ؛ لنستطيع أن نخلص في ساعة التجربة المزمعة أن تأتي على العالم كله . أنه
لن يبطئ ؛ سوف يأتي ربنا يسوع المسيح وأجرته معه؛ والمنافقون يطرحهم في النار
الأبدية ؛ أما خاصته فيعطيهم الأجرة ؛ ويدخلون معه وينعمون بالراحة في ملكوته إلى
أبد الآبدين آمين .
كلمة أخيرة :
لا
تحزن في نفسك يا أخي عند قراءة هذه الأقوال كل يوم ؛ لعله توجد لنا نحن أيضاً رحمة
مع أولئك الذين أحتسبهم المسيح مستحقين ؛ فاهتم أنت يا حبيبي بتكميل هذه الوصايا
المكتوبة لكي يمكنك أن تخلص مع القديسين الذين حفظوا وصايا ربنا يسوع المسيح .
أما
من يقرأ هذه الأقوال ولا يعمل بِها ؛ فذاك يشبه رجلاً رأى وجه خلقته في مرآة ؛
وللوقت نسى ما هو { يع 1 : 23 } ؛ أما الذي يقرأها ويحفظها فهو يشبه البذور التي
أُلقيت في أرض صالحة فأتت ثمراً . إن اللـه قادر أن يجعلنا نحسب مع الذين يسمعون
ويعملون ؛ لكي يتقبل منا نحن أيضاً الثمر الصالح بنعمته ؛ لأن له المجد والقوة
والسلطان إلى الأبد. آمين .
الميمر السابع عشر
عن الأفكار التي ينبغي أن يطردها
من ترك العالم ليعيش في الغربة
الجهاد الأول : قبل كل شيء هو حياة الغربة ؛
لا سيما إذا كنت ستعيش منفرداً ؛ وقد تركت كل مالك وأتيت إلى موضع آخر ؛ مستعداً
بالإيمان الكامل والرجاء وعزم القلب الثابت مقابل أهواء نفسك .
فالأعداء سيحيطون بك في صفوف كثيرة ويرعبونك
بالخوف من التجارب ؛ ومن فقر شديد ؛ وأمراض ؛ فيوسوسون لك : " إذا كنت ستعيش
هناك فماذا تفعل وليس هناك من سيهتم بك أو يعرفك ؟ " بصلاحه يختبرك لكي تظهر
غيرتك ومحبتك له .
فإذا جلست منفرداً في قلاية يزرعون في قلبك
أفكاراً أكثر صعوبة (لكي تجبن وتخاف) قائلين : " ليست الغربة هي التي تخلص
الإنسان بل أن تحفظ الوصايا " . ويجلبون لك تذكار البعض ممن يعيشون أكثر
قرباً من أشياء الجسد ويخدعون قلبك قائلين: "أليس هؤلاء هم من خدام اللـه ؟".
كما يوعزون إليك بأن المناخ ضار بصحتك ؛ وأن
جسدك ثقيل ؛ ذلك لكي يضعف قلبك وتفتر همتك ؛ ولكن إذا أقتنى قلبك المحبة والرجاء
فلا يبقى لشرهم أي أثر ؛ وتظهر غيرتك في النهاية أمام اللـه ؛ أنك تحبه أكثر من
راحة الجسد .
ضيقة الغربة تقود الذين يحتملونَها إلى الرجاء
؛ والرجاء يحفظهم إلى حد ما من جهة أمور الجسد .
لأنك لم تأتي إلى الغربة بغير هدف ؛ بل لكي
تغذِ نفسك وتكرسها للجهاد مقابل الأعداء ؛ ولكي تتعلم أن تغلبهم ؛ كل واحد في حينه
؛ حتى إذا أدركت راحة عدم الأوجاع صرت حراً ؛ إذ تكون قد فزت بالغلبة في كل قتال
في وقته .
الجهاد
مقابل المجد الباطل :
إنني أخاله أمراً عظيماً كريماً أن نغلب المجد
الباطل وننمو في معرفة اللـه ؛ لأن الذي يسقط في خزي هذا الوجع الخبيث " أي
المجد الباطل " يصير غريباً عن السلام ويتقسى قلبه إزاء القديسين ؛ ويصل به
الحال إلى أن يسقط في كبرياء خبيث ؛ ومن الاشتغال بالكذب .
أما أنت أيها المخلص الأمين ؛ فاجعل أعمالك
مستترة ؛ وبحزن قلبك أهتم ألا تدع لسانك يخطفها منك ويسلمها لأعدائك .
فالذي يعمل لكي يطرد عنه أوجاع الجسد وجميع
زلاته بالتوبة ؛ يرفع نفسه لتصير تقدمة كريمة للـه بلا عيب ؛ وتليق أن تكون هيكلاً
له ؛ أما من يحب مجد الناس ؛ فلا يمكن أن يكون بلا أوجاع ؛ لأن الحسد والغيرة
تسكنان فيه ؛ مثل هذا قد باع نفسه لتكون فريسة لتجارب كثيرة ؛ ولأنه لا يجد أبداً
وسيلة لإشباع شهوته ؛ فإنه يذبح قلبه ضحية للشياطين ؛ وتكون نَهايته الهلاك . { في
3 : 19 } .
الجهاد
مقابل الغضب :
أما
الذي أقتنى الاتضاع ؛ فاللـه يكشف له خطاياه لكي يعرفها ؛ فإذا أضاف إلى ذلك النوح
؛ ودامت فيه هاتان الفضيلتان ؛ فهما تطردان من نفسه الشياطين السبعة { مر 16 : 9 }
وتشبعانه بالمجد الحقيقي ؛ وبأثمارها المقدسة .
مثل هذا لا يهتم بتعيير الناس ؛ لأن تذكار
خطاياه يصير له مثل درع واق يحفظه من الغضب والانتقام ؛ فيحتمل كل ما يأتي عليه ؛
فأية إهانة يمكن أن تؤثر فيه ؛ إن كان قد وضع خطاياه أمام وجهه قدام اللـه .
أما إذا كنت لا تستطيع أن تحتمل كلمة واحدة من
قريبك ؛ بل تبادر بالرد عليه ؛ فأنت بذلك تثير في قلبك حروباً وتضنية من جهة
الأقوال التي سمعتها ؛ وتحزنه من أجل كل ما قلته ؛ ويستأسرك الفكر فيجعلك تطوِّب
الذين يعيشون على انفراد في العزلة ؛ وتقسي قلبك تجاه جيرانك معتبراً أنه ليست
فيهم محبة .
فجاهد بالحري لتقتني طول الروح لأنه يغلب
الغضب ؛ والمحبة لأنَها تشفي من الحزن ؛ والصلاة للـه بمخافة تحفظ لك هاتين
الفضيلتين ؛ لأن المحبة وطول الروح تحتملان الغضب الطبيعي ؛ فإذا ثبت فيك هذان ؛
فعوض أن تثور على قريبك ؛ تثور على الشياطين وتدوم في سلام مع القريب ؛ ذلك لأنك
قد اقتنيت النوح والاتضاع .
الذي يستطيع أن يحتمل كلمة صعبة من إنسان
مشاكس أحمق ؛ من أجل اللـه ومن أجل سلامة أفكاره ؛ هذا يدعى ابن السلام .
وهو قادر أن يقتني سلام النفس والجسد والروح ؛
فإذا صار هؤلاء الثلاثة في توافق عندئذ يبطل الذين تسلحوا ضد ناموس الروح ؛ وتنتهي
طياشة الجسد ؛ ويُدعى ذلك الإنسان ابن السلام ؛ ويسكن الروح القدس فيه إذ يصير من
خاصته ؛ ولا يهجوه .
الجهاد
مقابل الجبن :
طوبى للذين يعملون أعمالهم بمعرفة ؛ لأنَهم
بذلك يخففونَها من كل ثقل ؛ ويخلصون أنفسهم من خداع الشياطين .
وبالأخص من شيطان الجبن الذي يعطل الإنسان عن
إتيان كل عمل صالح التزمت به نفسه؛ويدفع النفس التي توجه اهتمامها الدائم نحو الَله إلى الكسل ويقنعها بكل وسيلة ممكنة بالنكوص هرباً
من أتعاب هذه السيرة .
لكنني أرى أنه إذا كانت فينا المحبة والصبر
والزهد ؛ فلا يمكن (للشياطين) أن يوفقوا في فعل واحد من أفعالهم ؛ لا سيما إذا كانت
النفس تعلم أن الكسل هو الذي يهدم كل شيء ؛ فتزدري به وترفضه .
الجهاد مقابل روح الحزن ؛ والفقر الاختياري :
إذا كنت قد تركت عنك كل الأشياء المرئية ؛
فتيقظ مقابل شيطان الحزن ؛ بسبب فقرك الكثير وضيق معيشتك ؛ لئلا تعجز عن بلوغ
الفضائل العظيمة التي هي: ألا تظن بنفسك أنك شيء ؛ أن تحتمل الإهانة؛ ألا تجعل لك
اسماً معروفاً في أي أمر من أمور هذا العالم ؛ لأنك إن جاهدت لتقتني هذه الفضائل
فهي تعد لنفسك أكاليل .
لذلك ليس الذين قد تجردوا من كل شيء وصاروا
معوزين من كل ما يُرى ؛ هم وحدهم الفقراء ؛ بل وأولئك الذين تجردوا من كل خبث ؛
وصاروا دائماً جياعاً إلى تذكر اللـه .
كذلك ليس الذين هم في الضيقة الظاهرة ؛ هم
الذين يقتنون عدم الأوجاع؛ بل أولئك الذين لهم الاهتمام الداخلي وقطعوا مشيئتهم
الخاصة؛ هم الذين ينالون إكليل الفضائل .
إفراز الأفكار :
فاضبط نفسك وراقب حواسك ؛ فإذا كان فكرك في
سلام معك فستقبض على اللصوص الذين يسرقونك ؛ لأن الذي يمتحن أفكاره بتدقيق يعرف
تلك التي تريد أن تدخل لتنجسه .
إذا اهتممت بحفظ الوصايا بقلب نشيط ؛ فسوف
تفهم بأي العلل يسبب لك الاضطراب أولئك الذين يعذبونك ؛ لكي بثبطوا همتك ويجعلوك
تختار ( بلا سبب ) طريقاً آخر ؛ إذ أنَهم يقلقون النفس ليجعلوها شاردة وعاطلة .
أما الذين يعرفون خبثهم فيثبتون بغير انزعاج
مقدمين الشكر للـه من أجل المكان أعطاهم إياه ليجاهدوا فيه بالصبر ؛ لأن ذوي الصبر
وطول الروح والمحبة يشكرون من أجل الأحزان والأتعاب ؛ بينما أصحاب الضجر والرخاوة
ومحبة الراحة فيبحثون عن موضع يجدون فيه التكريم ؛ وبسبب مديح الكثيرين لهم تضعف
حواسها وتخضعها الأوجاع حتماً للطياشة وتُهلك قناعتهم الداخلية بواسطة الجولان
والشبع من الأكل .
وقال القديس أيضاً :
إذا
أراد العقل أن يصعد على الصليب قبل أن تُشفى الحواس من أمراضها ؛ فإن غضب اللـه
يأتي عليه ؛ لأنه جسر على عمل أعلى من قامته ؛ قبل أن يشفي أولاً حواسه .
وقال أيضاً :
إذا كنت مشتت القلب ولم تعرف كيف تجمعه ؛ فسبب
ذلك هو أن سلوكك ( سواء كان بإرادتك أو بدونِها ) يدفع فكرك إلى الطياشة ؛ وهذا
الأمر غريب ومخالف لطبيعة آدم .
وقال أيضاً :
إذا كان قلبك يكره الخطية طبيعياً ويبتعد عن
كل ما يولدها ؛ وإذا وضعت الدينونة أمامك بمعرفة ؛ وإذا جعلت نفسك متغرباً من الذي
يجذبك إليه ؛ وصليت بمعرفة إلى خالقك لكي يثبت معك دون أن يدعك تحزنه في شيء ؛
باكياً قدامه قائلاً : " من عندك هي الرحمة فخلصني ؛ لأنه يستحيل عليَّ أن
أفلت من أيديهم بغير معونتك " . متوخياً بكل قلبك ألا تحزن من يعلمك وفق
مشيئة اللـه ؛ فهذا يكون موافقاً لطبيعة يسوع .
لأن الإنسان إذا أكمل كل شيء دون أن يقتني
الاتضاع ؛ والطاعة والصبر ؛ فهو ما يزال في حالة مخالفة للطبيعة .
فسلم قلبك كليةً لطاعة اللـه ؛ مصلياً إليه
بالحق قائلاً : " يارب هاأنذا أمامك ؛ فاجعلنى أهلاً لمشيئتك ؛ لأني أجهل ما
هو نافع لي ؛ حارب أنت عني لأني لا أعرف خبث أعدائي " .
فإن تدبرت بما يوافق طبيعة يسوع ؛ فهو لن
يتركك تخطئ في شيء ؛ أما إذا كنت تحفظ وصية واحدة دون أن تكمل الأخرى ؛ فأنت بعدُ
لم تسلم نفسك لطاعته ؛ فهو لن يهتم بك .
كما أن الحقل لا يستطيع أن يتنازع مع الذي
يعمل على تنقيته من الزوان ؛ ليزرعه بحسب الطبيعة ؛ كذلك ينبغي على الذي سلم ذاته
للـه بمعرفة ألا يعارض في شيء ؛ بل يُحبه أكثر من كل الأشياء المخالفة للطبيعة
والمغروسة في قلبه ؛ التي هي الزوان .
وفي كل مناسبة ينطرح قدامه بمعرفة ؛ بكل قلبه
؛ لكي برحمته الخاصة يطهره من الزوان ؛ ويزرع فيه الزرع الجديد .
فالبزور الموافقة للطبيعة لا تستطيع أن تنبت
وتنمو في نفس الوقت مع الزروع المخالفة للطبيعة ؛ لأنَها تختنق بواسطة الزوان الذي
هو أقل منها نضارة . هكذا الحال بالنسبة لك ؛ فإن لم تتنقَ من الشهوات الجسدية ؛
لا يمكنك أن تحفظ نفسك من الخطية ما لم تتحفظ أولاً مما يلدها ؛ أي من التهاون
الذي هو الأم الشريرة للخطية .
الضجر يلد المشيئة الخاصة ؛ والمشيئة الخاصة
واللامبالاة يلدان الازدراء (بالفضيلة) . القلب الذي يريد أن يفرض رأيه يلد محبة
أحاديث العالم ؛ هذه التي تلد ما هو غير نافع .
إذ يعطي الإنسان أذنه لسماع النميمة ؛ ثم ينقل
الأقوال التي سمعها للآخر ؛ الأمر الذي يدفعه إلى طلب الأشياء العالمية ؛ وهذا
يدفعه إلى أن يعلم دون أن يُسأل ؛ ويذم القريب ؛ ويأتي شروراً أخرى مثلها .
فكل من أحرز تقدماً ؛ أو يروم أن يحرزه ؛
ينبغي عليه أن يحفظ نفسه بمعرفة من كل ما يلد الخطايا فتضعف هي من ذاتِها . فالذي
يجاهد يراها ويدرك مرارتِها ؛ أما من كان متهاوناً فيعد لنفسه العقوبة .
الذي يخشى من تعب الجسد لن يأتي إلى موافقة
الطبيعة ؛ أما الذي يسجد أمام اللـه في كل أتعابه ؛ فاللـه قادر أن يمنحه الراحة .
لأن جدعون لو لم يكن قد حطم القدور ؛ لما رأى
ضوء المشاعل ؛ فكذلك ما لم يزدر الإنسان بالجسد ؛ لن يرى نور اللاهوت .
وكذلك فإن ياعيل امرأة جابر القيني ؛ لو لم
تنزع الوتد من الخيمة ؛ لما أمكنها أن تصرع قائد الجيش سيسرا .
فإذا ما تقوت النفس واستعدت لأتباع المحبة (
التي تبطل جميع أوجاع النفس والجسد ) حينئذ تظهر المحبة ذاتِها في كل أناة ورفق ؛
مع بغضة الحسد والكبرياء ؛ وعدم التفكر بالشر ؛ لأن هذه هي المحبة .
وقال أيضاً :
إذا كان الغضب موافقاً للطبيعة ؛ لن يترك في
القلب شيئاً مما هو مخالف للطبيعة يضغط على النفس . وبالقوة الغضبية يقاوم العقل
كل ما هو مخالف للطبيعة حتى يفصله عما هو موافق للطبيعة .
فإذا بلغ العقل هكذا حقاً ؛ فهو يغلب ويترأس
النفس فيجعلها ترفض قبول أي شيء مما هو مخالف للطبيعة ؛ لأنه يبين لها كل التعديات
التي كانت الأمور المخالفة للطبيعة تؤذيه بِها حين كانت مختلطة مع الأمور الطبيعية
.
وقال أيضاً :
معلمنا يسوع صنع رحمة مع قديسيه حين فصل بين
اللصين على الصليب حيث كان كلاهما مصلوباً وكان هو في وسطهما .
فالذي على اليسار أرتعب حين رأى صداقته
الشريرة مع لص اليمين تنقطع ؛ أما هذا فتطلع إلى يسوع باتضاع ومخافة قائلاً :
" اذكرني متى جئت في ملكوتك " { لو 23 : 42 } .
ومنذ ذلك الوقت صار واضحاً أنَهما ( أي اللصين
) لم يعودا صديقين؛ وأن الذي على اليسار لم يقدر أن يجتذب الآخر إلى تجاديفه
الشريرة ؛ فالذين لم يصلوا بعد إلى هذا السبيل يسقطون ويقومون إلى أن تدركهم
الرحمة .
لهذا ينبغي الاهتمام بالتأمل بمخافة واتضاع ؛
على مثال اللص اليمين ؛ فالاتضاع يهبنا الصبر على احتمال المحقرة . فحينما ينفصل
الإنسان عن اليساري ؛ يعرف بالتدقيق جميع الخطايا التي أقترفها نحو اللـه .
أي أنه لن يرى خطاياه ما لم ينفصل عنها
ويهجرها هجراناً أليماً ؛ والذين وصلوا إلى هذا الحد هم الذين يجدون الدموع
والابتهال والخشية أمام اللـه ؛ عند تذكرهم ألفتهم الشريرة ومصادقتهم للأوجاع .
الرب
قادر أن يقوي أولئك الذين يجاهدون باتضاع في الخفاء ؛ لأن له المجد والكرامة إلى
دهر الدهور . آمين .
وقال أيضاً :
الرسول القديس أعطى
تلاميذه أمراً إذ قال : " الرب قريب ؛ لا تَهتموا بشىء؛ بل في كل شيء قدموا
للـه طلباتكم بالصلاة والدعاء مع الشكر" { كو 3 : 5 } ؛ وأيضاً : "
ليملك سلام اللـه في قلوبكم " .
وفي الإنجيل بحسب القديس
مرقس يقول الرب لتلاميذه : " اغفروا إن كان لكم على أحد شئ ؛ لكي يغفر لكم
أيضاً أبوكم زلاتكم " { مر 11 : 26 } .
أنه لمرعب قول الرب هذا ؛
فإذا رأيت قلبك غير نقي نحو الجميع فلا تطلب شيئاً من اللـه إذ أنك بذلك تُهينه ؛
لأنك وأنت خاطئ تحمل حقداً على إنسان مشابه لك ؛ وتقول لفاحص القلوب : " اغفر
لي خطاياي " . مثل هذا الإنسان لا يصلي بالروح بل بالشفتين فقط ؛ بجهل.
فالذي يريد حقاً أن يصلي للـه
بالروح ؛ أي بالروح القدس ؛ وبقلب نقي ؛ فليفحص قلبه قبل أن يصلي لكي يعرف إن كان
بغير هَم في قلبه من جهة جميع الناس أم لا؛ وإلا فهو يخدع نفسه ؛ إذ ليس من سيسمع
له؛ بما أن الروح لا يصلي بل يتلو فقط صلوات السواعي كما بدافع العبادة .
كذلك ينبغي لمن يريد أن
يصلي بنقاوة أن يفحص نفسه حتى إذ تقول: " اصنع معي رحمة " ؛ تكون أنت
أيضاً قد صنعت الرحمة مع من يطلبها منك . وإذ تقول : " اغفر لي " تغفر
أنت البائس للآخرين . وحين تقول: " لا تذكر تعدياتي " ؛ لا تذكر أنت
فيما بعد زلات قريبك .
وحين تقول : " لا
تذكر الشرور التي فعلتها بإرادتي أو كارهاً " ؛ لا تعود تذكر أنت أيضاً أية
مشاجرة ؛ إذ ينبغي عليك ألا تفكر في أي شيء ضد أي إنسان .
فإن كنت لم تصل بعد إلى أن
تصنع هكذا ؛ فأنت تصلي باطلاً ؛ لأن اللـه بمقتضى جميع الأقوال الإلهية لن يسمع لك
قولك " اغفر لي " .
وقد قال الرب أيضاً في
الصلاة حسب ما جاء في إنجيل القديس متى : "واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن
أيضاً للمذنبين إلينا " ؛ وبحسب القديس لوقا : " إذا غفرتم للناس
زلاتِهم ؛ يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي " .
فهذه هي المحبة كلها قد
أظهرتُها لك ؛ ما تريد أن يكون لك من قِبل اللـه اصنعه أنت أولاً ؛ وحينئذٍ تحظى
بالعفو بحسب القياس الذي نجحت في بلوغه في تعاملك مع الناس ؛ فإن كنت تعمل على
تنقية قلبك من جهة كل الخليقة حتى لا يكون فيه أي حقد مقابل أي أحد ؛ فيجب عليك
ألا تقتصر الأمر على كلام اللسان فقط ؛ لأن اللـه حق .
كل إنسان يربط نفسه بنفسه
إلى جهنم ؛ أو يفك نفسه بنفسه منها ؛ لأن ليس شيء أكثر صلابة من قوة الإرادة حين
تجنح نحو الموت أو الحياة؛ فطوباهم إذاً الذين يحبون الحياة الأبدية لأنَهم لن
يعثروا .
وقال أيضاً :
هناك صراع قلبي خفي ؛
بالتعب والمشقة مقابل الفكر الذي يضغطك لكي تصد سهمه كي لا يجرح قلبك ويصير من
الصعب عليك أن تداويه إذا لم تدقق في أن تضع كل يوم خطاياك أمامك .
فإذا أدركت أن شخصاً ما
تسبب في معاناتك من أية أذية ؛ لاحظ إرادتك الصالحة أن لا تكافئه في قلبك ؛ بأن
تلومه أو تدينه ؛ أو تغتابه .
أو تسلمه لأفواه الآخرين ؛
وبعدئذ تفكر هكذا : " أنه لم تصبني أية أذية " . فإن كانت فيك مخافة
جهنم ؛ فهي تتغلب على الأردياء الذين يريدون منك أن ترد الإساءة للقريب ؛ فقل
لنفسك : " يا شقي هوذا أنت تصلي من أجل خطاياك واللـه يحتملها حتى الآن دون
أن يُظهرها ؛ بينما تثور أنت على قريبك وتطرحه لألسنة الناس ؛ من البين إذاً أن
خطاياك مازالت قائمة وأنك لم تحظ بعدُ بأي غفران " .
فإذا تحنن قلبك على قريبك
؛ وحفظت نفسك من الأفكار الشريرة ؛ تحظى حينئذٍ بالرحمة من اللـه أما إذا تقسَّى
قلبك عليه فلن يذكرك اللـه
وقال أيضاً :
اغفروا لي فإني عادم من كل
شئ ( صالح ) ومذلول للخطايا ؛ أنني أكتب هذا والخزي يغطي قلبي ؛ إذا لم يأتي
الإنسان إلى مطابقة طبيعة ابن اللـه فجميع أتعابه باطلة ؛ فالزارع الذي يلقي بذاره
يتوقع محصول أوفر بكثرة ( من البذار ) ؛ فإذا ما أفسدته الرياح ملأ الحزن قلبه
بسبب ضياع البذور والجهود التي بذلها في إعداد الأرض .
وقال أيضاً :
حين صُلب الرسول بطرس في
روما ؛ طلب أن يُصلب مُنكس الرأس ؛ مُظهراً بذلك مخالفة الطبيعة الذي أستحوذ على
جميع الناس مريداً أن يقول: إن كل من نال المعمودية ؛ وجب عليه أن يصلب الشرور
المخالفة للطبيعة؛ التي استولت على آدم ؛ وجعلته يسقط من مجده إلى مذلة رديئة وخزي
أبدي .
فينبغي إذاً أن تجاهد
النفس بكل شجاعة ؛ وتبغض بغضة شديدة كل ما يراه الناس مما يزرعه العدو فيهم حتى
النهاية .
وهذه هي الأمور الأساسية
التي تضني جميع أبناء آدم : المكسب ؛ الكرامة ؛ طلب الراحة ؛ التفاخر بما سيتركه
الإنسان ؛ تزين الجسد ليصير جميلاً وفي صحة جيدة ؛ وطلب الثياب البهية .
هذه تغذي شهوة التلذذ التي
ألقتها الحية في فم حواء ؛ ونحن نعلم أننا أولاد لآدم ؛ من هذه الأفكار الشريرة
التي تجعلنا أعداءً للـه .
مغبوط هو الذي صُلب ومات ؛
ودفن وقام في جدة الحياة إذا أتى إلى مطابقة طبيعة يسوع ؛ مقتفياً آثاره المقدسة
التي اختطها لفعلته القديسين حين صار إنساناً فهذه كلها تخصه : الاتضاع والتنازل ؛
والمسكنة والفقر؛ التسامح والسلام ؛ واحتمال الإهانة ؛ وعدم الاهتمام بالجسد ؛
الشجاعة مقابل كل مكايد الأردياء .
وما هو أسمى كثيراً من ذلك
؛ سبق المعرفة بكل شيء ؛ وملاقاة جميع الناس بالحب ؛ فالذي يصل إلى تحقيق ذلك
ويستأصل كل ما هو مخالف للطبيعة ؛ هو بالحقيقة من يختص بالمسيح ؛ وهو ابنٌ للـه ؛
وأخ ليسوع ؛ الذي له المجد والسجود إلى دهر الدهور آمين .
L
الميمر التاسع عشر
الأوجاع
حضور الروح القدس علامة على موت الأوجاع :
إنني أود أنا أيضاً أن أقول مع إشعياء :
" إنني أصبر حتى أيبسها وأهلكها " . { أش 42 : 14 } .
فإذا علمت أن نبع الروح القدس يفيض داخلك ؛
فهذه علامة أن الأوجاع قد جفت وبطلت ؛ كما قال مخلصنا : " ملكوت اللـه ليس ها
هنا أو هناك ؛ بل هو داخلكم " . { مر 14 : 21 } . ويقول الرسول أيضاً :
" ملكوت اللـه ليس بكلام بل بقوة " { 1 كو 4 : 20 } .
فالبعض قد يتكلمون عن أعمال الملكوت ولكن دون
أن يكملوها ؛ وآخرون يكملون أعمال الملكوت ؛ لكنهم يتكلمون بغير انتباه أو معرفة ؛
أما الذين يكمل فيهم قول المخلص " ملكوت السماوات داخلكم " ؛ فهم قلة
نادرة ؛ ويصعب أن نجدهم .
هؤلاء يحل عليهم روح اللـه القدوس ؛ وفيهم
يكمل قول يوحنا الإنجيلي: " أما المؤمنون باسمه ؛ فأعطاهم السلطان أن يصيروا
أولاد اللـه؛ الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل ؛ بل من
اللـه " { يو 1 : 12 ـ 13 } .
فرح أولئك الذين يحملون المسيح على مثال
العذراء مريم ؛ هؤلاء الذين أعتقوا من مرارة القضاء الذي حلَّ بآدم : " الأرض
تصير ملعونة بسبب أعمالك " { تك 3 : 17 } .
هؤلاء هم الذين أقتبلوا الفرح الذي قبلته مريم
: " روح اللـه تحل عليكِ ؛ وقوة العلي تظللكِ " { لو 1 : 35 } .
فكما أن الحزن قد حلَّ بحواء ونسلها حتى الآن
؛ كذلك حلَّ الفرح على مريم ونسلها إلى الآن ؛ ولهذا كما كنا أولاً أبناء لحواء
وعرفنا لعنتها التي حلت علينا بسبب أفكارنا الدنيئة ؛ هكذا أيضاً ينبغي أن نعرف
أننا قد ولدنا من اللـه بأفكار الروح القدس وآلام المسيح ؛ إن كانت قائمة حقاً في
أجسادنا ؛ لأنه مكتوب في الرسائل : " امتحنوا أنفسكم لتعرفوا إن كان المسيح
فيكم ؛ إن لم تكونوا مرفوضين . { 2كو 13 : 5 } .
لأننا حينما كنا نحمل صورة الترابي { 1كو 15 :
49 } كنا نعرف أننا أبناء الترابي ؛ بسبب الأمور الدنيئة التي تشغل أفكاره التي
تسكن فينا أي الأوجاع .
أما الذين يحملون صورة السمائي فيعرفون أنَهم
أبناء السمائي بسبب روحه القدوس الذي يسكن فيهم .
فإشعياء النبي يصرخ قائلاً : " بمخافتك
يارب تصورنا ؛ ولدنا ؛ أفضنا روح خلاصك على الأرض " . وجاء أيضاً في الجامعة
: " مثل العظام في بطن الحبلى هكذا طريق الروح " .
لأنه كما أن العذراء القديسة حملته في الجسد ؛
هكذا أولئك الذين أقتبلوا نعمة الروح القدس يحملون في قلوبِهم كقول الرسول :
" ليحل المسيح بالإيمان في الإنسان
الباطن ؛ في قلوبكم ؛ وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا
جميع القديسين ".
وأيضاً : " لنا هذا الكنز في أوان خزفية
؛ ليكون فضل القوة للـه لا منا " .
النفس
المخطوبة للرب :
كذلك إذا أدركت من يقول : " نتغير إلى
تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد " ؛ وتحقق فيه قول الرسول القائل : "
ليملك في قلوبكم سلام اللـه " .
وأن الذي هو فيك هو المسيح يسوع؛ وإذا كنت قد
بلغت هذا القول: " من ظلمة أشرق في قلوبكم نور معرفة اللـه " .
وكمل فيك قوله : " لتكن أحقائكم ممنطقة
وسرجكم موقدة ؛ وأنتم مثل عبيد ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس " ؛ "
كي لا يستد فمك بغير عذر وسط القديسين ؛ وعرفت كالعذارى الحكيمات أنه يوجد زيت في
وعاءك به تدخل إلى العرس ولا تقف خارجاً " .
إذا أحسست أن روحك ونفسك وجسدك قد أتحدو بلا
انفصال وسيقدمون بغير دنس في يوم ربنا يسوع المسيح ؛ وكنت لا تُلام به ؛ أو تُدان
من ضميرك ؛ وقد صرت طفلاً صغيراً كقول الرب : " دعوا الأولاد يأتون إليَّ ؛
لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات " { مت 19 : 14 } .
حينذاك تكون نفسك قد صارت له عروساً مخطوبة ؛
وقد جعلك روحه القدوس وارثاً وأنت بعد في الجسد ؛ أما إذا لم يكن الأمر هكذا ؛
فأعدد نفسك للحزن والأنين ؛ لأن الخزي والعار يستقدمانك في حضرة القديسين .
الحث
على الجهاد :
فأعلم أنه كما أن العروس المخطوبة حين تنهض كل
يوم ؛ ليس لها شغل آخر سوى أن تتزين لعريسها ؛ فتتطلع كل حين في مرآتِها لئلا يصدف
أن يكون في سيمائها أية شائبة فتُحزن بذلك عريسها .
كذلك فإن اهتمام القديسين الأعظم هو أن يفحصوا
أفكارهم ليلاً ونَهاراً ؛ ليتأكدوا إن كانت خاضعة لنير الروح القدس أم لا .
جاهد إذاً يا أخي باهتمام في أتعاب القلب
والجسد ؛ بمعرفة واعية ؛ لكي تقتني هذا الفرح الأبدي ؛ لأن قليلين هم الذين
يستأهلون له ؛ أولئك الذين اقتنوا سيف الروح { أف 6 : 17 } ؛ وطهروا أنفسهم
وحواسهم من كل دنس كقول الرسول { 2كو 7 : 1 } .
فليت اسمه القدوس يكون لضعفنا عوناً ؛ حتى
نستحق أن نبلغ مع قديسيه . آمين .
M
الميمر العشرون
التواضع
سُئل
الأب إشعياء : ما هو التواضع ؟
فأجاب : الاتضاع هو أن يعتبر الإنسان نفسه
خاطئاً ؛ وأنه لم يفعل قط شيئاً من الصلاح أمام اللـه .
وأعمال التواضع هي : السكوت ؛ ألا يزكي
الإنسان نفسه في شيء ؛ ألا يحب المجادلة ؛ الخضوع ؛ أن يتجه نظره إلى الأرض ؛ أن
ينظر الموت قدام عينيه ؛ أن يحفظ نفسه من الكذب ؛ ألا ينشغل بأحاديث باطلة ؛ ألا
يلاجج من هو أكبر منه ؛ ألا يفرض رأيه ؛ أن يحتمل الإهانة ويبغض الراحة ويغصب نفسه
للعمل ؛ أن يسهر على قطع مشيئته ؛ وألا يغضب إنساناً .
فأحرص إذاً يا أخي أن تكمل هذه الوصايا بتدقيق
لئلا تصير نفسك مأوى لجميع الأوجاع ؛ بل كن يقظاً تجاه كل واحد منها ؛ لئلا تقضي
حياتك بغير ثمرة إلى النهاية .
N
الميمر الحادي والعشرون
سُئل
أنبا إشعياء : ما هي التوبة ؟ أو ما الهروب من الخطية ؟
فأج