@

باسم الآب والابن والروح القدس
أقوال وميامر
القديس
مار إشعياء الإسقيطي
 

 

 

 

 


 

 

@

الميمر الأول

 

وصايا إلى الإخوة المقيمين معه

 

    أنتم الذين تريدون السكنى معي أنصتوا باسم اللـه : ليجلس كل واحد وحده في قلايته بمخافة اللـه ؛ لا تَهملوا عمل أيديكم لأجل وصية اللـه ؛ لا تتوانوا عن التأمل والصلاة الدائمة .

    احرسوا قلوبكم مقابل كل الأفكار الغريبة ؛ كي لا ينشغل القلب بأي إنسان ، أو بأي عمل من أعمال هذا العالم ؛ بل داوموا فحص ذواتكم لتعلموا فيما تعثرون .

    جاهدوا أن تقوَّموا نفوسكم طالبين اللـه من قلب حزين ؛ بالدموع والأتعاب لكي يغفر لكم؛ ويحفظكم من معاودة السقوط في نفس الخطايا.

    اجعلوا الموت أمام أعينكم كل يوم؛ وتفكروا في خروجكم من الجسد؛ كيف تفلتون من قوات الظلمة التي تأتي عليكم في الهواء ؛ وكيف تلاقون اللـه بلا عائق .

    تأملوا ذلك اليوم الرهيب ؛ يوم الدينونة ومجازاة كل أحد على كل عمل وقول وفكر ؛ ذلك لأن كل شئ عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي سنقدم أمامه الجواب . (جا9:11 ، عب13:4) .

    بغير حاجة ضرورية لا تتكلموا ألبته ، سواء كنتم على المائدة أو في الكنيسة ؛ ولا تصححوا خطأ الذي يسبح بينكم ، ما لم يكن هو الذي طلب منكم ذلك .

    ليعمل كل واحد منكم في المطبخ أسبوعاً بالتناوب فيما بينكم بمخافة اللـه ؛ دون أن تبطلوا هذيذكم .

    لا يدخل أحد قلاية أخيه أبداً ؛ ولا يطلب قبل الموعد أن يراه .

    لا ينظر أحدكم إلى أخيه ليرى إن كان قد عمل أكثر منه ؛ أو أن أخاه قد عمل أكثر منه .

    إذا خرجتم للعمل فلا تتكلموا باطلاً ؛ ولا تكن بينكم دالة ؛ بل ليكن كل واحد بمخافة اللـه متيقظاً لنفسه سراً ؛ منتبهاً إلى عمل يديه ؛ وهذيذه ؛ وقلبه .

    إذا انتهت الخدمة (الصلاة) ؛ أو إذا قمتم عن المائدة لا تجلسوا معاً لتتحادثوا ؛ لا بأقوال اللـه ؛ ولا بأقوال العالم ؛ بل ليرجع كل واحد إلى قلايته ليبكي على خطاياه .

    وإذا كانت هناك ضرورة داعية إلى الكلام فيما بينكم؛ فليكن باختصار على قدر إمكانكم ؛ وباتضاع ووقار متذكرين أن اللـه ناظرٌ إليكم .

    لا تتخاصموا على شيء فيما بينكم ؛ ولا تغتابوا أحداً أو تدينوه ؛ لا تحتقروا أحداً ؛ لا بالفم ولا في القلب .

    لا تتذمروا على أحد ؛ ولا تخرج كلمة كاذبة من أفواهكم قط .

    لا تشتهوا أن تقولوا أو تسمعوا شيئاً مما ليست لكم فيه منفعة .

    لا تقبل شراً على قريبك في قلبك ؛ لا حقداً ولا حسداً ؛ ولا يكن على فمك شيء وفي قلبك شيء آخر ؛ لأن اللـه لا يُخدع ؛ إذ هو يرى الخفايا والظاهرات . (غل7:6) .

    لا تخفي فكراً أو تجربة أو هوى أو ظناً مما لك ؛ بل أكشفها بكل صراحة لأبيك ؛ وجاهد لكي تكمل بإيمان كل ما تسمعه منه .

    احرصوا ألا تُهملوا حفظ وصاياي ؛ وإلا فسامحوني لو رفضت سكناكم معي ؛ إذا حفظتم وصاياي سراً وعلناً ؛ سأكون أنا الذي يعطي أمام اللـه الجواب عنكم ؛ وإذا لم تحفظوها فسوف يسألكم الجواب عن إهمالكم .

    كما وعن عدم انتفاعكم بي ؛ أما الذي يحفظ وصاياي هذه في السر وعلانية ؛ يحفظ الرب الإله حياته من كل شر ؛ ويحفظه من كل تجربة قد تأتي في الخفاء أو في الظاهر .

    أُناشدكم يا إخوتي أن تعلموا لأي سبب خرجتم من العالم ؟ ولماذا أتيتم إلى هنا ؟ لكي لا يكون خروجكم باطلاً ؛ فتخزوا أمام اللـه وأمام قديسيه الذين أنكروا كل شيء من أجله وجاهدوا .

    اهتموا أن تبعدوا عن المخاصمات ؛ وتمارسوا الإماتة ؛ والاتضاع ؛ وقطع المشيئة بمعرفة في كل شيء  ؛ وعدم اعتمادك على برك ؛ بل جعلك خطاياك كل حين نصب عينيك ؛ هذه كلها تولد فيك الفضائل .

    وأعلم كذلك أن الراحة ومحبة الأتساع والمجد الباطل تتلف جميع ثمار الراهب .

 

 

 

@

 

 

   

الميمر الثاني

عن حالة الروح الطبيعية

وكذلك عن الخلاص الذي تم بالمسيح

والعودة إلى مطابقة الطبيعة

 

    لستُ أريد أن تجهلوا يا إخوتي ؛ أنه منذ البدء لما خلق اللـه الإنسان ؛ وضعه في الفردوس بحواس سوَّية ومستقرة في حالتها الطبيعية ؛ لكنه لما سمع للمُضل ؛ ارتدت كل حواسه إلى حالة مخالفة للطبيعة ؛ وبالتالي سقط من مجده .

    أما الرب ؛ فمن أجل محبته العظيمة أشفق على جنس البشر ؛ وصار الكلمة جسداً (يو14:1) ؛ أي إنساناً كاملاً مشابِهاً لنا في كل شيء ما خلا الخطية (عب14:4) ؛ لكي يعيد كل ما هو مخالف للطبيعة إلى حال مطابق للطبيعة بواسطة جسده المقدس .

    وهكذا إذ ترأف على الإنسان ردَّه إلى الفردوس ؛ مُنهضاً جميع الذين يتبعون خطواته (1بط21:2) ويسلكون بحسب الوصايا التي أعطانا إياها ؛ لكي نغلب الذين غلبونا وأقصونا عن مجدنا ؛ واضعاً لنا خدمة مقدسة وناموساً نقياً ؛ لكي نثبت في الحالة الطبيعية {الأولى} التي خُلقنا عليها .

    أما الذي يريد أن يبلغ حالة المطابقة للطبيعة ؛ فليقطع عنه كل مشيئاته التي بحسب الجسد ؛ إلى أن يصير ثابتاً في الحالة الطبيعية .

الأوجاع المخالفة للطبيعة :

    يوجد في النفس اشتياق طبيعي نحو اللـه ؛ وبدون الاشتياق لا توجد محبة ؛ لذلك دعي دانيال " رجل الاشتياقات " . ( دا 23:9 ) .

    هذه المحبة قد حولها العدو فينا إلى شهوة الخزي ؛ التي تحملنا على اشتهاء كل ما هو غير طاهر .

    كذلك توجد في النفس الغيرة التي بحسب الطبيعة ؛ وبدون الغيرة لأجل اللـه لا يوجد تقدُّم ؛ كقول الرسول " غيروا للمواهب العظمى " .

    وهذه الغيرة التي لأجل اللـه ؛ تحولت فينا إلى ما هو على خلاف الطبيعة ؛ فصرنا نغار ونحسد بعضنا بعضاً ؛ ونفتري أحدنا على الآخر .

    كما يوجد في النفس الغضب الذي بحسب الطبيعة ؛ والذي بدونه لا توجد في الإنسان أية نقاوة ؛ لأنه به يحقد على ما يزرعه فيه العدو .

    لذلك نرى أن فينحاسُ بن ألِعازار حينما أحتدّ طعن الرجل والمرأة ؛ وبذلك سكن سخط الرب على شعبه ( عد 7:25 ) .

    أما نحن فقد تحول فينا هذا الغضب "الطبيعي" إلى غضب ضد القريب ؛ من أجل أمور باطلة ؛ ومخالفة للصواب .

    توجد في النفس أيضاً الكراهية التي بحسب الطبيعة ؛ تلك التي لما أحتدَّ بِها إيليا قتل جميع أنبياء الخزي ( 1مل 40:18 ) .

    كذلك فعل صموئيل مع أجاج ملك عماليق ( 1صم 23:15) ؛ وبدون الكراهية للعدو " وأعماله " لا يستعلن للنفس المجد .

    أما نحن فقد تبدلت هذه الكراهية فينا فصارت على خلاف الطبيعة ؛ إذ جعلتنا نبغض القريب ونحتقره ؛ مع أن البغضة تطرد جميع الفضائل .

    كذلك يوجد في النفس الشموخ الذي بحسب الطبيعة مقابل العدو ؛ هذا الشموخ الذي أنفصل به أيوب عن أصحابه أعدائه بقوله : " وكانوا محتقرين ومرذولين ؛ مفتقرين إلى كل صلاح" ؛ " الذين كنت أستنكف أن أجعلهم مع كلاب غنمي " ( أي 1:30 ) .

    أما بالنسبة إلينا فقد تبدل هذا التشامخ مقابل أعدائنا فصار مذلة ؛ فضلاً عن أننا امتلأنا بالتشامخ الواحد على أخيه ؛ نزدري بعضنا بالبعض مبررين نفوسنا على حساب قريبنا؛ وبسبب كبريائنا جعلنا اللـه عدواً لنا.

    هذه " الطبائع " كلها قد خلقت في الإنسان ؛ هي التي لما أكل الإنسان من شجرة العصيان ؛ تحولت فيه إلى الأوجاع المخزية .

    فلنجتهد إذاً أيها الأحباء أن ننعتق منها ؛ ونقتني ما أظهره لنا ربنا يسوع المسيح في جسده المقدس ؛ لأنه قدوس ويستريح في القديسين . 

    فلنسهر على أنفسنا لكي نرضي اللـه ؛ مكملين أعمالنا قدر استطاعتنا ولنقايس كل عضو من أعضائنا لكي يصير مطابقاً للطبيعة (رو13:6،19 * أف16:4).

    ذلك لكي نجد رحمة في ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كله (لو26:21 * رؤ10:3) .

    ونبتهل كل حين إلى صلاحه لكي يسند بمعونته ضعفنا ؛ ويخلصنا من أعدائنا ؛ لأن له القدرة ؛ ومنه المعونة والعزة ؛ إلى دهر الدهور ؛ آمين .

 

 

 

A

 

 

 

 

الميمر الثالث

 

وصايا للمبتدئين

 

    إننا نحتاج قبل كل شيء إلى الاتضاع ؛ فكن مستعداً دائماً أن تقول : "اغفر لي" إزاء كل كلمة تسمعها ؛ أو في أي عمل تعمله ؛ لأنك بالتواضع تَهزم كل ما يأتي عليك من العدو .

    لا تثق بنفسك في أي عمل من أعمالك ؛ لكي تبقى بلا اضطراب في أفكارك .

    لتنِم طلعتك عن رزانتك ؛ لكن كن بشوشاً مع الغرباء ؛ كي يسكن خوف اللـه فيك .

    إن سرت مع إخوة في طريق ؛ تباعد عنهم قليلاً لكي تحفظ سكوتك ؛ وفي مشيك لا تلتفت يمنه أو يسره؛ بل هِذَّ بفكرك وصلِّ إلى اللـه بقلبك.

    أي موضع تصله لا تسلك فيه بدالة ؛ لكن كن جاداً في كل أمر .

    أيما يوضع على المائدة أمامك ؛ أمدد إليه يدك كمن يغصَب ليأكل ؛ وإن كنت شاباً لا تقبل أن تمد يدك لتضع شيئاً في فم آخر .

    الموضع الذي تنام فيه لا تتغطَّ مع آخر بغطاء واحد ؛ وصلِّ في قلبك صلوات كثيرة قبل أن تنام .

    إن كنت قد تعبت في الطريق وأردت أن تُدهَّن بقليل زيت بسبب تعب السفر ؛ فلا تَدهن إلا قدميك فقط بسبب استحيائك من كشف جسدك ؛ ولا تدع أحد يدهن لك جسدك ؛ إلا عند الضرورة في حالة المرض .

    إذا كنت جالساً في قلايتك وأتاك أخ غريب ؛ أصنع هكذا معه :

    أدهنه فإن لم يُرد بسهولة فلا تكرهه ؛ أما إذا كان شيخاً عمالاً فألح عليه حتى تدهنه كله بالزيت .

    إذا جلست على المائدة مع إخوة وأنت بعد شاب ؛ فلا تقل لأحد أن يأكل شيئاً تمتدحه له ؛ بل أذكر خطاياك كي لا تأكل بتلذذ ؛ وأمدد يدك إلى ما هو قدامك فقط ؛ ولا تمدها إلى ما هو قدام آخر غيرك .

    لتغطِ ثيابك قدميك وركبتاك مضمومتان أحدهما إلى الأخرى .

    وإن كان هناك ضيوف على المائدة فأعطهم ما هم في حاجة إليه بموّدة؛ فإذا كفوا عن الأكل قل لهم مرتين أو ثلاثاً : اصنعوا معي محبة وكلوا أيضاً قليلاً .

    لا ترفع رأسك نحو جارك أثناء الأكل ؛ ولا تلتفت هنا وهنالك ؛ ولا تتكلم كلمة فارغة ؛ ولا تمدد يدك نحو شيء تريده دون أن تقول : "بارك يا أبي" ؛ وإذا شربت الماء لا تدع حلقك يحدث صوتاً مثل أهل العالم .

    إن كنت جالساً مع إخوة واضطررت للبصاق ؛ فلا تبصق أمامهم ؛ بل قم وألقه خارجاً .

    لا تتمطى على مرأى من أحد ؛ وإذا جاءك التثاؤب لا تفتح فمك فيذهب . إذا اضطررت إلى الضحك فلا تفتح فمك واسعاً ؛ لأن هذا علامة عدم المخافة .

    لا تشته شيئاً مما تراه لصاحبك ؛ لا قميصه؛ ولا قلنسوته ؛ ولا منطقته؛ ولا تكمل شهوتك وتصنع لك مثله .

    إن عملت لكَ مجلداً فلا تزينه ؛ فإن ذلك يعرض لكَ شهوة من الوجع.

    إن أخطأت في أمر ما فلا تستح وتكذب ؛ بل أعمل مطانية وقل "اغفر لي" فتنقل عنكَ خطيتكَ .

    إذا وجَّه إليك إنسان كلمة قاسية ؛ فلا يستكبرن قلبك عليه ؛ بل بادر وأصنع له مطانية قبل أن تتولد الملامة عليه في قلبك ؛ وإلا فالغضب يداهمك سريعاً .

    إذا افترى عليك أحد في شيء فلا تحتد ؛ بل أصنع مطانية سواء كنت تعلم بالأمر أم تجهله ؛ وقل : " اغفر لي فلن أعود إلى مثل ذلك ثانية " .

    فهذه كلها هي التي تأتي بالشباب حقاً إلى النمو .

    إن كنت تمارس عمل يديك ؛ فلا تتوانى ألبته ؛ بل أهتم به بمخافة اللـه كي لا تخطئ دون وعي .

    في كل عمل يدوي تتعلمه ؛ قل لمن يعلمك ولا تستح أن تكرر له القول " اصنع محبة وأنظر إن كان عمل جيداً أم لا " .

    إن دعاك أخوك وأنت منشغل بعمل يديك ؛ أسرع لترى ما الذي يريده منك ؛ وأنجز معه شغله تاركاً عملك .

    إذا فرغت من تناول الطعام ؛ فأدخل قلايتك وأكمل صلواتك ؛ ولا تجلس للتحدث مع من لا ينفعك ؛ أما إن كانوا شيوخاً يتكلمون بكلام اللـه ؛ فقل لأبيك : " هل أجلس لأستمع ؛ أم أنصرف إلى قلايتي ؟ " ؛ وكل ما يقوله لك أفعله .

    إذا أرسلك أبوك خارجاً لقضاء حاجة ؛ قل له : " إلى أين تريدني أن أذهب ؟ وما الذي تحتاجه ؟ " . وكل ما يقوله لك أعمله دون أن تزيد عليه أو تنقص منه .   إن سمعت خارجاً أحاديث فلا تحفظها لترددها لآخر حال عودتك ؛ فإنك إن حفظت أذنيك فلن يخطئ قط لسانك .

    إن أردت أن تصنع أمراً لا يهواه الأخ الساكن معك ؛ فأقطع هواك لأجله ؛ لكي تتجنب المخاصمة ؛ وحتى لا تحزنه .

    إذا سكنت كغريب مع أخ في مسكنه ؛ فلا تأمره بشىء ؛ ولا تشتهي أن تكون عليه رئيساً .

    إذا سكنت مع إخوة فلا تشتهي أن يشركوك معهم في أحاديثهم ؛ وإن طالبوك بأمر لا تَهواه ؛ فأرفض مشيئة نفسك وأتممه كي لا تحزنَهم ؛ فتفقد وقارك وسلامة سكناك معهم .

    إذا كنت ساكناً مع أخ وسألك قائلاً : أطبخ لي شيئاً . قل له : ماذا تريد أن أعمل ؟ فإن ترك لك الاختيار قائلاً : كما تريد . فمهما وجدته "موافقاً له " أطبخه بخوف اللـه .

    إذا كنتم ساكنين معاً وعرض لكم عملٌ شاق؛ فأجمع الكل معاً لتأديته؛ فلا تشفق على جسدك حرصاً على ضمير الآخرين .

    إذا قمت باكر كل يوم؛ فقبل أن تقوم بعمل يديك أتلُ في كلام اللـه؛ وإن كان لديك شيء يحتاج الإصلاح سواء كان قفة أو وعاء أو أي شيء آخر ؛ فأعمل ذلك بِهمة وبلا تواني .

    وإن قمت بعمل مقابل أجر فأشرك فيه أخاك معك ؛ فلا تكن طامعاً ؛ فإن كان هذا العمل قليل الأهمية وأجابك أخوك عنه قائلاً : أمضي أنت في عملك فأمضي أعمله أنا وحدي ، أطعه ؛ فالذي يطيع هو الأعظم .

    إذا جاءَك أخ غريب ليكن وجهك أمامه مبتهجاً حين سلامك عليه ؛ وأحمل عنه أحماله بسرور ؛ وكذلك تفعل معه إذا أرد الانصراف ؛ ولتودِّعه بلياقة وبخوف اللـه لكي لا يتأذى من ألم ما .

أحذر أن تسأله عن أمور غير نافعة ؛ بل أجعله يصلي صلاة ؛ وعندما يجلس قل له : كيف حالك ؟ ولا تزد على ذلك ؛ وأعطيه كتاباً ليتلوا فيه؛ فإن كان قد جاءك مُتعباً ؛ فأعمل على إراحته ؛ وأغسل له قدميه .

    فإذا حدثك بكلام غير لائق ؛ قل له بمحبة : اغفر لي فإني ضعيف ؛ ولست أقوى على احتمال هذا " الكلام " .

    وإن كان ضعيفاً وثيابه متسخة ؛ أغسلها له ؛ وإن كان وضيع الحال وثيابه متسخة وممزقة خيطّها له .

    أما إذا كان واحداً من الطوّافين ؛ وتصادف أن كان عندك بعض المؤمنين فلا تدخله إليهم ؛ بل أصنع معه صدقة لأجل محبة اللـه .

    وإن حل عندك أخ غريب في سفره باسم اللـه ؛ فلا تصرف وجهك عنه ؛ بل بالعكس أقبله بفرح بين المؤمنين الذين لديك ؛ فإن كان فقيراً لا تدعه يمضي فارغاً ؛ بل أعطه البركة التي أعطاك اللـه إياها ؛ عالماً أن كل شيء لك ليس هو ملكك ؛ إنما هو عطية من اللـه .

    إذا استودعك أخ وديعة فلا تفتحها في غيابه لتعرف ما بِها ؛ وإن كانت الوديعة ثمينة ؛ قل له : سلمّها لي بالتمام .

    إن ذهبت إلى ضيعة وحللت عند إنسان في منزله ؛ ثم خرج وتركك وحدك ؛ فأحذر أن ترفع رأسك لتبصر شيئاً مما عنده ؛ ولا تفتح شيئاً ؛ باباً ؛ أو صندوقاً ؛ أو كتاباً ؛ بل عند خروجه قل له : أعطني عملاً لأعمله حتى تعود ؛ وأعمل ما يوصيك به بلا كسل .

    لا تثنِ على ما لم تراه ؛ ولا تتحدث على ما سمعته كما لو كنت قد رأيته .   لا تحتقر أحداً من أجل ملابسه .

    إذا جلست لقضاء حاجة الطبيعة فلا تتوانَ ؛ بل اذكر أن اللـه ناظرٌ إليكَ .

    إذا وقفت في قلاتيك لتصلي ساعاتك ؛ فلا تفعل ذلك بتهاون وكسل؛ لأنك بذلك تغضب اللـه بدلاً من أن تكون تكرمه .

    لكن قف بخوف اللـه ؛ لا تتكئ على الحائط ورجلاك مرتخيتين ؛ ولا تستند بواحدة وتريح الأخرى كالجهال ؛ جاهد مقابل قلبك لكي لا يخطئ تابعاً مشيئاته ؛ حتى يقبل اللـه ذبيحتك .

    إن كنتم تسبحون معاً " تقرءون صلواتكم " في اجتماعكم ؛ فليقل كل واحد منكم صلواته ؛ وإن وجد بينكم غريب ؛ فاسألوه بمحبة أن يتلو أيضاً الصلوات ؛ ألحوا عليه مرتين أو ثلاث مرات دون إكراه .

    في وقت تقدمة القربان " القداس " جاهد مع أفكارك لكي توقف حواسك بخوف اللـه ؛ لتكون مستحقاً للأسرار المقدسة فيشفيك الرب .

    أحرص ألا تترك جسدك في حالة لا تليق بسبب قذارته ؛ لئلا يسرقك المجد الباطل ؛ أما الشاب فليترك جسده بغير اهتمام ؛ لأن هذا نافع له ؛ كذلك لا يلبس الشاب ثياب جيدة حتى يبلغ الشيخوخة؛لأن هذا دواء له.

    أما النبيذ ؛ فلا يزد " الشاب " عن ثلاثة كؤوس في حالة الضرورة ؛ ولا يكشف أسنانه إذا ما ضحك ؛ بل ليكن ناظراً بوجهه إلى الأرض بخشية .

    إذا ذهب لينام فليحفظ بمنطقته ؛ ويحرص ألا يدخل يده داخل ملابسه؛ لأن الجسد مملوء أوجاعاً إن وافقه القلب .

    إن اضطر للخروج فليلبس صندله إلى أن يعود إلى قلايته ؛ إذ ينبغي أن يتعود على ألا يلبسه في قلايته .

    وإذا مشى فليثبت يديه على جانبيه ولا يتركهما تَهتزان مثل العلمانيين.

    إذا سرت مع من هو أكبر منك ؛ فلا تتقدمه أبداً ؛ فإذا ظل واقفاً يتكلم مع آخر فإياك أن تحتقره وتجلس ؛ بل أثبت واقفاً حتى يرتب لك ما يجب أن تعمله .

    إذا ذهبت إلى مدينة أو قرية ؛ فليكن نظرك مطرقاً إلى أسفل ؛ لئلا تسبب لك من ذلك محاربات داخل قلايتك .

    لا تَبيْت خارجاً في بيت تخشى أن تخطئ فيه بقلبك .

    إذا دعيت لتأكل " عند إنسان " وعلمت أن هناك امرأة ستأكل معك ؛ فلا تجلس ألبته ؛ لأنه خير لك أن تحزن الذي دعاك ؛ من أن تزني خفية في قلبك .

    وإن استطعت فلا تبصر ولا حتى ثياب النساء ؛ وإن كنت في طريق وقالت لك امرأة : السلام لك . فجاوبَها في قلبك ؛ وعيناك ناظرتين إلى أسفل .

    إذا ذهبت في طريق مع شيخ ؛ فلا تدعه يحمل أحمالك ؛ فإن كان كلاكما شاباً ؛ فليحملها كل منكما قليلاً ؛ والذي يحمل فليتقدم المسيرة .

 

 

 

 

 

B

 

 

 

 

 

الميمر الرابع

 

من أجل الذين يعيشون

في القلاية

 

    إن كنتم سائرين في طريق وكان معكم إنسان ضعيف ؛ فليكن هو المتقدم وذلك لكي يمكنه أن يجلس إذا أراد الجلوس .

    إن كنتم شباناً واجتمعتم ( عند إنسان ) فعند الاغتسال أو على المائدة؛ فاسبقوا واعرفوا من سيتقدمكم ؛ حتى إذا حان وقت الغسل لا ترتبكوا . وإذا تقدم أحدكم هذه المرة فليدع الآخر يتقدم في مرة أخرى .

    إذا سألت شيخاً عن أحد أفكارك ؛ فأكشف له الفكر بصراحة ؛ وذلك إن تأكدت أنه ذو أمانة وسيحفظ كلامك .

    إذا علمت بخطيةٍ ما لأخيك؛ فلا تقل ذلك لإنسان لأن هذا موت لك.

    إذا تحدث أُناس بأفكار تجلب عليك حرباً ؛ فلا تسعَ إلى سماعها ؛ لئلا تجلب على نفسك ذلك القتال .

    أغصب نفسك أن تصلي في الليل صلوات كثيرة ؛ لأن الصلاة هي نور لنفسك .

    راجع نفسك في كل يوم في أي شيء أخطأت ؛ فإذا صليت من أجل خطاياك يغفرها لك اللـه .

    إذا تجرأ أحد الإخوة أن يدين آخر أمامك ؛ فلا تستح منه ولا تسمع له فتخطئ أمام اللـه؛ بل قل له باتضاع : اغفر لي يا أخي فإني إنسان بائس؛ وهذه الأمور التي تذكرها هي لي ؛ ولست أحتمل ذكرها . 

    إذا أساء إليك أخ ؛ وجاء آخر وذمَّه أمامك ؛ فأحفظ قلبك لئلا يتجدد فيه تذكر الشر ( الذي أساء به إليك ) ذاكراً خطاياك أمام اللـه ؛ فإن كنت تشاء أن يغفرها لك ؛ فلا تجازِ قريبك ( عن إساءته ) .

    إذا مضيت إلى ضيعة مع إخوة لا تعرفهم ؛ فأعطهم التقدم في كل شيء؛ ولو كانوا أصغر منك . وإن دخلت عن صديق لك ؛ فليكونوا هم المتقدمين عليك دائماً ؛ سواء في الغسل ( اليدين أو القدمين ) أو مدّ اليد لتناول الطعام ؛ ولا تظهر كأنه بسببك يكرمهم صديقك ؛ بل أرجع ذلك إليهم قائلاً : أنه بسببكم يصنع بي هذا الإحسان .

    إن سرت في طريق مع أخ ؛ وأردت أن تذهب لتتحدث مع صديق لك في أمر ما واستأذنت الأخ قائلاً : أجلس هنا ؛ فإن دعاك صديقك أن تدخل عنده لتأكل ؛ فلا تضع شيئاً في فمك قبل أن تدعو أخاك لكي يأكل معك .

    إن سرت في طريق مع إخوة كثيرين ؛ وكنت لا تتجاسر أن تأخذهم معك عند صديقك بسبب كثرة عددهم ؛ فلا تحتقرهم وتتركهم خفية لتدخل وتأكل ( وحدك ) ؛ بل تباحث معهم فيما ينبغي أن تفعلوه ؛ واسمع منهم باتضاع فيما يقولونه لك .

    وإذا مشيت معهم فلا تزكِّ نفسك وتَهرب من الأعمال الحقيرة .

    إذا كنت مسافراً وأردت أن تدخل عن أحد الإخوة ؛ ورفض أن يقبلك ؛ فإن رأيته بعد ذلك في الطريق ؛ أو أتاك دون أن يعرفك أظهر له أعظم الحب .

    إذا علمت أن إنساناً يغتابك ؛ وحدث أن التقيت به في مكان ما ؛ أو أتى هو إليك ؛ فأظهر له بقدر استطاعتك بشاشة وجهك ولطفك .

    ولا تقل له بشأن ما سمعته : لماذا قلت هذا ؟ لأنه مكتوب في الأمثال "من يحفظ الحقد يخالف الناموس " {أم24:21} .

    إذا كنتم إخوة وخرجتم لزيارة أخ فقير ؛ فلا تثقلوا عليه من جهة حاجتكم ؛ بل اشتروا ما أنتم في حاجة إليه لطعامكم ؛ بحيث يتبقى له منه شيئاً ؛ واكتفوا بالمأوى الذي يصادفكم عنده .

    إذا مضيت إلى بعض الشيوخ الذين تعرفهم ؛ وكان معك إخوة آخرون غير معروفين لديهم ؛ فلا تزاحم وتتقدمهم لكي يكشفوا هم أيضاً أفكارهم .

    إن كان بعض الإخوة ساكنين معك ؛ فأهتم بِهم كثيراً ما داموا يسمعون منك ؛ عالماً أنك سوف تعطي أمام اللـه عنهم حساباً .

    إذا مضيت في غربة من أجل اللـه ؛ فلا تَسْعَ أن تتصادق مع أهل تلك الضيعة ؛ ولا تختلط بالتحادث معهم ؛ وإلا فكان أحرى بك أن تبقى مع آبائك الجسدانيين .

    إذا أردت أن تذهب إلى الجبل لتزور الإخوة الذين في الأديرة ؛ فأمكث عند ( الأخ ) الذي تذهب إليه؛ ولا تمضي إلى آخر دون أن تستأذنه : هل يمكنني أن أذهب إلى فلان ؟ فإذا لم يوافق فلا تضايقه حتى ترحل من عنده.

    إذا أخذت قلاية في موضع تعرفه ؛ فلا تجعل لك صداقة بكثيرين ؛ يكفيك صديق واحد في حالة مرضك ؛ ولا تفسد فضيلة الغربة .

    إن قدمت إحساناً إلى فقير ؛ فلا تطلب منه أن يؤدي لك عملاً ما مهما كان صغيراً ؛ لئلا تتلف الإحسان الذي صنعته به .

إذا دخلت ديراً لا تعرفه ؛ فألزم المكان الذي يُسمح لك به ؛ ولا تدخل قلاية أخرى دون أن يدعوك أحد .

    إذا كنت ساكناً في قلاية ؛ فلا تحتفظ عندك بشىء يجعلك تكسر وصية المحبة الأخوية ؛ فإذا سألك أخ أن تُعيره إياها ؛ فلا تبخل ؛ "  فخير لك أن يهلك أحد أعضائك من أن يلقى جسدك كله في جهنم " ؛ أما إذا كان ما عندك بالكاد يكفي حاجتك ؛ فحينئذٍ يمكنك عدم التخلي عنه لكي تتجنب الاضطراب .

    إن كنت قد تركت أهلك بحسب الجسد لكي تتغرب من أجل اللـه ؛ فلا تدع لذة تذكرَّهم يتسلل إلى قلبك ؛ وإن كنت في قلايتك وعرض لك أن ترثي لأبيك أو أمك ؛ أو أن تتذكر أخاك أو أختك ؛ أو أن يبرح بك الحنين إلى أولادك ؛ أو أن تشتهي في قلبك المرأة التي تركتها ؛ فاذكر ساعة خروجك وانتقالك الأكيد ؛ حيث لا يوجد أحد من أولئك يستطيع أن يعينك ؛ فلماذا لا تتركهم من أجل الفضيلة ؟

    إذا كنت في قلايتك وتذكرت إنساناً قد أساء إليك؛فأنْهض حالاً وصلِّ إلى اللـه من كل قلبك لكي يغفر اللـه له؛ فبذلك يفارقك فكر الانتقام.

    إذا ذهبت في الاشتراك في الأسرار الإلهية ؛ راقب جميع أفكارك لئلا يكون تناولك دينونة لنفسك {1كو29:11} .

    إن قوتلت بزنى في أحلام الليل ؛ فاحفظ قلبك بالنهار من تذكر تلك الأجساد التي أبصرتَها في حلمك ؛ لئلا تتدنس بلذتِها ؛ وتجلب على نفسك غضباً ؛ لكن ألقِ ضعفك أمام اللـه من كل قلبك وهو يعينك ؛ لأنه رحوم ويرثي لضعف الإنسان .

    إذا تدّبرت بأعمال النسك ؛ فلا يتكلمن قلبك عليها كأنَها تحفظك ؛ بل قل في فكرك : من أجل الشقاء الذي شقى به جسدي ؛ لعل اللـه ينظر إلى مذلتي .

    إن شتمك إنسان فلا تجبه حتى يسكت ؛ فإذا فتشت نفسك ( بمخافة اللـه ) فستجد أن ما سمعته منه هو فيك ؛ ( أو أن العلّة هي منك ) ؛ عندئذ أصنع له مطانية مثل إنسان يعرف بالحقيقة أنه هو الذي أخطأ ؛ وصلاح اللـه يقبلكما إليه ثانية .

    إن كنت ماضياً في طريق مع إخوة ؛ وكانت بينك وبين أحدهم مودة حسب اللـه ؛ فلا تكن لك معه دالة أمام الآخرين ؛ لئلا يكون بينهم أحد ضعيف ؛ فيموت من الغيرة ( منكما ) ؛ وتكون خطيته عليك ؛ لأنك سببت له عثرة .

    إذا مضيت إلى إخوة ؛ فلا تضع في قلبك أنَهم سيفرحون جداً بلقائك؛ لكن إذا قبلوك ؛ تشكر اللـه على ذلك . إذا أصابك مرض وأنت ساكن في قلايتك ؛ فلا تصغرن نفسك ؛ بل أشكر اللـه على ذلك .

    وإذا رأيت نفسك قد اضطربت ؛ فقل لها : لما تضطربين ؟ أليس هذا المرض أفضل لكِ من أن تطرحين في جهنم ؟ عند ذلك تَهدأ نفسك .

    إن مضيت إلى إخوة وقال لكَ أحدهم : إنني لا أجد راحة في هذا الموضع ؛ وأود أن أسكن معك ؛ فلا توافقه لئلا تسبب له عثرة ولكثيرين غيره ؛ فإن قال لك : ( إن نفسي تَهلك ) لسبب أمر خفي ؛ فقل له أن يهرب ( إلى مكان آخر ) ولكن لا تدعه يسكن معك .

    إن كنت ساكناً في قلاية ؛ فأجعل لطعامك مقداراً معيناً ؛ وأعطِ جسدك حاجته بالقدر الذي به تستطيع أن تخدم اللـه في صلواتك ؛ لكن لا تشته أن تخرج من قلايتك .

    لا تأكل شيئاً لمجرد إشباع شهوتك من التلذذ به ؛ بصرف النظر عما إذا كان نافعاً أو غير نافع .

    إن عرض عليك أمر ضروري ؛ كافتقاد أخ ؛ أو الذهاب إلى دير ؛ فلا تُعطِ جسدك أن يشبع مما تجده هناك من أطعمة لذيذة لكي تسرع في العودة إلى قلايتك ولا يخدعنك الأمر .

    إن أشغل الشيطان قلبك بأتعاب تفوق طاقتك ؛ فلا تسمع لهم ؛ لأنَهم إنما يشغلون قلب الإنسان بأمور لا يقوى عليها ؛ لكي يسقط في أيديهم فيشمتون به .

    فلتأكل مرة واحدة في النهار ؛ وأعطِ جسدك حاجته بقدر ؛ بحيث تكف عن الطعام وأنت لا تزال تشتهيه .

    اسهر في الصلاة بوقار ؛ ولا تمنع جسدك من أن يأخذ حاجته ( من النوم ) ؛ لكن أكمل قانونك بقدر وبمعرفة ؛ لئلا بسبب كثرة السهر يظلم العقل وتمل النفس من الجهاد ؛ فيكفيك نصف الليل لتكميل قانونك ؛ ونصفه الآخر لراحة جسدك .

    اسهر ساعتين قبل أن تنام ؛ مصلياً ومزمراً ؛ ثم أسترح ؛ وعندما يوقظك الرب أصنع قانونك باجتهاد .

    إذا أبصرت جسدك قد كسل فقل له : أتريد أن تستريح في هذا الزمان اليسير ؛ ثم تذهب إلى الظلمة الخارجية ؟ وهكذا إذ تستحثه قليلاً قليلاً ؛ تأتيك القوة . لا تصنع لك صداقة مع أُناس تخشى بضميرك أن يعلم بِها الآخرون ؛ لكي لا تجعل عثرة بمعرفة .

    إذا كنت في دير وكان لك عبد واحتفظت به؛ فإنك تسئ إلى طقسك؛ كذلك إذا أعطيته لأخ آخر ؛ فأنت تخطئ أمام اللـه ؛ فعليك أن تعتقه وتطلقه ؛ فإن كان يريد أن يصير راهباً ؛ فأتركه وشأنه ؛ لكن لا تدعه يبقى معك لأن هذا غير نافع لنفسك .

    إن كنت متسيراً بتدبير ما تشقي به جسدك من أجل اللـه ؛ فأعجب بك الناس وأكرموك بسببه ؛ فينبغي أن تترك ذلك التدبير وتمسك بغيرة لئلا يكون تعبك باطلاً ؛ أما إن كنت قد هربت من المجد الباطل ؛ وعلمت أن اللـه راضٍ عن عملك فلا تلتفت إلى الناس .

    إذا كنت قد تركت العالم ؛ فلا تحتفظ لنفسك بشىء قط مما فيه ؛ وإذا أحسست بشهوة الانتقال من موضع إلى موضع ؛ وكانت حواسك لا تزال سقيمة ؛ فإن في الانتقال مضرة لنفسك ؛ فأتعب بالحري جسدك في عمل يديك ؛ لكي تثبت في السكون كما يجب في قلايتك؛ وتأكل خبزك.

    إذا مضيت إلى مدينة لتبيع عمل يديك فلا تتشدد في الثمن كالعلمانيين بل بعه بما يساويه ؛ كي لا تُهلك تعبك في قلايتك .

    وإذا أردت أن تشتري شيئاً فلا تساوم قائلاً : أن هذا غير موافق ؛ فلن أدفع شيئاً . بل إن كنت تحتاج إلى الشىء ؛ فأغصب نفسك قليلاً وخذه ؛ أما إذا لم يكن معك ما تدفعه ؛ فأتركه بسكوت . فإن أقلقتك أفكارك قائلة : وأين تجد هذا الشىء ؟ قُلْ : قد صرت بِهذا مثل القديسين الذين أمتحنهم اللـه بالفقر؛ لكي يرى صدق نيتهم فيوصلهم إلى الغنى الحقيقي.

    إن أودع أخ عندك شيئاً ووجدت أنك في حاجة إليه ؛ فلا تمسه في غيابه ؛ ما لم تكن قد أخبرته .

    إن ذهبت إلى قرية وأوصاك أخ أن تشتري له شيئاً ؛ فإن كنت تعرف أن تشتريه لنفسك فأشتريه له أيضاً ؛ أما إذا كنت مع آخرين فلا تفعل ذلك دون أن تستشيرهم لئلا تقلق رفقائك .

    إذا اضطررت لقضاء مصلحة في بلدك ؛ فاحتفظ من أهلك حسب الجسد ؛ لا تجعل لك دالة معهم ؛ ولا تشترك في أحاديثهم .

    إن استعرت من أخيك شيئاً لاستعمالك ؛ فأهتم بأن ترده إليه بسرعة ؛ فإذا كان أداة ( فأساً أو غيرها ) فأرجعها إليه حال قضاء حاجتك ؛ فإن انكسرت أعمل له غيرها ولا تكن غير مكترث .

    إن أقرضت أخاً مسكيناً شيئاً ما ؛ وعرفت أنه لا يستطيع أن يرده لك؛ فلا تحزنه وتضيق عليه ؛ سواء كان ما أعطيته نقوداً أو ثياباً ؛ وذلك بقدر ما في وسعك .

    إن أقمت في مكان وابتنيت فيه قلاية ؛ وأنفقت على بنائِها نفقة ما ؛ ثم عرض لك بعد حين أن تركتها ؛ وأقام فيها أخ آخر ؛ فإن أردت الرجوع إليها مرة أخرى ؛ فلا تخرج ذلك الأخ منها ؛ بل أبحث لنفسك عن قلاية أخرى كي لا تخطئ أمام اللـه .

    أما إن غادر الأخ قلايته من تلقاء نفسه ؛ فلا لوم حينئذٍ عليك ؛ وإن كنت قد تركت فيها متاعاً وتخلص هو منه ؛ فلا تطالبه به .

    إن تركت قلايتك فأحذر أن تأخذ معك شيئاً مما هو ضروري ؛ بل أتركه لأخ فقير ؛ واللـه يرزقك حيثما حللت . 

    لا تستح أن تكشف لمن هو أكبر منك جميع الأفكار التي تحاربك فتخف حينئذٍ عنك ؛ لأنه ليس شيء يفرح له الشياطين مثل إنسان يخفي أفكاره ؛ رديئة كانت أم جيدة .

    عند تقدمك للأسرار الإلهية ؛ أحذر أن تكون هناك خصومة بينك وبين أخيك ؛ وإلا فأنت تخدع نفسك .

    إذا أنكشف لك المعنى الرمزي لبعض أقوال الأسفار الإلهية ؛ ففسرها كذلك ؛ ولكن أحذر أن تبطل الحرف ؛ لئلا تتكل فيما بعد على ذكائك في تفسير الأسفار المقدسة ؛ لأن هذا علامة كبرياء .

    إذا أنخدع أخوك بتعاليم الهراطقة ؛ وأبتعد عن الإيمان دون أن يعلم ؛ ثم عاد فلا تحتقره لأن ما عرض له كان عن جهل .

    احفظ نفسك من مجادلة الهراطقة ؛ بحجة أنك تريد الدفاع عن الإيمان ؛ لئلا يخزيك سم أقوالهم المخزية .

    إن وجدت كتاباً مشهوراً بالهراطقة فلا تشتهي أن تقرأه ؛ لئلا يمتلئ قلبك بِسِّم الموت ؛ بل تمسك بإيمان معموديتك دون أن تزيد عليه أو تنقص منه .

    أحذر من العلم الكاذب الذي يقاوم التعليم الصحيح ؛ كما يقول الرسول . {1تي10:1 ، 20:6} .

    إن كنت شاباً ولم تُخضع جسدك بعد ؛ فإن سمعت أخبار فضائل القديسين العالية ؛ فلا تطمع في اقتنائها بلا عمل ( تعب ) ؛ لأنَها لا تأتي إليك إن لم تقم بفلاحتها أولاً ؛ فإذا أقدمت على أعمال فلاحتها ؛ أتتك من تلقاء نفسها .

    أحفظ نفسك من الضجر فإنه يتلف ثمرة الراهب .

    إن كنت تجاهد مقابل أحد الأوجاع ؛ فلا تصغر نفسك ؛ بل أطرح ذاتك قدام اللـه وقل له من كل قلبك : " أعني يارب أنا الشقي ( فإني لا أقوى على هذا الوجع ) ". عندئذ ستجد راحة .

    إذا زرع ( العدو ) في قلبك أفكار نجسة وأنت جالس في قلايتك ؛ فجاهد لكي لا تتسلط عليك ؛ أغصب نفسك على تذكر اللـه كيف أنه يراك ؛ هو الذي جميع أفكار قلبك مكشوفة أمامه ؛ وقل لنفسك : " إن كنتِ تخشين أن يرى الخطاة أمثالك خطاياك ؛ فكم بالأولى إذا كان اللـه الذي يرى جميعها " .

    وبِهذا الفكر تتولد فيك مخافة اللـه فإن لازمته فإنك تثبت بغير اضطراب وسط الأوجاع حسب المكتوب : " المتوكلون على الرب مثل جبل صهيون ؛ لا يتزعزع إلى الأبد الساكن بأورشليم " .

    إن كنت في جهاد النسك مقابل العدو ؛ ورأيته قد أنْهزم أمامك وأنصرف مغلوباً ؛ فلا يفرح قلبك لأن مكر الشياطين يختفي من خلفهم ؛ إذ أنَهم يهيئون لك قتالاً أشر من الأول .

    فإنَهم يتركون بعضهم خلف المدينة ؛ ويوصونَهم بالهدوء ؛ فمتى تقدمت لملاقاتِهم يتظاهرون أمامك بالهروب ؛ فإن تعالى قلبك بأنك طردتَهم ؛ فعندما تترك المدينة يقوم عليك الكمين من خلفك ؛ ويهاجمك الآخرون من قدامك ؛ وعندئذ تصير النفس الشقية في وسطهم وليس أمامها من مهرب ؛ أما المدينة ( أو الحصن ) فهي ارتماؤك أمام اللـه بكل قلبك ؛ حيث يخلصك من قتالات عدوك .

    إذا صليت إلى اللـه لكي يخلصك من قتال يواجهك ؛ ولم يسمع منك فلا تصغرن نفسك ؛ لأنه يعرف ما فيه خيرك أكثر منك .

    بل في كل صلاة تخاطب بِها اللـه وقت القتال لا تقل له : " أرفع عني هذا أو هبني ذاك " ؛ بل قُلْ : " يا ربي يسوع المسيح أسرع إلى معونتي ؛ ولا تتركني أخطئ إليك لأني ضال ؛ لا تدعني أتبع هواي ؛ ولا تسمح أن أسقط في خطاياي .  

    تحنن على خليقتك لا ترذلني فإني ضعيف ؛ ولا تسلمني لأني التجأت إليك ؛ أشف نفسي لأني أخطأت إليك ؛ جميع مقاومي قدامي وليس لي ملجأ سواك يارب فخلصني من أجل رحمتك ؛ فليخز ويخجل كل القائمين علىَّ الذين يطلبون نفسي لإهلاكها .

    لأنك أنت يارب قادر على كل شئ ؛ ومن قبلك المجد للـه الآب والروح القدس إلى الأبد آمين " .

    وإذ ذاك سيحدثك ضميرك سراً عن سبب عدم استجابة اللـه لك ؛ فعليك حينئذٍ آلا تزدري بصوت ضميرك ؛ فمهما يقول لك أن تفعله فأفعله ؛ لأن اللـه لابد أن يستجيب للإنسان ؛ إلا إذا خرج الإنسان عن طاعة اللـه ؛ لأنه ليس ببعيد عن الإنسان ؛ لكن شهوتنا هي التي تمنعه عن الاستماع لنا .

    فلا يخدعنك أحد ما ؛ لأنه كما أن الأرض لا يمكن أن تثمر من ذاتِها من غير زرع ولا سقي ؛ كذلك لا يمكن للإنسان أن يأتي ثماراً بغير إماتة واتضاع .

الحث على إتباع الضمير :

    فلنثبت إذاً يا أحبائي في مخافة اللـه ؛ ولنحتفظ ونلاحظ ممارسة الفضائل ؛ ولا نضعن عثرة لضميرنا ؛ بل لنتيقظ لكي نثبت في مخافة اللـه إلى أن يتحرر الضمير معنا ؛ حتى يتحقق التآلف بيننا وبينه ؛ فيصير هو مرشدنا الذي ينبهنا إلى كل شيء قبل أن نخطئ فيه ؛ أما إذا لم نخضع له ؛ فسيبتعد عنا ويهجرنا ؛ فنقع في أيدي أعدائنا الذين لا يرحموننا .

    فكما علمنا سيدنا حين قال : " كن مراضياً لخصمك سريعاً ما دمت معه في الطريق ؛ لئلا يسلمك ( الخصم ) إلى القاضي ؛ ويسلمك القاضي إلى الشرطي ؛ فتلقى في السجن ؛ الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير " .

    فهكذا نقول : أن الضمير هو الخصم ؛ لأنه يقاوم الإنسان إذا أراد أن يكمل شهوات جسده ؛ فإذا لم يسمع حثه سلمّه إلى أعدائه .

    هذا هو الذي بسببه يبكي هوشع النبي من أجل إفرايم قائلاً : " أذله عدوه ؛ داس القضاء بقدميه ؛ أشتهى مصر واقتيد إلى أشور " .

    فقوله " مصر " يعني أن قلبه قد سعى وراء شهوات جسده ؛ وقوله "اقتيد إلى أشور " يعني أنه خدم أعدائه كارهاً أم طائعاً .

    فلنحرس أيها الأحباء أنفسنا كي لا نسلمها إلى مشيئات الجسد ؛ لئلا تقودنا رغم إرادتنا إلى الأشوريين ؛ فلنسمع ذلك القول المر : " وصعد ملك أشور على كل الأرض ؛ وسبى إفرايم وإسرائيل إلى أشور ؛ وأسكنهم حلج وخابور أنْهار جوزان ؛ وهم هناك إلى هذا اليوم " .

    ثم أخذ ملك أشور جماعة من شعوبه ؛ وأرسلهم ليسكنوا في أرض إسرائيل ؛ وأقام كل منهم تمثاله وعبدوه ؛ وهؤلاء هم أيضاً هناك إلى هذا اليوم " . { 2 مل 17 : 5 ، 6 ، 24 ؛ 41 } .

نماذج من القديسين :

   اعرفوا الآن يا إخوتي من هم الذين يتبعون شهواتِهم الرديئة ويقاومون ضمائرهن ولا تشاركوهم يا أحبائي ؛ بل شاركوا جميع القديسين الذين رفضوا حتى الموت أن يخضعوا للخطية ؛ وأطاعوا ضميرهم الطاهر ؛ فورثوا الملكوت السماوي . فجميعهم أدركوا كمال النقاوة كلٌ في جيله ؛ وصارت أسمائهم تذكاراً لجميع الأجيال .

مثال يعقوب :

    فلنعتبر يعقوب الرجل المحبوب ؛ الذي أطاع أبويه بحسب اللـه في كل شيء ؛ ذاك الذي بعد أن أخذ بركتهما أراد أن يرتحل إلى ما بين النهرين طالباً ذرية ؛ لأنه لم يشأ أن يقتني أولاداً من بنات الكنعانيين اللواتي أسأنَ إلى والديه .

    فأخذ عصاه مع وعاء الزيت وذهب إلى الموضع الذي يدعى بيت إيل ؛ الذي تفسيره بيت اللـه ؛ ونام هناك ؛ وفي الليل رأى في رؤية ؛ سلماً منصوباً في الأرض إلى السماء ؛ وملائكة اللـه تصعد عليها والرب واقف فوقها . {تك 28 : 1ـ25}

وهذه علامة لمن يبدأ خدمة اللـه : ففي البداية يستعلن له منظر الفضائل ؛ ولكنه إن لم يتعب من أجلها ؛ فلن يصل إلى اللـه .

وقام يعقوب وقطع عهداً مع اللـه أن يكون خادماً له ؛ وشدده اللـه قائلاً : " إني أكون معك وأحفظك " .

   ثم مضى ما بين النهرين ليختار من هناك زوجة ؛ ولما رأى راحيل ابنة أخي أمه أحبها ؛ وخدم من أجلها سبع سنين .

      لكنها لم تعطَ له قبل أن يأخذ ليئة أولاً ؛ ومكثت راحيل عاقراً إلى أن أكمل من أجلها سبع سنين أخرى . {تك28: 15ـ29: 30}

   فهذا هو المعنى: " ما بين النهرين " دعيت هكذا لأنَها كائنة بين نَهرين؛ الأول يدعى "دجلة" والثاني "الفرات"؛ الأول يجري نحو الأشوريين؛ والثاني الفرات ليس عدواً بل بالعكس نحن ندعوه الذي يصب في الراحة والسرور

    فنهر الدجلة يرمز إلى الإفراز والتمييز ؛ أما الفرات فيرمز إلى التواضع .

    ليئة رمزاً للأعمال الجسدية ؛ وراحيل رمزاً إلى التأمل الحق .

    هذه الأمور تحدث للإنسان الذي هو فيما بين النهرين ؛ لكي بالإفراز تكمل أعمال الجسد ؛ التي تقاوم حقد الأشوريين ؛ ولكن بالاتضاع يقتني التأمل الحقيقي .

    لكن راحيل لم تلد له أولاداً قبل أن تلد ليئة جميع أولادها ؛ وقبل أن يخدم سبع سنوات أخرى من أجل راحيل . {تك31:29ـ35}

    وهذا هو المعنى : إن لم يكمل الإنسان كل الأتعاب ( النسكية ) لن يُنعم عليه بالتأمل الحقيقي .

    كان له امرأتان ؛ لكنه أحب راحيل أكثر من ليئة ؛ لأن عيني هذه كانتا ضعيفتنان ؛ أما راحيل فكانت حسنة جداً .{تك27:29}

   فبقوله أن عيني الأولى كانتا ضعيفتان يعني : أن الإنسان طالما هو في أعمال الجسد لا يرى مجد التأمل الحقيقي .

   لأنه ينبغي للعدو أن يخلط أعمال الإنسان بالكرامة البشرية ؛ لكنه لا يحب أن يضطرب قلبه بسببها .

    لما توقفت ليئة فترة عن إنجاب الأولاد ؛ أعطت جاريتها زلفة لزوجها فعادت تنجب أولاداً ؛ ودعت اسم الولد أشير أي مغبوطاً .

    ولما توقفت ليئة عن الإنجاب ؛ أفتقد اللـه راحيل.{تك30: 24ـ9}

وهذا هو المعنى : متى أخضعت الأعمال الجسدية حواس ( الإنسان ) فتحررت من الأوجاع ؛ فإن التأمل الحقيقي يعلن أمجاده للنفس .

مع أن أولاد ليئة كانوا سنداً ليعقوب ؛ إلا أنه أحب يوسف أكثر من جميعهم .{تك37: 3،8}.

ويمكن القول بالمثل أنه وإن كانت الأعمال الجسدانية تحرس الإنسان من العدو ؛ إلا أن التأمل الحقيقي هو الذي يوحده باللـه ؛ وهذا هو السبب في أن يعقوب لما رأى يوسف أراد أن يعود إلى أبويه ؛ لأنه علم أن ابنه سيكون ملكاً على إخوته .

قد قيل أن يعقوب عندما عبَّر كل محلته مخاضة يُبوق ؛ وبقى وحده على النهر ؛ تقبل بركة اللـه الذي قال له : لا يُدع اسمك فيما بعد يعقوب بل إسرائيل .{تك32: 23ـ33}

لقد دعي يعقوب لأنه تعقب العدو لكي يستحق البركة ؛ ويخلص حواسه التي كانت تحت سلطان العدو؛ فلما حررها تغير اسمه إلى إسرائيل؛ أي النفس التي نظرت اللـه .

عندما تأتي النفس إلى رؤية مجد الألوهية ؛ يخاف العدو منها ويَرهبها .

هذا هو السبب الذي من أجله لما خرج عيسو لملاقاة يعقوب وهو ممتلئ مرارة وغماً ؛ أبطل يعقوب باتضاعه قصد لشرير ؛ فلم يعد عيسو يحاربه من بَعد ؛ لكونه قد ألقى نفسه أمامه .{تك33: 1ـ4}

هكذا فإن العدو يحسد الإنسان حينما يرى المجد العظيم الذي حصل عليه ؛ لكنه لا يستطيع أن يصنع به مضرة لأن اللـه هو الذي يعينه ؛ كما هو مكتوب : أرجع إلى أرض آبائك وعشيرتك ؛ فأكون معك .

وأخيراً يأتي يعقوب إلى ساليم ؛ وهناك يشتري حقلاً ويبني مذبحاً للرب الذي سمعه يوم الضيقة .{تك33: 18ـ20}

واسم ساليم يرمز إلى السلام ؛ أي أن الإنسان إذا ما جاز الحرب التي يناصره اللـه فيها ؛ فإنه يبلغ إلى السلام ؛ ويقيم مذبحاً من اثني عشر حجراً ؛ ويقدم عليه من ثمر أتعاب خدمته في ما بين النهرين مع الخيرات التي أقتناها في أرض الموعد .

مثال موسى :

وهذا هو موسى المحبوب أيضاً : عندما أخرج الشعب من مصر ؛ وخلصهم من يد فرعون؛ وأجازهم البحر الأحمر ورأى موت جميع أعدائه.

    وعندما أرسل يشوع ليهلك عماليق ؛ بينما هو كان واقفاً على قمت الجبل ويداه ثابتتان ؛ مستنداً على هارون وأور لكي لا تنخفضا لعلامة الصليب ؛ عاد يشوع بعد أن هزم عماليق .

    حينئذٍ أقام موسى مذبحاً من اثني عشر حجراً فوق الجبل ؛ ودعى اسمه "الرب ملجأي ؛ لأن الرب يحارب عماليق بيده الخفية من جيل إلى جيل". {خر17: 8 ـ 15}

فاسم ( عماليق ) يرمز إلى الضجر ؛ لأن الإنسان حين يبدأ في قطع مشيئته تاركاً عنه خطاياه راجعاً إلى اللـه ؛ يلاقيه الضجر من بداية جهاده أول ما يلاقيه ؛ مريداً أن يردَّه إلى خطاياه مرة أخرى .

    ولكن ( مداومة ) العشرة مع اللـه هي التي تلاشيه ؛ أما الوسيلة التي تُقتنى بِها هذه العشرة فهي : ضبط النفس ( والتعفف ) ؛ وما يحفظ ضبط النفس هو الأعمال الجسدية ؛ هذه هي التي حررت إسرائيل ؛ حينذاك يقدم الإنسان الشكر للـه وهو يقول : إنني ضعيف ؛ لكن أنت يارب عوني من جيل إلى جيل .

 

مثال إيليا :

هكذا أيضاً إيليا النبي العظيم ؛ فقد يستحيل عليه أن يهلك جميع أنبياء البعل الذين قاوموه ؛ من قبل أن يظهر المذبح ذي الاثني عشر حجراً ؛ ويرتب فوقه قطع الخشب التي يصب عليها الماء ويضع فوقها الذبيحة المقدسة ؛ ومن قبل أن يرسل اللـه ناراً لتحرق المذبح وكل ما عليه .

    تلك اللحظة التي فيها امتلأ ثقة مقابل أعدائه ؛ وعندما أهلكهم عن أخرهم ؛ قدم الشكر للـه قائلاً : " أنت يا اللـه هو ( العامل ) في كل ذلك " . لأنه مكتوب أنه جعل وجهه بين ركبتيه .

فالنفس إذا ضبطت حواسها بعناية ؛ فإنَها تقتني عدم الموت ؛ وعدم الموت يقودها إلى تلك الأمجاد التي يعلنها لها اللـه .

    فإذا كان غلام إيليا لما تطلع لم يرى واحداً من السبعة أوجاع قائماً لمح وقتذاك غيمة صغيرة قدر كف إنسان صاعدة من ماء البحر ( التي هي راحة الباركليت المقدس ) ؛ هكذا فإن عدم الموت هو تكميل كل جهاد صادق ؛ وعدم العودة إلى شيء مما طلبنا من أجله المغفرة .

    لأن اللـه إذا قبل جهاد الإنسان ؛ يجعله آمناً من العدو ؛ عندئذ لا يجرؤ أعدائه فيما بعد أن يقفوا مقابله ؛ لأنَهم حين يدركون أن مشيئتهم ليست بداخله ؛ يتبددن من تلقاء أنفسهم ؛ كما هو مكتوب : " أنتم تدعون باسم آلهتكم ؛ وأنا ادعوا باسم الرب إلهي ؛ والذي يجيب بنار هو الرب الإله " .

وعلى هذا المنوال يكون شأن العدو من كل ما يزرعه في الإنسان الذي لا يستسلم له ؛ فالأعداء لا يستطيعون أن يكملوا مشيئتهم فيه ؛ باستخدام كل قوتِهم ؛ لأن رجل اللـه لا يطيعهم ولا يوافقهم في قلبه ؛ بل يجعله ثابتاً في مشيئة اللـه ؛ كما هو مكتوب : " تدعون باسم آلهتكم ؛ وأنا فادعوا باسم الرب إلهي " ؛ فلأن مشيئتهم لم تكن فيه ؛ لذلك لم يسمع لهم اللـه في شيء .

الخاتمة الصلاة المستجابة :  

    وهذه الأقوال لم تكتب من أجلهم فقط ؛ بل من أجل جميع الذين يتبعون مشيئة اللـه ؛ ويحفظون وصاياه ؛ كما أنَها حدثت لهم ؛ لتكون لنا مثالاً ؛ وكتبت لإنذارنا نحن الذين نقتفي آثار خطواتِهم .

    لقد جاهدوا لكي يدركوا عدم الموت ؛ هذا الذي حفظهم من كل سهام العدو ؛ لأنَهم ألقوا نفوسهم تحت حمي اللـه سائلين معونته ؛ غير جاعلين اتكالهم على أي عمل أو جهاد أكملوه .

    لقد كان حفظ اللـه لهم كمدينة حصينة ؛ لأنَهم علموا أنَهم بغير معونة اللـه عاجزون ضعفاء؛ كما أن اتضاعهم جعلهم يقولون مع المرتل: " إن لم يبن الرب البيت ؛ فباطل تعب البنائين ؛ إن لم يحرس الرب المدينة ؛ فباطل سهر الحراس " . {مز1:126}

    فإذا رأى اللـه أن النفس تطيعه بكل قوتِها ؛ وأنه ليس لها من سند غيره وحده ؛ فهو يشددها قائلاً : لا تخف يا يعقوب ابني ؛ إسرائيل الصغير . {أش14:4} .

وأيضاً : لا تخف لأني فديتك ؛ دعوتك باسمك ؛ أنت لي ؛ إذا جزت المياه فأنا معك ؛ والأنْهار فلا تغمرك ؛ إذا مشيت في النار فلا تلذع ؛ واللهيب لا يحرقك ؛ لأني أنا الرب إلهك ؛ قدوس إسرائيل مخلصك . {أش43: 1ـ3} .

فمتى أدركت النفس هذه الأقوال المطمئنة تتحدى العدو قائلة : من يخاصمني ؟ من يقف أمامي ؟ من هو الذي يدينني فليتقدم إليَّ ؟ هوذا السيد الرب يعينني ؛ فمن هو الذي يؤذيني ؟ هوذا كلكم كالثوب تبلون ؛ وكالصوف يأكلكم العث . {أش50: 8 ـ 9} .

اللـه قادر أن يجعلنا مع أولئك الذين اقتنوا الاتضاع وحفظوه ؛ وجعلوه لهم عوض خوذة ؛ وحصناً مقابل كل سهام العدو ؛ بنعمة اللـه الذي له المجد والقوة والعزة ؛ إلى أبد الآباد آمين .

 

 

 

 

الميمر الخامس

 

تعاليم نافعة

لفائدة الذين يريدون أن يعيشوا

معاً في سلام

 

إن مضيتم معاً في طريق ؛ فاهتموا في كل شيء بمراعاة مشاعر الأخ الضعيف بينكم ؛ إن كان في حاجة إلى أن يجلس قليلاً ؛ أو أن يأكل قبل الوقت .

إذا خرجتم للعمل معاً ؛ فليحرص كل منكم أن يكون فيما لنفسه ؛ وليس فيما لأخيه ؛ كأن يعلمَه أو يعطيه أوامر .

إذا كنتم تعملون عملاً ما في القلاية ؛ مثل بناء موقد أو أي شيء آخر؛ فأترك ما يقوم بالعمل ليعمله كما يتراءى له ؛ ولكن إن سأل قائلاً : من أجل المحبة أروني كيف أعمل لأني لا أعرف ؟ وكان آخر يعرف ذلك ؛ فلا يؤخرن نفسه ويقول : لست اعرف . فليس هذا هو الاتضاع الذي بحسب اللـه .

إذا رأيت أخاك يقوم بعمل ما كيفما أتفق ؛ فلا تقل له : أنت تفسده . فإن طلب منك قائلاً: عرفني من أجل المحبة ؛ وسكتَّ أنت دون أن تُعَرفه؛ فليست فيك محبة اللـه ؛ لأنك تراع المكر .

إذا أعد أخوك طعاماً ولم يكن جيداً ؛ فلا تقل له : أنت طبخته رديئاً ؛ لأن هذا موت لنفسك ؛ لكن أفحص نفسك قائلاً : لو كنت أنت الذي سمعت هذا الكلام من آخر كم كنت تتضايق ؟ عند ذلك ستجد راحة .

إذا كنتم تسبحون معاً وأخطأ أحدكم في كلمة ؛ فلا تصححها له على الفور لكي لا تزعجه ؛ كذلك إن سقطت كلمة فليكن ؛ أما إذا طلب الأخ وقال : من أجل المحبة قلها لي . فذكره بِها .

إذا جلستم على المائدة تأكلون شيئاً ؛ وكان بينكم من لا يرغب أن يأكل منه ؛ فلا ينبغي أن يقول : " أنا لا أقدر أن آكل " . لكن ليغصب نفسه حتى الموت من أجل اللـه ؛ واللـه يعطيه راحة .

إذا كنتم تعملون معاً في عمل ما؛ وتركه واحد منكم بسبب فتور همته؛ فلا ينبغي أن يوجه أحد إليه اللوم ؛ بل بالحري أظهروا له كل محبة ولطف.

إذا جاء عندكم إخوة ؛ فلا يجب ( بصفة خاصة ) أن يسألهم أحدكم لمعرفة خبر قد يضركم ؛ فيتركون في قلايتكم علة للطياشة ؛ أما إذا لم يستطيع أحدهم أن يمسك نفسه عن أن يقول لأحدكم كما قلت ( أموراً مؤذيةً ) ؛ فينبغي لمن سمعها ألا ينقلها لأحد من الإخوة ؛ بل أن يسكت حتى يفحص أثرها منه ؛ لكي لا يملأ قلوبَهم بسم مميت .

إذا تغيبت وقتاً من أجل ضرورة ؛ فلا تسأل أحدٍ عن أمر لا يهمك لكي تمكث في قلايتك سالماً ؛ وإن كنت قد سمعت شيئاً دون إرادتك ؛ فلا تنقله لإخوتك عند عودتك .

إذا وُجدت في الخارج ؛ فلا تجعل لك دالة مع أهل ذلك المكان الذي توجد فيه ؛ ذلك لكي يجدوا منفعة من مثالك ؛ ولا سيما من جهة سكوتك الخفي والظاهر .

جميع تلك الأوجاع تكون في الضعيف بسبب تراخي قلبه ؛ لأنه لا يبصر خطاياه ؛ فمعونة اللـه مع الرجاء والوداعة والضمير ( اليقظ ) وقطع الهوى ؛ وغصب الإنسان لذاته في كل أمر .

    هذه جميعها تخص الاتضاع ؛ أما الكبرياء وعدم الوفاق ؛ والاعتقاد بأنك أكثر معرفة من أخيك ؛ ودوسك لضميرك غير مبال إن كان أخوك يتألم بسببك ؛ وقولك : " وما شأني أنا به " ؛ كلها علامة قسوة القلب .

إذا كنت تقوم بعمل يديك ثم دخلت قلاية أخيك ؛ فلا تحسب إن كنت قد اشتغلت أكثر منه أو أن يكون قد أشتغل أكثر منك . إذا كنت تعمل مع شخص ضعيف فلا تنافسه خفية ؛ مريداً أن تعمل أكثر منه .

إذا كان أخوك يعمل عملاً ويتلفه ؛ فلا تقل له شيئاً ؛ إلا إذا سألك : " اصنع معي محبة يا أخي وعرفني " ؛ فإن كنت تعرف ومع ذلك تسكت فهذا موت لك .

إذا كنت تعمل عمل يديك ؛ فمهما كان ذلك العمل أبذل جهدك ألا تعرف قدر ما عملته أو ما عمله أخوك خلال الأسبوع ؛ لأن هذا عدم لياقة .

إذا ذهبت إلى عمل مع إخوتك ؛ فلا تشتهي أن يعرفوا أنك عملت أكثر منهم؛ لأن كل عمل يعمله الإنسان في الخفاء هو ما يقبله اللـه منه.

إذا جاوبك أخ بكلمة صعبة بقلة صبره ؛ أحتملها بفرح ؛ وإذا فحصت نفسك بحسب حكم اللـه فسوف تجد أنك قد أخطأت .

إذا كنت ساكناً مع إخوة ؛ وفكرت أن تتنسك عن الطعام ؛ قل لفكرك : " الضعيف الذي هنا هو معلمي " ؛ أما إذا رغبت في نسك زائد جداً ؛ فخذ لنفسك قلاية صغيرة وحدك ؛ ولا تزعج أخاك الضعيف .

إن أتاكم أخ غريب ؛ وسمعتم من يقول عنه أنه محب للظهور ؛ فلا تجتذبوه بالأحاديث بقصد أن يظهر لكم عيبه .

احذروا أن تعملوا أي عمل تعرفون أن أخاكم إذا تبينه حزن .

إذا أردت أن تحصل على شيء تحتاج إليه ؛ فلا تتذمر على أخيك وتقول : لماذا لم يهتم بأن يعطيه لي من ذاته ؟ لكن قل له بكل صراحة وبساطة : من أجل المحبة أعطني هذا الشىء لأني محتاج إليه " . فهذه هي حقاً نقاوة القلب المقدسة ؛ لأنك إذا لم تقل ذلك وتمرمرت ولُمت أخاك في قلبك ؛ فإنك تجلب على نفسك دينونة .

إن عرض لكم سؤال عن ( تفسير ) قول من الأسفار الإلهية ؛ فليت من يعرف ذلك ويفهمه يحاول قدر استطاعته أن يبسط وجهة نظره لأخيه عاملاً على إراحته بسرور ؛ فالتفسير المطلوب هو هذا : إتضاعك أمام أخيك .

ليت من يتأمل قضاء يوم الدينونة العتيد أن يُفحص فيه ؛ أن يعمل ما في استطاعته ؛ لكي لا يستد فمه دون أن يجد ما يجيب به عن نفسه في تلك الساعة الرهيبة .

لا تطلبوا أن تستقصوا عن أعمال هذا العالم ؛ لئلا تصيروا مثل المرحاض الذي يُلقي فيه كل واحد ما في جوفه ؛ حيث تفوح رائحة نتنه للغاية .

بل بالحري كونوا مذبحاً للـه في الطهارة ؛ لترفعوا فوقه بخور الصباح وبخور المساء بلا انقطاع ؛ بواسطة الكاهن الداخلي ؛ حتى لا يبقى المذبح بغير بخور أبداً .

وابذلوا كل جهد أمام اللـه ؛ لتطلبوا كل يوم أن يمنحكم البساطة والنقاوة ؛ ويبعد عنكم كل ما يضاد ذلك ؛ أعني : المكر ؛ الحكمة الشيطانية ؛ الفضول ؛ محبة الذات ؛ وخبث القلب ؛ لأن هذه كلها تُهلك كل أتعاب من يسلك فيها .

وختام القول إذا كان الإنسان خائفاً اللـه بمعرفة وكانت أذناه خاضعة لضميره وفق مشيئة اللـه ؛ فسيعلمه اللـه في الخفاء أكثر مما قلته بكثير .

أما إذا كان رب البيت غائباً عنه ؛ فإن ذلك الإنسان الشقي يُترك لمشيئته الخاصة ؛ وكل من أراد أوحى إليه بما يريد ؛ ذلك لأن قلبه ليس خاضعاً لسلطان سيده ؛ بل لأعدائه .

إذا أردتم الخروج لعمل شغل يسير ؛ فلا يحتقرن الواحد منكم الآخر ويخرج وحده ؛ تاركاً أخاه يُعذّب من ضميره في قلايته ؛ بل فليقل له بمحبة : أتريد أن نخرج ؟ فإن لاحظ أن أخاه مُتعَب في تلك اللحظة أو أن جسده متوعك ؛ فلا ينازعه قائلاً : ينبغي أن نخرج الآن . بل ليتأخر قليلاً ويعود إلى قلايته بالمودة التي هي ثمرة الإشفاق .

وأن كان أحد ساكناً مع أبيه أو أخيه فلا ينبغي أن يأخذ برأي أحد من الخارج ؛ بل ليلجأ في كل شيء إلى ذاك الذي يسكن معه ؛ فإن هذا هو السلام والخضوع .

إن كنت مقيماً مع أبيك أو أخيك ؛ فلا تكن لك صداقة في السر مع أحد ؛ ولا تكتب في الخفاء رسائل لا ترغب أن يعرفها الإخوة الذين معك؛ لأن في ذلك خسارة لك ولهم .

إذا كنت ساكناً مع آخر أكبر منك فلا يجب أن تقوم بعمل إحسان لفقير دون أن تستشيره أولاً ؛ فلا تفعل ذلك في غفلة منه .

إذا كنت تسأل بخصوص أفكارك ؛ فلا تسأل بعد أن تكون حققتها ؛ بل أعرض الأمر الذي يقاتلك في حينه ؛ إن كان يحركك لترك موضعك ؛ أو أن تتعلم عملاً يدوياً ؛ أو أن تغيره ؛ أو أن تسكن مع قوم أو أن تتركهم ؛ وأسأل ذلك بصراحة من قبل أن تعمل شيئاً .

من جهة أمراض النفس أو الأوجاع الجسدية التي لا تزال تجاذبك لا تسأل بشأنَها كما لو كنت قد امتنعت عن ممارستها بل أسأل عن جرحك قائلاً : لقد جرحت فعلاً . وذلك لكي يُقَدَّم لك العلاج المناسب لجرحك.

 إذا تحدثت عن أفكارك فلا تكن مرائياً بقولك شيئاً بدلاً من شئ آخر؛ أو كما لو كان الأمر قد حصل لشخص آخر ؛ لكن أذكر الحقيقة وأعدد نفسك للعمل بحسب كل ما يقال لك ؛ إن لم تفعل ذلك فإنك إنما تخدع نفسك ؛ وليس الشيوخ الذين تسألهم .

إن سألت الشيوخ عن حرب ما ؛ فلا تطع فكرك بأن تعمل أزيد مما يقوله لك الشيوخ ؛ بل صلِّ إلى اللـه أولاً قائلاً : اصنع معي رحمة وألهم آبائي أن يقولوا لي ما تريده . ثم أعمل بإيمان حسب كل ما يقوله لك الآباء فيعطيك اللـه راحة .

إن كنت مقيماً مع إخوة ولم تجد راحة لسبب من الأسباب ؛ إما من أجل عمل اليدين ؛ أو من أجل تضيُّق ؛ أو من أجل الراحة ؛ أو لأنه ليس لديك الصبر الكافي ؛ أو بسبب الضجر .

وإما لأنك تريد أن تقيم في الوحدة ؛ أو لكونك لا تستطيع أن تحمل النير ؛ أو لكونك لا تستطيع أن تتمم مشيئتك ؛ أو لأنه ينقصك ما هو ضروري ؛ أو أنك تريد أن تلتزم بإماتات زائدة ؛ أو لأنك مريض وليس بمقدورك أن تحتمل التعب .

أو أيّا كان السبب الذي يضغط على قلبك ويدفعك للرحيل ؛ فأحرص ألا تقتنع بالرحيل طارحاً عنك النير ؛ أو أن تغادرهم في حزن .

أو أن تَهرب سراً في الضيقة ؛ أو وقت تلومون فيه بعضكم بعضاً ؛ وليت المودة الأخوية لا يحجبها عنك تذكار الشر .

ولكن أنتهز بالأحرى فرصة سلام لكي يجد قلبك راحة حيثما تذهب ؛ وعُد باللوم على نفسك لكي لا تأتي باللائمة على الإخوة الذين كنت تسكن معهم .

ولا تسمع لأعدائك فتؤوَّل أعمال الإخوة الصالحة إلى رديئة متبرئاً هكذا من خطاياك ؛ راغباً أن تتستر على خطاياك وراء خطايا أخيك ؛ لأنك بذلك تقع تحت تسلط أعدائك في أي مكان تسكن فيه .

إذا مضيت إلى موضع لتسكنه فلا يجب أن تتخذ لك بسرعة قلاية لتقيم فيها قبل أن تتعرف على الحياة التي يعيشونَها في ذلك الموضع ؛ فربما لا تكون موافقة لك ؛ سواء بسبب الاهتمامات أو لأنك سترى أشخاصاً معينين ؛ أو بسبب الكرامة ؛ أو الراحة ؛ أو بسبب الضرر الناتج من أصدقائك . فإن كنت حكيماً فإنك تستطيع أن تفطن إلى ذلك كله في أيام قليلة ؛ وترى إن كان الأمر لموتك أو لحياتك .

إذا أعرت قلايتك لأحد الإخوة لكي يقضي فيها بضعة أيام ؛ فلا تعتبر أن أخاك آنذاك تحت سلطانك . إذا أخذت قلاية لتقضي فيها بعض الوقت؛ فلا تَهدم أو تبني فيها شيئاً دون أن تسأل أولاً الذي أعارك القلاية إن كان ذلك يرضيه أم لا ؛ لأن هذا عدم تمييز .

إن سكنت مع آخر " ولو لمدة عابرة " وأعطاك أمراً ما ؛ فأحذر من أجل اللـه أن تحتقره أو أن تعصاه ؛ سواء في الخفاء أو العلانية .

إذا أردت أن تعتزل في قلايتك وألزمت نفسك بشىء وقت تناولك الطعام ؛ كأن لا تأكل طبيخاً أو أي شيء آخر ؛ فأحرص إذا خرجت خارج القلاية ألا تقول لأحد حال جلوسك على المائدة : اغفر لي لأنني لا آكل من هذا . لأن كل تعبك إذ ذاك يضيع بلا منفعة في يدي أعدائك .

فإن المخلص معلمك يقول : أعمل في الخفاء ؛ وأبوك الذي يراك يجازيك علانية . والذي يحب أعماله ؛ ينبغي أن يحرص ألا يتلفها .

إن كنتم تعملون معاً عملاً ما ؛ فلا تكشف غلطة لاحظتها خارجاً عند آخرين ؛ لا تضعها على فمك لتقولها للإخوة ؛ "حتى إن كنت حكيماً " لأن هذا موت لنفسك .

إن كنت مقيماً مع إخوة يكدحون طوال النهار ؛ فخفف عنهم بأن تقدم لهم الطعام قبل الوقت .

لا تنظر لنفسك بل كن منتبهاً إلى دينونة اللـه ؛ وأجعل اللـه أمام عينيك في كل عمل تعمله .

إذا مضيت لتسكن في موضع ؛ سواء على انفراد أو مع الذين أتوا قبلك؛ ورأيت عندهم صنعة أو أعمالاً مخسرة أو ضارة أو ليست رهبانية ؛ فلا تفتح فمك لتنتقدها ؛ فإذا لم تمتنع تلك الأمور فأنتقل إلى موضع آخر ؛ وأحفظ لسانك ألا تغتاب من تركتهم ؛ لأن في هذا موتك .

إذا كنت في تعب من الأوجاع ؛ فأحرص ألا تدع أحداً يكشف لك أوجاع أفكاره ؛ كما لو كنت شخصاً جديراً بالثقة ؛ لأن هذا العمل يصير هلاكاً لنفسك .

إذا عرض بينكم كلام مثير للضحك ؛ فاحرصوا ألا يُسمع ضحككم ؛ لأن هذا علامة فقدان التأدب ؛ وانعدام مخافة اللـه ؛ وإشارة إلى أن السهر والتيقظ لا يوجدان فيكم .

إذا كانت أيامنا قد أتى فيها الغضب على العالم ؛ فلا تجزعوا من جهة كل ما تسمعونه ؛ ولكن قولوا في قلوبكم : وماذا يكون هذا بالمقابلة مع الموضع الذي نستحق أن نذهب إليه بسبب خطايانا ؟

من أجل محبة اللـه أقرءوا هذا ( الكلام ) لكي تحفظوه ؛ لأنه ليس هيناً أن يمارس المؤمن عملاً به بعض العيب ؛ فإذا اعتنيتم بذلك ببساطة ومعرفة ؛ فإنكم تمضون فرحين إلى راحة ابن اللـه .

    أما إذا لم تلاحظوا ذلك فستكونون في شقاء هنا ؛ وعندما تخرجون من الجسد تؤخذون إلى العقاب المكتوب .

فإن معلمنا المسيح سيأتي من أجل ما قلته ؛ ولكن قسوة قلوبنا أعمت عيوننا بسبب شهوات قلوبنا التي نفضلها على اللـه ؛ وليس لنا من نحوه محبة مثل ما لشهواتنا .

هوذا قد التزمت بأن أكتب لكم مرة ثانية عن هذه الأمور إذا لم تكفكم كتابتي السابقة ؛ لهذا فمن أجل المحبة جاهدوا منذ الآن ولا تمكثوا غير مختونين في قلوبكم ؛ بل التجئوا إلى معينكم الأمين ؛ في القليل الباقي من أيامكم .

إن راعيتم ذلك ؛ فهذا هو الاتضاع والسلام ؛ والصبر وقطع المشيئة والمحبة .

أما إذا لم تحفظوه بل كان فيكم الحسد والخصام ؛ والشقاق والكبرياء ؛ والملامة والتذمر أو العصيان ؛ فأنتم تضيعون زمانكم في البؤس والشقاء ؛ وسوف تمضون حتماً إلى العذاب عند خروجكم من الجسد .

فلهذا يا أحبائي؛ أحبوا إخوتكم بمحبة مقدسة؛ واحرسوا ألسنتكم؛ فلا يخرج من أفواهكم أي كلام دون تروٍّ لكي لا تجرحوا مشاعر إخوتكم .

الرب الإله قادر أن يمنحنا جميعاً ؛ أن نكمل ونحفظ ذلك ؛ كي نحظى بالرحمة من قبل نعمته ؛ مع جميع القديسين الذين أرضوه ؛ لأن له المجد والكرامة والسجود ؛ الآن وكل أوان ؛ وإلى دهر الدهور . آمين

الميمر السادس

من أجل الذين يريدون أن يعيشوا في وحدة حقيقية ؛

ويسهرون على نفوسهم ؛ ويطردون الذين يسلبونهم

فلا تضيعون زمانهم في الطياشة ومرارة العبودية

لأن هؤلاء يشغلون قلوبهم بأمور لا تناسبهم

وتجعلهم يتركون الاهتمام بخطاياهم

 

محبة فحص الأسفار المقدسة بفضول تولد الحقد والخصام ؛ بينما البكاء على خطاياك يجلب السلام .

المتوحد الجالس في قلايته إن ترك خطاياه ليفحص بغير فطنة في الأسفار المقدسة فذلك خطية ؛ فالذي يشغل قلبه في السؤال : ماذا يعني الكتاب ؟ أهذا الأمر أم ذاك ؟ من قبل أن يصير مُلماً به ؛ فهو متجاسر القلب وخاضع لعبودية عظيمة ؛ أما من يحرص ألا يقع في العبودية فيجب عليه أن يطرح نفسه كل يوم قدام اللـه .

الذي يطلب تصويراً للـه يجدف على اللـه ؛ أما الذي يطلب أن يكرم اللـه فهو يفضل الجهل في مخافة اللـه ؛ الذي يحفظ أقوال اللـه يعرف اللـه {1يو3:2} ؛ ويتمم الوصايا كمثل إنسان مدين للـه .

لا تفحص أمور اللـه العالية بينما ( لا تزال ) تطلب من معونته أن يأتي إليك ويخلصك من خطاياك ؛ لأن أمور اللـه تأتي من نفسها إذا كان المكان طاهراً ونقياً .

الذي يتكل على معرفته ويذهب وراء مشيئته يقتني العداوة ؛ ولا يقدر أن يفلت من الروح الذي يجلب للقلب الكآبة .

كل من يرى الأسفار الإلهية ويكملها بحسب معرفته الخاصة ويتكل عليها بقوله : هكذا هي . مثل هذا يجهل مجد اللـه وغناه ؛ أما من يحفظها ويقول : أنا لا اعرف إنما أنا إنسان . هذا يعطي المجد للـه ؛ وغنى اللـه يسكن فيه بقدر مقدرته وفهمه .

لا تكشف أفكارك لكل أحد ؛ بل لآبائك فقط ؛ لئلا تجلب عليك كآبة القلب . أحفظ فمك لكي يتكرم قريبك في عينيك .

علم لسانك بمعرفة أقوال اللـه فيبتعد عنك الكذب ؛ محبة المجد البشري تولد الكذب ؛ ورفضه باتضاع ينمي في القلب مخافة اللـه .

لا تشته أن تصاحب عظماء هذا العالم؛لئلا يصغر في عينيك مجد اللـه.

إذا أغتاب أحد أخاك أمامك وحقره وأظهر حقده له ؛ فلا تستمع له لئلا يجتذبك إلى ما لا تريده .

بالبساطة وعدم اعتبار المرء لذاته ؛ يتنقى القلب من الشر .

الذي يسلك بالمكر مقابل أخيه ؛ لا تبرح عنه كآبة القلب .

الذي يقول شيئاً ويخفي شيئاً آخر في قلبه بخبث ؛ فكل خدمته باطلة . لا تلتصق بمثل هذا الإنسان لئلا تتلوث بخبثه النجس ؛ رافق الأطهار (البسطاء) لكي تشترك في مجدهم ونقاوتَهم .

لا تضمر لأي إنسان أذية؛ لئلا تجعل أتعابك باطلة . نقِّ قلبك من جهة الكل ؛ لكي تجد سلام اللـه داخلك ؛ فكما أن العقرب إذا لدغت أحداً فإن السم يستشري في جسمه كله حتى يصل إلى قلبه ؛ وهكذا أيضاً يفعل في القلب سوء النية نحو القريب ؛ فإن سمه يؤذي النفس ويجعلها في خطر .

فالذي يهتم ألا يتلف أعماله ؛ ليقضي عنه في الحال هذا العقرب أي الخبث وسوء النية .

الميمر السابع

 

عن الفضائل

 

    ثلاث فضائل تحفظ العقل دائماً وهو محتاج إليها :

@ الحمية الطبيعية           @ والشجاعة           @ والعزيمة

    ثلاث فضائل أخرى إذا أقتناها العقل يثق بأنه قد بلغ عدم الموت :

@ الإفراز الذي يميز بين شيء وآخر .  @ التبصر في الأمور قبل الإقدام عليها

@ وعدم الانغلاب لأي شيء غريب .

ثلاث فضائل تشع في العقل ضوءاً على الدوام هي :

@ أن لا يعرف شر إنسان .           @ أن يصنع الخير لمن يسئ إليه .

 @ وأن يحتمل بلا انزعاج كل ما يحدث ( له ) .

    هذه الفضائل الثلاثة تولد ثلاثاً أخرى أعظم منها :

@ فالذي لا يعرف شر إنسان ؛ يقتني المحبة .

@ ومن يفعل الخير لمن يسئ إليه ؛ يقتني السلام .

@ ومن يحتمل بلا انزعاج كل ما يأتي عليه ؛ ينال الوداعة .

أربع فضائل تنقي النفس :

@ السكون .    @ حفظ الوصايا .     @ المسكنة .     @ والاتضاع .

يحتاج العقل دائماً إلى هذه الفضائل الأربعة :

@ الصلاة للـه مع السجود الدائم .   @ طرح الإنسان نفسه أمام اللـه .

@ أن يكون بلا هم من جهة كل إنسان لكي لا يدينه .

@ وأن يصير أصم مقابل أفكار الأوجاع .

    أربع فضائل تقوي النفس ؛ وتجعلها في مأمن من بلبلة الأعداء :

@ الرحمة .            @ عدم الانغلاب للغضب .               @ الصبر .

@ طرح كل بزور للخطية ترد عليها . ومقاومة النسيان تحفظ جميع ذلك .

   أربع فضائل هي عون ( الراهب ) الشاب بنعمة اللـه :

@ الهذيذ الدائم ( في ناموس اللـه ) .    @ العزيمة ( النشاط في الصلاة ) .

@ السهر ( الدائم ) .                      @ وأن لا يعتبر نفسه شيء .

 
الرذائل

    أربعة أشياء تدنس النفس :

@ المشي في المدن بلا تحفظ العينين .    @ التعرف على النساء .

@ مصادقة عظماء العالم .               @ محبة الخلطة بالأقرباء الجسديين .

    أربعة تثير في الجسد النجاسة :

@ النوم بلا قياس .                      @ الأكل حتى الشبع .

@ اللعب والمزاح .                      @ تزين الجسد .

   أربعة أشياء تظلم النفس : 

@ مقت القريب .      @ الازدراء به .      @ الحسد .      @ التذمر .

   أربعة أشياء تجعل النفس مقفرة :

@ الطواف من موضع إلى موضع .                @ محبة اللهو .

@ الرغبة في القنية .                                @ البخل .

   أربعة أمور تضرم فيك الغضب :

@ الأخذ والعطاء .                       @ الاعتداد بالرأي .

@ محبة تعليم الآخرين .                   @ ظنك في نفسك إنك حكيم .

   ثلاثة أمور يقتنيها الإنسان بصعوبة ؛ وهي تحفظ جميع الفضائل : 

@ النوح .      @ البكاء على الخطايا .      @ وأن يجعل موته قدام عينيه .

   ثلاثة أمور تتسلط على النفس التي لم تبلغ إلى الكمال ؛ ولا تدع الفضائل مكاناً في القلب :

@ السبي .                     @ التواني .                     @ النسيان .

   فالنسيان يحارب الإنسان إلى النفس الأخير إذ يسلمه للقتالات ؛ وهو أقوى من جميع الأفكار ؛ ويولد جميع الشرور ؛ ويهدم في كل وقت جميع ما يبنيه الإنسان .

أعمال الإنسان الجديد والعتيق :

   تلك هي أعمال الإنسان الجديد ؛ وأعمال الإنسان العتيق ؛ والذي يحب نفسه لكي لا يهلكها ؛ فليلاحظ كل ما للإنسان الجديد ؛ والذي يطلب الراحة في هذا الزمان اليسير ؛ يطلب ويكمل ما للإنسان العتيق ؛ ويهلك نفسه .

الذين يهلكون نفوسهم في هذا العالم : 

   إن ربنا يسوع المسيح إذا أظهر الإنسان الجديد في جسده يقول : من يحب نفسه يهلكها ؛ ومن يهلكها من أجلي يجدها {مت39:10} .

   ومع أنه رئيس السلام الذي بواسطته نُقض حاجز العداوة إلا أنه يقول: ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً ؛ كما قال أيضاً : جئت لألقي ناراً على الأرض وأريد الآن أن تضطرم {لو49:12} ؛ يعني بِهذا نار لاهوته (تعمل) في أولئك الذين يتبعون تعاليمه المقدسة ؛ ويجوزون سيف الروح {أف 17:6} الذين يقطعون كل مشيئات الجسد ؛ ويهبهم الفرح أخيراً بقوله لهم : سلامي أترك لكم سلامي أعطيكم {يو37:14} .

   هؤلاء هم الذين يهتمون بإهلاك نفوسهم في هذا العالم بقطعهم مشيئتهم ؛ فيستحقون أن يصيروا له كخراف مقدسة للذبيحة .

   وحينما يظهر في مجد لاهوته يدعوهم إلى يمينه قائلاً : تعالوا إليَّ
يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم ؛ لأني كنت جائعاً فأطعمتوني . هؤلاء هم الذين يهلكون أنفسهم في هذا الزمان القليل ؛ ليجدوها في ساعة الضيقة إذ ينالون مكافأة أكثر بكثير مما كانوا يتوقعون .

نَهاية الخطاة :

   أما الذين أكملوا مشيئتهم ( شهواتِهم ) ؛ فهم الذين راعوا أنفسهم في هذا الدهر مخطئين ؛ وانخدعوا بغناه الباطل دون أن يهتموا بحفظ وصايا اللـه ؛ لأنَهم ظنوا أنَهم يمكثون إلى الأبد في هذا الدهر .

   وهكذا سيظهر عملهم وخزيهم ساعة الدينونة ؛ ويصيرون جداء ملعونة ؛ إذ يسمعون ذلك الحكم المملوء رعباً القائل : أبعدوا عني
يا ملاعين إلى الظلمة الخارجية الأبدية ؛ المعدة لإبليس وملائكته ؛ لأني جعت فلم تطعموني {مت:41:25} .

   سوف تستد أفواههم فلا يجدون ما يقولونه ؛ لأنَهم يتذكرون قساوة قلوبِهم وبغضهم للفقراء . وإذ ذاك يقولون : يارب متى رأيناك جائعاً ولم نخدمك ؟ ولكن سوف تستد أفواههم إذ يجيبهم قائلاً : من فعل خيراً لأحد أولئك المؤمنين بي ؛ فبي قد فعل {مت:41:25} .

ينبغي لكل واحد أن يكمل الوصايا على قدر استطاعته :

   فلنفحص نفوسنا إذاً يا أحبائي ؛ إن كان كل منا يكمل وصايا اللـه بحسب قدرته أم لا ؛ لأننا جميعاً مطالبون بأن نحفظها بحسب استطاعتنا ؛ الصغير على قدر صغره ؛ والكبير على قدر قامته .

   لأن جميع الذين ألقوا عطاياهم في الخزانة كانوا أغنياء ؛ لكنه سُرَّ بالأكثر بالأرملة الفقيرة صاحبة الفلسين ؛ لأن اللـه إنما ينظر إلى مشيئتنا الصالحة {مر41:12} .

   فلا نفسحن في قلوبنا مكاناً للضجر ؛ لئلا يفصلنا حسد الشياطين عن اللـه ؛ بل لنكمل واجباتنا على قدر مسكنتنا .

   لأنه كما أظهر شفقته نحو ابنة رئيس المجمع وأقامها {مت25:9} ؛ هكذا تحنن أيضاً على نازفة الدم التي أنفقت كل أموالها على الأطباء قبل أن عرفته {مت22:9} .

   كما أنه شفى عبد قائد المائة بسبب إيمانه {مت23:8} ؛ هكذا أشفق على الكنعانية إذ شفى ابنتها {مت28:15} .

   وكما أقام لعازر حبيبه {يو4:11} ؛ كذلك أقام للأرملة المسكينة ابنها الوحيد من أجل دموعها {لو15:7} .

   وكما لم يحتقر مريم التي دهنت قدميه بالطيب {يو15:7} ؛ هكذا أيضاً لم يرفض الخاطئة التي دهنتهما بالدموع مع الطيب {يو3:12} .

   وكما دعا بطرس ويوحنا من القارب قائلاً لهما : هلمَّ ورائي {مت30:4} ؛ هكذا دعا متى وهو جالس مكان الجباية {مت9:9} .

   وكما غسل أرجل تلاميذه؛كذلك أيضاً غسل رجلي يهوذا دون تفرقة.

   وكما حل الروح البارقليط على الرسل {أع4:2} ؛ حل أيضاً على كرنيليوس دون تردد {أع11:10} .

   وكما ألزم حنانيا من أجل بولس قائلاً : هذا لي إناء مختار {أع15:6} هكذا أيضاً ألزم فيلبس في السامرة من أجل الخصي الحبشي {أع27:8} لأن ليس عند اللـه محاباة {رو11:2} لصغير أو كبير ؛ لغني أو فقير .

   لكنه يطلب النية الصالحة ؛ والإيمان به ؛ وتكميل وصاياه ومحبة الجميع. فهذه حقاً هي ختم النفس وقت خروجها من الجسد بحسب التعليم الذي أعطاه لتلاميذه قائلاً : بِهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم لبعض {يو35:13} .

   وإلى من يشير بقوله "يعرفونكم" إلا على القوات التي على اليمين وعلى اليسار ؛ لأنه إذا رأت القوات المضادة علامة المحبة منطبعة على النفس يبتعدون عنها مرتعدين ؛ بينما يفرح معها جميع القوات السمائية .

جبل كلمة اللـه :

   فلنجاهد إذاً يا أحبائي على قدر قوتنا لكي نقتني المحبة حتى لا يعوقنا أعدائنا ؛ فإن الرب قال : لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل . {مت12:5} فعن أي جبل يتكلم سوى كلامه المقدس .

   أنه من الواجب يا أحبائي أن نعمل أعمالنا بغيرة ومعرفة مكملين قوله : من يحبني يحفظ وصاياي {يو23:14} . حتى تصير لنا أعمالنا كمدينة آمنة حصينة تحفظنا في كلمته من أيدي جميع أعدائنا إلى أن نلقاه .

   لأننا إذا وجدنا ملجأً وطيداً ؛ فإن جميع أعدائنا يضمحلون بفضل كلمته المقدسة التي هي ذلك الجبل الذي قطع منه بغير يدين ؛ الحجرُ الذي حطم تمثال الذهب والأربعة عناصر : الفضة والنحاس والحديد والفخار {دا 34:2} .

   كما يقول الرسول : ألبسوا سلاح اللـه الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكائد إبليس . فإن مصارعتنا ليست هي مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين ؛ مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر ؛ مع أجناد الشر التي في السماوات . {أف 6 : 11 ـ 12}

   فتلك الرئاسات الأربعة قد شُبهت بالتمثال المصنوع من الأربعة عناصر الذي هو العدو ؛ وكلمة اللـه القدوس قد حطمها حسب القول : أما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها .

    فلنلتجئ يا إخوتي تحت حمايته لكي يصير لنا ملجأ فيخلصنا من قوات الشر الأربعة تلك ؛ لكي نسمع نحن أيضاً الصوت الفرح بصحبة جميع القديسين المجتمعين أمامه من أربعة أركان الأرض ؛ لأن كل واحد منهم يدرك سعادته بحسب أعماله .

   لأن اسمه القدوس قادر أن يكون معنا لكي يقوينا فنكمل عمله ؛ ولكي لا نترك قلبنا تضله الأعداء بالغفلة ؛ بل يحفظنا لكي نحتمل على قدر قوتنا كل ما يعرض لنا من أجل اسمه القدوس ؛ حتى نجد رحمة مع أولئك الذين استحقوا أن يحظوا بتطويبات ؛ لأن له المجد إلى دهر الدهور ؛ آمين .

 

 

 

 

 

C

 

 

 

 

الميمر الثامن

أقوال مأثورة

 

    قال أنبا إشعياء : أشبه نفسي أحياناً بحصان لا صاحب له كل من يجده يركبه ؛ وإذا تركه يستولي عليه آخر ويعتليه .

    وقال أيضاً : إنني أشبه إنساناً أصطاده أعدائه وقيدوه وطرحوه في حفرة مملوءة وحلاً فإذا صرخ نحو ربه فإنَهم يوسعونه ضرباً لكي يجعلونه يسكت

    وقال أيضاً : إنني أشبه عصفوراً أمسكه طفل وربط رجله فإذا أطلقه يطير في الحال متخيلاً نجاته ؛ ولكن إذا أجتذبه الطفل فهو يسقط ثانيةً .

    على هذا الحال أرى نفسي ؛ وما أريد أن أقوله هو أنه ينبغي أن لا يتهاون أحد قط إلى أخر نسمة من حياته .

    وقال أيضاً : إذا أقرضت إنساناً شيئاً ما وتركته له فقد تشبهت بطبيعة يسوع ؛ وإذا طالبته به فقد تشبهت بطبيعة آدم ؛ أما إذا أخذت ربحاً تكون قد سلكت مخالفاً لطبيعة آدم .

    وقال أيضاً : إذا أتَهمك إنسان من أجل شيء فعلته أو لم تفعله فإن سكت فقد صرت متشبهاً بطبيعة يسوع ؛ فإذا أجبت وقلت : وماذا فعلت أنا ؟ فليس هذا موافقاً لطبيعته ؛ وإذا جاوبت بكلمة مقابل كلمة فهذا مخالف للطبيعة .

    وقال أيضاً : حينما تقوم بخدمة صلواتك ؛ إن قدمتها بالاتضاع معتبراً نفسك غير مستحق ؛ صارت مقبولة عند اللـه .

    أما إذا تعاليت في قلبك متذكراً شخصاً آخر ينام أو يهملها صار عملك باطلاً .

   وقال عن الاتضاع :

   ليس للتواضع لسان يقول عن أي إنسان ما أنه متهاون ؛ أو أنه حقير ؛ وليس له عينان ليلاحظ عيوب الآخرين ؛ ولا أذنان ليسمع الأمور المؤذية للنفس ؛ وليس له انشغال بأحد ما خلا أن ينشغل بخطاياه .

   وبالأكثر جداً فالمتواضع محب للسلام مع جميع الناس من أجل اللـه ؛ وليس من أجل محبة ( أو ألفة بشرية ) .

   وقال : أنه إذا صام إنسان ستة أيام من السبعة ؛ وباشر أعمالاً عظيمة وركن إلى تعاليم غريبة عن هذا السبيل تصير كل أعماله باطلة .

   وقال أيضاً : إذا أقتنى إنسان أداة لاستعمالها ثم حدث أنه لم يجدها حين احتياجه لها ؛ فاقتناؤه لها يكون بغير منفعة ؛ هذا يشبه من يقول : إنني أخاف اللـه ؛ وحينما يحتاج إلى خوف اللـه تجده إذا تكلم يغضب .

   أو يؤكد في تعليمه لآخر بما لم يصل إليه بعد ؛ بسبب ( محبة ) المجد البشري واهتمامه بسمعته بين الناس ؛ وبسبب جميع الأوجاع الأخرى ؛ لأنه إذا لم تظهر منه مخافة اللـه في هذه الأوقات بصفة خاصة فجميع أعماله تصير باطلة .

وقال أيضاً : ما لم يكن ربنا يسوع المسيح قد شفى أولاً جميع أوجاع الإنسان الذي جاء من أجله ؛ لَما صعد إلى الصليب .

   فمن قبل مجيء الرب في الجسد ؛ كان الإنسان أعمى أصم أبكم مفلوجاً ؛ أبرص وأعرج ؛ يعاني الموت بسبب كل ما هو مخالف للطبيعة . فلما أشفق علينا وأتى بيننا ؛ أقام الميت وجعل الأعرج يمشي ؛ والأعمى يبصر ؛ والأخرس يتكلم ؛ والأصم يسمع ؛ وأقام الإنسان الجديد متحرراً من جميع الأسقام ؛ وإذ ذاك أرتفع على الصليب وعُلق معه لِصان .

   فالذي كان عن اليمين مجده وتوسل إليه قائلاً : اذكرني يارب متى جئت في ملكوتك والذي على اليسار جدَّف عليه .{لو44:22} .

   وإيضاح ذلك هو هكذا : من قبل أن تستيقظ النفس من غفلتها ؛ فهي تكون مع العدو ؛ فإذا أقامها ربنا يسوع المسيح من غفلتها وأعاد لها البصر فابتدأت تميز كل الأشياء ؛ تستطيع أن تصعد على الصليب .

   حينئذٍ يداوم العدو التجديف بأقوال صعبة مؤملاً أن يضعف النفس وتكف عن أعمالها ؛ وتعود مرة أخرى إلى غفلتها .

   هذه هي حالة اللصين الذين فصل بينهما ربنا يسوع المسيح من جهة ميولهما المشتركة ؛ فالواحد منهما جدَّف مؤملاً أن يثنيه عما يقصده ( أي يتخلص من آلام الصليب والموت ) {لو39:23} .

   بينما داوم الآخر الابتهال حتى سمعه قائلاً له : اليوم تكون معي في الفردوس ؛ فانطلق إلى الفردوس وأكل من شجرة الحياة .

   وقال أيضاً عن الشركة المقدسة ( التناول ) : إننا ندعوها اتحاداً باللـه؛ فحينما نكون مغلوبين للأوجاع " الغضب والغيرة والكرامة البشرية والمجد الباطل والبغضة أو أي وجع آخر " ؛ فنحن بعيدون عن اللـه ؛ فأين هو إذاً الاتحاد باللـه ؟ وقال أيضاً : إذا كنا نؤدي صلواتنا وبعد هذا يثور في قلبنا أحد الأوجاع نكون قد تعبنا باطلاً لأن اللـه لن يتقبلها .

   قال إلى أحد الشيوخ : لماذا لا تُقاتل يا أبي ؟ أجاب قائلاً : إذا نزل المطر على أرض مزروعة ( ألقي بِها البذار )  فإنَها تنبت ؛ لكن إذا لم يكن بِها بذور فكيف تقدر أن تنبت ؟ 

   وقال أيضاً : إذا جاهد إنسان لكي يطرد من قلبه أموراً تخالف الطبيعة فهي لا تعود تتحرك فيه .

   فاللـه يريد من الإنسان أن يتشبه به في كل شيء ؛ ولهذا السبب أتى وتألم لكي يبدل قساوة طبيعتنا ويبطل أهوائنا ومعرفتنا الكاذبة التي استولت على نفوسنا .

   لأن الحيوانات التي لا عقل لها حفظت طبيعتها الخاصة بِها بينما غَيَّر الإنسان طبيعته .

   لهذا كما أن الماشية تخضع للإنسان بالمثل ينبغي على كل إنسان أن يخضع لقريبه من أجل اللـه ؛ فأنه من أجل هذه الغاية أتى الرب .

   فأنظر إذاً كم تفْضُلك الماشية أنت الذي تتكل على معرفتك الكاذبة .

   فإذا كنت بالتالي أريد العودة إلى الحالة الطبيعية ينبغي أن أسلك كالبهيمة التي ليس لها مشيئة خاصة ولا معرفة .

   ليس مع الذي يشاركني في مقصدي ورأيي ؛ بل وأيضاً مع الذي يقاومني ؛ لأن هذه هي مشيئة اللـه .

   فالذي يُريد حقاً أن يدرك راحة القلاية دون أن يضيعها منه العدو ؛ فليبعد من الناس في كل شيء ؛ لكي لا يلوم أحداً أو يمدحه ؛ أو يزكيه أو يدعوه مغبوطاً ؛ أو ينادي بصلاحه ؛ أو يسبب له حزناً في أي أمر من الأمور ؛ أو يطلع على عيوبه .

   كما ينبغي أن لا يترك في قلبه حركة أو فكر يدفعه إلى البغضة مقابله ؛ ولا يهلك معرفته بسبب الجاهل ونيته من أجل الأحمق .

   فأمتحن نفسك حينئذٍ وأنت تعرف ماذا يضرك .

   أما الذي يتكل على بره الذاتي ؛ ويتمسك برأيه ؛ فلا يستطيع أن يفلت من العدو ؛ أو يجد الراحة ؛ أو يرى ما الذي ينقصه ؛ وعندما يخرج من جسده بالجهد يجد رحمة .

   وجُلَّ الأمر هو أن تداوم الالتصاق باللـه بشدة من كل قلبك ؛ ومن كل قوتك ؛ وتقتني شفقة نحو الجميع ؛ وتلازم النوح والصلاة للـه ؛ لكي تُحفظ بمعونته ورحمته .

   وقال أيضاً من أجل تعليم وصايا اللـه للقريب :

   كيف أعلم إذا كنت قد صرت مقبولاً أمام اللـه حتى أقول لآخر : أفعل هذا الأمر أو ذاك . بينما أنا نفسي أقدم دينونة من أجل خطاياي .

   فالإنسان إذا سقط مرة يصير تحت التوبة ؛ ولا يكون في مأمن طالما لم يعرف إذا كان قد وُهب الغفران ؛ فالخطية قد ارتكبت بالفعل أما الرحمة فهي من اختصاص اللـه وحده ؛ لذلك فقلبك لا يقدر أن يصرف عنه الاهتمام ؛ إلى عندما نقف أمام منبر اللـه .

   إذا أردت أن تعرف إن كانت خطاياك قد غفرت لك فهذه هي العلامة: إذا لم يثر في قلبك شيء مما أخطأت فيه ؛ أو إذا كلمك إنسان عنها ولم تعد تعرفها بعد ؛ تكون قد نلت الرحمة فعلاً .

   أما إذا كانت مازالت تحيا فيك ؛ أردعها وأبكِ عليها ؛ فالخوف والرعدة والرعب ؛ هو أن لا تَهتم من أجلها قبل أن تتراءى أمام منبر اللـه .

   إذا سألك إنسان أن تعلمه شيئاً وعرضت نفسك للموت في سبيل أن تعرفه بالجواب ؛ فإذا جاء مرة أخرى يسألك الشىء نفسه دون أن ينتفع بما قلته له ؛ فهو بالتأكيد لم يفعل ( كما قلت ) .

   فأبتعد إذاً عنه لئلا يسبب موتاً لنفسك ؛ لأنه أمر عظيم للإنسان أن يتخلى عما يبعد له صلاحاً بحسب اللـه ؛ وأن يحفظ كلام من يعلمه وفق مشيئة اللـه .

   هكذا فعل رجل اللـه أنبا نستيروس الذي كان يرى مجد اللـه ؛ كان يسكن مع أبناء أخته وما كان يأمرهم بأي أمر ؛ بل كان يترك كل واحد منهم لمشيئته الخاصة ؛ فإن سلكوا مستقيماً أو ردياً لم يكن يهتم بِهم .

   وكان يقول عن قايين وهابيل : أنه لم يكن الناموس بعد؛ ولا الأسفار؛ فمن علمهم أن يعملوا هذا الأمر أو ذاك ؟ لهذا فإن كان اللـه لا يُعَلم الإنسان ؛ فباطلاً تعب من يتعب .

   وقال أيضاً : إذا حدثك إنسان بأقوال غير نافعة فلا يجب أن تنصت لها لئلا تتسبب في هلاك نفسك ؛ ولا تخجل من أن تحزنه وتقاطع كلامه قائلاً: أنني لا أتقبل هذا الكلام في قلبي .

   فلا تقل هذا : لأنك لست أفضل من خليقة اللـه الأولى التي جبلها بيده ؛ فأهرب إذاً دون أن تشتهي سماع شيء ؛ وأحذر حال هروبك بالجسد أن تطلب معرفة ما قيل ؛ لأنك إذا كنت قد سمعت جانباً من الحديث فالشياطين لا يتغاضون عن الشىء الذي سمعته لكي يهلكوا به نفسك ؛ فإن هربت فليكن هروبك كاملاً .

   وقال أيضاً : على ما أرى فإن محبة الكسب والكرامة والراحة ؛ تتصارع مع الإنسان حتى موته .

   وقال أيضاً : تعليم القريب سقوط للنفس ؛ وشهوة تَهذيبه بطبيعة خيِّرة هو خراب عظيم للنفس ؛ كذلك عندما تُعَلم قريبك قائلاً : أفعل هذا أو ذاك . انظر إلى نفسك واذكر أنك أمسكت معولاً لتهدم به مسكنك ؛ فيما تريد أن تبني مسكناً لآخر .

   قال أيضاً : يا لشقاء النفس التي أخطأت بعد المعمودية المقدسة ! إن مثل هذا الإنسان لا يستطيع أن يكون بلا هم .

   لأنه في حال التوبة لكونه قد أخطأ جسدياً ؛ أو سرق ؛ أو فعل أي خطية أخرى ؛ سواء بواسطة عينيه بالتطلع إلى جسد آخر بشهوة ؛ أو أنه تجرأ أن يأكل شيئاً في السر وهو يتطلع ألا يراه أحد ؛ أو أنه عبث بمحتويات حافظة استودعها آخر عنده ليعرف ما بِها ؛ فإن من يتصرف هكذا يهين يسوع .

   حينئذٍ سأله واحدٌ : أهكذا الأمر خطير يا أبي ؟

   فأجابه قائلاً : إن الذي ينقب جداراً ويأخذ مالاً فهو قد انخدع من العدو ؛ وهكذا الحال مع هذا ؛ لأن من غلب واحداً فقد غلب الآخر ؛ والذي ينغلب في الأمور الصغيرة ينغلب أيضاً في الكبار .

   وقال أيضاً : إن عمل إنسان معجزات عظيمة وأشفية ؛ وإن كان له كل العلم ؛ وإن أقام الموتى ؛ ثم سقط في خطية ؛ فمنذ ذلك الوقت لا يستطيع أن يكون بلا هم لأنه تحت التوبة .

   وإن كان يمارس أعمالاً عظيمة ( للتوبة ) ثم يحتقر شخصاً آخر رآه يرتكب خطية ما أو إهمالاً ؛ فكل توبته تصير باطلة ؛ ذلك لأنه ازدرى بأحد أعضاء المسيح فحكم عليه ولم يترك الحكم للديان الذي هو اللـه .

   وقال أيضاً : نحن جميعاً كما لو كنا في مستشفى ؛ الواحد يشكوا من ألم في عينيه ؛ والآخر يشكوا من قرحة ؛ وهناك أمراض من كل نوع ؛ حقاً توجد جروح قد التأمت ؛ ولكن إن أكل المريض شيئاً ضاراً تنفتح من جديد ؛ هكذا الحال من كان في التوبة ويدين ويحتقر آخر فقد ضيع توبته ثانية .

والذين في المستشفى يقاسون من آلام متنوعة ؛ فإن صرخ واحد فهم تحت وطأة ألمه هل يسأله آخر: لماذا تصرخ؟ ألا يفكر كل واحد في ألمه الخاص؟

   هكذا إذا كان ألم خطاياي أمامي ؛ فلن أنشغل بآخر يخطئ ؛ والذين يلزمون الفراش أمام الطبيب؛ كل منهم يحترس ألا يأكل شيئاً ضاراً بجرحه.

   ويحٌ للنفس التي تريد أن تَهزم جميع الخطايا لأنَها ستواجه ضيقات كثيرة من الذين يبغضونَها ويتقدمون لملاقاتَها ؛ ولهذا فهي في حاجة إلى شكر كثير ولعمل النعمة في كل شيء .

   فالشعب حين كان في مصر ؛ كانوا يأكلون ويشربون حسب ما يريدون ولكن كعبيد لفرعون ؛ وحينما أرسل الرب لهم عوناً أي موسى لكي يخلصهم من فرعون كانوا إذ ذاك مقهورين ومكروبين .

   وأثناء كل الضربات التي جلبها اللـه على فرعون لم يكن موسى متأكداً بعد من خلاصهم ؛ إلى أن جاء الوقت حيث قال له اللـه : ضربة واحدة أيضاً أجلب على فرعون وتقول له : أطلق شعبي لأني مزمع أن أضرب بكرك .

   وإذ ذاك فقط حصل موسى على اليقين . وقال له اللـه : تكلم سراً في مسامع شعبي أن يطلب كل رجل من صاحبه ؛ وكل امرأة من صاحباتِها ؛ أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثياباً ؛ وتضعونَها على أعناق أولادكم فتسلبون المصريين . وبعض هذه الأشياء صارت نافعة في صنع خيمة الاجتماع .

   وأضاف : يقول الشيوخ إن أمتعة الفضة والذهب ؛ وكذلك الثياب هي الحواس التي كانت في خدمة العدو ؛ هذه هي التي إذا لم يستردها الإنسان من العدو لكي تثمر للـه ؛ فإن ستر راحة اللـه لن تحل عليه ؛ أما إذا استخلصها من العدو فأثمرت للـه ؛ فإن ستر اللـه يحل عليه ؛ فالسحابة لم تغطِ الخيمة قبل اكتمالها ؛ بل غطتها بعد أن صارت كاملة .

   كذلك الهيكل أثناء إقامته ؛ لم تغطه السحابة طالما كان ينقصه شيء ؛ لكن حينما أكمل وأدخلوا فيه دماء وشحوم الذبائح ؛ أشتم اللـه رائحتها وحينئذٍ غطت السحابة المسكن .

   معنى ذلك أن الإنسان إذا لم يحب اللـه من كل قوته وبكل فهمه ولم يلتصق به بكل قلبه ؛ فلن يحل عليه ستر راحة اللـه .

   وقال أيضاً : إن أرد العقل أن يصعد على الصليب قبل أن تشفى الحواس من أمراضها يأتي عليه غضب اللـه ؛ لأنه جسر على عمل يفوق قامته ؛ قبل أن يكون قد شفى حواسه .

   إذا اشتدت عليك النجاسات ووافقتها وقبلت ما يتولد منها دون أن تبكت نفسك بقلب محزون ؛ فهذا مخالف للطبيعة الآدمية .

   أما إذا غَلب قلبك الخطية حقاً ؛ وأبتعد من كل ما يولدها ؛ ووضَعت عقابِها نصب عينيك عالماً أن حارسك يسكن معك ؛ ولم تحزنه في أي شئ بل تبكي أمامه قائلاً : الرحمة هي من عندك يارب لكي تخلصني ؛ أما أنا فلست قادراً أن أفلت من أيدي أعدائي بغير معونتك ؛ كذلك إذا أنتبه قلبك ألا تحزن من يعلمك وفق مشيئة اللـه ؛ فهذا يكون مطابقاً لطبيعة يسوع ؛ وهو يحفظك من كل شر . آمين .

 

 

 

D

 

 

الميمر التاسع

 

وصايا للذين تركوا العالم

 

   إن كنت قد تركت العالم ؛ وقربت نفسك للـه لتتوب ؛ فلا تدع فكرك يزعجك من جهة خطاياك القديمة كما لو كانت لم تُغفر لك ؛ ولا تحتقر بعد الوصايا ؛ وإلا فلن تُغفر لك خطاياك القديمة .

   احفظ هذه إلى الموت ولا تحتقرها : ألا تأكل مع امرأة أو تصاحب صبياناً ؛ إذا كنت شاباً لا ترقد مع آخر على فراش واحد ما خلا أخيك أو أبيك ؛ وليكن هذا بمخافة ودون تَهاون .

   لا تخطئ بعينيك عندما تخلع ثيابك .

   إن دعتك الضرورة لشرب الخمر فخذ إلى ثلاثة كؤوس ؛ وإياك أن تحل هذه الوصية لأجل الصداقة .

   لا تسكن في موضع أخطأت فيه أمام اللـه .

   لا تُهمل صلواتك لئلا تقع في أيدي أعدائك .

   أجهد نفسك في تلاوة المزامير؛ فإنَها تحفظك من الطياشة في النجاسة .

   أحبب كل أنواع الإماتات ؛ فتذلل جميع أوجاعك .

   أحذر أن تعتبر نفسك شيئاً في أي أمر من الأمور ؛ فيتسنى لك أن تبكي على خطاياك .

   احتفظ من الكذب فهو يبعد عنك مخافة اللـه .

   لا تكشف أفكارك لكل الناس ؛ لئلا تسبب عثرة لقريبك ؛ أكشف أفكارك لآبائك لكي تحيطك نعمة اللـه .

   أجهد نفسك في عمل يديك ؛ ليسكن خوف اللـه فيك .

   إذا رأيت أخاك قد زلَّ ولم يقوده ذلك للموت ؛ فلا تحتقره لئلا تقع في أيدي أعدائك. أحذر لئلا تسبى بتذكار خطاياك القديمة؛ لئلا تتجدد فيك.

   أحبب الاتضاع فهو يحفظك من الخطية .

   لا تكن مشاكساً لئلا يسكنك كل الخبث .

   ضع في قلبك طاعة آبائك ؛ فتسكن فيك نعمة اللـه .

   لا تكن حكيماً في عيني نفسك ؛ لئلا تسقط في أيدي أعدائك .

   عود لسانك دائماً أن يقول : اغفر لي . فيأتيك الاتضاع .

   إذا جلست في قلايتك أهتم على الدوام بِهذه الأمور الثلاثة :

عمل اليدين .                   الهذيذ .                       الصلاة .

   تأمل كل يوم قائلاً : ليس لي سوى هذا اليوم أحياه في هذه الدنيا ؛ عندئذ لم تخطئ أمام اللـه . لا تكن نَهماً في الأطعمة ؛ لئلا تتجدد فيك خطاياك القديمة . لا تصغر نفسك في أي عمل لئلا تُهاجمك قوات العدو .

   أغصب نفسك في هذيذك ؛ فتأتيك سريعاً راحة اللـه .

   لأنه كما أن البيت الخرب خارج المدينة يُلقى فيه كل نتن ؛ كذلك نفس الراهب المبتدئ الكسول تصير مأوى لكل وجع معيب .

   أغصب نفسك في صلوات كثيرة بدموع ؛ لعل الرحمة تدركك وتخلصك من الإنسان العتيق الذي أخطأ .

   ثبت نفسك في هذه كلها ؛ لأن التعب ؛ والمسكنة ؛ والغربة؛ والإماتة؛ والسكون ؛ تولد الاتضاع ؛ والاتضاع يغفر الخطايا كلها .

   إلهنا وربنا الصالح أنت القادر أن تجعلنا قادرين أن نقرأ ونكمل هذا ؛ كي نحظى بالرحمة مع القديسين الذين حفظوا هذه الوصايا . آمين .

الميمر العاشر

 

أقوال أخرى

 

   لقد أظهر اللـه لبطرس الرسول المغبوط أنه ينبغي ألا يحكم على أي إنسان بأنه دنس أو نجس .

   فما دام قلب الإنسان مقدساً ؛ يصير الجميع في عينيه مقدسين . أما من كان قلبه في الأوجاع ؛ فليس إنسان طاهراً عنده ؛ بل هو على العكس يحكم على حالة كل واحد بحسب الأوجاع التي في قلبه .

   كذلك إذا قال له إنسان : هذا الإنسان صالح يغتاظ للوقت في قلبه ؛ فاحرصوا إذاً ألا تلوموا أحداً لا بالفم ولا في القلب .

   ما دام الإنسان متهاوناً مع نفسه ؛ فهو يظن في قلبه أنه صديق اللـه ؛ أما إذا كان متحرراً من الأوجاع ؛ فهو يستحي أن يرفع عينيه إلى السماء أمام وجه اللـه ؛ لأنه يرى نفسه بعيداً جداً عن اللـه .

   كان لإنسان خادمان وأرسلهما ليحصدا الحنطة من حقله ؛ وعين لكل واحد منهما أن يحصد كل يوم سبعة أحواض ؛ فعمل الأول بكل جهده لكي يتم أمر سيده ولكنه لم يحظى بتكميل المقدار الذي كان يفوق طاقته؛ أما الثاني فتملكه الغم وقال في نفسه : من ذا الذي يستطيع مثل هذا العمل في يوم ؟

   فأزداد تَهاوناً ولم يعمل ؛ بل كان تارة ينام؛ وتارة يجلس وتارة يتثاءب؛ وأخرى يدور حول نفسه كالباب على صائده {أم14:26} وهكذا أضاع اليوم كله .

   ولما أقبل المساء وتقدما إلى سيدهما الذي فحصهما كليهما ؛ مدح الخادم الغيور وإن لم يستطع إكمال ما كلفه به ؛ وطرد عنه الصبي المهمل الكسلان .

   فلا تصغرن نفوسنا إذاً في جميع الأتعاب والمحن ؛ بل لنعمل قدر ما نستطيع ونجتهد بكل قوتنا ؛ ولي ثقة أن اللـه يقبلنا مع القديسين .

   فيلزم للإنسان أن يصلي كثيراً أمام اللـه ؛ باتضاع عظيم بالقلب والجسد ؛ ولا يحسبن شيئاً مما يعمله أنه حسن ولا يصدق مديحاً أو يحزن لمذمَّة ؛ بل يقتني تذكار خطاياه ؛ ويصلح قلبه نحو أعدائه ولا يخرج من فمه كلام مُرَّ يقوله لهم ؛ ولا يغتابَهم أمام أصحابه .

   أخيراً ينبغي للراهب أن يسد جميع منافذ نفسه ؛ حارساً كل حواسه لئلا يسقط بسببها ؛ وأن يحفظ نفسه من الذين ينقلون إليه الأحاديث العالمية ؛ ومغبوط هو الذي يلزم الاهتمام بخطاياه .

 

 

 

 

E

 

 

 

 

 

الميمر الحادي عشر

 

حبة الخردل

 

   حبة الخردل مثال للمسيح :

   إن مثل حبة الخردل كما قال الآباء يحمل سراً لكي نتمثل نحن بما يشير إليه لأنه مكتوب : يشبه ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله وهي أصغر جميع البزور ؛ ولكن متى نمت فهي أكبر أشجار البقول ؛ حتى أن طيور السماء تأتي وتتآوى في أغصانَها {مت13: 32 ـ 33} .

   فلأن المسيح هو حبة الخردل فصفات حبة الخردل تنطبق عليه ؛ وهو يريد أن يتشبه به الإنسان في كل شيء .

   تفسير المثل :

   لقد قال أنَها " أصغر جميع البزور " وذلك من أجل الاتضاع الذي يجعل الإنسان يضع نفسه تحت الكل .

   وكونَها " ملساء " : يشير إلى الوداعة والصبر .

   أما " لونَها الأحمر الناري " فيرمز إلى الطهارة والنقاء من كل دنس الجسد .

   وهي من داخل ذات طعم لاذع إشارة إلى البغضة التي يجب أن نقتني مقابل الشهوات ؛ لأنَها مرة للذين يشتهون هذا العالم .

   والصفة الحسنة التي فيها لا تظهر إلا إذا " مضغت أو سحقت " ؛ وفي ذلك إشارة إلى الإماتة .

   الذي يسحقها " تألمه عيناه " إشارة إلى تعب الأعمال .

   وهي تستعمل " للأعضاء المائتة " لتمنع عنها تولد الرائحة الكريهة .

   فلنتأمل هذه الحبة ونتمثل بِها ؛ ونسارع لنملح أعضائنا المتوجعة لكي نحفظها من النتن والدود .

   الخاتمة :

   إن هذا حقاً هو غاية تجسد ربنا يسوع ؛ أي أن نَهتم أن نقوم أنفسنا متشبهين به حسب قدرتنا وأن نحفظ ذواتنا وفق مثاله .

   هل نحن كتلك الحبة أي كيسوع في هيئته وفي تواضع قلبه ؛ في لطفه ووداعته وعذوبته أم لا .

   وهو برحمته قادر أن يقوينا حسب مشيئته ؛ لأن له المجد مع الآب والروح القدس إلى دهر الدهور آمين .

 

 

 

 

G

 

 

 

 

 

 

الميمر الثاني عشر

عن الخمر

 

صناعة الخمر مثال للتقدم الروحي :

   يوجد في طبيعة الخمر سر خفي كما هو الحال في طبيعة الإنسان الذي يسعى لكي يتقابل مع اللـه في الطهارة ؛ محافظاً على نقاوة أعماله حتى يقبلها اللـه بمسرة .

   فالجرن الذي يُحفظ فيه الخمر يُطلى بالقار جيداً ؛ وهذا مثال لطهارة الجسد الذي صارت جميع أعضاؤه سليمة مقابل الأوجاع المخزية ؛ لأنه يستحيل على من كان عبداً ولو لشهوة واحدة أن يخدم اللـه .

   مثلما هو غير ممكن أن يوضع الخمر في جرن لم تُطْلَ تماماً بالقار ؛ أو كان به تشقق . كذلك فلنمتحن أنفسنا ؛ لأننا لا نستطيع أن نرضي اللـه إن كان فينا حقد أو عداوة لأحد ؛ لأن هذه تعوق الإنسان عن التوبة .

   في البداية يتخمّر النبيذ : وهذا رمز للشباب ؛ فهو يكون مضطرباً إلى أن يبلغ الوقت ويهدأ .

   ثم لا يصير خمراً إلا إذا وضع فيه قدر من الجبس بكمية محدودة كخميرة ؛ وهكذا فإنه يستحيل على الشباب أن ينمو بحرية إرادته ما لم يتقبل من آبائه الخميرة التي بحسب اللـه ؛ أي أن يرشدوه إلى طريق ؛ إلى أن يمنحه اللـه نعمته فيبصر .

   تترك الخمر في البيت إلى أن تثبت ؛ وبالمثل يستحيل على الشاب أن يدرك الهدوء والاستقرار بدون الاعتكاف والإماتة وكل أنواع الأتعاب وفق مشيئة اللـه .

   إذا تركت في الخمر بعض البذور أو الجراثيم ؛ تحولت إلى خل ؛ وهكذا طبيعة الشباب إذا وجد وسط أهله حسب الجسد أو بين آخرين ممن لا يسلكون طريق نسكه ؛ فأنه يتلف التدبير المسلم إليه من آبائه حسب اللـه .

حفظ الخمر :

   يُحفظ الخمر في الأرض كي لا يفسد أو يُتْلَف ؛ بالمثل إذا لم يقتنِ الشباب التواضع في كل شيء ؛ فإن جميع أتعابه تكون باطلة .

    إن كنا نتذوق الخمر كثيراً نفسده ونتلف مذاقته ؛ كذلك فإن الإنسان الذي يستعرض أتعابه يبيد المجد الباطل كل أعماله .

    إذا تركنا فوهة وعاء الخمر مفتوحة فالذباب الكريه يفسد الخمر ؛ وهذا ما تفعله الثرثرة والمزاح والأحاديث الماجنة في النفس .

    وإذا عرَّضنا الخمر للهواء يتغير لونه وطعمه ؛ كذلك فإن الكبرياء تبيد كل ثمر الإنسان .

    الخمر يُخبَّأ في المخازن ويغطى بالقش ؛ وهذا هو تدبير الاعتكاف وإنكار الذات في كل شيء ؛ لأنه يستحيل على الإنسان أن يحفظ أتعابه بدون السكون وإنكار الذات .

    هذا هو كل ما يختص بصناعة الخمر ؛ إلى أن يطيب للكرام فيفرح بثماره ؛ وهو مثال لما ينبغي على الإنسان أن يكمله لكي تصير أعماله مرضية للـه .

    وكما أنه يستحيل أن نقدر نوعية الخمر دون أن نفتح الوعاء ونتذوقه ؛ هكذا أيضاً يستحيل على الإنسان أن يثق بنفسه طالما هو كائن في الخوف؛ إلى أن يلاقي اللـه ويرى إن كانت أعماله كاملة .

    وكما يحدث أن أي نضج في الجرن يجعل الخمر تُهرق كلها على الأرض قبل أن يدرك صاحبها ذلك إن كان مهملاً ؛ كذلك فإن وجعاً صغيراً غير ملحوظ يهلك ثمر الراهب إن كان متغافلاً .

    صلاة :

    فلنعمل إذاً يا إخوتي قدر استطاعتنا أن نتحفظ من الذين يتسببون في أذيتنا ؛ ورحمة اللـه ونعمته تمكننا أن نقول في ذلك اليوم : لقد عملنا على قدر ضعفنا أن نَهتم بكل ما أوحي به ضميرنا ؛ لكن لك القوة والرحمة والمعونة ؛ وعندك الحماية والمغفرة وطول الأناة ؛ لأنه من أكون أنا بين يدي الأشرار الذين خلصتني منهم ؟

    ليس لي شيء أعطيك إياه لأني خاطئ وغير أهل لعطاياك ؛ وقد حفظتني من أيدي أعدائي ؛ أنت هو ربي وإلهي ولكَ المجد والإغاثة والرحمة والمعونة والقوة إلى دهر الدهور . آمين .

 

 

 

 

I

 

 

 

 

 

الميمر الثالث عشر

من أجل الذين يجاهدون

ويصلون إلى الكمال

 

    الآيات التي أكملها الرب قبل آلامه :

    هذه هي الآيات التي أكملها الرب يسوع قبل ارتفاعه على الصليب ؛ فهو قال : اذهبا وأخبرا يوحنا بما رأيتما وسمعتما ؛ أن العمي يبصرون ؛ والعرج يمشون ؛ والصم يسمعون ؛ والبرص يطهرون ؛ والموتى يقومون ؛ والمساكين يبشرون ؛ وطوبى لمن لا يعثر فيَّ . { لو 7 : 22 ، 23 } .

    فيوحنا الذي عمَّد الرب يسوع هو الذي تسلَّم هذه الرسالة التصويرية؛ لأنه كان لائقاً أن المُعَمَّد ( يسوع ) يُظهر سيرته ؛ وكثيرة هي الآيات التي أكملها الرب يسوع . { يو 20 : 30 } .

    أما أن " العمي يبصرون " فهذا يعني أن الذي يضع رجاءه في هذا العالم هو أعمى ؛ فإن هجره وثبَّت رجاءه في الآتي فإنه يبصر .

    كذلك فإن " العرج يمشون " تشير إلى أن الذي يشتاق إلى اللـه ؛ ويميل كذلك إلى أفكار قلبه الجسدية هو أعرج ؛ فإن تخلى عنها وأحب اللـه من كل قلبه فهو يمشي .

    أما " الصم يسمعون " فتبين أن الذي في الطياشة هو أصم بسبب السبي والإهمال ؛ فإذا أنتبه بمعرفة فهو يسمع .

    أما " البرص يطهرون " كما هو مكتوب في ناموس موسى : لا يدخل نجس في بيت الرب { لا 15 : 31 } . فيقصد بِهم كل من يحمل عداوة نحو القريب أو حقداً أو حسداً أو يغتابه ؛ فإذا تركوا هذه يصيرون أطهاراً.

    وبالإجمال : إذا أبصر الأعمى ومشى الأعرج وطُهر الأبرص ؛ فإن الإنسان الذي كان ميتاً بسبب إهماله وتوانيه ؛ يقوم ويصير منذ الآن جديداً ؛ ويبشر حواسه التي افتقرت إلى الفضائل المقدسة ؛ هذه البشارة المفرحة ؛ أعني أنه الآن يبصر ويمشي وقد صار طاهراً ؛ وهذا هو التبرر الذي تقدمه لمن عمَّدك .

    وهذا ما تتضمنه المعمودية : الإماتة في التواضع والسكون ؛ فقد كتب عن يوحنا أن لباسه كان من وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه {مت4:3} ؛ وأنه كان في البرية ؛ وهذه علامات الإماتة ؛ وهي أولاً تطهر الإنسان إذا سعى واجتهد ليقتنيها ؛ فإذا أقتناها يستطيع أن يرتفع على الصليب بحريته .

    والصليب علامة الخلود الذي يتم الوصول إليه بالضرورة بعد أن تكون قد استدت أولاً أفواه الفريسيين والصدوقيين .

     فالصدوقيين هم رمز الشك وفقدان الرجاء ؛ أما الفريسيين فهم مثال المكر والرياء والمجد الباطل كما هو مكتوب " ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأل يسوع بته . " { لو 22 : 8 } .

    وحينئذٍ أرسل بطرس ويوحنا لإعداد الفصح { لو 22 : 8 } . وهذا لنا فيه مثال : لأن الروح عندما ترى أنَها لم تعد منغلبة لأحد فهي تستعد للعبور إلى الخلود ؛ بتجميع حواسها لتجعلها جسداً واحداً وتعتني بِها وتقوتَها وهي التي تأخذ منها دون فحص .

    وبعد ذلك صلى يسوع قائلاً : إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس في هذه الساعة . { مت 26 : 39 } . هذا القول هو لنا : فالنفس إذا أرادت أن تصعد على الصليب ؛ تحتاج إلى صلوات كثيرة ودموع غزيرة .

    كما ينبغي أن تنطرح أمام اللـه كل حين طالبة معونة صلاحه لكي تقويها ويحفظها إلى أن تقيمها لحياة جديدة مقدسة غالبة ( منتصرة )؛ لأن الحظر الكائن وقت الصليب عظيم ؛ ففي صلواتِها تحتاج أن يكون بطرس ويعقوب ويوحنا معها الذي هم الإيمان الصادق ؛ بأس القلب ؛ والرجاء ومحبة اللـه .

تفاصيل الآلام :

    وهذا ما حدث من أجلنا لمعلمنا نفسه وربنا وإلهنا المحبوب يسوع الذي صار لنا مثالاً في كل شيء كما قال الرسول : لأعرفه وقوة قيامته وشركة آلامه متشبهاً بموته لعلي أستطيع أن أبلغ إلى القيامة من الأموات .

    المر الذي ذاقه لأجلنا { مت 27 : 34 } ؛ هو لكي نبيد فينا كل الشهوات الرديئة ؛ ونسدَّ منافذها ؛ ولا نسمح لها أن تتجاوز الجسد إلى تكميل الفعل .

    الخل الذي ذاقه لأجلنا هو لكي نبطل كل ادعاءاتنا وكل انفعالاتنا الباطلة .

    البصاق الذي بُصق به عليه من أجلنا هو لكي نبطل منا محبة الكرامة البشرية وكل مجد هذا العالم .

    إكليل الشوك المضفر الذي وُضع على رأسه هو مثال لنا لكي نحتمل الملامة التي تصادفنا ونتحمل كل حين الإهانة دون أن نضطرب .

    القصبة التي ضرب بِها على رأسه لأجلنا هي مثال لنا لكي نلبس كل حين خوذة التواضع ونبطل كل كبرياء يثيره فينا العدو .

    يسوع قد سُلم ليجلد قبل أن يُصلب ؛ لكي نستهين بكل هزءٍ وكل تعيير بشري .

    اقتسموا ثيابه وألقوا عليها قرعة : هذه تعني أنه مكث بلا اضطراب لكي نستهين نحن بكل خيرات هذا العالم قبل أن نصعد على الصليب ؛ حسب ما يقول الرسول : قبلتم سلب أموالكم بفرح ؛ عالمين في أنفسكم أن لكم غنى أفضل في السماوات { عب 10 : 34 } .

    هذه هي الأمور التي ينبغي أن يعملها الإنسان ؛ لكي يستطيع أن يصعد مع الرب على الصليب ؛ لأنك ما لم تعمل كل ما عمله على قدر استطاعتك كإنسان ؛ فلن تقدر أن تصعد على الصليب .

على الصليب :

    وكانت الساعة السادسة حين صلبوه {يو 19 : 14 } .

    إذ احتمل يسوع الصلب بكل جراءة القلب من أجل خلاصنا ؛ صار لنا مثالاً لكي نتشجع نحن مقابل كل ضجر وجبن إلى أن تموت الخطية ؛ حسب المكتوب : بالصليب قتل الخطية والعداوة فيه . {أف 2 : 16} .

    ولما صارت الساعة التاسعة صرخ بصوت عظيم إلهي إلهي لماذا تركتني { مت 15 : 34 } . هذا يُعلمنا أنه يعد معاناة الضيقة التي تستوجبها الأوجاع حتى تبطل ؛ من ذلك الحين يجب أن نتمسك بالثقة مع كل اتضاع والصراخ نحو اللـه .

    وعند غروب الشمس سَلم روحه {لو 23 : 44} . هذا مثال لنا أن النفس إذا صارت حرة في كل رجاء في الأشياء المرئية التي لهذا العالم ؛ فهذه علامة أن الخطية قد ماتت فيها .

    حجاب الهيكل قد أنشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل {مت 27 : 1} هذا مثال لنا أن النفس إذا تحررت تماماً ( بموتَها عن المرئيات) زال كل ما يحجب اللـه عنها .

    الصخور تشققت ؛ والقبور تفتحت {مت 27 : 52} هذا يعني أنه إذا كان هذا الموت هو موتنا ؛ فكل بلادة وضلال وكل ما يثقل النفس يتحطم ؛ والحواس المائتة التي كانت تثمر للموت {رؤ 7 : 15} تشفي وتنهض منتصرة .

    الدفن والقيامة :

    لف الجسد بكتان نقي مع الأطياب {مت 27 : 29 ، يو 19 : 40} يعلمنا أن الإنسان الذي يُلَف بالطهارة بعد هذا الموت ؛ يجد راحته في عدم الفساد .

    وضع الجسد المقدس في قبر جديد لم يوضع به أحد قط {يو19: 40} ودحرجة حجر كبير على الباب {مت 27 : 90} . هذا مؤداه ؛ أنه إذا تحرر العقل من كل الأشياء الحاضرة وأحتفل بالسبت ؛ فهو يعيش في عالم آخر مملوءاً أفكاراً جديدة يحرص على البعد من كل ما هو فاسد شاغلاً فكره بالحقائق غير الزائلة .

    وأخيراً : حيث الجثة هناك تجتمع النسور {مت 24 : 28} ؛ وأيضاً إذ قام في مجد أبيه ؛ صعد إلى السماوات ؛ وجلس عن يمين العظمة في الأعالي {عب 1 : 3} . هذه هي لأجلنا كقول الرسول : فإن كنتم قد قمتم مع المسيح ؛ فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين اللـه . اهتموا بما فوق لا بما على الأرض لأنكم قد مُتم {كو 3 : 1 ـ 3} .

   إلهنا اسمه قدير مكرَّم ورحوم صار في كل شيء مثالاً للقديسين ؛ لكي يعين ضعفنا ويجبر نقص قوتنا فنترك خطايانا ونجد رحمة مع الذين صاروا له أهلاً . آمين .

الميمر الرابع عشر

تدبير النوح

 

   مرثية الخاطئ :

    الويل لي الويل لي ؛ لأنني لم أتحرر بعد مما هو لجهنم ؛ إن الذين يجتذبونني ما زال لهم ثمارهم داخلي ؛ وجميع أعمالهم تتحرر في قلبي .

   والذين يطرحونني في النار مازالوا يشاغبون في جسدي أملين أن يصنعوا أثماراً . لم أتيقن بعد إلى أي جهة يقودونني ؛ والطريق اليميني لم يعد لي بعد؛ إلى الآن لم أتحرر من القوات التي تمسكني في الهواء طالبة أن تحتجزني بسبب الأعمال الشريرة التي لهم فيَّ .

   إلى الآن لم أعاين مجيء الفادي ليخلصني منهم ؛ لأن شرهم مازال يثمر في داخلي ؛ إلى الآن لم أجد دالة أمام الديان {يو 4 : 27} ؛ ولم يُشهد لي بعد أني لست مستوجباً للموت ؛ إلى الآن لم أنفصل عن الأشرار .

    المجرم المسجون :

    الشرير لا يفرح إذا ألقي في السجن ! والذي يُمسك في القيود لا يستطيع أن يعمل مشيئته ؛ والذي رُبط على الخشبة لا يُعلم آخرين .

   الذي في الآلام لا يذكر راحته ؛ والمقيد بعنقه لا يجد شهوته في الأكل؛ كذلك لا يخطر على باله أن يصنع شراً لكنه يذرف الدموع بحزن قلبه لأنه أخطأ في كل شيء ؛ أنه يقول عن الشرور والعقوبات التي تصيبه :

    نعم أني أستحقها . وهو يتوقع دائماً كيف ستكون لحظات حياته الأخيرة ؛ ويتساءل أي عذابات تستوجبها خطاياه ؛ لم يعد قلبه يهتم بأن يدين أحداً فحزن هذه الأهوال يغني ( يملأ ) قلبه .

    ويا للحسرة ! لقد صار له التأمل مرّ المذاق .

    لم يعد يشدد الآخرين لتحمل الضجر ؛ ولا صار له اهتمام بالأكل ؛ لا يلتفت إلى عطف الذين يرثون لحاله ؛ لكونه لا يحس بمذاق عطفهم لحزنه كونه أخطأ في كل شيء .

    أنه لا يرد بغضب على الذين يهينونه ؛ ويحتمل الآلام مظهراً أنه مستحق لها . ضحكة الأسنان قد ابتعدت عنه {سي 19 : 3} ؛ وهو يهز رأسه متأوهاً لأفتكاره في كرسي القضاء المزمع أن يظهر أمامه .

    إذا سمع كلاماً لا يقول : حسناً أو بئس . فسواء كان جيداً أو رديئاً لم تعد أذنه تصغي لذلك .

    تسيل أجفانه دموعاً لسبب الآلام التي تضغطه ؛ وإن كان من عائلة نبيلة ؛ فإنه يتكدر بالأكثر بسبب الخجل أمام الذين سيرونه عند الحكم .

    الحكم والإدانة :

    إذا أعدت المحاكمة لا تجده ينتبه إلى الحاضرين إن كانوا صالحين أم أشراراً ؛ كما لا يهتم إن كان آخرون يشاركونه القيود ؛ ولا يفحص معهم تدبيرهم الذي يتدبرون به ؛ لأن كل واحد سيحمل حمل نفسه .

    حين يجتذبونه للحكم يتكدر وجهه ؛ ليس من يقول كلمة واحدة من أجله خوفاً من العذاب ؛ وهذا يعترف بما عمله ويتحقق من أنه قد أدين بعدل من أجل الخطايا التي أقترفها .

    إلى متى أظل ثملاً دون أن أشرب خمراً ؛ فلا أبالي بما هو أمامي ؟ إن قساوة قلبي قد أضعفت عيناي ؛ سكر همومي أثقل رأسي ؛ وشرود ذهني جعلني أنسى حتى ساعة الظلمات . احتياجات الجسد قيدتني واليأس دفعني إلى أن أترك الطريق .

    لم يعد لي من صديق يتكلم من أجلي ؛ وليست لي هدية أتوجه بِها لرجال المدينة . خبر سيئاتي يمنعهم من أن يتعرفوا عليَّ ؛ إن توسلت إليهم لا يلتفتون إليَّ ؛ لأنَهم يرونني أنني لم أتوقف بعد عن فعل الشرور ؛ وأنني لستُ أتوسل إليهم بقلب مستقيم .

    أشواك خطاياي لم ينجرح لها قلبي بعد على الدوام ؛ ثقل تعدياتي لم أشعر بعد أنه يرهقني ؛ إلى الآن لم اعرف تمام قوة النار لكي أصارع كي لا أسقط فيها ؛ إن صوتاً واحداً يتردد في أذنيَّ : العذاب هو مصيري لأنني حقاً إلى الآن ما طهَّرت قلبي .

    المريض الذي يقاوم الطبيب :

    قد قاحت جراحاتي في جسدي لكن نتانتها لم تقنعني بعد أن أطلب دواء . أخفي عن الناس الجراحات التي أصابتني بِها سهام العدو ؛ ولا أقوى أن أحتمل حتى ينزعها الطبيب مني ؛ هو يشير عليَّ بضمادات أضعها على جروحي ؛ ولكن ليست لديَّ شجاعة كافية لأحتمل آلامها الحارقة .

    الطبيب الصالح لا يطالبني بأتعابه ؛ لكن كسلي لا يسمح لي أن أذهب لأستشيره ؛ يأتي بنفسه إليَّ ليتعهدني ؛ فيجدني أستعمل أطعمة تزيد من تقيح جروحي ؛ يناشدني ألا أستعملها فيما بعد ؛ ولكن توبتي ليست صادقة ؛ يُرسل إليَّ أطعمته ويقول لي : كل منها لكي تشفى . لكن عاداتي الشريرة لا تدعني أتعاطاها .

    أخيراً فإنني لستُ اعرف ماذا افعل ؟

    فأبكوا جميعاً معي يا إخوتي ومعارفي ؛ لكي تدركني معونة أعظم كثيراً مني ؛ وتملك فيَّ ؛ لتجعلني مستحقاً أن أكون له تلميذاً ؛ ذاك الذي له القوة إلى دهر الدهور . آمين .

الميمر الخامس عشر

 

التجرد

 

    فلنهتم يا أحبائي بنفوسنا؛ لأن الوقت منذ الآن مقصر{1كو7: 29}؛ ولا يمكن للإنسان أن يهتم بنفسه بينما هو يهتم بجسده ؛ فكما أنه ليس بمقدور أحد أن ينظر إلى السماء بعين واحدة ؛ ويتطلع إلى الأرض بالعين الأخرى ؛ كذلك لا يستطاع الاهتمام بأمور اللـه وأمور العالم .

    لأنه أمرٌ مُخزٍ أن تَهتم بما لا ينفعك وقت خروجك من الجسد .

    تفكر دائماً أن اللـه ناظر إليك في كل ما أنت تفعله ؛ وتذكر أنه مطلع على جميع أفكارك ؛ فأي أمر تخجل أن تفعله قدام الناس ؛ من العار أن تفكر فيه في الخفاء .

    " من الثمر تعرف الشجرة " {1كو7: 29} هكذا العقل يعرف أفكاره وفق تأمله ؛ والنفس العاقلة تعرف ذاتِها بحسب تأملها .

    فلا تظن إذاً أنك قد أعتقت من الآلام بينما الخطية تخدعك ؛ لأن مَن وُهِبت له الحرية لا يفكر فيما بعد أن يفعل ما يخالف الطبيعة ؛ فلا تظن إذاً أنك صرت حراً وأنت ما تزال تُغضب ربك ؛ لأن الحرية لا تأتيك طالما يشتهي قلبك شيئاً من أمور العالم .

    أهتم بجسدك كما بِهيكل اللـه {1كو7: 29} أهتم به لأنه لابد لأن يقوم ويعطي حساباً أمام اللـه ؛ خَف اللـه لأنك سوف تعطي عن كل ما فعلته جواباً ؛ وكما إذا أصيب جسدك بجرح تسعى لشفائه ؛ كذلك أبذل جهدك لتجعله صحيحاً من الأوجاع عند القيامة .

    تأمل في نفسك كل يوم أيَّة أوجاع غلبت ؛ وذلك قبل أن تقدم طلباتك في صلواتك .

    كما أن الأرض لا يمكن أن تعطي ثماراً بغير بذار ؛ هكذا الإنسان لا يستطيع أن يصنع توبة بغير الاتضاع ؛ وتعب الجسد .

    بفضل اعتدال الهواء تزهر الزروع؛ وبحفظ الوصايا تزهر نفس الإنسان.

    حفظ الوصايا هو الإيمان باللـه ؛ ومخافة اللـه هو ألاَّ يُحزن الإنسان ضميره .

    إذا أُلقيت فيك بذور شهوة النجاسة وأنت في قلايتك ؛ أحرص أن تقاوم الفكر لئلا يستولي عليك ؛ اجتهد أن تذكر اللـه الذي يراك ؛ وأن جميع أفكار قلبك ظاهرة أمامه ؛ قُل لنفسك إذاً : إن كنت تخجل من أن يعرف الخطاة أمثالك خطيتك ؛ فبالأولى كثيراً إذا كان اللـه هو الذي يرى أعماق قلبك .

    وبإمعان النظر في هذا الفكر تتولد مخافة اللـه في نفسك ؛ فإن دمت ثابتاً في مخافة اللـه تصير بغير قلق ؛ ولا تستطيع الأوجاع فيما بعد أن تُزعجك بحسب المكتوب : المتوكلون على الرب مثل جبل صهيون ؛ لا يتزعزع إلى الأبد الساكن بأورشليم . {مز 124 : 1} .

    الذي يؤمن أنه سيدان عند خروجه من الجسد ؛ لا يستطيع أن يدين قريبه في أي شيء ؛ لأنه لابد أن يقدم حساباً للـه عن كل أعماله بحسب المكتوب : لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً . {1كو 5 : 10} .

    الذي يؤمن أنه يوجد ملكوت للقديسين يهتم بأن يتحفظ حتى في الأمور الصغيرة والأشياء التافهة ؛ حتى يصير إناءً مختاراً {أع 9 : 15} .

    لأنه مكتوب : يشبه ملكوت السماوات شبكة مطروحة في البحر وجامعة من كل نوع من السمك ؛ فلما امتلأت أصعدوها إلى الشاطئ {مت 13 : 47} .

    فالصالحون يُختارون لملكوته المقدس أما الأشرار فيُطرحون في جهنم .

    الذي يؤمن أن جسده سيقوم حقاً يوم القيامة ؛ ينبغي له أن يهتم بتطهيره من كل النجاسات ؛ لأنه مكتوب : سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسده بحسب عمل استطاعته . {في 3 : 2} .

    الذي تسكن فيه محبة اللـه لا يمكن لشيء من أمور هذا العالم أن يفصله عن اللـه ؛ لأنه مكتوب : مَن سيفصلنا عن محبة المسيح ؛ أشده ؛ أم ضيق ؛ أم اضطهاد ؛ أم جوع ؛ أم عري ؛ أم خطر ؛ أم سيف .
{رو 8 : 35} .

    اللـه قادر أن يجعلنا نُوجد بين أولئك الذين لم يفصلهم شيء من هذا العالم عن محبة المسيح ؛ لكي نحظى بالرحمة مع الجميع ؛ بقوة ربنا يسوع المسيح ؛ لأن له المجد مع الآب الغير المبتدئ والروح المحيي ؛ الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين .

 

 

 

K

 

 

 

الميمر السادس عشر

 

لأجل الفرح الذي يكون للنفس

التي تطلب أن تتعبد للـه

 

    مقدمة الرسالة :

    قبل كل شيء أبلغك السلام في مخافة اللـه ؛ وأُناشدك أن تكون كاملاً فيما يرضيه لئلا يكون تعبك باطلاً ؛ بل كاملاً لكي يقبله اللـه منك بفرح .

    التطَّلع إلى الفرح الأخير :

    إن الذي يُتاجر ويربح يفرح ؛ والذي يتعلم صنعة ما يُسر ؛ وما يحسب الأتعاب التي قاساها لأنه تعلَّم ؛ والذي يأخذ امرأة تريحه وتحفظ أموره جيداً يفرح قلبه لأنه يثق بِها {أم 11 : 31} ؛ والجندي الذي يجسر على الموت ويقاتل عن مَلِكهُ يتقدم لقبول الإكليل .

    هذه هي أعمال هذا العالم الزائل ؛ والذين يكملونَها هكذا يفرحون لأنَهم نجحوا في أعمالهم .

    كم فرحاً وسروراً تظن أن تجده نفس ذاك الذي قد بدأ يتعبد للـه ويكمل أعماله ؟ فعند خروجه من هذا العالم تتقدمه أعماله وتفرح معه الملائكة إذ يرون أنه قد تخلص من قوات الظلمة .

    لأنه عندما تخرج النفس من الجسد تأتي الملائكة لتسير معها ؛ حينئذٍ تخرج جميع قوات الظلمة لملاقاتِها يريدون أن يضبطوها ويفحصوها إن كان فيها شيء مما يخصهم .

    عند ذلك لا تحارب الملائكة عنها ؛ بل الأعمال التي صنعتها هي التي تحفظها وتسترها من أن يقتربوا منها ؛ فإن فازت أعمالها بالغلبة عند ذلك تتقدمها الملائكة بالتسبيح إلى أن تلتقي اللـه بالفرح والابتهاج ؛ وفي تلك الساعة تنسى جميع أعمال هذا العالم وكل تعبه .

    الحث على اقتناء الفضائل :

    فلنجاهد إذاً قدر استطاعتنا أن نعمل الصلاح في هذا الزمان القليل ليكون عملنا سالماً من جميع الشرور لكي نستطيع أن نخلص من أيدي الرؤساء الذين يتقدمونا ؛ لأنَهم أشرار ولا شفقة عندهم .

    طوبى لمن لا يجدون فيه شيئاً مما يخصهم لأن فرحته وبَهجته وراحته وإكليله يفوق القياس ؛ جميع أمور هذا العالم تزول ؛ إن كان أولئك الذين تاجروا ؛ والذين أخذوا نساء ؛ والباقين الذين سبقت فتكلمت عنهم .

    فلنجاهد يا إخوتي بكل قوتنا قدام اللـه بالدموع ؛ لعل صلاحه يُدركنا برحمته ويرسل لنا قوة الغلبة التي بِها نواجه قوات الشر الذين يبادرون إلى ملاقاتنا .

    فلنهتم إذاً بقلب ثابت ؛ ولنقتن لنا الاشتياق للـه ؛ فهو يخلصنا من يد الزنى عندما يخرج لملتقانا هنا .

    ولنحب الرحمة على المساكين ؛ لأنَها تخلصنا من محبة الفضة عندما تخرج لملاقاتنا .

    ولنحب السلام مع الكل ؛ الصغار والكبار ؛ لأنه يحفظنا من البغضة حين تخرج لملاقاتنا .

    لنقتني الصبر في كل شيء ؛ فهو يحفظنا من صغر النفس حين يخرج للقائنا .

    لنحب جميع إخوتنا ولا نمسك في قلبنا بغض لأحد ؛ ولا نكافئ أحداً شراً {رو 12 : 17} ؛ لأن هذا يحفظنا من الغيرة عندما تخرج للقائنا .

    فلنحب الاتضاع في كل شيء ؛ ونحتمل كلمة القريب إن كانت تجريحاً أو تعييراً ؛ وهو يخلصنا من العظمة عندما تخرج لملاقاتنا .

    فلنطلب كرامة قريبنا ؛ ولا نسيئ لأي إنسان بالملامة ؛ فإن هذا يخلصنا من النميمة عندما تخرج لملاقاتنا .

    لنرذل استعمال هذا العالم وجميع كراماته ؛ لكي نخلص من الحسد عندما يخرج للقائنا .

    لنُعَلِّم لساننا الهذيذ باللـه والبر والصلاة ؛ لكي تحفظنا من الكذب عندما يخرج للقائنا .

    ولنطهر جسدنا وقلبنا من الشهوة لكي نخلص من النجاسة عندما تخرج للقائنا .

    جميع هذه الأوجاع تضبط النفس عندما تخرج من الجسد ؛ وأما الفضائل فتعينها إن كانت اقتنتها .

    فأي حكيم لا يبذل نفسه حتى الموت ليتخلص من جميع هؤلاء ؟

    فلنعمل إذاً قدر استطاعتنا ؛ وقوة ربنا يسوع المسيح قادرة أن تعين ضعفنا ؛ لأنه يعرف أن الإنسان عاجز ضعيف ؛ ولهذا أعطاه التوبة ما دام في الجسد حتى النسمة الأخيرة .

    فليكن فكرك واحداً مع اللـه لكي يحفظك ؛ لا تَهتم بخيرات هذا العالم كما لو كنت ترجوا أن تخلص بواسطتها ؛ لأن جميع أمور هذا العالم سوف تتركها وتمضي عنها ؛ وكل ما عملته لأجل اللـه هو ما تجد فيه الرجاء الصالح في تلك الساعة الصعبة . {2تي 2 : 16} .

    أقوال متفرقة :

    ابغض كلام هذا العالم ( ومفاوضاته ) ؛ لينظر قلبك اللـه .

    أحبب الصلاة بغير انقطاع ؛ لكي يستضئ قلبك .

    لا تحب الكسل لئلا تحزن عندما تبلغ لقيامة الأبرار . {لو 14 : 24}.

    احفظ لسانك ليضئ قلبك ؛ لا تحب الكسل فتسكن فيك مخافة اللـه.

    أعطِ الصدقة لمن لهم احتياج بعين قريرة ؛ لئلا تخزى وسط القديسين ومحاسنهم .

    ابغض شهوة المآكل لئلا يعوقك عماليق . {قض 7: 4} .

    كن مجتهداً في خدماتك ؛ لئلا تفترسك الوحوش .

    لا تحب الخمر للسكر ؛ لئلا يحرمك من الفرح باللـه .

    أحبب المؤمنين لكي بواسطتهم تحلَّ عليك الرحمة .

    تودَّد إلى القديسين لكي تضطرم فيك غيرتَهم . {مز 68 : 9} .

    اذكر ملكوت السماوات ؛ لكي تجذبك شهوتُها قليلاً قليلاً ؛ وتفكر في الجحيم لكي تبغض أعمالها .

    عندما تنهض باكر كل يوم ؛ اذكر أنك سوف تعطي جواباً للـه عن جميع أعمالك ؛ حينئذٍ لن تخطئ أمامه ؛ ومخافته ستسكن فيك .

    أعدد نفسك لملاقاته ؛ عندما تصنع إرادته .

    دِن نفسك ها هنا كل يوم من أجل نقائصك ؛ وأنت لن تحزن ساعة الموت المحتومة .

    فلينظر إخوتك أعمالك الصالحة لتضطرم فيهم غيرتك .

    افحص كل يوم أي ألم غلبت ؛ ولا تطمئن لنفسك لأن هذا هو عمل رحمة اللـه وقوته .

    لا تحسب نفسك آمِناً إلى النسمة الأخيرة .

    لا تتعظم بفكرك أنك صالح ؛ لأنك ما تستطيع أن تطمئن لأعدائك . ولا يستريح بالك من أجل نفسك ما دمت في الحياة ؛ إلى أن تجوز جميع قوات الظلمة .

    تيقظ يا أخي قبالة الروح الذي يجلب الحزن ( الكآبة ) على الإنسان ؛ لأن كثيرة هي فخاخه ليجعلك أخيراً بغير قوة .

    الحزن الذي بحسب اللـه هو فرح ؛ عندما ترى أنك قائم في مشيئة اللـه ؛ أما ذاك الذي يقول لكَ : إلى أين يمكنك أم تَهرب ؟ فلم تعد لك توبة . فذلك من العدو الذي يضغط على الإنسان حتى يتخلى عن تجلده .

    أما الحزن بحسب اللـه فهو بالعكس لا يثقل على الإنسان بل يقول له: لا تخف ؛ تعالى مرة أخرى . لأن اللـه يعرف أن الإنسان ضعيف وعاجز وهو يقويه .

    فليكن قلبك صاحياً مقابل الأفكار فتخف عنك ؛ أما الذي يفزع منها فتجعله ينحلَّ تحت ثقلها ؛ من يخاف ويجبن من أمثال الشياطين يدل على عدم إيمانه باللـه ؛ أما الذي يطرح نفسه أمام يسوع بكل قلبه ؛ فهو يثبت مقابلهم .

    الذي لا يتعظم ويكون غير معروف ؛ يدل على أنه غير متفاوض مع الآلام ليصنع مشيئتها ؛ بل مشيئة اللـه .

    الذي يطلب أن يقول كلمة قدام كثيرين يُظهر أن مخافة اللـه ليست فيه لأن مخافة اللـه هي حافظٌ ( صالحٌ ) ومعين للنفس ؛ وحارس للذهن يهلك جميع أعدائه .

    الذي يريد أن يكرم اللـه ؛ فليجتهد أن يطرد عنه النجاسة .

    الذي يهتم بمعرفة ؛ يقطع عنه الآلام ؛ لأنه مكتوب : الاهتمام يأتي إلى رجل حكيم . {أم 17 : 12} .

    الذي قد مرض هو الذي يعرف الصحة .

    الذي يأخذ الإكليل يُكلل لأنه غلب أعداء الملك .

    توجد آلام وتوجد أيضاً فضائل ؛ وإذا استسلمنا للضجر فهذا دليل على إننا صرنا مثل المرائين ؛ لأن شجاعة القلب هي معونة للنفس بعد اللـه ؛ كما أن الضجر يعين على الشرور .

    قوة أولئك الذي يريدون أن يقتنوا الفضائل هي إنَهم إذا سقطوا لا تصغر نفوسهم ؛ بل يدأبون على المثابرة من جديد .

    أدوات الفضائل هي الأعمال الجسدانية التي تكمل بمعرفة ؛ وأولاد الآلام يتولدون من الإهمال .

    عدم إدانة القريب هو سور لأولئك الذين بالمعرفة يقاتلون ؛ أما ملامته فهي تَهدم هذا السور بالجهل .

    اهتمام المرء بضبط لسانه يدل على أنه ناسك ( عمَّال ) ؛ أما عدم تأدب اللسان فيدل على أنه ليس بداخله فضيلة .

    الصدقة التي تصنع بمعرفة تلد التبصر ؛ وتجذبنا للحب ؛ فإن كنت لا تصنع صدقة فهذا علامة على أنه لا يوجد فيك فضيلة .

    الصلاح يلد النقاوة ؛ والطياشة تلد الآلام .

    قساوة القلب تلد الغضب ؛ أما اللطف فيلد الرحمة .

    نسك النفس هو أن تبغض الطياشة ؛ ونسك الجسد هو أن تكون في عوز .

    علة سقوط النفس هي محبة الطياشة وتقديمها هو في جميع الحواس بمعرفة

    الشبع من النوم يحرك الأوجاع بالجسد ؛ أما صحة القلب فهو السهر بمقدار ؛ كثرة النوم يغلظ القلب ؛ والسهر بمقدار يلطِّفه ( ينقيه ) .

    حسن هو النوم مع السكون بمعرفة ؛ أفضل من السهر مع كلام باطل .

    النوح يطرد جميع الشرور بغير اضطراب

    ألا تجرح ضمير القريب  ؛ يولد فيك الاتضاع

    تمجيد الناس يولد العظمة قليلاً قليلاً .

    محبة الراحة تطرد المعرفة .

    ضبط البطن يُضعف الآلام ؛ شهوة المآكل تثيرهم بلا جهد .

    تزَيُّن الجسد خراب للنفس ؛ أما الاهتمام به بمخافة اللـه فهو حسن .

    التأمل في دينونة اللـه يولد المخافة في النفس ؛ أما الازدراء بتوبيخ الضمير فيطرد الفضائل من القلب .

    المحبة للـه تقطع التهاون ؛ وعدم المخافة يجلبه .

    حفظ الفم يرفع الفكر نحو اللـه إن كان سكوته بمعرفة ؛ أما كثرة الكلام فتولد الضجر والجنون .

    قطع الهوى للقريب يدل على أن الذهن ينظر الفضائل ؛ أما إقامة هواك مع القريب فعلامة الجهل .

    الهذيذ بمخافة اللـه يحفظ النفس من الآلام ؛ والكلام في الأمور العالمية يظلم الذهن من الفضائل .

    محبة الهيوليات تكدر الذهن والنفس ؛ أما التجرد منها فيجددهما .

    سكوتك عند كشف أفكارك ( الاعتراف ) يدل على أنك تشتهي تكريم العالم ومجده السمج ؛ من يظهر أفكاره قدام آبائه بصراحة يطردها بعيداً عنه .

    كالبيت الذي ليس له باب أو نوافذ فتدخله الزواحف متى تشاء ؛ هكذا الذي يعمل وما يصون أعماله .

    كما أن الصدأ يأكل الحديد ؛ هكذا تكريم الناس يفسد القلب إذا أنخدع له .

    كالشوك الذي يلتف على الكرم ويتلف ثمرته {نا 1 : 10} ؛ هكذا المجد الباطل يتلف جميع ثمار الراهب إذا أتغلب منه .

    قبل كل الفضائل هو الاتضاع ؛ وقبل كل الآلام شهوة البطن .

    كمال الفضائل هو المحبة ؛ وكمال الآلام هو أن يُبرر الإنسان نفسه .

    كالدودة التي تنخر الخشب وتتلفه ؛ هكذا الشر في القلب يظلم النفس.

    طرح الإنسان نفسه أمام اللـه ؛ يلد احتمال المحقرة بغير انزعاج ؛ ودموع تلك النفس تكون صحيحة ؛ وسالمة من كل ما هو بشري .

    عدم ملامة الإنسان لنفسه ؛ يجلب له عدم احتمال الغضب .

    من يخلط كلامه بأحاديث العلمانيين يسجس قلبه ؛ ويملأه خزياً عندما يصلي للـه بسبب فقده الدالة .

    محبة خيرات العالم تظلم النفس؛ والتهاون بِها في كل أمر يجلب المعرفة .

    محبة التعب هي بغضة الآلام ؛ أما الكسل فيجلبها بغير جهد .

    لا تقيد نفسك بتدبير ما ؛ فيصير فكرك هادئاً فيك .

    لا تكن متكلاً على قوتك {3كو 1 : 9} ؛ فتأتيك معونة اللـه .

    لا يكن لك عداوة مع إنسان ؛ لئلا تكون صلاتك غير مقبولة .

    أصطلح مع كل أحد ؛ لتقتني دالة عندما تصلي .

    احفظ عينيك كي لا يعاين قلبك الشرور ؛ الذي ينظر في إنسان بلذة هو فاسق . {مت 5 : 28} .

    لا تشتهي أن تسمع أذية الذي أحزنك ؛ لئلا تكافئه بالشر في قلبك .

    احفظ أذنك لئلا تثير عليك حروباً .

    اشغل نفسك في عمل يديك ليجد المسكين خبزاً ؛ لأن البطالة موت وخراب للنفس .

    الصلاة الدائمة تبطل السبي ؛ أما ترك النفس للتهاون قليلاً قليلاً يلد النسيان .

    الذي يتوقع الموت عن قريب لا يخطئ كثيراً ؛ أما الذي يؤمل أن يعيش طويلاً يشتبك في خطايا كثيرة .

    الذي يعدَّ نفسه ليعطي الجواب للـه عن جميع أعماله ؛ يهتم به اللـه ليطهر جميع طرقه من الخطية ؛ أما الذي يتهاون قائلاً : إلى أن أصل هناك. فهو يسكن مع الأشرار .

    في كل يوم قَبل أن تعمل أي عمل ؛ ذكر نفسك دائماً كيف أنت ؟ وإلى أين ستمضي عندما تخرج من الجسد ؟ عندئذ لن تتهاون بنفسك ولا ليوم واحد ؛ تفكر في الكرامة التي أدركها جميع القديسين فتجذبك الغيرة منهم قليلاً قليلاً ؛ فكر كذلك أي خزي أدرك الخطاة ؛ فهذا يحفظك دائماً من الشرور .

    خذ دائماً بمشورة آبائك ؛ وأنت تعبر زمانك كله بالراحة .

    أحذر أن تحتقر أخاك ؛ إن كان فكرك يقلقك بأنه متحامل عليك ؛ بل أصنع له ميطانية بصوت متضع لكي تقنعه ؛ وأنظر ألاَّ يتقسى قلبك على أخيك ؛ لأننا جميعنا نُغتصب من العدو .

    إن سكنت مع إخوة فلا تأمرهم بشيء ؛ بل اشترك معهم في العمل لكي لا يضيع أجرك .

    إن أقلقتك الشياطين من أجل القوت والكسوة ومن أجل فقرك الشديد وعيروك بذلك ؛ فلا تجاوبَهم بشيء يل سلم ذاتك للـه بكل قلبك فيهبك الراحة .

أحذر أن تغفل عن تكميل صلواتك لأنَها هي التي تجلب الاستنارة لنفسك

    إن كنت قد صنعت أعمالاً صالحة فلا تفتخر بِها ؛ وإن كنت قد صنعت شروراً كثيرة ولم يحزن قلبك لذلك كثيراً ؛ فأحرص ألا ينخدع لها قلبك فيما بعد ؛ فإن كنت حكيماً تحفظ من العظمة .

    إن ضُيِّق عليك في النجاسة ؛ أشقى جسدك بلا فتور قدام اللـه ؛ وباتضاع ؛ ولا تدع قلبك يظن أنه قد غفرت لكَ خطاياك ؛ وأنت تجد راحة .

    إن أضرت بك الغيرة اذكر أننا جميعاً أعضاء المسيح ؛ وأن كرامة القريب أو محقرته تخصنا جميعاً فتستريح .

    إن قاتلتك محبة البطن بشهوة الأطعمة ؛ تذكر نتونتها فتستريح .

    إن ضغط عليك الفكر لكي تغتاب أخيك ؛ اذكر أنه إن سمع بذلك يحزن ؛ أبتعد عن مواجهته فتستريح .

    إن تسلطت عليك العظمة ؛ اذكر أنَها هي التي تضيع جميع أتعابك ؛ وأنه ليست هناك توبة للذين يستسلمون لها ؛ وأنت تجد راحة .

    إن قوتل قلبك بمحقرة القريب ؛ فاذكر أنه لهذا السبب يسلمك اللـه لأيدي أعدائك ؛ فتجد عندئذ راحة .

    إن أجتذب قلبك حُسُ الجسد ؛ تذكر نتونته حين يموت وأنت ترتاح .

    إن كانت شهوة الإنسان تلذ لك ؛ تفكر في الذين ماتوا أين مضوا وأنت تستريح .

    الإفراز :

    هذه كلها يجمعها الإفراز ويتفحصها ويبطلها .

    ولا يمكن أن يأتيك الإفراز إلا إذا باشرت فلاحته :

    فأولاً السكون ؛ والسكون يلد النسك ؛ والنسك يلد الدموع ؛ والدموع تلد المخافة ؛ والمخافة تلد الاتضاع ؛ والاتضاع يلد البصيرة ؛ والبصيرة تلد المحبة ؛ والمحبة تلد للنفس الصحة وعدم التألم ؛ عند ذلك يعرف الإنسان أنه بعد كل هذا ما يزال بعيداً عن اللـه .

    الخلاصة :

    فعلى من يبتغي أن يأتي إلى كرامة جميع هذه الفضائل ؛ أن يكون بغير هم من جهة كل إنسان ؛ وأن يعد نفسه للموت ؛ وكلما تقدم للصلاة فليفحص ما هو الشيء الذي يفصله من اللـه فيبطله ؛ وأن يرذل العالم الحاضر ؛ ونعمة اللـه تَهب له الفضائل سريعاً .

    لكن أعلم هذا : أن كل إنسان يأكل ويشرب بغير تحفظ ؛ أو يحب شيئاً من هذا العالم ؛ لن يبلغها (الفضائل) أو يدركها؛ بل هو يخدع نفسه.

    وإنني أسأل كل من يطلب أن يصنع توبة للـه ؛ أن يحفظ نفسه من كثرة الخمر ؛ لأنه يجدد جميع الآلام ويطرد مخافة اللـه من النفس ؛ بل الأحرى بك أن تطلب من اللـه بكل قوتك أن يرسل لك مخافته لكي باشتياقك إلى اللـه تبطل جميع الآلام التي تقاتل النفس الشقية طالبة أن تفصلها عن اللـه لعلها تستسلم ؛ فمن أجل هذا الأمر يعمل الأعداء بكل قوتَهم في جهادهم مقابل الإنسان .

    لا تتطلع إذاً يا أخي إلى الراحة ما دمت في هذا الجسد ؛ ولا تثق بنفسك إذا نظرت في وقت ما أنك قد استرحت من الآلام .

    لأنَهم يمسكون أنفسهم بمكر إلى حين ؛ لعل الإنسان يحل تجلد قلبه ظناً منه أنه قد استراح وعند ذلك ينقضون بغتة على النفس الشقية ويختطفونَها كالعصفور {مراثي 3 : 51 } ؛ وإن قووا عليها أذلوها بغير شفقة في خطايا يعثر جداً غفرانَها أكثر من تلك التي كانت تصلي من أجلها في المبتدأ .

    فلنثبت إذا في مخافة اللـه ؛ ولنحرص أن نكمل جهاد نسكنا ملاحظين جميع الفضائل التي تقاوم شر الأعداء ؛ لأن أتعاب وآلام هذا الزمان القصير ليست من الشرور فقط تحفظنا ؛ بل أيضاً تعد للنفس الإكليل ؛ من قَبل خروجها من الجسد .

    مواعيد الرب وتشجيعه لنا :

    إن معلمنا القدوس الرب يسوع إذ يعرف شدة قساوتَهم ؛ يفيض تحننه على جنس البشر أمر أن نكون بكل عزم القلب مستعدين في كل لحظة : " لأنكم لا تعلمون في أي ساعة يأتي السارق " { مت 24 : 42 } ؛
" لئلا يأتي بغتة ويجدكم نياماً " { مر 13 : 36 } .

    وهو يعلم خواصه واضعاً أمامهم هذه الوصية : " احترزوا لأنفسكم لئلا تثقل قلوبكم في خمار وسكر وهموم الحياة فيصادفكم ذلك اليوم بغتة . ولمعرفة أن الأشرار هم أكثر منا؛ أوضح لخواصه أن القوة التي بِها نثبت غير خائفين منهم هي من عنده ؛ فقال لهم : " ها أنا أرسلكم مثل حملان بين ذئاب " { لو 10 : 13 } . ومع ذلك أمرهم أن لا يحملوا شيئاً للطريق لأنه ما دام ليس لهم شيء مما يخص الذئاب فما تقدر أن تفترسهم .

    ولما رجعوا معافين سالمين وقد حفظوا ما أوصاهم به ؛ فرح معهم شاكراً للـه الآب من أجلهم ؛ ولكي يثبت قلوبِهم قال لهم :

    " رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء ، ها أنا قد أعطيتكم سلطاناً أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ؛ فلا تضركم .  فحين أرسلهم كانوا في خوف وتحفظ ؛ ولما حفظوا ما أوصاهم به ؛ أعطاهم السلطان مع القوة .

    وهذه الأقوال لم تكن لهم فقط ؛ بل ولجميع الذين يكملون الوصايا ؛ لأنه عندما أحبهم الحب الكامل قال : " لا تخاف أيها القطيع الصغير لأن أباكم السماوي قد سُرَّ أن يعطيكم الملكوت ؛ بيعوا أمتعتكم وأعطوا صدقة ؛ واعملوا لكم أكياساً لا تبلى ؛ وكنوزاً لا تفنى في السماوات .  ولما حفظوا أيضاً هذه الكلمة قال لهم : " سلامي أعطيكم سلامي أترك لكم . { يو 16 : 37 } .

    ولكي يمنحهم الثقة والطمأنينة قال : " إن الذي يحبني يحفظ وصاياي ؛ أنا والآب نأتي إليه وعنده نصنع منزلاً " .

    ولكي يجعلهم أشداء إزاء العالم قال لهم : " في العالم سيكون لكم ضيق ولكن تشجعوا لأني قد غلبت العالم " .

     ولكي يقوي عزيمتهم حتى لا تصغر نفوسهم في الضوائق ؛ ألقى الفرح في قلوبِهم قائلاً : " أنتم الذين ثبتم معي في تجاربي وأنا أجعل لكم كما جعل لي أبي ملكوتاً ؛ لتأكلوا وتشربوا على مائدتي. {لو22: 28ـ30}.

    الثبوت في المسيح في الضيقات :

    لم يقل هذا للجميع ؛ بل لأولئك الذين ثبتوا معه في الضيقات . ومن هم الذين ثبتوا مع يسوع في الضيقات إلا الذين قاوموا الرذائل التي هي بخلاف الطبيعة حتى قطعوها ؟ والحال أنه قال لهم هذه الأمور عندما مضى إلى الصليب .

    لأن الذي يريد أن يأكل ويشرب على مائدته ؛ فليمضي معه إلى الصليب ؛ وصليب يسوع في الحقيقة هو التجلد على جميع الآلام إلى أن تنقطع ؛ لأن الرسول الحبيب الذي قطعها جسر وقال : مع المسيح صلبت؛ ولست أنا حياً بعد بل المسيح هو الحي فيَّ . { غل 2 : 20 } .

    لهذا فالمسيح حي في أولئك الذين أبطلوا الآلام . والرسول إذ يعظ أولاده يقول : " الذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات . { غل : 5 : 24 } .

    كما يكتب الرسول لابنه تيموثاوس فيقول : " إن كنا قد مُتنا معه ؛ فسنحيا أيضاً معه ؛ وإن كنا نصبر ؛ فسنملك أيضاً معه ؛ إن كنا ننكره ؛ فهو أيضاً سينكرنا " . { 2تي 2 : 11 ، 12 } .

    ومن هم الذين ينكرونه إلا الذين يكملون أهواءهم الجسدية ؛ ويهينون المعمودية المقدسة ؟

    لأنه باسمه قد وهبت لنا مغفرة الخطايا . { أع 2 : 38 } .

    وبالجسد استعبدنا العدو ثانية بواسطة الخطية ؛ وربنا يسوع المسيح لمعرفته أن هذا الشر عظيم من منشئه وهب لنا التوبة إلى النسمة الأخيرة .

    فلو لم تكن هناك توبة ما كان أحد يخلص والرسول لمعرفته أنه قد يخطئ المرء بعد العماد يقول : " لا يسرق السارق فيما بعد " .    الاستعداد للمجىء الثاني والدينونة :

    فإذ لنا ختم المعمودية المقدس فلنبادر بترك خطايانا لكي نجد رحمة من الرب في ذلك اليوم . { 2تي 1 : 18 } ؛ لأنه قريب ؛ وسيأتي ويجلس على عرش مجده ؛ وتجتمع جميع الشعوب قدامه . { مت 25 : 13 } ؛ وكل واحد يُعرف من المصباح الذي بيده .

    كل من ليس له زيت ينطفئ مصباحه ويلقى في الظلمة ؛ أما الذي ينير مصباحه فيدخل معه إلى الملكوت . { مت 25 : 1 ؛ 13 } .

    فلنسرع يا أحبائي لنملأ أوانينا بالزيت ما دمنا في الجسد ؛ لكي تنير مصابيحنا فندخل معه الملكوت .

    فالإناء يشير إلى التوبة ؛ والزيت الذي يحتويه هو ممارسة جميع الفضائل؛ والمصباح المضىء هو النفس الطاهرة ؛ هكذا فالنفس الحاملة النور بواسطة أعمالها تدخل معه الملكوت ؛ أما النفس التي صارت مظلمة من جراء الشر فتمضي إلى الظلمة .

    جاهدوا إذاً يا إخوتي لأن الوقت قريب . { لو 21 : 8 } ؛ وطوبى لمن له هذا الاهتمام ؛ فالثمار قد نضجت والآن زمان الحصاد ؛ وطوبى لمن يحفظ ثماره لأن الملائكة تضمنه إلى الأهواء الأبدية ؛ والويل للذين هم من الزوان لأن ميراثهم هو النار . { مت : 23 : 31 } .

    لنفرَّ يا إخوتي من العالم وكل ما فيه لكي نرث الخيرات السمائية ؛ لأن ميراث هذا العالم هو الذهب والفضة والثياب والبيوت ؛ وهذه ليست فقط تجعلنا نخطئ ؛ بل سوف نتركها أيضاً عندما نمضي .

    أما ميراث اللـه فهو بلا كيل : " ما لم تره عين ؛ ولم تسمع به أذن ؛ ولم يخطر على قلب بشر " . واللـه يعطيه للذين يطيعونه في هذا الزمان القليل؛ وهم ينالونه من أجل الخبز والماء والكساء الذي قدموه للمحتاجين؛ ومن أجل محبتهم للبشر وطهارة أجسادهم ؛ ولأنَهم لم يصنعوا شراً للقريب ؛ ولأجل القلب الذي لا شر فيه ؛ وبقية الوصايا .

    فالذين يحفظون هذه الأمور ؛ يكون لهم نياح في هذا العالم ؛ وكرامة لدى الناس ؛ وعندما يخرجون من الجسد ينالون فرحاً أبدياً .

    أما الذين يكملون أهويتهم بالخطية ولا يريدون أن يتوبوا ؛ الذين بانجذاب الشهوة والضلال يكملون شرورهم ؛ ومجون أحاديثهم ؛ وصراخ خصوماتَهم ؛ وعدم خوفهم من دينونة اللـه ؛ وعدم شفقتهم على المساكين ؛ وبقية الخطايا ؛ فهؤلاء يغطي الخزي وجوههم في هذا العالم ويصيرون مرذولين من الناس ؛ وعندما يخرجون من هذا العالم يتقدمهم الخزي والعار إلى جهنم .

    ختام :  

    إن إلهنا قادر أن يجعلنا مستحقين أن ننمو في أعماله ؛ ونحفظ أنفسنا من جميع أعمال الشرور ؛ لنستطيع أن نخلص في ساعة التجربة المزمعة أن تأتي على العالم كله . أنه لن يبطئ ؛ سوف يأتي ربنا يسوع المسيح وأجرته معه؛ والمنافقون يطرحهم في النار الأبدية ؛ أما خاصته فيعطيهم الأجرة ؛ ويدخلون معه وينعمون بالراحة في ملكوته إلى أبد الآبدين آمين .

    كلمة أخيرة :

    لا تحزن في نفسك يا أخي عند قراءة هذه الأقوال كل يوم ؛ لعله توجد لنا نحن أيضاً رحمة مع أولئك الذين أحتسبهم المسيح مستحقين ؛ فاهتم أنت يا حبيبي بتكميل هذه الوصايا المكتوبة لكي يمكنك أن تخلص مع القديسين الذين حفظوا وصايا ربنا يسوع المسيح .

    أما من يقرأ هذه الأقوال ولا يعمل بِها ؛ فذاك يشبه رجلاً رأى وجه خلقته في مرآة ؛ وللوقت نسى ما هو { يع 1 : 23 } ؛ أما الذي يقرأها ويحفظها فهو يشبه البذور التي أُلقيت في أرض صالحة فأتت ثمراً . إن اللـه قادر أن يجعلنا نحسب مع الذين يسمعون ويعملون ؛ لكي يتقبل منا نحن أيضاً الثمر الصالح بنعمته ؛ لأن له المجد والقوة والسلطان إلى الأبد. آمين .

الميمر السابع عشر

عن الأفكار التي ينبغي أن يطردها

من ترك العالم ليعيش في الغربة

 

الجهاد الأول : الغربة

    الجهاد الأول : قبل كل شيء هو حياة الغربة ؛ لا سيما إذا كنت ستعيش منفرداً ؛ وقد تركت كل مالك وأتيت إلى موضع آخر ؛ مستعداً بالإيمان الكامل والرجاء وعزم القلب الثابت مقابل أهواء نفسك .

    فالأعداء سيحيطون بك في صفوف كثيرة ويرعبونك بالخوف من التجارب ؛ ومن فقر شديد ؛ وأمراض ؛ فيوسوسون لك : " إذا كنت ستعيش هناك فماذا تفعل وليس هناك من سيهتم بك أو يعرفك ؟ " بصلاحه يختبرك لكي تظهر غيرتك ومحبتك له .

    فإذا جلست منفرداً في قلاية يزرعون في قلبك أفكاراً أكثر صعوبة (لكي تجبن وتخاف) قائلين : " ليست الغربة هي التي تخلص الإنسان بل أن تحفظ الوصايا " . ويجلبون لك تذكار البعض ممن يعيشون أكثر قرباً من أشياء الجسد ويخدعون قلبك قائلين: "أليس هؤلاء هم من خدام اللـه ؟".

    كما يوعزون إليك بأن المناخ ضار بصحتك ؛ وأن جسدك ثقيل ؛ ذلك لكي يضعف قلبك وتفتر همتك ؛ ولكن إذا أقتنى قلبك المحبة والرجاء فلا يبقى لشرهم أي أثر ؛ وتظهر غيرتك في النهاية أمام اللـه ؛ أنك تحبه أكثر من راحة الجسد .

    ضيقة الغربة تقود الذين يحتملونَها إلى الرجاء ؛ والرجاء يحفظهم إلى حد ما من جهة أمور الجسد .

    لأنك لم تأتي إلى الغربة بغير هدف ؛ بل لكي تغذِ نفسك وتكرسها للجهاد مقابل الأعداء ؛ ولكي تتعلم أن تغلبهم ؛ كل واحد في حينه ؛ حتى إذا أدركت راحة عدم الأوجاع صرت حراً ؛ إذ تكون قد فزت بالغلبة في كل قتال في وقته .

    الجهاد مقابل المجد الباطل :

    إنني أخاله أمراً عظيماً كريماً أن نغلب المجد الباطل وننمو في معرفة اللـه ؛ لأن الذي يسقط في خزي هذا الوجع الخبيث " أي المجد الباطل " يصير غريباً عن السلام ويتقسى قلبه إزاء القديسين ؛ ويصل به الحال إلى أن يسقط في كبرياء خبيث ؛ ومن الاشتغال بالكذب .

    أما أنت أيها المخلص الأمين ؛ فاجعل أعمالك مستترة ؛ وبحزن قلبك أهتم ألا تدع لسانك يخطفها منك ويسلمها لأعدائك .

    فالذي يعمل لكي يطرد عنه أوجاع الجسد وجميع زلاته بالتوبة ؛ يرفع نفسه لتصير تقدمة كريمة للـه بلا عيب ؛ وتليق أن تكون هيكلاً له ؛ أما من يحب مجد الناس ؛ فلا يمكن أن يكون بلا أوجاع ؛ لأن الحسد والغيرة تسكنان فيه ؛ مثل هذا قد باع نفسه لتكون فريسة لتجارب كثيرة ؛ ولأنه لا يجد أبداً وسيلة لإشباع شهوته ؛ فإنه يذبح قلبه ضحية للشياطين ؛ وتكون نَهايته الهلاك . { في 3 : 19 } .

    الجهاد مقابل الغضب :

      أما الذي أقتنى الاتضاع ؛ فاللـه يكشف له خطاياه لكي يعرفها ؛ فإذا أضاف إلى ذلك النوح ؛ ودامت فيه هاتان الفضيلتان ؛ فهما تطردان من نفسه الشياطين السبعة { مر 16 : 9 } وتشبعانه بالمجد الحقيقي ؛ وبأثمارها المقدسة .

   مثل هذا لا يهتم بتعيير الناس ؛ لأن تذكار خطاياه يصير له مثل درع واق يحفظه من الغضب والانتقام ؛ فيحتمل كل ما يأتي عليه ؛ فأية إهانة يمكن أن تؤثر فيه ؛ إن كان قد وضع خطاياه أمام وجهه قدام اللـه .

    أما إذا كنت لا تستطيع أن تحتمل كلمة واحدة من قريبك ؛ بل تبادر بالرد عليه ؛ فأنت بذلك تثير في قلبك حروباً وتضنية من جهة الأقوال التي سمعتها ؛ وتحزنه من أجل كل ما قلته ؛ ويستأسرك الفكر فيجعلك تطوِّب الذين يعيشون على انفراد في العزلة ؛ وتقسي قلبك تجاه جيرانك معتبراً أنه ليست فيهم محبة .

    فجاهد بالحري لتقتني طول الروح لأنه يغلب الغضب ؛ والمحبة لأنَها تشفي من الحزن ؛ والصلاة للـه بمخافة تحفظ لك هاتين الفضيلتين ؛ لأن المحبة وطول الروح تحتملان الغضب الطبيعي ؛ فإذا ثبت فيك هذان ؛ فعوض أن تثور على قريبك ؛ تثور على الشياطين وتدوم في سلام مع القريب ؛ ذلك لأنك قد اقتنيت النوح والاتضاع .

    الذي يستطيع أن يحتمل كلمة صعبة من إنسان مشاكس أحمق ؛ من أجل اللـه ومن أجل سلامة أفكاره ؛ هذا يدعى ابن السلام .

    وهو قادر أن يقتني سلام النفس والجسد والروح ؛ فإذا صار هؤلاء الثلاثة في توافق عندئذ يبطل الذين تسلحوا ضد ناموس الروح ؛ وتنتهي طياشة الجسد ؛ ويُدعى ذلك الإنسان ابن السلام ؛ ويسكن الروح القدس فيه إذ يصير من خاصته ؛ ولا يهجوه .

    الجهاد مقابل الجبن :

    طوبى للذين يعملون أعمالهم بمعرفة ؛ لأنَهم بذلك يخففونَها من كل ثقل ؛ ويخلصون أنفسهم من خداع الشياطين .

    وبالأخص من شيطان الجبن الذي يعطل الإنسان عن إتيان كل عمل صالح التزمت به نفسه؛ويدفع النفس التي توجه اهتمامها الدائم نحو الَله إلى الكسل ويقنعها بكل وسيلة ممكنة بالنكوص هرباً من أتعاب هذه السيرة .

    لكنني أرى أنه إذا كانت فينا المحبة والصبر والزهد ؛ فلا يمكن (للشياطين) أن يوفقوا في فعل واحد من أفعالهم ؛ لا سيما إذا كانت النفس تعلم أن الكسل هو الذي يهدم كل شيء ؛ فتزدري به وترفضه .

الجهاد مقابل روح الحزن ؛ والفقر الاختياري :

    إذا كنت قد تركت عنك كل الأشياء المرئية ؛ فتيقظ مقابل شيطان الحزن ؛ بسبب فقرك الكثير وضيق معيشتك ؛ لئلا تعجز عن بلوغ الفضائل العظيمة التي هي: ألا تظن بنفسك أنك شيء ؛ أن تحتمل الإهانة؛ ألا تجعل لك اسماً معروفاً في أي أمر من أمور هذا العالم ؛ لأنك إن جاهدت لتقتني هذه الفضائل فهي تعد لنفسك أكاليل .

    لذلك ليس الذين قد تجردوا من كل شيء وصاروا معوزين من كل ما يُرى ؛ هم وحدهم الفقراء ؛ بل وأولئك الذين تجردوا من كل خبث ؛ وصاروا دائماً جياعاً إلى تذكر اللـه .

    كذلك ليس الذين هم في الضيقة الظاهرة ؛ هم الذين يقتنون عدم الأوجاع؛ بل أولئك الذين لهم الاهتمام الداخلي وقطعوا مشيئتهم الخاصة؛ هم الذين ينالون إكليل الفضائل .

إفراز الأفكار :

    فاضبط نفسك وراقب حواسك ؛ فإذا كان فكرك في سلام معك فستقبض على اللصوص الذين يسرقونك ؛ لأن الذي يمتحن أفكاره بتدقيق يعرف تلك التي تريد أن تدخل لتنجسه .

    إذا اهتممت بحفظ الوصايا بقلب نشيط ؛ فسوف تفهم بأي العلل يسبب لك الاضطراب أولئك الذين يعذبونك ؛ لكي بثبطوا همتك ويجعلوك تختار ( بلا سبب ) طريقاً آخر ؛ إذ أنَهم يقلقون النفس ليجعلوها شاردة وعاطلة .

    أما الذين يعرفون خبثهم فيثبتون بغير انزعاج مقدمين الشكر للـه من أجل المكان أعطاهم إياه ليجاهدوا فيه بالصبر ؛ لأن ذوي الصبر وطول الروح والمحبة يشكرون من أجل الأحزان والأتعاب ؛ بينما أصحاب الضجر والرخاوة ومحبة الراحة فيبحثون عن موضع يجدون فيه التكريم ؛ وبسبب مديح الكثيرين لهم تضعف حواسها وتخضعها الأوجاع حتماً للطياشة وتُهلك قناعتهم الداخلية بواسطة الجولان والشبع من الأكل .

    وقال القديس أيضاً :

     إذا أراد العقل أن يصعد على الصليب قبل أن تُشفى الحواس من أمراضها ؛ فإن غضب اللـه يأتي عليه ؛ لأنه جسر على عمل أعلى من قامته ؛ قبل أن يشفي أولاً حواسه .

    وقال أيضاً :

    إذا كنت مشتت القلب ولم تعرف كيف تجمعه ؛ فسبب ذلك هو أن سلوكك ( سواء كان بإرادتك أو بدونِها ) يدفع فكرك إلى الطياشة ؛ وهذا الأمر غريب ومخالف لطبيعة آدم .

    وقال أيضاً :

    إذا كان قلبك يكره الخطية طبيعياً ويبتعد عن كل ما يولدها ؛ وإذا وضعت الدينونة أمامك بمعرفة ؛ وإذا جعلت نفسك متغرباً من الذي يجذبك إليه ؛ وصليت بمعرفة إلى خالقك لكي يثبت معك دون أن يدعك تحزنه في شيء ؛ باكياً قدامه قائلاً : " من عندك هي الرحمة فخلصني ؛ لأنه يستحيل عليَّ أن أفلت من أيديهم بغير معونتك " . متوخياً بكل قلبك ألا تحزن من يعلمك وفق مشيئة اللـه ؛ فهذا يكون موافقاً لطبيعة يسوع .

    لأن الإنسان إذا أكمل كل شيء دون أن يقتني الاتضاع ؛ والطاعة والصبر ؛ فهو ما يزال في حالة مخالفة للطبيعة .

    فسلم قلبك كليةً لطاعة اللـه ؛ مصلياً إليه بالحق قائلاً : " يارب هاأنذا أمامك ؛ فاجعلنى أهلاً لمشيئتك ؛ لأني أجهل ما هو نافع لي ؛ حارب أنت عني لأني لا أعرف خبث أعدائي " .

    فإن تدبرت بما يوافق طبيعة يسوع ؛ فهو لن يتركك تخطئ في شيء ؛ أما إذا كنت تحفظ وصية واحدة دون أن تكمل الأخرى ؛ فأنت بعدُ لم تسلم نفسك لطاعته ؛ فهو لن يهتم بك .

    كما أن الحقل لا يستطيع أن يتنازع مع الذي يعمل على تنقيته من الزوان ؛ ليزرعه بحسب الطبيعة ؛ كذلك ينبغي على الذي سلم ذاته للـه بمعرفة ألا يعارض في شيء ؛ بل يُحبه أكثر من كل الأشياء المخالفة للطبيعة والمغروسة في قلبه ؛ التي هي الزوان .

    وفي كل مناسبة ينطرح قدامه بمعرفة ؛ بكل قلبه ؛ لكي برحمته الخاصة يطهره من الزوان ؛ ويزرع فيه الزرع الجديد .

    فالبزور الموافقة للطبيعة لا تستطيع أن تنبت وتنمو في نفس الوقت مع الزروع المخالفة للطبيعة ؛ لأنَها تختنق بواسطة الزوان الذي هو أقل منها نضارة . هكذا الحال بالنسبة لك ؛ فإن لم تتنقَ من الشهوات الجسدية ؛ لا يمكنك أن تحفظ نفسك من الخطية ما لم تتحفظ أولاً مما يلدها ؛ أي من التهاون الذي هو الأم الشريرة للخطية .

    الضجر يلد المشيئة الخاصة ؛ والمشيئة الخاصة واللامبالاة يلدان الازدراء (بالفضيلة) . القلب الذي يريد أن يفرض رأيه يلد محبة أحاديث العالم ؛ هذه التي تلد ما هو غير نافع .

    إذ يعطي الإنسان أذنه لسماع النميمة ؛ ثم ينقل الأقوال التي سمعها للآخر ؛ الأمر الذي يدفعه إلى طلب الأشياء العالمية ؛ وهذا يدفعه إلى أن يعلم دون أن يُسأل ؛ ويذم القريب ؛ ويأتي شروراً أخرى مثلها .

    فكل من أحرز تقدماً ؛ أو يروم أن يحرزه ؛ ينبغي عليه أن يحفظ نفسه بمعرفة من كل ما يلد الخطايا فتضعف هي من ذاتِها . فالذي يجاهد يراها ويدرك مرارتِها ؛ أما من كان متهاوناً فيعد لنفسه العقوبة .

    الذي يخشى من تعب الجسد لن يأتي إلى موافقة الطبيعة ؛ أما الذي يسجد أمام اللـه في كل أتعابه ؛ فاللـه قادر أن يمنحه الراحة .

    لأن جدعون لو لم يكن قد حطم القدور ؛ لما رأى ضوء المشاعل ؛ فكذلك ما لم يزدر الإنسان بالجسد ؛ لن يرى نور اللاهوت .

    وكذلك فإن ياعيل امرأة جابر القيني ؛ لو لم تنزع الوتد من الخيمة ؛ لما أمكنها أن تصرع قائد الجيش سيسرا .

    فإذا ما تقوت النفس واستعدت لأتباع المحبة ( التي تبطل جميع أوجاع النفس والجسد ) حينئذ تظهر المحبة ذاتِها في كل أناة ورفق ؛ مع بغضة الحسد والكبرياء ؛ وعدم التفكر بالشر ؛ لأن هذه هي المحبة .

    وقال أيضاً :

    إذا كان الغضب موافقاً للطبيعة ؛ لن يترك في القلب شيئاً مما هو مخالف للطبيعة يضغط على النفس . وبالقوة الغضبية يقاوم العقل كل ما هو مخالف للطبيعة حتى يفصله عما هو موافق للطبيعة .

    فإذا بلغ العقل هكذا حقاً ؛ فهو يغلب ويترأس النفس فيجعلها ترفض قبول أي شيء مما هو مخالف للطبيعة ؛ لأنه يبين لها كل التعديات التي كانت الأمور المخالفة للطبيعة تؤذيه بِها حين كانت مختلطة مع الأمور الطبيعية .

    وقال أيضاً :

    معلمنا يسوع صنع رحمة مع قديسيه حين فصل بين اللصين على الصليب حيث كان كلاهما مصلوباً وكان هو في وسطهما .

    فالذي على اليسار أرتعب حين رأى صداقته الشريرة مع لص اليمين تنقطع ؛ أما هذا فتطلع إلى يسوع باتضاع ومخافة قائلاً : " اذكرني متى جئت في ملكوتك " { لو 23 : 42 } .

    ومنذ ذلك الوقت صار واضحاً أنَهما ( أي اللصين ) لم يعودا صديقين؛ وأن الذي على اليسار لم يقدر أن يجتذب الآخر إلى تجاديفه الشريرة ؛ فالذين لم يصلوا بعد إلى هذا السبيل يسقطون ويقومون إلى أن تدركهم الرحمة .

    لهذا ينبغي الاهتمام بالتأمل بمخافة واتضاع ؛ على مثال اللص اليمين ؛ فالاتضاع يهبنا الصبر على احتمال المحقرة . فحينما ينفصل الإنسان عن اليساري ؛ يعرف بالتدقيق جميع الخطايا التي أقترفها نحو اللـه .

    أي أنه لن يرى خطاياه ما لم ينفصل عنها ويهجرها هجراناً أليماً ؛ والذين وصلوا إلى هذا الحد هم الذين يجدون الدموع والابتهال والخشية أمام اللـه ؛ عند تذكرهم ألفتهم الشريرة ومصادقتهم للأوجاع .

     الرب قادر أن يقوي أولئك الذين يجاهدون باتضاع في الخفاء ؛ لأن له المجد والكرامة إلى دهر الدهور . آمين .

الميمر الثامن عشر

 

عن الحقد

 

    وقال أيضاً :

    الرسول القديس أعطى تلاميذه أمراً إذ قال : " الرب قريب ؛ لا تَهتموا بشىء؛ بل في كل شيء قدموا للـه طلباتكم بالصلاة والدعاء مع الشكر" { كو 3 : 5 } ؛ وأيضاً : " ليملك سلام اللـه في قلوبكم " .

    وفي الإنجيل بحسب القديس مرقس يقول الرب لتلاميذه : " اغفروا إن كان لكم على أحد شئ ؛ لكي يغفر لكم أيضاً أبوكم زلاتكم " { مر 11 : 26 } .

    أنه لمرعب قول الرب هذا ؛ فإذا رأيت قلبك غير نقي نحو الجميع فلا تطلب شيئاً من اللـه إذ أنك بذلك تُهينه ؛ لأنك وأنت خاطئ تحمل حقداً على إنسان مشابه لك ؛ وتقول لفاحص القلوب : " اغفر لي خطاياي " . مثل هذا الإنسان لا يصلي بالروح بل بالشفتين فقط ؛ بجهل.

    فالذي يريد حقاً أن يصلي للـه بالروح ؛ أي بالروح القدس ؛ وبقلب نقي ؛ فليفحص قلبه قبل أن يصلي لكي يعرف إن كان بغير هَم في قلبه من جهة جميع الناس أم لا؛ وإلا فهو يخدع نفسه ؛ إذ ليس من سيسمع له؛ بما أن الروح لا يصلي بل يتلو فقط صلوات السواعي كما بدافع العبادة .

    كذلك ينبغي لمن يريد أن يصلي بنقاوة أن يفحص نفسه حتى إذ تقول: " اصنع معي رحمة " ؛ تكون أنت أيضاً قد صنعت الرحمة مع من يطلبها منك . وإذ تقول : " اغفر لي " تغفر أنت البائس للآخرين . وحين تقول: " لا تذكر تعدياتي " ؛ لا تذكر أنت فيما بعد زلات قريبك .

    وحين تقول : " لا تذكر الشرور التي فعلتها بإرادتي أو كارهاً " ؛ لا تعود تذكر أنت أيضاً أية مشاجرة ؛ إذ ينبغي عليك ألا تفكر في أي شيء ضد أي إنسان .

    فإن كنت لم تصل بعد إلى أن تصنع هكذا ؛ فأنت تصلي باطلاً ؛ لأن اللـه بمقتضى جميع الأقوال الإلهية لن يسمع لك قولك " اغفر لي " .

    وقد قال الرب أيضاً في الصلاة حسب ما جاء في إنجيل القديس متى : "واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا " ؛ وبحسب القديس لوقا : " إذا غفرتم للناس زلاتِهم ؛ يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي " .

    فهذه هي المحبة كلها قد أظهرتُها لك ؛ ما تريد أن يكون لك من قِبل اللـه اصنعه أنت أولاً ؛ وحينئذٍ تحظى بالعفو بحسب القياس الذي نجحت في بلوغه في تعاملك مع الناس ؛ فإن كنت تعمل على تنقية قلبك من جهة كل الخليقة حتى لا يكون فيه أي حقد مقابل أي أحد ؛ فيجب عليك ألا تقتصر الأمر على كلام اللسان فقط ؛ لأن اللـه حق .

    كل إنسان يربط نفسه بنفسه إلى جهنم ؛ أو يفك نفسه بنفسه منها ؛ لأن ليس شيء أكثر صلابة من قوة الإرادة حين تجنح نحو الموت أو الحياة؛ فطوباهم إذاً الذين يحبون الحياة الأبدية لأنَهم لن يعثروا .

    وقال أيضاً :

    هناك صراع قلبي خفي ؛ بالتعب والمشقة مقابل الفكر الذي يضغطك لكي تصد سهمه كي لا يجرح قلبك ويصير من الصعب عليك أن تداويه إذا لم تدقق في أن تضع كل يوم خطاياك أمامك .

    فإذا أدركت أن شخصاً ما تسبب في معاناتك من أية أذية ؛ لاحظ إرادتك الصالحة أن لا تكافئه في قلبك ؛ بأن تلومه أو تدينه ؛ أو تغتابه .

    أو تسلمه لأفواه الآخرين ؛ وبعدئذ تفكر هكذا : " أنه لم تصبني أية أذية " . فإن كانت فيك مخافة جهنم ؛ فهي تتغلب على الأردياء الذين يريدون منك أن ترد الإساءة للقريب ؛ فقل لنفسك : " يا شقي هوذا أنت تصلي من أجل خطاياك واللـه يحتملها حتى الآن دون أن يُظهرها ؛ بينما تثور أنت على قريبك وتطرحه لألسنة الناس ؛ من البين إذاً أن خطاياك مازالت قائمة وأنك لم تحظ بعدُ بأي غفران " .

    فإذا تحنن قلبك على قريبك ؛ وحفظت نفسك من الأفكار الشريرة ؛ تحظى حينئذٍ بالرحمة من اللـه أما إذا تقسَّى قلبك عليه فلن يذكرك اللـه

    وقال أيضاً :

    اغفروا لي فإني عادم من كل شئ ( صالح ) ومذلول للخطايا ؛ أنني أكتب هذا والخزي يغطي قلبي ؛ إذا لم يأتي الإنسان إلى مطابقة طبيعة ابن اللـه فجميع أتعابه باطلة ؛ فالزارع الذي يلقي بذاره يتوقع محصول أوفر بكثرة ( من البذار ) ؛ فإذا ما أفسدته الرياح ملأ الحزن قلبه بسبب ضياع البذور والجهود التي بذلها في إعداد الأرض .

    وقال أيضاً :

    حين صُلب الرسول بطرس في روما ؛ طلب أن يُصلب مُنكس الرأس ؛ مُظهراً بذلك مخالفة الطبيعة الذي أستحوذ على جميع الناس مريداً أن يقول: إن كل من نال المعمودية ؛ وجب عليه أن يصلب الشرور المخالفة للطبيعة؛ التي استولت على آدم ؛ وجعلته يسقط من مجده إلى مذلة رديئة وخزي أبدي .

    فينبغي إذاً أن تجاهد النفس بكل شجاعة ؛ وتبغض بغضة شديدة كل ما يراه الناس مما يزرعه العدو فيهم حتى النهاية .

    وهذه هي الأمور الأساسية التي تضني جميع أبناء آدم : المكسب ؛ الكرامة ؛ طلب الراحة ؛ التفاخر بما سيتركه الإنسان ؛ تزين الجسد ليصير جميلاً وفي صحة جيدة ؛ وطلب الثياب البهية .

    هذه تغذي شهوة التلذذ التي ألقتها الحية في فم حواء ؛ ونحن نعلم أننا أولاد لآدم ؛ من هذه الأفكار الشريرة التي تجعلنا أعداءً للـه .

    مغبوط هو الذي صُلب ومات ؛ ودفن وقام في جدة الحياة إذا أتى إلى مطابقة طبيعة يسوع ؛ مقتفياً آثاره المقدسة التي اختطها لفعلته القديسين حين صار إنساناً فهذه كلها تخصه : الاتضاع والتنازل ؛ والمسكنة والفقر؛ التسامح والسلام ؛ واحتمال الإهانة ؛ وعدم الاهتمام بالجسد ؛ الشجاعة مقابل كل مكايد الأردياء .

    وما هو أسمى كثيراً من ذلك ؛ سبق المعرفة بكل شيء ؛ وملاقاة جميع الناس بالحب ؛ فالذي يصل إلى تحقيق ذلك ويستأصل كل ما هو مخالف للطبيعة ؛ هو بالحقيقة من يختص بالمسيح ؛ وهو ابنٌ للـه ؛ وأخ ليسوع ؛ الذي له المجد والسجود إلى دهر الدهور آمين .

 

 

 

 

L

 

 

 

الميمر التاسع عشر

 

الأوجاع

 

    حضور الروح القدس علامة على موت الأوجاع :

    إنني أود أنا أيضاً أن أقول مع إشعياء : " إنني أصبر حتى أيبسها وأهلكها " . { أش 42 : 14 } .

    فإذا علمت أن نبع الروح القدس يفيض داخلك ؛ فهذه علامة أن الأوجاع قد جفت وبطلت ؛ كما قال مخلصنا : " ملكوت اللـه ليس ها هنا أو هناك ؛ بل هو داخلكم " . { مر 14 : 21 } . ويقول الرسول أيضاً : " ملكوت اللـه ليس بكلام بل بقوة " { 1 كو 4 : 20 } .

    فالبعض قد يتكلمون عن أعمال الملكوت ولكن دون أن يكملوها ؛ وآخرون يكملون أعمال الملكوت ؛ لكنهم يتكلمون بغير انتباه أو معرفة ؛ أما الذين يكمل فيهم قول المخلص " ملكوت السماوات داخلكم " ؛ فهم قلة نادرة ؛ ويصعب أن نجدهم .

    هؤلاء يحل عليهم روح اللـه القدوس ؛ وفيهم يكمل قول يوحنا الإنجيلي: " أما المؤمنون باسمه ؛ فأعطاهم السلطان أن يصيروا أولاد اللـه؛ الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل ؛ بل من اللـه " { يو 1 : 12 ـ 13 } .

    فرح أولئك الذين يحملون المسيح على مثال العذراء مريم ؛ هؤلاء الذين أعتقوا من مرارة القضاء الذي حلَّ بآدم : " الأرض تصير ملعونة بسبب أعمالك " { تك 3 : 17 } .

    هؤلاء هم الذين أقتبلوا الفرح الذي قبلته مريم : " روح اللـه تحل عليكِ ؛ وقوة العلي تظللكِ " { لو 1 : 35 } .

    فكما أن الحزن قد حلَّ بحواء ونسلها حتى الآن ؛ كذلك حلَّ الفرح على مريم ونسلها إلى الآن ؛ ولهذا كما كنا أولاً أبناء لحواء وعرفنا لعنتها التي حلت علينا بسبب أفكارنا الدنيئة ؛ هكذا أيضاً ينبغي أن نعرف أننا قد ولدنا من اللـه بأفكار الروح القدس وآلام المسيح ؛ إن كانت قائمة حقاً في أجسادنا ؛ لأنه مكتوب في الرسائل : " امتحنوا أنفسكم لتعرفوا إن كان المسيح فيكم ؛ إن لم تكونوا مرفوضين . { 2كو 13 : 5 } .

    لأننا حينما كنا نحمل صورة الترابي { 1كو 15 : 49 } كنا نعرف أننا أبناء الترابي ؛ بسبب الأمور الدنيئة التي تشغل أفكاره التي تسكن فينا أي الأوجاع .

    أما الذين يحملون صورة السمائي فيعرفون أنَهم أبناء السمائي بسبب روحه القدوس الذي يسكن فيهم .

    فإشعياء النبي يصرخ قائلاً : " بمخافتك يارب تصورنا ؛ ولدنا ؛ أفضنا روح خلاصك على الأرض " . وجاء أيضاً في الجامعة : " مثل العظام في بطن الحبلى هكذا طريق الروح " .

    لأنه كما أن العذراء القديسة حملته في الجسد ؛ هكذا أولئك الذين أقتبلوا نعمة الروح القدس يحملون في قلوبِهم كقول الرسول :

    " ليحل المسيح بالإيمان في الإنسان الباطن ؛ في قلوبكم ؛ وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا جميع القديسين ".

    وأيضاً : " لنا هذا الكنز في أوان خزفية ؛ ليكون فضل القوة للـه لا منا " .

    النفس المخطوبة للرب :

    كذلك إذا أدركت من يقول : " نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد " ؛ وتحقق فيه قول الرسول القائل : " ليملك في قلوبكم سلام اللـه " .

    وأن الذي هو فيك هو المسيح يسوع؛ وإذا كنت قد بلغت هذا القول: " من ظلمة أشرق في قلوبكم نور معرفة اللـه " .

    وكمل فيك قوله : " لتكن أحقائكم ممنطقة وسرجكم موقدة ؛ وأنتم مثل عبيد ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس " ؛ " كي لا يستد فمك بغير عذر وسط القديسين ؛ وعرفت كالعذارى الحكيمات أنه يوجد زيت في وعاءك به تدخل إلى العرس ولا تقف خارجاً " .

    إذا أحسست أن روحك ونفسك وجسدك قد أتحدو بلا انفصال وسيقدمون بغير دنس في يوم ربنا يسوع المسيح ؛ وكنت لا تُلام به ؛ أو تُدان من ضميرك ؛ وقد صرت طفلاً صغيراً كقول الرب : " دعوا الأولاد يأتون إليَّ ؛ لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات " { مت 19 : 14 } .

    حينذاك تكون نفسك قد صارت له عروساً مخطوبة ؛ وقد جعلك روحه القدوس وارثاً وأنت بعد في الجسد ؛ أما إذا لم يكن الأمر هكذا ؛ فأعدد نفسك للحزن والأنين ؛ لأن الخزي والعار يستقدمانك في حضرة القديسين .

    الحث على الجهاد :

    فأعلم أنه كما أن العروس المخطوبة حين تنهض كل يوم ؛ ليس لها شغل آخر سوى أن تتزين لعريسها ؛ فتتطلع كل حين في مرآتِها لئلا يصدف أن يكون في سيمائها أية شائبة فتُحزن بذلك عريسها .

    كذلك فإن اهتمام القديسين الأعظم هو أن يفحصوا أفكارهم ليلاً ونَهاراً ؛ ليتأكدوا إن كانت خاضعة لنير الروح القدس أم لا .

    جاهد إذاً يا أخي باهتمام في أتعاب القلب والجسد ؛ بمعرفة واعية ؛ لكي تقتني هذا الفرح الأبدي ؛ لأن قليلين هم الذين يستأهلون له ؛ أولئك الذين اقتنوا سيف الروح { أف 6 : 17 } ؛ وطهروا أنفسهم وحواسهم من كل دنس كقول الرسول { 2كو 7 : 1 } .

    فليت اسمه القدوس يكون لضعفنا عوناً ؛ حتى نستحق أن نبلغ مع قديسيه . آمين .

 

 

 

 

 

 

M

 

 

 

 

 

 

 

الميمر العشرون

 

التواضع

 

    سُئل الأب إشعياء : ما هو التواضع ؟

    فأجاب : الاتضاع هو أن يعتبر الإنسان نفسه خاطئاً ؛ وأنه لم يفعل قط شيئاً من الصلاح أمام اللـه .

    وأعمال التواضع هي : السكوت ؛ ألا يزكي الإنسان نفسه في شيء ؛ ألا يحب المجادلة ؛ الخضوع ؛ أن يتجه نظره إلى الأرض ؛ أن ينظر الموت قدام عينيه ؛ أن يحفظ نفسه من الكذب ؛ ألا ينشغل بأحاديث باطلة ؛ ألا يلاجج من هو أكبر منه ؛ ألا يفرض رأيه ؛ أن يحتمل الإهانة ويبغض الراحة ويغصب نفسه للعمل ؛ أن يسهر على قطع مشيئته ؛ وألا يغضب إنساناً .

    فأحرص إذاً يا أخي أن تكمل هذه الوصايا بتدقيق لئلا تصير نفسك مأوى لجميع الأوجاع ؛ بل كن يقظاً تجاه كل واحد منها ؛ لئلا تقضي حياتك بغير ثمرة إلى النهاية .

 

 

 

N

 

 

الميمر الحادي والعشرون

 

التوبة

 

    سُئل أنبا إشعياء : ما هي التوبة ؟ أو ما الهروب من الخطية ؟

    فأجاب : طريقان :

   توجد طريقان ؛ طريق للحياة وأخرى للموت { تث 30 : 19 } ؛ والذي يسير في إحدى الطريقتين لا يسير في الأخرى ؛ أما الذي يسير في كلا الطريقين معاً ؛ فلا يحسب أنه سار في إحداهما ؛ لا من أجل الملكوت ولا من أجل العقاب ؛ وإذا مات مثل هذا الإنسان فالحكم عليه يختص باللـه ؛ الذي عنده الرحمة أيضاً .

    فالذي يريد أن يدخل الملكوت ؛ ينبغي عليه أن يلاحظ الأعمال لأن الملكوت هو إبطال كل خطية ؛ الأعداء يزرعون ولكن أفكارهم لا تنبت؛ لأنه إذا بلغ الروح تأمل حلاوة اللاهوت ؛ لا تنفذ إليه سهامهم فيما بعد ؛ إذ قد تسربل بأسلحة الفضائل التي تحفظه وتَهتم به ولا تدعه يضطرب ؛ بل تشغله بالتأمل في سبيل المعرفة ؛ والتمييز بين الطريقين للابتعاد عن الواحدة ؛ ومحبة الطريق الأخرى .

    وبالتالي إذا عرف الإنسان مجد اللـه ؛ يعرف مرارة العدو . فإذا عرف أحد الملكوت يعرف جهنم ؛ وإذا عرف المحبة يعرف ما هي البغضة ؛ وإذا عرف ما هو الاشتياق إلى اللـه ؛ يعرف البغضة للعالم ؛ وإذا عرف ما هي الطهارة يعرف كذلك نتانة النجاسة ؛ وإذا عرف أحد ثمر الفضائل ؛ يعرف كذلك ما هي ثمار الرذيلة .

    هذا هو الذي بأعماله تفرح الملائكة ؛ أما ذلك فيعرف أن الشياطين يفرحون به حين يكمل أعمالهم .

    لأنك ما لم تَهرب منهم لن تعرف مرارتَهم . فكيف ما هي محبة الفضة دون أن تتجرد منها وتعيش في فقر شديد من أجل اللـه ؟ وكيف تعرف قساوة الغيرة ؛ إذا لم تقتن الصبر في كل شيء ؟

    كيف تدرك اضطراب الغضب ؛ إذا لم تقتن عذوبة الوداعة ؟ كيف تتحقق من قبح الكبرياء ؛ إذا لم تقتن حلاوة الاتضاع ؟ وكيف تعرف نتانة الزنى ؛ إذا لم تعرف جمال الطهارة الفائقة النقاء ؟

    كيف تعرف عيب المثابة ؛ إن لم تعرف سيئاتك ؟ وكيف تعرف نقائص الضحك والمزاح ؛ إذا لم تختبر البكاء على خطاياك ؟ وكيف يُعرف اضطراب الضجر وقلقه ؛ إذا لم تُخضع الحواس وتعرف نور اللـه ؟

    مخافة اللـه أم جميع الفضائل :

    هذه جميعها ليس لها سوى رأس واحدة تدعى خُبث العدو ؛ أما الفضائل فليس لها غير أم واحدة تُدعى مخافة اللـه ؛ والذي يقتنيها في النقاوة تلد له الفضائل ؛ وتقطع أغصان الشر التي تكلمت عنها للتو .

    فأحرص أن تقتنيها ( يا حبيبي ) وأنت تقضي حياتك كلها في راحة فهي حقاً والدة جميع الفضائل . وما دام الإنسان لم يهرب من هذه الرذائل فهو لم ينتسب بعد إلى ملكوت السماوات ؛ لذا ينبغي عليه أن يجاهد قليلاً قليلاً ؛ حتى يقطع عنه جميع الأوجاع التي ذكرتَها .

    مقياس النمو :

    من ينشغل قلبه بمعرفة ما إذا كان لا يزال أمامه جهاد أم لا ؛ هذه له علامة :

    إذا كان " اليساري " مازال يمارس أفعاله ؛ فالخطية لم تمت بعد ؛ وفضائل " اليمين " لم تتصلح بعد مع هذا الإنسان لأنه مكتوب : " الذي تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة ؛ أنتم عبيدٌ للذين تطيعونه ؛ أما للخطية للموت ؛ أو للطاعة للبر " { رو 6 : 16 } .

    وأيضاً : " أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم ؛ إن لم تكونوا مرفوضين " ؟ كما يقول يعقوب الرسول في موضع آخر : " إن كان أحد فيكم يظن أنه دين ؛ وهو ليس يلجم لسانه؛ فديانة هذا باطلة ".

    الروح القدس يعلمنا هذا جميعه ويلقننا أن ننفصل عما هو بخلاف الطبيعة ونحترس منه ؛ لأن التوبة هي التحول عن الخطية ؛ ولا توجد غير خطية واحدة ؛ بل إن الإنسان العتيق كله يُدعى خطية ؛ لذلك يقول الرسول: " ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون؛ ولكن واحداً يأخذ الجعالة " .

    فمن يكون هذا الواحد سوى ذاك الذي يصارع ويجاهد ببسالة وإقدام حسب المكتوب أيضاً : " وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء " .  فلنهتم إذاً بنفوسنا يا إخوتي ؛ وما هو هذا الاهتمام سوى أن ننطرح أمام صلاح ربنا يسوع المسيح ؛ الذي له السلطان على أعدائنا ليبطل إغراءاتَهم المضلة ؛ فالإنسان دم ولحم هو .

سكون القلاية :

    سُئل أيضاً : ما هو تدبير السكون في القلاية ؟

    فأجاب قائلاً : سيرة السكون في القلاية هي أن يطرح الإنسان نفسه أمام اللـه ؛ ويعمل قدر استطاعته على مقاومة جميع الأفكار الشريرة التي يعرضها عليه العدو ؛ فهذا هو الهروب من العالم .

العالم :

    وسُئل كذلك : ما هو العالم ؟

    فأجاب : العالم هو فعل الخطية والانجذاب إليها ؛ العالم هو تكميل أعمال مخالفة الطبيعة ؛ العالم هو تكميل مشيئات الجسد ؛ العالم هو الظن بأنك ستدوم في هذا الدهر ؛ العالم هو الاهتمام بالجسد أكثر من النفس ؛ العالم هو التفاخر بما ستتركه وتنصرف عنه .

    وما أقوله ليس من عندي ؛ بل هو قول يوحنا الرسول : " لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم ؛ إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب ؛ لأن كل ما في العالم شهوة الجسد ؛ وشهوة العيون ؛ وتعظم المعيشة ؛ وهذه ليست من الآب بل من العالم ؛ والعالم يمضي وشهوته ؛ أما الذي يصنع مشيئة اللـه فيثبت إلى الأبد " .

    " أيها الأولاد لا يضلكم أحد من يفعل البر فهو بار كما أن ذاك بار ؛ من يفعل الخطية فهو من إبليس لأن إبليس من البدء يخطئ " { 1يو 3 : 7 ، 8 } . " لأن محبة العالم عداوة للـه " { يع 4 :4 } .

    والرسول بطرس لكي يجعل أولاده متغربين عن عالم الخطية قال أيضاً : " أيها الأحباء أطلب إليكم كغرباء ونزلاء ؛ أن تمتنعوا عن الشهوات الجسدية التي تحارب النفس " { 1 بط 2 : 11 } .

   وربنا المحبوب يسوع عالماً أنه التزام على الإنسان أن يهجر عالم الخطية؛ لكي يشدد خواصه قائلاً : " رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء "
{ يو 14 : 30 } ؛ وأيضاً : " العالم كله قد وضع تحت سلطان الشرير " { 1يو 5 : 19 } ؛ كما قال عن خواصه : " أنا اخترتكم من العالم " ؛ فمن أي عالم أختارهم ؛ سوى من كل حركة وانجذاب للخطية .

الهروب من العالم لأتباع يسوع :

    فمن يروم أن يصير تلميذاً ليسوع عليه أن يهرب من الأوجاع ؛ لأنه إذا لم يقطعها لا يستطيع أن يكون مسكناً للـه ؛ ولن يعاين عذوبة لاهوته ؛ ما لم يتحول عنها .

    لأن يسوع نفسه يقول : " سراج جسدك هو العين ؛ فمتى كانت عينك بسيطة ؛ فجسدك كله يكون في النور ؛ أما إذا كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون في الظلمة " .

    فهو يعتبر أنه ما لم يشفى الروح من الشر ؛ لا تقدر أن تعرف نور اللاهوت ؛ لأن الشر يصنع حاجزاً معتماً للروح ويجعل النفس مقفرة ؛ كما هو مكتوب في الإنجيل:" ليس أحد يوقد سراجاً ويضعه تحت مكيال؛ بل يضعه على منارة ؛ لكي ينظر الداخلون النور " { لو 8 : 16 } .

    فنقول أن المكيال هو طغيان هذا العالم ؛ فما دامت الروح تعيش في مخافة الطبيعة ؛ فمصباح اللاهوت لا يستطيع أن يضئ بداخلها ؛ وحينئذ تعرف الذين في المنزل فتطرد من ينبغي طردهم ؛ وتحتفظ بمن ينبغي أن يعيشوا معها في سلام .

    لهذا يُعلم يسوع ذوي الأرواح المستنيرة بوصايا لاهوته قائلاً : " أقول لكم أيها السامعون : أحبوا أعدائكم ؛ احسنوا إلى مبغضيكم ؛ باركوا لاعنيكم ؛ صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم ؛ من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضاً ؛ ومن أخذ ردائك فلا تمنعه ثوبك أيضاً؛ وكل من سألك فأعطه ؛ ومن أخذ الذي لك ؛ فلا تطالبه " .

    وقال هذا لمن تركوا العالم لأنَهم تجردوا من كل ما يخص هذا الدهر وصاروا متأهبين أن يتبعوا مخلصهم .

    أولئك هم الذين أحبهم يسوع محبة كاملة وقال لهم : " قوموا ننطلق من ها هنا " { يو 14 : 31 } ؛ فإلى أين يأخذهم لما قال لهم قوموا ننطلق من ها هنا ؟ أليس أنه سيقودهم لكي يعتزلوا عن أعمال هذا الدهر؟ ويعطيهم الراحة في ملكوته ؟

    لذا يقول لهم مشدداً إياهم : " أنا الكرمة وأنتم الأغصان ؛ أثبتوا فيَّ كما أنا فيكم ؛ كما أن الغصن لا يقدر أن يأتي بثمر من ذاته إن لم يثبت في الكرمة ؛ كذلك أنتم أيضاً إن لم تثبتوا فيَّ .

    لقد قال هذه الأقوال للذين هجروا العالم ؛ لأن الروح فيهم يسكن قلوبَهم ؛ لذلك يقول : " لا أترككم يتامى إني آتي إليكم " .

    ترك العالم يعني قطع الأوجاع :

    فإن كنت يا أخي تقول إنك قد تركت العالم ؛ وتُوجد مرتبكاً بأعمال العالم ؛ فأنت إذاً لم تتركه بعد ؛ بل تخدع نفسك .

    لقد أعطى الرب هذه العلامة لأولئك الذين تركوا العالم : " من أحب نفسه يهلكها ؛ ومن أهلكها من أجلي يخلصها " { مت 10 : 39 } ؛ فكيف يهلك نفسه إلا بقطع جميع مشيئاته الجسدية ؟

    وأيضاً : " من لا يحمل صليبه ويتبعني ؛ لا يقدر أن يكون لي تلميذاً " ؛ فأي صليب يريدنا أن نحمله ؛ سوى أنه ينبغي أن تسهر النفس بلا انقطاع؛ وتتمسك جيداً بالفضائل حتى لا تنزل من على الصليب ( أي بعدم الخضوع للأوجاع ) إلى أن يقطعها الروح منها وتقوم في النهاية منتصرة ؟

    كما يعطي الرب علامة للذين تيقظوا قائلاً : " الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت ؛ فهي تبقى وحدها ؛ ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير " { يو 12 : 24 } .

    ويعزي الذين يموتون كحبة الحنطة قائلاً : " إن كان أحد يخدمني ؛ يكرمه الآب ؛ وحيث أكون أنا ؛ هناك أيضاً يكون خادمي " .

    فكيف يخدمون يسوع سوى ببغضهم لعالم الأوجاع ؛ وتكميلهم وصايا الرب؟ وإذ يحفظون وصاياه يستطيعون أن يجسروا على القول: " ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك ؛ فماذا يكون لنا ؟

    فيُظهر الرب لهم ما هو عتيد أن يكون لهم قائلاً : " أنتم الذين تبعتموني في التجديد ؛ متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده ؛ تجلسون أنتم أيضاً على أثني عشر كرسياً ؛ وتدينون أسباط إسرائيل الأثى عشر ؛ وكل من ترك إخوة أو أخوات ؛ أو أباً أو أماً ؛ أو امرأة ؛ أو حقولاً أو بيوتاً من أجل اسمي ؛ يأخذ أضعافاً كثيرة ويرث الحياة الأبدية " .

ضرورة التجرد الكامل :

    إن معلمنا المحبوب يسوع لعلمه أن الإنسان ما لم ينعتق من كل اهتمام لا يستطيع أن يُصعد عقله على الصليب ؛ أمر أن يترك عنه كل ما من شأنه أن يجتذبه أو يسمح بنزول عقله من على الصليب .

    وهذا يشرح علة كلامه لذلك الذي أتى إليه قائلاً : " أتبعك يا سيد ؛ ولكن ائذن لي أولاً أن أرتب أمور بيتي " { لو 9 : 61 } ؛ فيسوعنا المحبوب لما كان يعلم أنه إذا عاد ليراهما فإن قلبه سيميل إليهما من جديد ؛ وأنَها ستشغل اهتمامه تحت أسباب تبدو أنَها جيدة ؛ لذلك منعه من الذهاب قائلاً : " ما من أحد يضع يده على المحراث ويلتفت إلى الوراء يصلح لملكوت السماوات " { لو 9 : 62 } .

    وحين صنع عشاءً عظيماً لابنه ؛ أرسل عبيده داعياً المدعوين ؛ لكنهم لم يستطيعوا الدخول بسبب المحبة التي كان يكنها كل منهم لهذا العالم .

    فقال بحزن : " إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته؛ حتى نفسه أيضاً؛ فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً".

    وقال هذا لكي ندرك أن من أراد أن يدخل ملكوته ؛ ما لم يقرر في نفسه أولاً أن يبغض كل ما يشد قلبه إلى العالم ؛ فلن يستطيع أن يدخل الملكوت الذي يبتغيه .

الإيمان ينبغي أن تصاحبه الأعمال :

    لقد حزرنا الرب من الاتكال على الإيمان وحده بغير أعمال ؛ بقوله : " فلما دخل الملك ليفحص المتكئين لاحظ هناك إنساناً لم يكن لابساً لباس العرس .. .. وأمر أن يطرحوه في الظلمة الخارجية " { مت 22 : 11 ، 12 } ؛ فهم قد دخلوا تحت اسم المسيحيين ؛ لكنهم طرحوا خارجاً ؛ إذ لم تكن لهم أعمال .

    والرسول إذ كان يعلم أنه لا يمكن حب أمور اللـه وتلك التي للعالم معاً ؛ كتب لابنه تيموثاوس يقول : " ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة المدنية ؛ إن كان يريد أن يرضي من جنده " .

    وأيضاً : " إن كان أحد يجاهد لا يأخذ الإكليل إن لم يجاهد قانونياً " . ولكي يثبته في الرجاء أن هذه الأتعاب لن تذهب سدى قال : " يجب أن الحراث الذي يتعب يشترك هو أولاً في الأثمار " { 2تي 2 : 4 ، 5 } .

     وإذ يكتب لآخرين يقول : " غير المتزوج يهتم في ما للرب ؛ أما المتزوج فيهتم في ما للعالم " { 1كو 7 : 32 } ؛ فأي عقاب يستحقه إذاً من لم يكن متزوجاً ويهتم بأمور العالم ؛ لأن من له مثل هذا الاهتمام سوف يسمع ذلك الصوت المخيف القائل : " اطرحوه في الظلمة الخارجية؛ هناك يكون البكاء وصرير الأسنان " { مت 22 : 13 } .

    فلنعمل قدر استطاعتنا يا إخوة لكي نلبس ثوب الفضائل لكي لا نُطرح خارجاً ؛ لأنه ليس عند اللـه محاباة في ذلك اليوم ؛ ولهذا يقول الرسول لأولاده : " الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت اللـه " .

    ولعلمه أن ليست شكاية على الذين استحقوا أن يقوموا متحررين من الأوجاع المائتة ؛ يُظهر لهم ثمار الروح التي هي : " محبة ؛ فرح ؛ سلام ؛ طول أناة ؛ لطف ؛ صلاح ؛ إيمان ؛ وداعة ؛ تعفف ؛ صبر ؛ ضد أمثال هذه ليس ناموس " { يو 15 : 5 ، 6 } .

    وربنا المحبوب يسوع إذ يبين لنا أن الأعمال ينبغي أن تستعلن في ذلك اليوم ؛ يقول : " كثيرون سيطلبون أن يدخلوا ولا يقدرون ؛ من بعد ما يكون رب البيت قد قام وأغلق الباب ؛ ويقول للذين يقرعون : " لا أعرفكم " { يو 15 : 2 } .

    ولا يمكننا أن نقول بأن اللـه يجهل شيئاً ما ؛ حاشا للـه ؛ بل لأنه لا يعرف الفضائل المجيدة لدى أولئك الذين يقرعون قائلين : " ربنا ربنا أفتح لنا ؛ فيقول : " لا أعرفكم " .

    كما أن الرب يُظهر لنا أيضاً حال أولئك الذين لهم إيمان دون أن يكون لهم أعمال قائلاً : " أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان ؛ الذي يثبت فيَّ أنا أيضاً أثبت فيه ؛ من لا يثبت فيَّ يُطرح خارجاً كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيُحرق " { يو 17 : 9 } ؛ كما أنه ينقي الذي يأتي بثمر جيد ؛ ليأتي بثمر أفضل " .

    ولكي يوضح لنا أيضاً أنه لا يحب أولئك الذين يكملون مشيئتهم الجسدية يصلي قائلاً : " لستُ أسأل من أجل العالم بل من أجل الذين أعطيتني لأنَهم لك ؛ وقد أخرجتهم من العالم " .

    ولأن " العالم يحب خاصته " قال أخيراً : " أيها الآب أحفظهم من الشرير لأنَهم ليسوا من العالم " { 1يو 3 : 12 } .

    فلنفحص نفوسنا إذاً يا إخوتي : هل نحن من العالم أم لا ؟ فإذا لم نكن من العالم ؛ فهو يحفظنا من الشرير ؛ لأنه قال : " لستُ أسأل من أجل هؤلاء فقط ؛ بل أيضاً من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم ؛ ليكون الجميع واحداً ؛ كما أننا نحن واحد " { 1يو 3 : 22 } ؛ وأيضاً : " حيث أكون أنا ليكونوا هم أيضاً معي " { 1يو 3 : 13 ، 14 } .

أقوال خلاصية :

    فانظر الآن بأي حب قد أحبنا ؛ نحن الذين جاهدنا ضد هذا العالم وأبغضنا مشيئات قلبنا الجسدية ؛ لأننا سوف نحيا معه إلى الدهر والرسول يوحنا إذ تأمل هذا المجد العظيم قال : " نعلم أنه إذا ظهر سنكون مثله " ؛ " إن كنا نحفظ وصاياه ونعمل الأعمال المرضية أمامه " .

    كما يقول الرسول : " لا تتعجبوا يا إخوتي إن كان العالم يبغضكم نحن نعلم أننا قد انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة " ؛ ويقول أيضاً: " كل من لا يفعل البر فليس من اللـه ؛ وكذا من لا يحب أخاه " ؛ وأيضاً : " كل من يصنع البر فهو من اللـه ؛ ومن يفعل الخطية فهو من إبليس " ؛ وكذلك : " المولود من اللـه لا يخطئ ؛ لأن زرعه يثبت فيه ؛ ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من اللـه .

    فلنعمل إذاً يا إخوتي قدر استطاعتنا بمؤازرة هذه الشهادات لعل صلاحه يشفق علينا ويمنحنا القوة لنطرح عنا ثقل هذا العالم الدنس .

    أما عدونا فلن يسكت ؛ إذ هو يتعقبنا كل حين ؛ ملتمساً أن يأسر نفوسنا ؛ لكن ربنا يسوع هو معنا وهو الذي يصده بأقواله المقدسة ؛ إن كنا نحفظها ؛ لأنه كيف يُحجز العدو ؛ أو ما الذي يقوى عليه غيرُ تلك الكلمات عينها التي قالها اللـه ضده ؟ فهي التي تقف مقابله ونصرعه بقوتِها ؛ دون علم الإنسان .

    ويعلمنا الرسول بطرس ويبين لنا ؛ أن الأعمال تخلص الإنسان من خلال هذه الأقوال : " قدموا في إيمانكم فضيلة ؛ وفي الفضيلة معرفة ؛ وفي المعرفة تعففاً ؛ وفي التعفف صبراً ؛ وفي الصبر تقوى ؛ وفي التقوى مودة أخوية ؛ وفي المودة الأخوية محبة ؛ لأن هذه إن كانت فيكم وكثرت تصيركم لا متكاسلين ولا غير مثمرين لمعرفة ربنا يسوع المسيح ؛ لأن الذي ليس عنده هذه هو أعمى قصير البصر ؛ قد نسى تطهير خطاياه السالفة " .

    كما يقول يوحنا المعمدان : " اصنعوا أثماراً تليق بالتوبة ؛ والآن قد وُضِعت الفأس على أصل الشجر ؛ فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى في النار .

    كذلك فإن معلنا يسوع يقول : " من الثمر تعرف الشجرة " ؛ هل يجتنون من الشوك عنباً ؛ أو من الحسك تيناً ؟ " ؛ وأيضاً : " ليس كل من يقول لي يارب يارب يدخل ملكوت السماوات ؛ بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات " .

    وفي موضع آخر يقول يعقوب الرسول : " الإيمان بدون أعمال ميت .. .. والشياطين أيضاً يؤمنون ويقشعرون .. .. لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت ؛ هكذا الإيمان أيضاً بدون أعمال ميت " .

    والرسول إذ يؤكد مرة أخرى لأولاده أن الإيمان يلزمه الأعمال يوصيهم بشدة أنَّ : " الزنا وكل نجاسة فلا ينبغي أن يسمى بينكم كما يليق بقديسين .. .. بل بالحري الشكر . فإنكم تعلمون هذا أن كل زان أو نجس أو طماع الذي هو عابد للأوثان ؛ ليس له ميراث في ملكوت المسيح واللـه " .

    ثم يعود ويؤكد قائلاً : " لا يغركم أحدٌ بكلام باطل ؛ لأنه بسبب هذه الأمور يأتي غضب اللـه على أبناء المعصية ؛ فلا تكونوا شركائهم . لأنكم كنتم قبلاً ظلمة ؛ وأما الآن فنور في الرب ؛ اسلكوا كأولاد نور لأن ثمر الروح هو في كل صلاح وبر وحق " .

    وأيضاً : " ليرفع من بينكم كل مرارة وسخط وغضب وصياح مع كل خبث " . لأنه يقول : " كونوا متمثلين بي كما أنا أيضاً بالمسيح " . " لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح " .

المسيح يقبل إليه الذين تطهروا بواسطة التوبة :

    فلنفحص ذواتنا يا إخوة ؛ هل لبسنا المسيح أم لا ؟ المسيح يُعرف في القداسة ؛ لأنه قدوس ويستريح في القديسين ؛ فكيف يصير الإنسان طاهراً سوى بأن لا يعود إلى اقتراف الشر الذي كان يعمله ؟

    لأن هذا هو صلاح اللـه ؛ أنه في اللحظة التي يتحول فيها الإنسان عن خطاياه ؛ يقبله اللـه بفرح دون أن يحسب عليه خطاياه القديمة ؛ كما كُتب في الإنجيل من أجل الابن الأصغر الذي بذر ميراثه في عيشة مسرفة ؛ وانتهى به الحال إلى رعاية الخنازير ؛ حيث كان يشتهي أن يشبع من طعامها ؛ ثم لما تاب أدرك مما فعله أن الإنسان لا يشبع من خطاياه ؛ بل أنه كلما تمادى في فعلها ؛ كلما ألتهب بداخله بالأكثر .

    فلما قرعت التوبة داخله لم يترك يوماً يطوي آخر ؛ لكنه عاد إلى أبيه بإتضاع ؛ تاركاً عنه كل مشيئاته الجسدية .

    إذ آمن أن أباه رحيم ولن يحسب عليه ما فعله ؛ لهذا أمر أبوه حالاً أن حلة الطهارة وعربون البنوة ؛ وقد قال لنا معلمنا يسوع المسيح ذلك لكي إذا رجعنا إليه نترك أولاً طعام الخنازير ؛ وعندئذ يقبلنا لأننا نصير أطهاراً .

مداومة الصلاة :

   ولكي يحثنا الرب على الرجوع إليه ؛ يشجعنا قائلاً : " كان في مدينة قاض لا يخاف اللـه ولا يهاب إنساناً ؛ وكان في تلك المدينة أرملة ؛ وكانت تأتي إليه قائلة أنصفني من خصمي؛ وكان لا يشاء إلى زمان ..."؛ ولكن لما حان الوقت ؛ لم يتأخر بل صنع لها حالاً ما أرادت " .

   قال الرب ذلك لكي لا تصاب النفس بالضجر أو تقول متى سيسمعني اللـه ؟ لأنه يعرف متى يصير طالبوه مستحقين أن ينصفهم وحينئذ يستجيب سريعاً .

   فلنثبت إذاً بكل قلوبنا ولا نمل في صلواتنا وهو يستجيب لنا سريعاً ؛ لأنه هو نفسه قال : " اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم " .

    فإذا كنا نسأل أيها الإخوة أو نطلب منه لأن الذي مضى إلى صديقه في منتصف الليل أزعجه قائلاً : " أقرضني ثلاثة خبزات لأن صديقاً لي جاءني من سفر ؛ وداوم على القرع ؛ فأعطاه قدر ما احتاج .

    فلنطرح عنا إذاً يا إخوة الكسل؛ ولنعود أنفسنا على مثل هذه الجسارة؛ حتى إذ يرى مثابرتنا يعطينا ما نطلبه ؛ لأنه رؤوف ويشتهي توبة الإنسان كالمكتوب:"الحق أقول لكم أنه يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب"

نحو المحبة الكاملة من خلال الصليب :

    وهكذا يا إخوتي طالما نتمتع بمثل هذه الشفقة ؛ وبغنى مراحم الرب فلنجتهد بكل قلوبنا ما دمنا في الجسد ؛ لأن قليلة هي أيام حياتنا .

    فإذا كنا نجاهد فسوف نرث الفرح الأبدي الذي لا ينطق به .

    أما إذا عدنا إلى وراء نصير كذلك الشاب الذي سأل الرب يسوع عما يفعله لكي يخلص ؛ فأجابه قائلاً : بع كل مالك وأعطه الفقراء ؛ واحمل صليبك واتبعني .

    مبيناً لنا أن الخلاص يكون بقطع المشيئة ؛ لأنه لما سمع ذلك صار حزيناً جداً ومضى . فقد أدرك أن توزيع ممتلكاته على الفقراء ليست فيه مشقة تذكر ؛ بقدر كل ما هو في حمل الصليب ؛ لأن توزيع الممتلكات على الفقراء ما هو إلا فضيلة واحدة والإنسان يكملها بحمله الصليب ؛ أما الصليب فهو إبطال كل الخطايا ؛ وهو يولد المحبة ؛ فليس هناك صليب بدون محبة .

    كذلك فإن الرسول إذ يعرف أنه توجد فضائل زائفة ؛ تخلو من المحبة ومن الكمال ؛ يقول : " إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ؛ ولكن ليست لي محبة ؛ فقد صرت نحاساً يطن أو صنجاً يرن . إن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى أحترق ولكن ليست لي محبة فلا أنتفع شيئاً . المحبة تتأنى وترفق ؛ المحبة لا تحسد ؛ المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ؛ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ؛ ولا تحسد ولا تظن السوء " .

    فالذي يروم أن يسلك طريق المحبة ؛ ينبغي ألا ينشغل بإنسان صالحاً كان أم رديئاً ؛ حينئذٍ يسكن قلبه الاشتياق إلى اللـه ؛ وهذا الشوق يلد فيه الغضب الذي بحسب الطبيعة ؛ الذي يقاوم كل ما يزرعه العدو . عند ذلك يجد ناموس اللـه فيه مكاناً مختاراً ؛ وبواسطة المخافة تستعلن فيه المحبة ؛ حينئذٍ يستطيع هذا الإنسان أن يقول بنفس الجرأة مع الرسول : إني مستعد ليس أن أربط فقط بل أن أموت أيضاً لأجل اسم الرب يسوع " .

     طوبى للنفس التي اقتنت مثل هذه المحبة ؛ إنَها تصير عادمة الأوجاع .

    فليجاهد كل واحد قدر استطاعته .

مثل لعازر :

    لقد خرجنا من العالم يا إخوتي ؛ فلنعرف أين نحن ؟

    إن الرب يسوع رحيم ؛ لذلك يمنح الراحة لكل واحد قدر جهاده ؛ العظيم على قدر عظمته ؛ والصغير على قدر صغره ؛ بحسب القول : " في بيت أبي منازل كثيرة " . لأنه إن كان لا يوجد غير ملكوت واحد إلا أن كل واحد فيه مكانه ورتبته .

    فلنجاهد إذاً مقابل كسلنا يا إخوتي ؛ ولننفض عنا أكفان الظلمة أي الغفلة والنسيان ؛ فنعاين نور التوبة .

    فلنقتن في أنفسنا مرثا ومريم ؛ أي الإماتة والنوح ؛ وهما اللتان بكتا أمام المخلص لكي يقيم لعازر ؛ أي النفس (العقل) المربوطة مضاعفة بأربطة المشيئات الخاصة ؛ لأنه تحنن وأقامه لهما ؛ لكنه ترك لهم أن يفكوه ويطلقوه ؛ فلما أنفك لعازر ؛ عندئذ ظهرت غيرة مرثا ومريم ؛ وأخيراً وُجد لعازر بغير هم جالساً على المائدة مع يسوع ؛ بينما مرثا تقوم بخدمته بغيرة وفرح ؛ ومريم تحمل القارورة المملوءة طيباً تدهن به قدمي الرب .

    فلنجاهد يا إخوتي كاستطاعتنا ؛ والرب يساعدنا ككثرة رحمته ؛ فإذا لم نحفظ قلوبنا على مثال ما عمل آباؤنا ؛ فعلى الأقل لنعمل قدر قوتنا ؛ لنحفظ أجسادنا بغير خطية كمشيئة اللـه ؛ واثقين أنه في زمان الضيقة الآتية سيتحنن اللـه علينا كما تحنن على قديسيه ؛ لأن مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر ؛ ونجماً يمتاز عن نجم . وجميعها مع ذلك في السماء المقدسة عينها ومجدها وكرامتها تخصه . من الآن وإلى الأبد . آمين .

الميمر الثاني والعشرون

سيرة الإنسان الجديد

 

    يا إخوتي الأحباء إن العبراني يعرف من ثلاثة أمور : الختان ؛ والفصح ؛ والسبت .

الختان :

    مكتوب في التكوين : " ابن ثمانية أيام يُختتن كل ذكر في أجيالكم ؛ وليد البيت والمبتاع بالفضة ؛ والذي لا يُختتن يُقطع من شعبه . إنه إن نكث عهدي { تك 17 : 12 ـ 14 } .

    إبراهيم أختتن أولاً ؛ هذه هي العلامة أن اليساري قد مات فيه ؛ هذا هو الرمز الذي أعطي للقدماء عن الإنسان الجديد الذي أظهره الرب يسوع المسيح في جسده المقدس ؛ أما الإنسان العتيق ( أي الذي يغطي عضو الرجولة ) قد أختتن ودفن .

    وعن هذا يقول الرسول : " وبه أيضاً ختنتم ختاناً غير مصنوع بيدٍ ؛ بخلع جسد خطايا البشرية بختان المسيح ؛ مدفونين معه الآن في المعمودية التي فيها أقمتم أيضاً معه بإيمانكم بقوة اللـه ". { كو 2 : 11 ، 12 }.

    وأيضاً : " ينبغي أن تخلعوا مع تصرفكم السابق ؛ الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور ؛ لتتجددوا بتغيير أذهانكم وتلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب اللـه في البر وقداسة الحق " { أف 4 : 22 ـ 24 } . وأيضاً : " لكي تموتوا عن الخطايا وتحيوا للبر " { 1بط 2 : 24 } .

    هذا عن الختان ؛ فالذي ليس له هذا فهو لم يُختتن بعد ولا هو عبراني ؛ لأنه نكث العهد الذي ثبَّته الرب يسوع بدمه الثمين .

الفصح :

    أما الفصح المقدس ؛ فهناك أمور عظيمة نقولها فيه ؛ فالختان أولاً والفصح ثانياً ؛ والسبت ثالثاً ؛ لأنه قيل لموسى : " هذه هي فريضة الفصح كل ابن غريب لا يأكل منه ؛ وكل عبد مبتاع بالفضة لا يأكل منه ؛ بل تختن كل عبد مبتاع بالفضة وهكذا يأكل منه ؛ والذي لا يُختن فلا يأكل منه ؛ في بيت واحد تأكلونه ؛ وأحقاؤكم مشدودة وأحذيتكم في أرجلكم وعصيكم في أيديكم " . { خر 12 : 43 ـ 48 } .

    كما كان مستحيلاً أن يؤكل الفصح دون أن يكون مشوياً بالنار ومع فطير ؛ وعلى أعشاب مرة . فهو لم يقل : " ومناطقكم على أحقاءكم . حتى يظن أحد أنه يتكلم بخصوص المناطق ؛ بل يقول: " منطقوا أحقاءكم" فهو يتكلم إذاً عن الطهارة الخالصة من كل وجع يختص بعلاقة جسدية في النجاسة .

    كما يذكر الأحذية من أجل الاستعداد والهرب من كل وخز يجرح الضمير ؛ ويعوق الروح من الرؤيا والتأمل في النقاوة ؛ أما العصا فهي شجاعة الرجاء للسير في الطريق بلا خوف ؛ لدخول أرض الموعد .

    تلك هي الأمور التي بِها يحتفلون للسبت : علامة الدم ؛ ترمز إلى دم ربنا يسوع المسيح عندما يأتي في مجيئه الثاني ويقتاد بني إسرائيل إلى ميراثهم إذ يظهرون مستعدين وممسوحين ؛ وعلامته واضحة على نفوسهم ؛ أما باقة الزوفا فهي تشير إلى الإماتة لأنه قيل : " تأكلونه على أعشاب مرة " .

    فأفحص نفسك إذاً يا أخي : هل أنت مختون ؟ هل مَسحت قوائم بيتك بدم الخروف الذي بلا عيب ؟ هل تَحوَّلت عن كل فكر أرضي ؟ وهل استعديت للمسير بلا خوف للدخول إلى أرض الموعد ؟

السبت :

    هناك أمور عظيمة نقولها تخص السبت :

    فالسبت يخص أولئك الذين استحقوا الختان الحقيقي ؛ وأكلوا الفصح المقدس ؛ وخلصوا من المصريين وشاهدوهم يغرقون في البحر الأحمر .

   لقد عيّدوا السبت بعد عبوديتهم المرة ؛ فقد قال اللـه لموسى : " ستة أيام تعمل ؛ وفي السابع سبت راحة الرب كل من يصنع عملاً في يوم السبت يقتل " . { خر 20 : 29 ؛ 31 : 15 } .

    أما ربنا يسوع نفسه فقد أحتفل للسبت الحقيقي وعلم خواصه كيف ينبغي أن يحتفلوا به حين صعد على الصليب يوم الاستعداد وأكمل كل استعداده قبل أن يصعد عليه أي بالآلام التي احتملها من أجلنا وعاناها في الخشبة مسمراً ذاته دون أن ينفك أو ينحل ما دامت فيه نسمة .

    وإذ صرخ " أنا عطشان " قدموا له إسفنجة من الخل ؛ فلما ذاق قال : " قد أكمل " وإذ نكس رأسه " سلم الروح " فأنزلوه دون أن يتحرك مقدِّساً بذلك السبت بحق .

    أخيراً دخل الرب يسوع راحته في اليوم السابع ؛ وباركه لأنه فيه استراح حقاً من جميع أعماله التي أبطل بِها الأوجاع البشرية كقول الرسول : " إذ دخل راحته استراح من جميع أعماله ؛ كما اللـه من أعماله " .

مَن يحمل حمل الرذائل ؛ يتعدى على السبت :

    هذا هو السبت الحقيقي ؛ والذي لا يحتفل به ليس بيهودي ؛ فإرميا النبي يبكي على الشعب ويقول لهم : " لا تحملوا حملاً يوم السبت ؛ ولا تخرجوا من أبواب أورشليم حاملين أحمالاً يوم السبت " .

    يا لشقائي أنا البائس ؛ مخالف الوصايا المقدسة ؛ أنا الذي أحمل أحمالاً ثقيلة يوم السبت ؛ مع أني مُتُّ معه ودُفنت معه وعيَّدتُ للسبت معه .

    فما هي تلك الأحمال الثقيلة التي أحملها والتي أصنعها ؟ الغضب حمل ثقيل ؛ الحسد ؛ والبغضة ؛ والمجد الباطل ؛ والأغتياب ؛ الذم ؛ الاحتداد ؛ العظمة ؛ تبرير الذات ؛ الانفعال ؛ الخصام ؛ محبة الذات ؛ الحقد ؛ هذا بالنسبة للجسد .

    فالشره ؛ محبة الجسد والتزين ؛ والتنعم ؛ الشهوة الرديئة ؛ والانحلال ؛ وجميع هذه الأمور وما يشبهها أبطلها الرب يسوع من جسد القديسين ؛ إذ قتلها جسده ؛ مبطلاً ناموس الوصايا مع فرائضها ؛ فهذا هو السبت المقدس .

    فالذي يحمل هذه الأحمال الثقيلة ؛ ويعملها يوم السبت ؛ كيف أن يقول : "  أنني يهودي حقيقي " ؟ إن هذا الإنسان يخدع نفسه ؛ إذ ليس له سوى الاسم فقط ؛ ولم ينل شيئاً من يسوع ؛ لأنه ما يزال ينكره في سلوكه الخاص ؛ إذ أقام ما كان قد أماته ؛ وأحيا من جديد ما كان قد دفنه ؛ ولم يظهر كعبراني حقيقي ؛ بل كإنسان مخادع لم يُختن ولم يحتفل بالسبت بعد .

الإسرائيلي الحقيقي :

    عندما يدخل الرب يسوع مجده سيُدخل معه إلى ملكوته الأبدي ؛ من بني إسرائيل كلَّ الذين اختتنوا له ؛ أولئك الذين جمعهم من كل الشعوب ؛ حسبما قال الرسول : " إن القساوة قد حصلت جزئياً لإسرائيل إلى أن يدخل ملئ الأمم " . وأيضاً : " فكل الذين يسلكون بحسب هذا القانون ؛ عليهم سلام ورحمة وعلى إسرائيل اللـه " .

    ترى إذاً أن إسرائيليو اللـه ؛ هم أولئك الذين لهم ختان القلب وحفظ السبت وإبطال الخطية ؛ إذ يقول الرسول أيضاً : " لأن اليهودي في الظاهر ليس يهودياً ؛ ولا الختان الذي من الظاهر ختاناً ؛ بل اليهودي في الخفاء هو ؛ وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان .

نور سيرة الرب :

    لننتبه لأنفسنا يا إخوتي ؛ فإلى متى ثقل قلوبنا ؛ ونُهلك أتعابنا بسبب تَهاوننا ؛ غير عالمين أن عدونا هو فينا يتملقنا ويجتذبنا كل يوم أن يفسح لعيوننا أن تبصر شيئاً من نور اللاهوت .

    أمتحن نفسك أيها الإنسان الشقي؛ يا من تعمدت في دم المسيح ولموته؛ ما هو الموت الذي ماته ؟ إن كنت تتبع إثر خطواته أرني أسلوب حياتك . أنه لا يخطئ ؛ ويقدم لك نفسه مثالاً في كل شيء .

    لقد سار في فقر ؛ ألا تحتمل أنت الفقر ؟ لم يكن له أين يسند رأسه ؛ وأنت أفلا تحتمل بل وتفرح أن تكون متغرباً ؟ أحتمَّل الإهانات ؛ أفلا تحتمل إساءة واحدة ؟ هو لم يكافِئ عن الشر ؛ وأنت ألا تحتمل أن لا تكافئ ؟ عندما تألم لم يغتظ ؛ أما نحن فنغضب إذا ما تألمنا .

    مكث هادئاً حين أهين ؛ وأنت تقلق ولو لم تصبك إهانة . كان يتضع ويعزي الذين يخطئون إليه ؛ أما أنت فتجرح بكلامك حتى الذين يحبونك ؛ هو كان يحتمل الضيقات بفرح ؛ أما أنت فتنزعج لأقل خبر غير مقبول ؛ كان وديعاً مع الذين سقطوا في الخطايا ؛ وأنت تتشامخ على من هم أفضل منك .

    لقد سلم نفسه للذين أخطئوا ضده لكي يفديهم ؛ وأنت ليست لك استطاعة أن تبذل ذاتك من أجل الذين يحبونك .

    هذا هو ما أعطاك إياه ؛ وأنت فماذا قدَّمت له ؟ اعرفه من أعماله ؛ واعرف نفسك من أعمالك ؛ إن كنت قد مُت معه فمن الذي يرتكب هذه الخطايا ؟

نور الوصايا :

   فلننتبه يا أحبائي كما ينبغي إلى وصاياه المقدسة ؛ ولنقطع مشيئتنا ؛ فنرى نور الوصايا ؛ إن كنا نحب الذي يكرمنا ؛ فما الذي نفعله أفضل من الوثني ؟ أتصلي من أجل الذين يُحسنون إليك ؟ إن العشارون يفعلون ذلك أيضاً ؛ إذا كنت تُسَرُ بالذي يمدحك ؛ فاليهودي يفعل ذلك على السواء .

   فما هو الفضل الذي تفعله أنت الذي قد مُتَّ للخطية وتحيا في المسيح يسوع ؟ إن كنت تحب فقط من يطيعك ؛ فما الذي تفعله أفضل مما يفعله الشرير ؟ " إذ أنه يفعل هذا أيضاً مثلك " .

   إن كنت تبغض الذي يسئ إليك أو يعصاك أو يحتد عليك فأنت تماثل الوثني ؛ لقد كان يجب عليك بالأحرى أن تصلي من أجله لكي ينال الغفران ؛ أما إذا كنت تسخط على من يشتمك ؛ فأنت تماثل العشار الذي يفعل ذلك أيضاً .

فحص النفس وذكر الدينونة القادمة :

    أمتحن نفسك إذاً يا من قد اعتمدت لأسمه القدوس ؛ هل هذه هي الأعمال التي بِها استعلن لنا ؟ أم كيف يمكنك أن تظهر في يوم مجده وتُطل ما لم تحصل ( ههنا ) على إكليل النصرة مقابل الأوجاع التي أنتصر عليها مَلِكَك من قبل ؛ مقدماً نفسه مثالاً . لأنه عندما يستعلن في مجده ؛ وهو ملك الملوك ورب الأرباب ؛ سوف يظهر أمام نظر جميع الشعوب في مجده العظيم ؛ حاملاً آثار ما أحتمله من أجلنا .

    بينما ستظهر أنت دون أن تُرى في جسدك أية سمة لآلامه ؛ نعم سيقول لك : " لستُ أعرفك " . بينما ترى جميع القديسين الذين ماتوا لأجل اسمه حاملين علامته ؛ نلاحظ أنَهم احتملوا الشر ولم يكافئوا عنه ؛ دمهم هو الذي يصرخ " أنتقم لنا من الساكنين على الأرض " .

    أما من جهتي أنا الذي أحب كل أنواع الراحة فماذا أقول في ذلك اليوم ؛ أرى هناك الأنبياء والرسل والشهداء وغيرهم من القديسين الذين احتملوا العذابات الأليمة ؛ دون أن يردوا عليها أو يستسلموا للغضب بسببها ؛ مقتنعين أنَها ليست من مشيئة بشرية ؛ بل من شر الشيطان الذي كان يغضب مضطهديهم لكي يعاملوهم هكذا .

    أنَهم ما كانوا يحتدون على الذين يسلمونَهم للموت؛ أو يرجمونَهم ؛ أو يحرقونَهم ؛ أو يغرقونَهم ؛ بل كانوا يصلون من أجلهم لكي ينالوا الصفح؛ عارفين بالذي كان يغضبهم على أن يفعلوا بِهم هكذا ( أي الشيطان ) .

    أفحص نفسك جيداً أيها الأخ المحبوب؛ وأنظر ماذا تفعل لاحظ فكرك: هل أنت أمام اللـه ؟ إنك لن تستطيع أن تخفي شيئاً في تلك الساعة .

    فما يقوله الإنسان ؛ لا يقوله كما يريد ؛ بل حينئذٍ في القيامة ؛ يقوم كل إنسان متسربلاً بسيرته الخاصة مثل الثوب سواء كانت بارة أم أثيمة ؛ فالأفعال نفسها هي التي ستتكلم ؛ ومنها يعرف كل واحد موضعه هناك .

    طوبى لمن جاهد وخلع عنه كل ما من شأنه أن يجتذبه إلى جهنم؛ وليس ما يقوده نحو الملكوت فقد قال الرسول لأننا نعلم أنه إن نقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السماوات بناء من اللـه بيت غير مصنوع بيد أبدي .

    إن زمان عمرنا ليس شيئاً ؛ وها نحن ننخدع كل يوم من أيام حياتنا إلى أن تدركنا تلك الساعة فنبكي ونذرف الدمع إلى الأبد .

    فلهذا ينبغي ألا تفتر قلوبنا ؛ بل لنعمل قدر قوتنا بسهر واهتمام مبتهلين كل حين إلى صلاح اللـه لكي يعيننا ؛ ولا نستسلم للغضب تجاه الآخرين من أجل أقوال تقال بغير ترو وبدون تعمدٍ ؛ فلكونَهم غير كاملين يعملون كآلات في يد العدو ؛ وهم متغربون عن اللـه ؛ إلى أن يصيروا مرفوضين ويتركوا ميدان الجهاد .

الاتضاع وقطع المشيئة :

    اقتنوا يا إخوتي اتضاعاً في كل شيء ؛ احتملوا الإهانة بصبر ؛ واجتهدوا كل حين أن تطرحوا عنكم مشيئتكم ؛ لأن تمسك الإنسان بمشيئته يُهلك جميع الفضائل .

    أما مَن كانت أفكارهم مستقيمة فهو يقطع مشيئته بالوداعة ويخاف من التنازع كما من حيَّة ؛ لأن النزاع يهدم البناء كله ويظلم النفس فلا تعود ترى شيئاً من نور الفضائل ؛ فتيقظوا إذاً مقابل هذا الوجع اللعين الذي يمتزج بالفضائل ليهلكها .

    إن ربنا يسوع لم يصعد على الصليب قبل أن يطرد يهوذا من وسط تلاميذه ؛ لهذا فالإنسان إذا لم يقطع عنه هذا الوجع الرذيل لا يستطيع أن ينمو وفقاً لمشيئة اللـه ؛ وذلك لأن جميع الشرور تتبعه فهو يلد عدم الصبر والمجد الباطل .

    إن كل ما يبغضه اللـه يسكن في نفس المشاكس والمتصلف ؛ وكل ما يظنه أنه بحسب اللـه ؛ ما هو إلا كذب ؛ حسبما توضح جميع الأقوال الإلهية .

    من ثم أحكم على نفسك أولاً ؛ يتولد لك الاتضاع ؛ وأقطع مشيئتك لقريبك بمعرفة ؛ فهذا هو الاتضاع .

    النقاوة هي الصلاة للـه ؛ عدم تذكية الذات يفسح لك فرصة للبكاء ؛ عدم الإدانة هو المحبة ؛ طول الروح يكون بقطع الفكر السيئ ضد القريب؛ القلب المحب للـه لا يرد الإساءة ؛ جمع الفكر ( من الطياشة ) هو ألا تفكر فيما لا يعنيك ؛ المسكنة هي بساطة القلب؛ قمع الحواس هو السلام؛ الاحتمال هو الوداعة ؛ الرحمة هي الصفح .

    والذي يأتي بك إلى هذه كلها هو قطع مشيئتك ؛ فهو يؤلف بين الفضائل ؛ ويجعل الذهن بغير اضطراب .

    ومجمل القول إنني ما رأيت في جميع الأسفار الإلهية أن اللـه يريد من الإنسان شيئاً سوى أن يتضع في كل شيء لقريبه ؛ ويقطع مشيئته في كل أمر ؛ وأن يبتهل بلا انقطاع إلى اللـه طالباً يد المعونة ؛ وأن يحفظ عينه من نوم الغفلة وضلالة السبي ؛ لأن طبيعة الإنسان رديئة مائلة للتغيير .

    فاللـه هو الذي يحفظنا ؛ ولديه القوة التي تؤازرنا ؛ وهو الملجأ الذي يحمي فقرنا؛ ومن عنده التوبة التي تردنا إليه ؛ له الشكر لكي ينعم به علينا؛ فهو الذي يمنحنا نعمة الشكر والتسبيح له ؛ ومنه الحماية التي تحفظنا من أيدي أعدائنا . له المجد والكرامة إلى دهر الدهور . آمين

 

أقوال إضافية :

    هذه الأمور تلد الخصام وتخرب النفس بلا شفقة : كثرة الكلام ؛ الأحاديث الملتوية ؛ رياء الأقوال لأرضاء كل أحد ؛ الدالة الرديئة ؛ المداهنة والصفاقة ؛ والنفس المغلوبة لهذه عاقرة من الفضيلة .

    فإن كانت النفس بعد هذا كله لا تبذل جهدها لنيل كل فضيلة فهي لن تستطيع أن تدرك راحة ابن اللـه .

    فلا تكونوا إذاً غافلين عن حياتكم يا إخوتي ؛ ولا تجعلوا نفوسكم تتخذ كل يوم علة للكسل ؛ ومداومة فعل الشر .

    فإحذروا ألا تسرقكم الأيام قبل أن تدركوا راحة ابن اللـه ؛ التي هي التواضع في كل أمر ؛ بساطة القلب ؛ عدم بغضة أي إنسان ؛ عدم الالتفات لشىء ليس من اللـه ؛ نظر الإنسان الدائم إلى خطاياه ؛ والموت عن كل أفعال الشر ؛ اللـه منزه عن الكذب . فهو يأتي ليعين ضعفنا بمراحمه . آمين .

 

 

 

 

 

 

T

 

 

 

 

 

 

 

 

الميمر الثالث والعشرون

 

الكمال

 

سبل الخلاص وشروطه :

    قال أحد الآباء : إذا لم يقتن الإنسان الإيمان باللـه ؛ والاشتياق الدائم له مع بساطة القلب وعدم مقابلة الشر بالشر ؛ الإماتة ؛ والاتضاع ؛ الطهارة ؛ محبة البشر ؛ إنكار الذات ؛ الوداعة ؛ طول الروح ؛ التوسل إلى اللـه كل يوم بحزن القلب ؛ المحبة الصادقة ؛ عدم الالتفات إلى الوراء ؛ والاهتمام بما هو قدام ؛ عدم اتكال المرء على أعماله الصالحة أو صلواته ؛ طلب معونة اللـه من أجل ما يعرض له كل يوم ؛ ( إذا لم يقتن الإنسان هذا كله ) ؛ فلن يستطيع أن يخلص ؛ لأن أعدائك أيها الإنسان ؛ لا يهدءون مقابلك .

    فلا تكن متهاوناً ؛ ولا تحتقر ضميرك ؛ ولا تضع كل ثقتك في نفسك كأنك بلغت إلى شيء يؤهلك للـه ؛ ما دمت في بلد أعدائك .

    الإماتة بمعرفة تبطل الهفوات السالفة ؛ ونوح الحواس يشفي جروح الأعداء التي في الداخل ؛ المحبة الكاملة نحو اللـه تقاوم الحروب غير الظاهرة ؛ فالطهارة الداخلية التي تغلب الحروب الخفية تُعد النفس لراحة ابن اللـه ؛ والطهارة الظاهرة تحفظ الفضائل .

    فإن كانت المعرفة هي التي تلد هذه ؛ فهي التي أيضاً تحفظها ؛ شكرك للـه وقت التجربة يطرد الأفكار الرديئة التي تأتي عليك ؛ لا تظن أن أعمالك قد أرضت اللـه ؛ فتنال معونة اللـه لتحفظك ؛ لأن من يكرس قلبه للسعي الحقيقي نحو اللـه بالتقوى ؛ لا يستطيع أن يظن أنه أرضى اللـه حقاً ؛ فما دام ضميره يبكته على شيء من مخالفات الطبيعة ؛ فهو ما يزال غريباً عن الحرية ؛ أي أنه طالما هناك مَن يوبخ ؛ فهناك إذاً من يشتكي ؛ وطالما هناك من يشتكي فليست هناك حرية .

علامات النصرة :

    فإن رأيت في النهاية حين تصلي أنه ليس شيء من الخبث يشتكي عليك ؛ عندئذ تكون قد صرت بالحقيقة حراً ؛ ودخلت إلى راحة اللـه المقدسة حسب مشيئته .

    وإذا رأيت أن الثمرة الصالحة قد نمت وزوان العدو لم يعد يخنقها ؛ وأن المحاربين قد ارتدوا إلى الوراء ؛ " وليس من أنفسهم بقصد أن يخدعوك " بل لأنك لا تجاهد بعد مقابل حواسك .

    وإذا ما غطت السحابة الخيمة والشمس لا تحرقك بالنهار ولا القمر بالليل ؛ وإذا كان لديك كل ما هو ضروري لغطاء الخيمة وحفظها حسب مشيئة اللـه ؛ عندئذ تأتيك النصرة من اللـه ؛ وهو من الآن يظلل الخيمة لأنَها تخصه وهو الذي يتقدمها ليُعد لها موضع راحته ؛ لأنه إن لم يتقدم أمامها إلى الموضع الذي يريده لا يمكنه أن يعطيها الراحة كما قال الكتاب.

    فالإنسان يظل في خطر عظيم إلى أن يعرف نفسه ؛ ويعلم يقيناً أنه لم يعد فيه شيء مما كان يصدر عن أولئك الذين ينعكفون على إغاظة اللـه بعبادتِهم العجل الذهبي ؛ الأمر الذي كان يأتي بِهم إلى مخالفة الطبيعة .

    فنحن في حاجة إلى مخافة اللـه الإله الصالح الذي يقودنا ؛ وتذكاره الدائم الذي ينهضنا دون نكوص ؛ وإلى التواضع كل ما يكسبنا هذه الفضائل ويحفظها لكي تثبت في النفس إلى النهاية ؛ ولنرى خطايانا دائماً .

    ولا نجعل ثقتنا في ذواتنا مادمنا في عبودية رديئة ؛ وأكثر من ذلك فإن إدانة القريب ولو الأخ واحتقاره في القلب وذمه عندما تسنح لذلك فرصة؛ ومصادرته بغضب ؛ والتكلم عنه بالشر أمام الآخرين ؛ هذه كلها تجعل الإنسان غريباً عن الرحمة التي يحظى بِها القديسون ؛ وعن الفضائل المجيدة ؛ فمثل هذه الأفعال تُهلك كل أتعاب الإنسان وتبطل ثمارها الصالحة .

النوح الحقيقي :

    ( وقال أيضاً ) إن قال أحد : " أنا أبكي على خطاياي " وهو يعمل إحداها فهو جاهل .

    وإذا قال : " أنا أبكي على خطاياي " ويبقي واحدة منها فهو يخدع نفسه ؛

    ومن يسعى ليقتني السكون ؛ وهو في الوقت نفسه لا يهتم بقطع الأوجاع ؛ فهو أعمى لم يبصر بنيان الفضائل .

    الذي يترك خطاياه وراءه وينشغل بمراجعة آخر هو عاجز عن أن يصلي من كل قلبه وعن الابتهال إلى اللـه بمعرفة .

    إن قوة الإنسان هي في الجهاد والصلاة من أجل خطاياه السالفة لكي يغفرها له اللـه تماماً ؛ ولكي لا يعود إلى موافقتها سواء بقلبه أو بأعماله أو بحواسه .

    فإذا كان تذكار خطاياه لا يملك على قلبه دائماً ؛ لكي يصرفه عن كل ما هو في العالم حتى لا يصير خاضعاً له ؛ فهو لن يستطيع أن يغلب خطاياه مكتفياً بما فعله منها ؛ أو أن يكف عن الحكم على خليقة اللـه وإدانتها .

    طوبى لمن صار أهلاً لهذه الأمور بالحقيقة ؛ وليس في ضلال وخداع الشر الذائد .

    ( وقال أيضاً ) : هذا هو عمل النائحين حقاً بالروح والحواس ؛ إزاء الأمور الظاهرة : عدم إدانة القريب ؛ لأنه إذا كانت خطاياك تكفيك فإن ذلك يجعلك تتجاهل خطايا قريبك .

    (وقال أيضاً) : الرد على الإساءة ابتعاد عن النوح ؛ التشبه بشىء ما من أمور العالم من أجل المجد الباطل غريب عن النوح الذي بحسب الروح .

    الحزن ممن لم يأخذ برأيك ليعمل به ابتعاد عن النوح أيضاً ؛ كذلك اشتهاء الرئاسة يبعدك عنه ؛ إن تصنع إرادتك تبعد عنه .

    إن قال أحد عن آخر أنه صالح أو ردىء فذلك خزي له لأنه يقطع بيقين أن الآخر أكثر رداءة منه ؛ من يريد أن يعرف أمراً لا يخصه فذلك خزي وعيب وسبي ردىء ؛ يصده عن معرفة خطاياه .

    إذا أهانك أحد وتألمت من أجل ذلك ؛ فليس للنوح موضع ههنا بالحقيقة ؛ إن لحقتك خسارة مادية في أمور الأخذ والعطاء وتوجعت لذلك فليس النوح ههنا ؛ إن قيل عنك كلام لا تعرفه فاضطربت لذلك فليس هو ههنا ؛ إذا مجدك أحد وقبلت ذلك فالنوح غائب عنك .

    إن لحقتك إهانة فتوجعت ؛ فليس النوح حاضراً ؛ إذا أسرعت للقاء وجهاء العالم مبتغياً صداقتهم ؛ فليس النوح موجوداً ؛ إذا اختلفت في الرأي مع آخرين وأردت أن تقيم كلامك فليس للنوح مكان هنا .

    إذا احتقر كلامك وحزنت لذلك فليس النوح معك .

    هذه كلها تبين أن الإنسان العتيق مازال حياً فيك ؛ ويغلبك ؛ لأنه ليس هناك من يصارعه ؛ كما أنه ليس عندك نوح حقيقي .

    لهذا فإن من يعمل وفق مشيئة اللـه يلزمه أن تكون له عينان روحيتان لكي يعرف ذاته أنَها عدَّوة للـه من جهة إرادتِها .

    إذا كنت تحفظ وصايا اللـه ؛ وتعمل جميع أعمالك بمعرفة من أجل اللـه ؛ وأيقنت أنك لا تستطيع أن ترضي اللـه كما يليق بمجده وضعت خطاياك أمام عينيك ؛ فستجدها تقاوم الخبيث الذي يريد أن يغلبك عن طريق الفكر الذي يوهمك أنك قد تبررت ؛ وستحفظ البناء الذي أقامه النوح ؛ حينئذ تعلم أنك قد عرفت نفسك وعلمت أين تسكن .

    ( وقال أيضاً ) : لا تثق بنفسك كأنه قد صارت لك الغلبة ؛ لأنه ما لم يمثل الإنسان للدينونة ويسمع الحكم ويعلم أين موضعه ؛ لن يستطيع أن يطمئن ؛ فالمخافة هي مرضاة للـه .

    ( وقال أيضاً ) : الحزن الذي بحسب اللـه يضني القلب ؛ يقدر أن يجعل منه سيداً على حواسه ؛ وبصموده مع يقظته يحفظ قوى النفس صحيحة ؛ فالإنسان ليس كفئاً أن يثق في نفسه ؛ ولهذا ينبغي أن يجاهد في عمله وألا يتوانى مادام في الجسد .

    طوبى للذين لا يتكلون على أعمالهم كأنَها ترضي اللـه ؛ طوبى لمن يخشون ملاقاة اللـه ؛ لأنَهم لا يتكلون على أعمالهم ؛ إذ أنَهم يدركون مجده ويعلمون أنَهم لم يبلغوا إلى عمل مشيئته حسبما يريد ؛ لقد عرفوا ضعفهم ولزموا الحزن والبكاء على نفوسهم وعدموا الانشغال بالحكم على خليقة اللـه ؛ تلك التي سوف يدينها اللـه بنفسه .

عدم التألم والقيامة :

    ( وقال أيضاً ) : هذه هي الغلبة لمن يعمل حسناً ؛ أنه عندما يتهيأ كلية للـه ويصير كاملاً بحسب مشيئته؛ أي عندما يكتب اسمه في سفر الأحياء؛ إذ يشهد عنه السمائيون أنه قد خَلص من قوات اليسار ؛ عندئذ يصير عقله مع السمائيين .

    ولكن طالما الحرب قائمة يظل الإنسان في خوف ورعدة ؛ غالباً أو مغلوباً اليوم ؛ ومغلوباً أو غالباً غداً ؛ لأن القتال مازال يحيط بالقلب ؛ أما عدم التألم فلا يعرف قتالاً لأنه أخذ إكليله واستراح .

    ولم يعد هناك اضطراب بعد من جهة المفترقين الثلاثة بل قد صاروا بنعمة اللـه في اتفاق فيما بينهم ؛ هذه الثلاثة هي النفس والجسد والروح كقول الرسول ؛ فقد قال عن هذا الأمر في إحدى رسائله ؛ أنه إذا ما صارت هذه الثلاثة واحداً بفعل الروح القدس فلن ينفصلوا فيما بعد .

    " فالمسيح مات وقام ولا يموت أيضاً ؛ لا يسود عليه الموت بعد " ؛ إذاً قد صار موته خلاصاً لنا؛ لأنه قد أمات الخطية بموته مرة واحدة عن الكل؛ وصارت قيامته حياة لكل من يثبت في الإيمان به ؛ فقد أبرأ أتباعه من الأوجاع لكي يحيوا في اللـه ويصنعوا ثمر البر .

    فلا تظن أنك قد مُتَّ ( من الخطية ) طالما يثير العدو الحرب ضدك ؛ سواء في يقظتك أو أثناء نومك ؛ لأنه مادام الإنسان البائس في ميدان الجهاد فليس له بعد أمان ؛ بل مازال متطلعاً من بعيد ؛ ولا يستطيع أن يثق بأعماله ؛ أما الجاهل الذي يسقط كل يوم فحين لا يوجد صراع في الميدان يظن أنه قد صار غالباً .

    لهذا فحين أرسل ربنا تلاميذه ليكرزوا قال لهم : " لا تسلموا على أحد في الطريق ؛ سلموا على الذين في البيت فإن كان هناك ابن السلام أقيموا عنده وسلامكم يحل هناك " .

    وكذلك قال إليشع ( لتلميذه ) جيحزي حين أرسله : " إذا صادفت أحداً في الطريق فلا تباركه ؛ وإن باركك أحد فلا تجبه " .

    قد كان يعلم أنه لن يعيد الحياة للصبي لأنه ليست لديه القوة الإقامية .

    أما رجل اللـه فعندما دخل ورأى الصبي ممدوداً على فراشه ؛ أغلق الباب على كليهما هو والصبي ؛ ومارس الجهاد مع كل حاسة ( من حواسه ) وأكمل الأعمال التي نعرفها حيث كان يصعد على السرير ويتمدد فوق الصبي ثم ينزل يتمشى إلى سبعة مرات ؛ فلما سخنت حواس الولد بمشيئة روح اللـه ؛ فتح عينيه .

    فماذا نقول نحن الأشقياء الذين نفضل مجد هذا العالم على محبة اللـه ؛ نحن الذين لا نعرف كيف يكون الجهاد ؛ ونسرع لنحصل على الراحة دون تعب ؛ ولا نعرف طول أناة اللـه ؛ لأنه يترك الزوان مع الثمر الصالح ولا يرسل ليجمع الزوان قبل أن ينضج الثمر .

    أما جحزي فقد تكبد مشقة الطريق راكضاً ؛ ولم يقدر أن يقيم الصبي؛ لأنه أحب مجد الناس أكثر من مجد اللـه .

الثبات في المخافة :

    طوبى للأعين التي عرفت فلا تجسر أن تتطلع نحو اللـه ؛ بل تنشغل بمداواة جراحاتِها ؛ وإذ قد عرفت خطاياها تتوسل إلى اللـه دائماً من أجل غفرانَها .

    كذلك الويل لمن يضيعون زمانَهم وهم يظنون أنَهم بغير خطية ؛ يدوسون ضمائرهم ويرفضون تبكيتها لهم ؛ غير عالمين أنه ليس بالأمر الهين أن ينخدع الإنسان لشىء مهما كان تافهاً .

    فكما أن الزارع يعتبر كل البذور التي بذرها باطلة ما لم يكمل نضجها ويغتم على تعبه لأنه لم يعطِ ثمراً ؛ هكذا الإنسان إذا كان يعلم كل الأسرار وكل علم أو يصنع قوات أو أشفية كثيرة أو يحتمل إماتات عديدة ويتجرد حتى من ملابسه ؛ فهو ما يزال تحت سلطان الخوف ولا يمكنه أن يثق في قلبه لأن أعدائه مازالوا يلاحقونه وينصبون له الفخاخ ؛ إلى أن يسمع ذلك القول : " المحبة لا تسقط أبداً ؛ بل تصدق كل شيء ؛ وترجوا كل شيء ؛ وتحتمل كل شيء " .

الطريق إلى اللـه يلزمه التعب :

    كم من الأتعاب يتطلبها السير في طريق اللـه؛ كقول الرب: "ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة ؛ وقليلون هم الذين يجدونه".

 أما نحن البطالون المولعون بالأوجاع فنحرص على الراحة لأننا لا نقدر أن نحمل النير الذي أخبرنا به قائلاً: احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم لأن نيري هين وحملي خفيف " .

  من هو الإنسان الحكيم بحسب اللـه والممتلئ مخافة ولا يجاهد بكل قوته لكي يميت ذاته في كل عمل ؛ في العزلة ؛ والسكون؛ والسهر؛ والاهتمام ؛ وبعد كل ذلك يعتبر نفسه غير أهل لأن ينطق باسم اللـه بفمه .

    لأن بسبب الأوجاع التي تتحرك فينا جاء السيد الرب يسوع لكي يميتها فينا ؛ نحن الذين لا نسلك حسب الجسد بل حسب الروح ؛ مظهراً لنا تدبير الآب . فقد قال في تعليمه لتلاميذه : " متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا أننا عبيد بطالون ؛ لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا " .

    قال هذا للذين أكملوا أعمالهم وحفظوها ؛ إذ كانوا يعرفون أولئك الذين يتخفون ويسرقون أعمالهم ؛ لأنه إذا رأى أحد حيواناً ساماً حية أم ثعباناً أم عقرباً ؛ أم كل ما له سم مميت ؛ فهو يهرب فزعاً .

    أما النفس المتوقحة الشقية فلا تبدي حراكاً أمام الأشياء التي تسبب موتِها ؛ فلا تَهرب منها وتعتزل ؛ بل تُسر وتطيعها من القلب ؛ فتضيع زمانَها كله عقيمة بلا ثمر .

الميمر الرابع والعشرون

 

عدم التألم

 

    على طريق الفضائل توجد سقطات ؛ لأنه يوجد عدو ؛ ويوجد تغير وتنوع ؛ وفرة وقلة ؛ ضعف وملل ؛ فرح ووجع قلب ؛ اكتئاب وراحة قلب ؛ تقدم وتغصب ؛ لأنَها مسيرة ( في الطريق ) إلى أن نبلغ إلى الراحة.

    أما عدم التألم فهو بعيد عن كل ذلك وليس بحاجة لشىء لأنه في اللـه واللـه فيه ؛ فهو لم يعد يعرف العدو ؛ ولا هناك سقطة بعد ولا شك ؛ ولا جهد يحافظ عليه ؛ ولا خوف بعد من الأوجاع أو شهوة لشىء ؛ ولا مكابدة أي عناء مقابل العدو .

    هذه الأمجاد عظيمة وغير محصاة ؛ فما دام هناك خوف من جهة أي وجع فنحن بعيدون عن عدم التألم ؛ وما دام هناك تبكيت يصدر عن القلب فنحن غرباء عنه .

    ذلك هو الجسد الذي أخذه الرب يسوع ؛ وتلك هي المحبة التي علمها لخواصه لكي يسلكوا فيها بالفرح ؛ وبسبب ذلك ظن كثير من الجهال المتسرعين أنَهم بلغوها في حين أن الأوجاع مازالت تحيا في نفوسهم ؛ ولم تتطهر أجسادهم بالكمال ؛ فتخلوا عن واجبهم ؛ اغفروا لي من أجل اللـه .

 

U

 

الميمر الخامس والعشرون

 

إلى أبا بطرس تلميذه

 

خدمة اللـه تتطلب التجرد من كل اهتمامات العالم :

    عندما كتبت إليَّ تقول : " إنني أريد أن أقدم توبة للـه من أجل خطاياي إذا ما خلصني الرب من هذا الانشغال المر الذي يربطني بالعالم "؛ فإنكَ حسناً تقول : " إذا خلصت من أعمال هذا الدهر " ؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تَهتم بأمرين معاً كما قال الرب أيضاً : " لا تقدروا أن تخدموا اللـه والمال " { مت 6 : 24 } . والمال يشير إلى حركة هذا العالم ؛ فإذا لم يتركه الإنسان لا يستطيع أن يخدم اللـه .

    وما هي خدمة اللـه سوى أن لا يوجد شيء غريب في قلبه حين يسبح ؛ أو فكر نجاسة ما حين يصلي ؛ أو أي خبث حين يرتل (الأبصلمودية) ؛ أو كراهية حين يسجد ؛ أو أي حسد ردىء يعوقنا عن الحديث مع اللـه ؛ أو شهوة مخزية في الأعضاء حين نتذكره .

    لأن هذه الأمور جميعاً هي متاريس الظلمة التي تحيط بالنفس البائسة ؛ فلا يمكنها أن تخدم اللـه بالطهارة ما دامت هذه الأمور داخلها ؛ لأنَها تعوقها في الهواء ؛ ولا تدعها تذهب لملاقاة اللـه أو تسبحه في الخفاء ؛ أو تصلي له بحلاوة الحب ومسرة القلب ونية مقدسة لكي تصير مستنيرة بواسطته .

    ولهذا تبقى النفس مظلمة على الدوام ولا تستطيع أن تتقدم بحسب اللـه لأنَها لم تَهتم أن تقطع عنها هذه الأمور بمعرفة ؛ ولن يكون لها قوة لتهتم بقطعها ما لم تتخلص من الاهتمام بأمور هذا الدهر .

    فهناك أمران يخدعان النفس ؛ الواحد يأتي من الخارج وهو الاهتمام بأمور هذا الدهر لإراحة الجسد ؛ والآخر من الداخل وهو الذي يكون من الأوجاع التي تعطل الفضائل ؛ ولكن النفس لا تبصر ذلك الذي من الداخل أي من الأوجاع ما لم تتحرر من الخارج .

    ولهذا قال الرب : " كل من لا يترك جميع مشيئته لا يقدر أن يكون لي تلميذاً " ؛ فالأمور التي من خارج ( أي اهتمام هذا الدهر ) تصدر عن المشيئة ؛ وتلك الأمور الداخلية ( أي الأوجاع ) تصدر عن السلوك الخارجي ؛ وربنا يسوع إذ يعلم أن المشيئة ( الخاصة ) هي التي تحكم كلا الأمرين ؛ أمرنا أن نقطعها عنا .

    فما دامت النفس تَهتم بالأشياء التي من خارج ؛ فالروح ميت ؛ وبالتالي تكمل الأوجاع التي من الداخل أفعالها بلا عائق .

    أما إذا أصغت النفس لكلام يسوع حين يطلب منها أن تقطع عنها كل مشيئتها ؛ فهي تبغض جميع أعمال هذا العالم ؛ ثم يتيقظ الروح وتنهض إلى أن تطردها من بيتها وتظل ساهرة على النفس لتحفظها كيلا تعود إلى الوراء نحو الأمور التي تضر بِها .

مثال الزوجة الصغيرة :

    والنفس تشبه بامرأة صغيرة تعيش مع زوجها ؛ ذهب زوجها مرة إلى الخارج ؛ فأضاعت مخافتها وحشمتها ولم يعد لها ميل إلى الاهتمام بأمور منزلها .

    أما إذا عاد زوجها إلى البيت تمتلئ حالاً بالمخافة وتترك ما كانت تعمله وتنشغل بما يوافق رغبة زوجها ؛ وهو بدوره يهتم بأمور منزله من جهة كل ما هو ضروري .

    هكذا الروح ؛ إن كان يقظاً منتبهاً فهو يهتم بالنفس ويحرسها بمداومة إلى أن تنسل معه ويعول أطفالها ؛ ومن ثم يصير الاثنان قلباً واحداً ؛ وتخضع النفس للروح وتطيعه كما هو مكتوب عند الرسول : " الرجل هو رأس المرأة " .

    وأيضاً : " لأن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة اللـه ومجده ؛ وأما المرأة فهي مجد الرجل ؛ لأن الرجل ليس من المرأة بل المرأة من الرجل . ولأن الرجل لم يخلق من أجل المرأة بل المرأة من أجل الرجل ؛ لهذا ينبغي أن تضع على رأسها علامة الخضوع من أجل الملائكة ؛ غير أنه في الرب ليس امرأة بدون رجل ولا رجل بدون امرأة ؛ لأنه كما أن المرأة قد أُخذت من الرجل هكذا هو الرجل أيضاً مولود امرأة وجميع الأشياء هي من اللـه .

    وهذا الكلام يخص الذين استحقوا أن يكونوا واحداً مع الرب دون أن يكونوا منقسمين في ذواتِهم ؛ هؤلاء هم الذين يصلون للـه بكل طهارة ؛ هؤلاء هم الذين يسبحون اللـه بقلب مقدس .

    هؤلاء هم الذين يستضيئون من الرب ؛ هؤلاء هم الساجدون الحقيقيون الذين يطلبهم اللـه ؛ هؤلاء هم الذين قال عنهم : " إني سأسكن فيهم وأسير بينهم " .

    هذا هو ما قاله الرب : " إن أتفق اثنان منكم في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات .

    فالرب يريد إذاً من أخصائه أن يكونوا أتقياء من الأمور الظاهرة كما من الخفية أي التي في النفس ؛ ومن كل ما أبطله في جسده بتجسده بحسب قوله : " أثبتوا فيَّ وأنا فيكم " .

    هكذا ترى يا أخي أنه يريد أولاً أن نثبت نحن فيه بسيرتنا ثم يثبت هو فينا بالنقاوة على قدر استطاعتنا .

المعمودية هي العتق من الخطية :

    ولكن ربما يقول قائل : " أنا أثبت فيه بالمعمودية ولكن ليس بمقدوري أن أمارس تلك السيرة " .

    اسمع يا حبيبي : من المؤكد أن كل من قبل المعمودية قد قبلها لإبطال جسد الخطية كما قال الرسول : " قد دُفنا معه بالمعمودية للموت لإبطال جسد الخطية كي لا نعود نُستعبد أيضاً للخطية " . لأنه لا يمكن أن يسكن المسيح والخطية معاً ؛ " إن كان المسيح ساكناً فيك فالخطية ميتة والروح هي بسبب البر " .

    كما قال الرسول: " المرأة المتزوجة هي مرتبطة بالناموس بزوجها الحي؛ ولكن إن مات زوجها فقد تحررت من ناموس الزوج ؛ فإذاً مادام زوجها حياً تدعى زانية إن صارت لرجل آخر ؛ ولكن إن مات زوجها فهي حرة من الناموس حتى أنَها ليست زانية إن صارت لرجل آخر " .

    لهذا فمن أراد أن يعرف إن كان المسيح ساكناً فيه فأنه يعرف ذلك من أفكاره ؛ لأنه طالما الخطية تخدع قلبه فلا يسكن اللـه أيضاً فيه ؛ ولا يجد الروح القدس فيه راحة .

    فالرب يثبت في الإنسان حقاً إن كان يكمل الأعمال .

    والإنسان يثبت في اللـه إذا صارت نفسه حرة ؛ كما يقول الرسول : " من ألتصق بزانية هو جسد واحد معها ؛ وأما من ألتصق بالرب فهو روح واحد " ؛ وكل ما هو خلاف الطبيعة يدعى زنى ؛ فإن تحررت النفس وتخلصت من كل ما يعوقها في الهواء ؛ حينئذ تثبت في اللـه وفي شركة روحه ؛ حسب قوله : " من ألتصق بالرب فهو روح واحد معه " ؛ وهو يعلمها كيف تصلي ؛ أما هي فتعبده بلا فتور وتصير متحدة به ؛ وهو يسكن فيها ويقودها ويعزيها على الدوام ؛ ويطلعها على أمجاده ونعمه الفائقة الوصف .

    فهي تعيش ميلادها الثاني منه بالمعمودية وبنعمة الروح ؛ كما هو مكتوب : " كل من ولد من اللـه لا يخطئ .. .. والشرير لا يمسه " ؛ وذلك لأنه مولود من اللـه ؛ كما يقول في الإنجيل : " إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال الصغار فلن تدخلوا ملكوت السماوات " .

    وأيضاً : " كونوا كأطفال مولودين الآن واشتهوا اللبن الروحي العادم الغش لكي تنمو به " .

عمل الطفل الصغير :

    فما هو تصرف الطفل الصغير ؟

    إن الطفل الصغير إذا ضُرب يبكي ؛ وهو يفرح مع الذين يفرحون معه؛ إذا أُهين لا يسخط ؛ وإذا مُدح لا يتعالى قلبه ؛ وإذا كرَّمت آخر أكثر منه لا يحسد ؛ إذا أخذت أمتعته منه لا يضطرب ؛ إذا تُرك له شيء كميراث فهو يجهله .

    كما أنه لا يدخل في خصومة مع أحداً؛ ولا يتشاجر من أجل ما يخصَّه؛ لا يكره أحداً ؛ وإذا كان فقيراً لا يحزن ؛ أو غنياً فلا يتفكر في العظمة ؛ إذا رأى امرأة لا يشتهيها ؛ ولا ينساق للمتعة أو يطغي عليه القلق .

    لا يدين إنساناً ؛ لا يتسلط على أحد ؛ ولا يحقد على أحد ؛ لا يتفاخر بما يجهله ؛ ولا يهزأ من القريب بسبب مظهره ؛ ليست له عداوة مع أحد؛ ولا يخفي شيئاً ؛ ولا يطلب مجد هذا العالم ؛ ولا يسعى لكثرة الغنى .

    لا يحب الرئاسة ؛ ولا يتعجب بنفسه ؛ ولا يشاكس ؛ ولا يشتهي تعليم الآخرين ؛ ولا يتهم إنسان ؛ إذا جردته من ملابسه لا يحزن ولا يتمسك بمشيئته ؛ لا يفزع من مجاعة ؛ ولا يهاب الأشرار ؛ ولا يخاف من وحوش أو من الحرب ؛ وإذا حدث اضطهاد لا ينزعج .

    هذا هو الذي قال عنه ربنا يسوع : " إن لم ترجعوا وتصيروا مثل هؤلاء الأطفال لن تدخلوا ملكوت اللـه " .

محاسن الطفولة وعيوبَها :

    أما عندما يكبر الطفل قليلاً ويبدأ الشر يسكن فيه؛ يوبخه الرسول قائلاً: " لا تكونوا فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى الضلال؛ بل نحيا حسب الحق وفي المحبة ؛ ننمو في كل شيء إليه ( المسيح ) . وقال أيضاً : " وكأطفال في المسيح سقيتكم لبناً لا طعاماً قوياً لأنكم لك تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضاً لا تستطيعون " .

    كما قال أيضاً : " ما دام الوارث طفلاً ؛ لا يفرق شيئاً عن العبد مع كونه صاحب الجميع ؛ بل هو تحت أوصياء ووكلاء إلى الوقت المحدد من الآب ؛ هكذا نحن أيضاً لما كنا أطفالاً صغاراً كنا مستعبدين تحت أركان العالم " . وأيضاً : " أهرب من الشهوات الشبابية " .

    فهو يعلمنا أن نطرح عنا الطياشة الصبيانية ويقول : " أيها الإخوة لا تكونوا أولاداً في أذهانكم ؛ بل كونوا أطفالاً في الشر وأما في الأذهان فكونوا كاملين " .

    فما هو سلوك هؤلاء الأطفال بحسب قول الرسول بطرس سوى هذا : " اطرحوا كل خبث وكل فكر والرياء والحسد وكل مذمة كأطفال مولودين الآن " .

    قول الرب بخصوص التشبه بالأطفال الصغار :

    أنت تعلم أيها الأخ ما هو المقصود من القول الذي قاله ربنا يسوع : "الحق الحق أقول لكم : إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات " .

    مخوف جداً هذا القول ؛ لأن ربنا نطقه بقسم " الحق الحق أقول لكم "؛ لأنه هو نفسه " الأمين " ؛ ومن أجل هذا يقول الرسول : " إذا لم يكن له أعظم يقسم به أقسم بنفسه قائلاً : إني لأباركك بركة " .

    وإذ نعتبر هذا القول بتدقيق فليشغل تفكيرنا كل حين بخوف ورعدة كلما أصابنا العدو بسهم وأثارنا على القريب بأن أحداً أهاننا أو شتمنا أو وشى بنا .

    أو أن قريبنا تخاصم معنا غير راغب في الخضوع ؛ أو عندما يتملكنا غضب ردىء مريداً أن يوقظ فينا تذكاراً سيئاً لما فعله بنا القريب ؛ بقصد أن يُظلم نفوسنا بالغضب والحقد .

    فإذا ألم بنفوسنا أحد تلك الأمور ؛ فلنسارع ونذكر أنفسنا بقول الرب الذي شهد له بقسم : " الحق الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأطفال فلن تدخلوا ملكوت السماوات " .

    ثقيل جداً هذا القول على الذين يتمسكون بإرادتِهم ؛ والذين لا يعرفون عطية الروح القدس ؛ لأنه إذا حل عليهم يهبهم نسيان كل شر ويعلمهم كل ما له :

    الوداعة عوض الغضب ؛ السلام عوض العداوة ؛ الاتضاع عوض المخاصمة ؛ المحبة عوض الكراهية ؛ الصبر عوض الجبانة ؛ فهؤلاء هم الذين صاروا أهلاً للتجديد .

كمال الطفولة الحقيقية :

    ولنبادر إذاً لنقطع من قلوبنا ما حدثنا عنه الرسول العظيم ونطرحه عنا لكي نبلغ إلى قياس قامة الطفل ؛ لأن الذين اهتموا بذلك وقطعوه من نفوسهم ؛ هم الذين بلغوا كذلك إلى قامة مقدسة وإلى الكمال .

    لأن الرب بعد ما نفخ في وجوههم قائلاً : " أقبلوا الروح " ؛ ظهر لهم على شاطئ بحر الجليل قائلاً : " يا أولادي ألعل عندكم أداماً ؟ " مُذكراً إياهم بأنَهم بواسطة نعمة الروح القدس قد صيرهم أطفالاً صغاراً ؛ وأنَهم أيضاً لم يكونوا أطفالاً بحسب الجسد .

   ومكتوب أيضاً : " ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم اللـه " . فإذا قد تشارك الأولاد في اللحم والدم أشترك هو أيضاً بالمثل فيهما لكي يبيد بموته ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك .

    في أي " لحم ودم " أشترك " بالمثل " سوى في لحم ودم أولئك الذين تركوا كل الشرور وأدركوا قياس قامة الطفولة المقدسة ؛ هؤلاء أصبحوا كاملين حسب قول الرسول : " إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية إيمان ومعرفة ابن اللـه ؛ إلى الإنسان الكامل ؛ إلى قياس قامة ملئ المسيح " .

    ولكن يحصل نمو الجسد لبنيانه في المحبة ؛ هؤلاء هم الذين كتب إليهم الرسول يوحنا قائلاً : " أكتب إليكم أيها الأولاد لأنكم قد عرفتم الآب ؛ أكتب إليكم أيها الآباء لأنكم قد عرفتم الذي من البدء ؛ كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم قد غلبتم الشرير " .

    هل تعرف أن الذين صاروا أطفالاً من جهة الشر هم أولئك الذين صاروا مجاهدين ضد العدو لكونِهم طرحوا عنهم سلاحه الذي هو الشر وصاروا أيضاً آباء وأدركوا قياس الكمال حتى أنَهم أؤتمنوا على الإعلانات والأسرار ؛ إلى أن أدركوا الحكمة والبساطة والصلاح والوداعة والطهارة ؛ وتلك جميعها هي حقاً صفات الوداعة . هؤلاء هم الذين مجدوا المسيح في أجسادهم .

علينا أن نصلي لكي لا يضلنا العدو :

    فلنجاهد أيها الأخ الحبيب في المجاعة العظمى التي أتت على الأرض ؛ دون أن تصغر نفوسنا في شيء ؛ بل إذ نسأل من صلاحه بغير انقطاع أن لا يدعنا نضل بمكائد الشرير الحسود الذي يعمل الشر بلا شفقة ؛ ويدأب على ذلك بكل وقاحة قائلاً : " لن أتركه حتى أتسلط عليه ؛ إن لم يكن اليوم فغداً " .

    أما نحن فلنصلِّ بمثابرة قائلين مثل داود : " انظر واستجب لي يا ربي وإلهي ؛ أنر عيني لئلا أنام نوم الموت؛ لئلا يقول عدوي إني قد قويت عليه؛ لأن الذين يضطهدونني يتعجبون أنني زللت " .

    فإذا هاجمنا نصرخ قائلين : " يا اللـه من يشبهك ؟ لا تسكت ولا تَهدأ يا اللـه ؛ فهوذا أعداؤك يعجون ومبغضوك قد رفعوا الرأس ؛ تشاورا بالشر على شعبك قائلين : " لا يذكر اسم إسرائيل بعد " .

    وإذا تقدم الإنسان في الروح القدس فهو يقول : " يا إلهي أجعلهم مثل الجلُّ ؛ مثل القش أمام الريح ؛ أملأ وجوههم خزياً ؛ ليعلموا أنك وحدك هو الرب " .

    هؤلاء هم الذين يجاهدون وإيمانَهم يشدد قلوبِهم مقابل الأعداء ؛ ومن قبل أن يتقدموا للجهاد ضدهم يستندون على الصخرة المقدسة التي هي المسيح . وهم يقولون بكل عزم القلب : " أحاطوا بي مثل النحل حول الشهد ؛ أنطفاؤا كنار في شوك وباسم الرب أبدتَهم " .

الصلاة أثناء التجربة :

    فإذا رأينا الأعداء قد أحاطوا بنا بخبثهم ؛ أي بالضجر ؛ سواء كانوا يجعلون نفوسنا تنحل مقابل الشهوة ؛ أو بألا نتمالك أنفسنا من الغضب على القريب إذا تصرف بما لا يجب ؛ أو بأن يثقلوا على أعيننا ويدفعونا إلى شهوة الأجساد ؛ أو بأن يجتذبوها للتلذذ بشهوة الأطعمة .

    أو بأن يجعلوا لنا كلام القريب مثل السم ؛ أو بأن يدفعونا لنقيم كلمتنا عوض كلام الآخر؛ أو بأن يحرضونا لكي نفرق بين الإخوة فنقول : " هذا جيد وهذا ردىء " .

    فإذا أحاطت بنا هذه الأمور ؛ فلا ينبغي أن نجزع أو أن تصغر قلوبنا ؛ بل نصرخ بالحري مثل داود بقلب ثابت قائلين : " الرب حصن حياتي ؛ إن قام عليَّ جيش فلا يخاف قلبي ؛ إن قامت عليَّ حرب ففي ذلك أنا مطمئن .

    واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس ؛ أن أسكن في بيت الرب جميع أيام حياتي ؛ لكي أنظر نعيم الرب وأتفرس في هيكله المقدس ؛ لأنه سترني؛ والآن هوذا قد رفع رأسي على أعدائي " .

    هذا ما يفعله أولئك الذين أيقظوا أنفسهم من بين الأموات ؛ الذين دعاهم الرسول " ليلاً " حين قال : لسنا من ليل ولا من ظلمة .

    وإذ يذكر أولئك الذين لا يهتمون بنفوسهم يقول : " الذين ينامون فبالليل ينامون ؛ والذين يسكرون فبالليل يسكرون " .

    وأيضاً : " يوم الرب كلص يأتي " . فلا يستطيعون أن يهربوا عندئذ لأنَهم في الليل ؛ وأما الذين أنْهضوا عقولهم من الأوجاع التي هي الليل فيقول لهم : " لنلبس درع الإيمان وخوذة رجاء الخلاص " .

ينبغي على النفس أن تحافظ على طبيعتها :

    فلنعمل كل شيء بعقل يقظ قبالة الأعمال الميتة ؛ منتبهين دائماً إلى نفوسنا حتى لا نفعل شيء خارجاً عن الأمور الموافقة للطبيعة ؛ لأن النفس بطبيعتها متقلبة حسب قول إشعياء النبي القائل : " الرب راحمك أيتها الذليلة المضطربة غير المتعزية " .

    فالنفس تشبه الحديد الذي يصدأ إن أهملناه ؛ أما إذا حُميِّ في النار فإنَها تنقيه ؛ وطالما هو في النار فهو ملتهب مثلها لا يستطيع أحد أن يمسكه لأنه من النار .

    هكذا هي النفس ؛ مادامت ثابتة في اللـه ومتمسكة به فهي تصير ناراً تحرق جميع أعدائها الذين جعلوها تصدأ في زمان تَهاونِها ؛ وهو يطهرها في التجديد كالحديد في النار ؛ فلا تعود تجد لذتِها في أمور العالم ؛ بل تجد راحتها في طبيعته ( أي في اللـه ) التي صارت مستحقة لها ؛ لأنَها كانت منها في الأصل ( صورة اللـه ) أما إذا تخلت عن طبيعتها الخاصة ؛ فهي تموت كما تموت الحيوانات إذا غمرت في الماء لأنَها من طبيعة أرضية .

    كذلك الأسماك إذا خرجت من الماء إلى اليابسة فهي تموت ؛ لأنَها من طبيعة مائية ؛ والأمر كذلك بالنسبة للعصافير أيضاً : فهي تجد راحتها في الهواء ؛ وإذا أرادت أن تَهبط إلى الأرض ينتابَها الخوف من الصياد ؛ هكذا حال النفس الكاملة التي تثبت في طبيعتها ؛ إن هي انتقلت عنها ماتت في الحال ؛ فالذين حسبوا أهلاً لاقتناء هذه المواهب يعتبرون العالم سجناً لهم ؛ ولا يرغبون أن يختلطوا به لئلا يموتوا ؛ تلك الأنفس لا تستطيع أن تحب العالم حتى ولو أرادت ذلك ؛ لأنَها تتذكر الحالة التي كانت عليها أولاً قبل أن تثبت في اللـه وما عملها فيها العالم ؛ وكيف صيرها مقفرة .

النفس تشبه مدينة أستولى عليها العدو واستردها المسيح منه :

    إن النفس تشبه مدينة إذا دخلها عدو الملك يأخذ وجهاؤها الخوف فيستسلمون له ؛ فيسرع العدو للوقت مدفوعاً بخبثه ويحطم تماثيل الملك ويبطل شرائعه ؛ ويفوض بدلاً منها شرائع أخرى قاسية وينصب تمثاله الخاص ؛ ويجبر في النهاية جميع الشعب أن يسجدوا له .

    أما إذا بادر سكان تلك المدينة وأرسلوا سراً للملك الشرعي قائلين :

" أسرع إلى معونتنا " ؛ فإنه يأتي حالاً مع جيشه وهو ممتلئ غضباً ( على عدوه ) ؛ وبسماعهم خبر مجيئه يفتح له رجال المدينة بفرح فيدخل ويهلك عدوه ويحطم التمثال الذي أقامه بالقوة ويبطل شرائعه .

    فتبتهج المدينة ويُعيد الملك الشرعي تمثاله الحقيقي ونواميسه ؛ ويسكن في المدينة ويحصنها كيلا يستطيع أحد بعد أن يستولي عليها ؛ ويعلم سكانِها القتال لكي يكونوا بلا خوف قبالة جميع الأعداء .

    هكذا حال النفس بعد المعمودية المقدسة عاد العدو وتسلط عليها من جديد ؛ وأذلها بسائر أساليبه المخزية ؛ وقَلبَ صورة الملك وأبطل نواميسه؛ ودفعها للانشغال بِهذا الدهر ؛ وأقنعها أن تسلك بنفاق وبلا مبالاة ؛ وعمل بِها كما أراد .

    لكن صلاح الملك العظيم القدوس يسوع أرسل إليها أخيراً التوبة فابتهجت النفس ؛ والتوبة فتحت للمسيح الملك العظيم ؛ فدخل وأهلك عدوه وحطم تمثاله ونواميسه النجسة .

    وإذ أعاد إليها الحرية أقام بِها صورته المقدسة وأعطاها نواميسه الحقيقية وعلم جميع حواسها فنون القتال ؛ ومنذ ذلك الحين جعل راحته في هذه النفس لأنَها صارت ملكاً له ؛ وهذا يحدث لها بنعمة اللـه .

صورة الملك الحقيقي هي المحبة :

    إنه من غير المستطاع للنفس أن تدخل إلى راحة ابن اللـه ما لم تكن لها صورة الملك فكما أن أي تاجر لا يأخذ ولا يعطي نقوداً لا تحمل صورة الملك ؛ وأي عملة لا يضعها في الميزان ؛ كما أن الملك نفسه لا يدخلها خزائنه ؛ هكذا حال النفس التي لا تحمل صورة الملك العظيم يسوع ؛ فإن الملائكة لا يفرحون معها ؛ أما الملك فيطردها قائلاً : " كيف دخلتِ إلى هنا وليس عليكِ صورتي ؟ " .

    أما علامة صورته فهي المحبة ؛ لأنه قال بنفسه : " بِهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم لبعض " .

    لكنه يستحيل أن تكون فينا المحبة إذا كانت النفس منقسمة ؛ تطلب اللـه وتحب أشياء هذا العالم ؛ وكما أن العصفور لا يستطيع أن يطير بجناح واحد أو إذا كان مربوطاً إلى شيء ؛ هكذا النفس أيضاً لا تستطيع أن تنمو بحسب اللـه إذا كانت مرتبطة بشىء من أشياء هذا العالم .

    وكما أن السفينة لا يمكنها أن تسافر إذا كان ينقصها شيء من عدَّتِها؛ هكذا النفس أيضاً لا يمكنها أن ترتفع فوق أمواج الأوجاع إن كانت تنقصها إحدى الفضائل ؛ وكما أن الملاحين وهم في البحر لا يلبسون أقمصة بَهية أو ثياباً ذات أكمام أو نعالاً ؛ لأنَهم ما لم يخلعوها لا يستطيعون أن يسبحوا في الماء ؛ هكذا النفس يستحيل عليها أن تجوز وسط عواصف الشرور التي تواجهها ما لم تكن متغربة من كل أشياء هذا العالم ؛ أيضاً كما أن الجندي الذي يخرج لمحاربة أعداء الملك لا يستطيع أن يتصدى لهم إن كانت تنقصه قطعة واحدة من سلاحه ؛ هكذا يستحيل على الراهب أن يقاوم الأوجاع إن كانت تنقصه واحدة من الفضائل .

    وكما أنه لو كانت هناك مدينة محصنة وجانب من أسوارها منهدم ؛ فالأعداء متى أرادوا أن يدخلوها يوجهون اهتمامهم إلى الثغرة ليدخلوا منها؛ لأن الحراس على الأبواب لا يستطيعون أن يقاوموا العدو ما لم ترمم الثغرة أولاً ؛ هكذا يستحيل على الراهب المجاهد أن يقاوم أعداءه ما دام تحت سلطان واحد من الأوجاع ؛ كما أنه لا يستطيع أن يدرك مقياس الكمال .

شواهد كتابية على ضرورة ممارسة الفضائل :

    ولستُ أقول هذا الكلام من عندي ؛ بل من الأسفار الإلهية أيضاً ؛ فإنه مكتوب في سفر التكوين : " وقال الرب لنوح إني لم أرَ غيرك باراً وكاملاً في هذا الجيل " .

    وقال أيضاً لإبراهيم : " سر أمامي وكن كاملاً ؛ فأجعل عهداً أبدياً بيني وبينك " .

    كذلك اسحق وهو يبارك ابنه يعقوب قال له : " ليقويك إلهي حتى تقدر أن تكمل مشيئته " .

    ومكتوب أيضاً في سفر العدد: " أن كل من ينذر نذراً لا يشرب خمراً؛ ولا خل الخمر ؛ ولا شراباً مسكراً ؛ أو أي شيء من جميع نتاج الكرمة ومن ثمرتِها " .

    كما كتب أيضاً في سفر التثنية : " إذا خرجت لتحارب أعدائك فأحترز من كل كلام ردىء . إلى أن يقع عدوك بين يديك ؛ من الشعوب السبعة لا تُبق كل من فيه نسمة حياة لئلا يعلمونكم أن تخطئوا أمامي " .

    ولكيلا تصغر نفوسنا فنقول : " كيف نستطيع أن نُهلكهم وهم بِهذه الكثرة ؟ " .

    يقول : " لا تستطيع أن تفنيهم في سنة واحدة ؛ لئلا تصير الأرض مقفرة وتكثر عليك وحوش البرية ؛ بل قليلاً قليلاً إلى أن تكثر وتنمو ويوسع اللـه تخومك " .

    وقد كان الرب يأمرهم دائماً قائلاً : " أحترز أن تقطع عهداً مع الكنعانيين الذين أطردهم من أمامك " .

    وعندما ذهب يشوع بن نون ليحاصر أريحا ويهلكها قال له اللـه :
" تحرم المدينة وكل ما فيها " .

    وحينما أراد يشوع أن يحارب مدينة عاي هرب إسرائيل من أمام أهلها ولم يستطيعوا أن يحاربوا العدو ؛ ذلك لأن عاخان كان قد سرق جانباً من الحرام؛ وسقط يشوع على وجهه إلى الأرض وبكى أمام اللـه قائلاً:"ماذا أعمل بعد ما حول إسرائيل قفاه أمام أعدائه ؟ " .

    فقال رئيس جند الرب : " لأن في وسطك حرام يا إسرائيل فلا تتمكن من الثبوت أمام أعدائك " . ولم يعد للخروج إلى الحرب إلى أن قتلوا عاخان .

    وترى أيضاً كيف عزل اللـه شاول من ملكه لأنه أحضر من عماليق كل ما هو محرم ؛ ولأن ناثان مد طرف نشابته وغمسه في قطر العسل وردَّ يده إلى فيه لم يُجب اللـه إسرائيل في ذلك اليوم .

    والجامعة أيضاً كان يبين لنا أن أي وجع مهما كان صغيراً جداً يبطل قوة الفضيلة قال : " الذباب الميت ينتن طيب العطار " .

    وحزقيال يقول أيضاً : " اليوم الذي يرجع فيه البار عن طريق بره (ويعمل إثماً) أجعل الضيقة مقابل وجهه ولا أذكر بره الذي عمله " .

    وقال الرسول أيضاً : " خميرة صغيرة تخمر العجين كله " .

    حنانيا وسفيرة امرأته اللذان أخذ جزءاً من ثمن الحقل وكذبا ( على الروح ) سقطا في الحال عند أقدام الرسل وماتا بسبب هذا الأمر الصغير ".

    ويعقوب الرسول قال أيضاً : " لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة ؛ فقد صار مجرماً في الكل " .

الدعوة إلى التوبة :

    والرب لكي يهبنا قوة لنرجع إليه يقول في حزقيال : " إذا رجع الشرير عن طريق شره وحفظ البر والاستقامة لا أعود أذكر معاصيه بل حياة يحيا؛ لأني لا أسر بموت الخاطئ بل برجوعه ( عن طرقه ) فيحيا يقول الرب ؛ توبوا وأرجعوا ؛ فلماذا تموتون يا بيت إسرائيل " .

    وإرميا النبي يقول أيضاً : " أرجعوا إليَّ يا بيت إسرائيل فأرضي عنكم يقول الرب القدير " .

    وأيضاً : " هل يسقطون ولا يقومون أو يرتد أحد ولا يرجع ؟ فلماذا أرتد هذا الشعب ارتداداً وقحاً ؟ ولماذا تمسكوا بالمكر ولم يريدوا أن يرجعوا إليَّ يقول الرب ؟ " .

    " أرجعوا إليَّ أرجع إليكم " .

    والرب يسوع يقول : " إن غفرتم للناس زلاتِهم ؛ يغفر لكم أيضاً أبوكم السماوي ؛ وإن لم تغفروا لا يغفر لكم أبوكم أيضاً .

    وقال الرسول أيضاً : " إن إنسبق إنسان وأخذ في زلة فأصلحوا أنتم الروحانيين بروح الوداعة " .

    ويعقوب الرسول يقول : " أيها الإخوة إن ضل أحد بينكم عن طريق الحق فردَّه أحد ؛ فليعلم أن من ردَّ خاطئاً عن ضلال طريقه يخلص نفساً من الموت ويستر كثرة من الخطايا .

المعونة الإلهية لا تأتي إلا للذين يغفرون خطايا القريب :

    هوذا جميع هذه الشهادات الكتابية تشجعنا أن نفحص نفوسنا لئلا عندما نكمل جهادنا نوجَد أردياء تجاه القريب ؛ أو نخفي الغضب مقابله دون أن نغفر له ؛ وبذلك نَهلك أتعابنا فلا يقدم لنا ربنا يسوع المسيح معونة حين يضغطنا أعداؤنا .

    فهو قد يوبخ الذين سلكوا هذا المسلك قائلاً : " أيها العبد الشرير ؛ كل ذلك الدين تركته لك ؛ لأنك طلبت إليَّ ؛ أفما كان ينبغي أنك أنت أيضاً ترحم العبد رفيقك ( كما رحمتك أنا ) . وفي غضبه أسلمه إلى المعذبين حتى يوفي كل ما كان له عليه ؛ فهكذا يفعل بكم أبي السماوي إن لم تتركوا من كل قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته " .

    فأمتحن نفسك يا أخي فاحصاً قلبك كل يوم ؛ والذي يوجد فيه قدام اللـه : مذمة الأخ ؛ البغضة ؛ الإهانة ؛ الحسد أو التعظم ؛ بينما أنت تقول : " إنني لا أستطيع أن أرى هذا ( الإنسان ) ؛ لأنه أمر مزعج . فإذا سرى هذا السم في قلبك تذكر قول الرب يسوع : " فهكذا أبي السماوي يفعل بكم إن لم تتركوا من كل قلوبكم كل واحد لأخيه زلاته " .

    فالذي يخاف هكذا من أن يذهب إلى جهنم ؛ فليطرح من قلبه كل الشرور لكي لا يأتي عليه هذا الحكم القاسي .

الحرص من الأنبياء الكذبة :

    لاحظ إذاً قلبك يا أخي ؛ وتيقظ مقابل أعدائك لأنَهم ماكرين في خبثهم ؛ وكن متيقناً في قلبك من هذا القول : " يستحيل أن يعمل الإنسان الصلاح وهو يفعل الشر ؛ بينما في إمكانه أن يفعل الشر تحت مظهر الخير " .

    وهذا هو السبب الذي من أجله يحثنا مخلصنا على السهر مقابل هؤلاء (الأعداء). قائلاً: " ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة؛ وقليلون هم الذين يجدونه ؛ واسع ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك ؛ وكثيرون هم الذين يسيرون فيه " .

    ويقول : " احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتون إليكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة من ثمارهم تعرفونَهم " .

    فما هي إذاً ثمارهم سوى كل الأمور المخالفة للطبيعة ؛ التي يهاجموننا بِها وهم يريدون أن يخدعوا قلبنا بِها .

    أما الذين يحبون اللـه من كل قلوبِهم فلا يمكن للأنبياء الكذبة أن يجعلوهم ينخدعون لأي عمل من أعمالهم حسب قول الرسول : " من سيفصلنا عن محبة المسيح ؟ أشده أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف ؛ فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ؛ ولا خليقة أخرى ؛ تقدر أن تفصلنا عن محبة المسيح " .

الحية النحاسية رمز للمسيح :

    وهكذا ترى يا أخي أن الذين يحبون اللـه من كل القلب لا يستطيع أي شيء من العالم أن يفصلهم عن محبته ؛ فأهتم إذاً بنفسك لئلا يحولك عن محبة اللـه شيء مما يؤدي إلى الهلاك ؛ سواء كان فضة أو ذهباً أو بيوتاً أو شهوة أو بغضة أو إهانة ؛ أو إنساناً يجرحك بكلمة ؛ أو أي شيء من جميع سموم الحية التي تنفثها في قلوبنا ؛ فلا تقلق لذلك .

    ولكن فلنغصب أنفسنا بالأحرى أن نثبت عيوننا على الحية النحاسية التي صنعها موسى ؛ حسب قول الرب .

    فقد وضعها على الخشبة فوق قمة الجبل ؛ فكل من لدغته الحية ونظر إليها ؛ في الحال يبرأ .

    فربنا يسوع المسيح يُرمز إليه بالحية النحاسية ؛ لأن الحية هي العدو ؛ وحين سمع لها آدم صار عدواً للـه ؛ وربنا يسوع المسيح صار لأجلنا إنساناً كاملاً مشابِهاً لآدم في كل شيء ما خلا الخطية ؛ وبالتالي للحية النحاسية لأنه مشابه لذلك الذي صار عدواً للـه ( أي لآدم ) ؛ ولكن دون أن يكون له أي فكر شرير أو سم أو خبث ؛ لا يلدغ ولا ينفث وليست له رائحة العدو .

    فهذا هو المثال الذي حققه ربنا يسوع لكي يبطل مفعول السم الذي أكله آدم من فم الحية ؛ ويجدد الطبيعة التي صارت مخالفة للطبيعة لتعود إلى حالتها الطبيعية .

    فقد قال الرب لموسى : " ما هذه في يدك ؟ " فأجاب : " عصا " . فقال له : " أطرحها إلى الأرض " ؛ فطرحها إلى الأرض فصارت حية .

    فهرب منها موسى ؛ ثم قال له اللـه : " مد يدك وأمسك بذنبها " ؛ فمد يده وأمسك بِها فصارت عصا بيده ؛ وقال له اللـه : " خذ بيدك العصا التي تحولت إلى حية وأضرب بِها نَهر مصر أمام فرعون فيتحول ماءه دماً " .

    وأيضاً : " خذ العصا التي في يدك التي ضربت بِها البحر فتضرب بِها الصخرة فتفيض لكم ماءً " ؛ وأيضاً : " خذ العصا التي تحولت إلى حية وأضرب بِها البحر الأحمر فيجف " .

    أرأيت كيف أن الذي يتبع خطوات ربنا يسوع المسيح يتحول إلى عصا بعد أن كان عدواً وحية ؛ ولا يستطيع واحد من أعدائه أن يقاومه .

    هذا السر عظيم إذا نفثت الحية سمها فينا فلنجتهد أن نثبت عيوننا على من عُلق على الصليب ؛ لأنَهم إنما فعلوا هذا كله به من أجلنا ؛ وأحتمله بلا تذمر ودون أن يظهر استيائه من الذين عذبوه ؛ ودون أن يجاوبَهم بكلمة قاسية ؛ لكنه ظلَّ ساكناً كالحية النحاسية تماماً .

    فإذا تأملنا واتبعنا خطواته فإننا نشفى من لدغات الحية الخفية ؛ فالقوة والمعونة هي لمن قال: "كما رفع موسى الحية في البرية هكذا ينبغي أن يُرفع ابن الإنسان؛ لكي لا يهلك كل من يؤمن به؛ بل تكون له الحياة الأبدية ".

    فهذا هو السير في آثار خطواته لكي يُشفى الإنسان به ؛ فكيف يمكننا إذاً أن ننال الشفاء إن كنا لا نؤمن أنه قادر على ذلك ؛ فالحية النحاسية لم تكن تشفي من ذاتِها كل الذين لدغتهم الحية في البرية ؛ بل كان كل من لدغته الحية وينظر إليها بإيمان يشفى ؛ ولذلك كثيرون ممن لدغتهم الحيات ماتوا لأنَهم لم يؤمنوا بكلام اللـه ؛ كما قال الرسول : " ولا تجرب (المسيح) كما جرب أيضاً أناس منهم فأهلكتهم الحيات .

    وأنت تعلم يا أخي أنه توجد الآن أيضاً حيات داخل النفس التي تريد أن تجرب يسوع ؛ ما معنى أن نجرب يسوع سوى أن نسأل عن وصاياه ولا نكملها كما هو مكتوب : " وسأله واحد منهم وهو ناموسي ليجربه قائلاً : " يا معلم أي وصية هي العظمى في الناموس ؟ فقال له يسوع : "تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ؛ وقريبك كنفسك ؛ بِهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء " .

    وهكذا ترى أن الذين يسألون دون أن يعملوا يُدعَون مُجربين لأنَهم لا يريدون أن يؤمنوا بأن الحية النحاسية تستطيع أن تخلصهم من سم الحية الخفية .

الإنسان الذي يستسلم للتوبة يشبه الطفل في حضن أمه :

    فأضبط قلبك ولا تقل وأنت مدفوع بالضجر : كيف يمكنني أن أحفظ الفضائل ( الوصايا ) وأنا إنسان خاطئ ؟ لأن الإنسان إذا ترك خطاياه ورجع إلى اللـه تجدده التوبة ؛ كما يقول الرسول : " كما لبسنا صورة الترابي ؛ سنلبس أيضاً صورة السماوي " .

    فانظر كيف أعطى الإنسان أن يتحول بواسطة التوبة ؛ ويصير بواسطتها جديداً بكليته ؛ فالطفل الصغير مادام في حضن أمه فهي تحفظه في كل حين من كل شر ؛ وعندما يبكي تعطيه ثدييها وقليلاً قليلاً تبدأ تضربه على قدر ما يحتمل ؛ ذلك لكي تجعله يخاف فيطلب حاجته من اللبن بخشية ؛ وحتى لا يجنح بقلبه إلى التمرد ولكنه حين يبكي تتحنن عليه لأنه مولود من أحشائها ؛ فهي تسليه وتحتضنه وتداعبه إلى أن يعود ليرضع من الثدي .

    إذا عُرض على الرضيع ذهب أو فضة أو حجارة كريمة أو كل أشياء هذا العالم فهو ينظر إليها ؛ ولكنه عندما يكون في حضن أمه يرذل كل شيء لكي يأخذ ثدي أمه .

    والده لا يوبخه من أجل أنه لا يعمل أو لأنه لا يذهب للحرب ضد أعدائه ؛ ذلك لأنه صغير ولا يستطيع ذلك ؛ فهو وإن كان له قدمان ؛ لكنه لا يستطيع أن يقف عليهما ؛ وله يدان ولكنه لا يقدر أن يمسك بِهما السلاح .

    وأمه تعامله بملاطفة إلى أن يكبر قليلاً قليلاً ؛ وإذا كبر قليلاً وأراد أن يتصارع مع آخر فأوقعه ذلك على الأرض لا يغضب عليه أبوه لأنه يعرف أنه طفل صغير .

    وعندما يكبر ويصير رجلاً حينئذٍ تظهر غيرته ؛ فإذا صار معادياً لأعداء أبيه ائتمنه أبوه على جميع خيراته لكونه ابنه .

    أما إذا صار فاسداً بعد كل الأتعاب التي احتملها والده من أجله ؛ وأبغض والديه وكذب على بني جنسه ؛ واتحد مع أعدائه ؛ فإنَهم يحرمونه من عطفهم ويطردونه من بينهم لكي يجردونه من الميراث .

التوبة في العهد القديم :

    أما نحن أيها الأخ ؛ فلنهتم بنفوسنا لكي نرتاح في حضن التوبة ونغتذي باللبن من ثديها المقدسة لكي تُنمينا ؛ ولنغص الطرف عن كل ما يرى حتى يكون مذاق لبنها حلواً في أفواهنا ولنحمل نير تعليمها لكي تَهتم بنا .

    وإذا كنا نحارب مقابل أعدائنا ويغلبونا لكوننا ما زلنا صغاراً ؛ فلنلجأ إليها باكين لكي تطلب لأبينا لينتقم لنا من الذين يضايقوننا .

    فلنقطع عنا كل مشيئات قلوبنا ونحب حياة الغربة لكي تخلصنا كإبراهيم ؛ ولنخضع تحت يدي التوبة مثل يعقوب لكي ننال بركة أبينا ؛ ولنبغض أهوائنا كما فعل موسى فحفظته تحت حمايتها وأقامته مقابل الذين أرادوا أن يقتلوه كرجل تحرر من كل شهوة .

    ولا نحتقرها لئلا تبغضنا مثل عيسو ؛ ولنحفظ طهارتِها لكي ترفعنا في أرض أعدائنا مثل عيسو ؛ ولنحفظ طهارتِها لكي ترفعنا في أرض أعدائنا مثل يوسف ؛ ولتكن لنا ملجأً حصيناً كما كانت ليشوع ابن نون الذي كان غلاماً لا يبرح من داخل الخيمة .

    ولا نعطي موضعاً للضجر في قلوبنا لئلا تحرمنا من ميراث أرض الموعد؛ ولنحب الاتضاع في كل شيء ونجتهد لكي ندخل الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً مثل كالب لا نشته شيئاً يؤول بنا إلى الهلاك لئلا نَهلك مثل عاخان

    فلنحب ضميرها ليبكتنا كل حين لكي تخلصنا ساعة الضيقة مثل راحاب ؛ ولا نحب الشراهة في أي مأكول لئلا تُهلكنا مثل أولاد عالي ؛ ولنحفظ أنفسنا من كل إثم مثل صموئيل الذي لم يبكته ضميره قط على أي إساءة نحو قريبه .

    لا نحب الحسد الردىء تجاه الآخرين لئلا ترفضنا مثل شاول ؛ ولا نرد الإساءة للقريب لكي تحفظنا من الشرير مثل داود ؛ ولا نحب التفاخر والمجد الباطل لئلا تقصينا عن وجه أبينا مثل أبشالوم ؛ بل نحب الاتضاع والاعتدال لكي نجعل منا منتقمين لأبينا من أعدائه مثل سليمان .

    ونحب إنكار الذات في كل شيء وإماتة أعضاءنا عن كل الأعمال الميتة لكي تمنحنا قلباً صاحياً مقابل أعدائنا مثل إيليا التسبيتي ؛ ولا نكن محبين للشهوة والشهوانيين كيلا تُهلكنا مثل آخاب .

    ولنجاهد حتى الموت لكي لا نفقد ميراثها المقدس مثل نابوت اليزرعيلي فلنكن خاضعين لآبائنا في الرب في كل شيء ؛ ولنقطع عنا كل مشيئة خاصة لكي نثبت في طاعتهم فتحل بركتهم علينا مثل إليشع .

    ولا نكن طماعين أو مخادعين من أجل مرضاة الناس ؛ لئلا تأتي علينا لعنتها مثل جحزي ؛ ولنحب ( إخوتنا ) الأصفياء أكثر من نفوسنا لكي تباركنا مثل الشونمية .

    لا يكن لنا ولع ردىء بالأمور المخزية ؛ لئلا تبيدنا من أمامها مثل أخيا وصدقيا اللذين أحرق عيونَهما ملك بابل ؛ ولنبغض الخطية حتى الموت من أجل نفوسنا لكي تأتي إلى معونتنا عند الحاجة مثل سوسنة .

    لا نكن مشتهين أطعمة متنوعة ؛ لئلا تتخلى عنا مثل الذين كانوا يأكلون على مائدة نبوخذ نصر .

    ولنحب الإماتة في كل شيء لكي تفرح بنا كما فرحت برفقاء عزاريا؛ ولا نكن منافقين مثل العابدين الذين اشتكوا على الأتقياء ؛ لنكمل عبادتنا مثل دانيال ؛ ولا نستسلم لكسل الجسد لأن ذاك فضَّل أن يموت عن أن يبطل صلواته التي كان يقدمها كل يوم ؛ لأن اللـه قادر أن يخلص محبيه من ضيقاتِهم ويهلك الأشرار ؛ لأن إيمان البار باللـه يجعل الحيوانات الضارية مثل حملان القطيع .

    مبارك إله التوبة ؛ ومبارك كل من يحبها ويحني عنقه لنير مشيئتها إلى أن يولد جديداً من فوق بمشيئة اللـه .

الاحتراس من جميع أعداء التوبة :

    الإنسان في حاجة يا أخي لتمييز عظيم ليقطع عنه كل مشيئة جسدية ؛ وسهر يقظ في جميع طرقه لئلا يضل ويسقط في أيدي أعداء التوبة ؛ فكثيرون حقاً هم أولئك الذين يحيطون به يريدون أن يفصلونه عنها ؛ لأن إدَّعاء البر يقتلها ؛ وإدانة الخطاة تطردها ؛ والازدراء بالمتهاونين يحجزها .

    فلقد كتب عنها في الأمثال : " كل طرقها مستقيمة ؛ لا تأكل خبزها بالكسل ؛ تعمل لرجلها ثياباً ومعاطف موَّشاة ؛ هي كسفينة التاجر القادمة من بعيد ؛ تجمع ثراء .

    فلنفهم ما جاء في هذه الأقوال : التاجر الذي أوثق سفينته لم يضع فيها بضاعته فقط ؛ بل وكل ما يعرف أنه سيعود عليه بالربح ؛ وإذا رأى شخصاً تكبد خسارة فهو لا يحسده ؛ بل يغار بالأكثر من الذين اغتنوا وركنوا إلى الراحة في بيوتَهم .

    يرفض كل صفقة خاسرة ؛ ويقبل كل ما هو مربح إلى أن يقتني منه مكسباً .

    شغله الشاغل أن يشتري مرة أخرى من البضاعة التي أقتنى منها ربحاً ؛ ولا يسأل الذين يحسدونه ؛ بل الذين اغتنوا ولجئوا إلى الراحة في بيوتِهم قائلاً : بكَم بعتم هذا ؟ وبكم اشتريتموه ؟ " .

    تلك هي النفس التي تبتغي ملاقاة اللـه بغير عثرة ؛ فهي لا تكتفي بعمل واحد ؛ بل تنشغل بكل الأعمال النافعة ؛ أما إذا أدركت أن عملاً ما فيه خسارة فهي تتحاشاه لكي لا يصيبها منه أذية .

    وأنت يا أخي يا من تدعى تاجراً ليسوع أنتبه ؛ لأن تجارة ذلك الملك بعيدة عن كل الأعمال المخسِّرة ؛ وهذه هي الأمور التي تسبب الخسارة : تمجيد الناس ؛ الكبرياء ؛ تزكية الذات ؛ الازدراء بالآخرين ؛ الأقوال المثيرة للغضب ؛ محبة الترف ؛ الزهو ؛ محبة اللعب .

    فجميع هذه الأمور مخسِّرة لتجار يسوع ؛ وليس بمقدورهم أن يرضوه إذا اقتنوها داخلهم .

    فأفحص نفسك يا أخي ما الذي تقتنيه؟ وليلاحظ عقلك حواسك؛ أي منها يثمر للـه؛ وأي منها يستسلم للخطية؟ هل استعبدت عيناك للشهوة؟ هل انغلب لسانك للاحتداد ؟ هل تحققت من أن قلبك قد سُرَّ وأرتضى بالتمجيد الحاصل له من الناس ؟ هل اغتبطت أذناك بذكر عيوب الناس .

    فجميع هذه الأمور هي مخسِّرة حقاً للنفس ؛ لأنه مكتوب في اللاويين : " وكلم هارون هكذا : لا تُقرِّبوا على مذبحي حيواناً صحيحاً به عيب لئلا تموتوا " . فهارون رمز العقل ؛ والعدو يخلط شره مع الإدعاء بالبر ؛ الأمر الذي من أجله يأمر اللـه أن يفحص الإنسان ذبيحته أولاً قبل تقديمها لكي لا يموت ؛ والموت هو أن ينحط عن الرؤية الروحية ؛ ويتنازل مع الذين يريدون أن ينجسوا حواسه .

النفس التي تطهرت تصير عروساً للرب :

    هذه هي أقوال الذين يحبون يسوع ويترجونه ؛ وقد اقتنوه عريساً مقدساً فصارت له النفس عروساً مزينة بكل فضيلة ولها صورته المقدسة كما في مرآة بحسب قول الرسول : " ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة ؛ نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد ؛ كما من الرب الروح " .

    " فإننا ننظر الآن في مرآة في لغز ؛ ولكن حينئذٍ وجهاً لوجه " .

    كذلك الذين صاروا له عرائس بالطهارة ؛ يتطلعون في نفوسهم كما في مرآة لئلا يتفق أن تكون هناك شائبة في صورتِهم تحزن عريسهم ؛ لأنه يطلب عذارى ؛ أي نفوساً عفيفة بلا عيب .

    كما هو مكتوب عن رفقة : " وكانت الفتاة حسنة المنظر جداً ؛ وعذراء لم يعرفها رجل " .

    والنبي يقول : " يدخلن إلى الملك عذارى في إثرها ؛ صاحباتِها مُقدمات إليك " . يدخلن تشير إلى تجسده المقدس ؛ صاحباتِها تشير إلى الاتحاد به ؛ لأن الميلاد الجديد من المعمودية المقدسة يجددهم؛ من كل عتق؛ والتوبة تطهرهم وتجعل منهم عذارى قديسات قد تركن عنهن كل ما هو عتيق ؛ ولن يتذكرن منه شيئاً بعد ؛ بحسب الذي قال لهن :

    " أسمعى يا ابنتي وانظري وأميلي أذنك ؛ أنسي شعبك وبيت أبيك فيشتهي الملك حسنك " .

    وتنذهل منها كل قوات السماء بسبب الطهارة التي منحتها التوبة إياها؛ والتي جعلتها جسداً واحداً معه ؛ فيقولون : " من هذه الطالعة وهي بيضاء كلها ؛ مستندة على أخيها " .

عمل خلاص المسيح :

    لهذا فلنعمل بكل قوتنا ؛ وبالدموع ؛ ولنجاهد قليلاً قليلاً حتى نبطل سيرة الإنسان العتيق ؛ ونتحفظ لأنفسنا من كل أفعال الهلاك فتنسكب فينا محبته ؛ وتُنتزع منا صورة الترابي ؛ وتثبت في قلوبنا صورته المقدسة ؛ لكي نصبح أهلاً له ؛ أنقياء من كل دنس كقول الرسول :

    " وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي " .

    فالرسول يعرف أنه ليس إنسان بلا خطية منذ سقوطه ؛ وأن التوبة تستطيع أن ترد الإنسان إلى جدة الحياة بلا خطية ؛ من أجل هذا يحثنا أن نترك سلوك من يخالف الوصية لكي نمارس سيرة ربنا يسوع المسيح ؛ أي الوصايا المقدسة وصايا ذاك الذي صنع معنا رحمة وأحتمل عبودية الإنسان لكي يرده إلى الفردوس الخفي ؛ ومنحه جميع فضائله المقدسة ؛ وأعطاه أن يأكل من شجرة الحياة ؛ أي من الطهارة التي إستعلنت فيه .

    ذلك الذي أسكت الشاروبيم والسيف المتوهج الذي كان يدور لحراسة طريق شجرة الحياة ؛ التي هي معرفة أقواله المقدسة .

    والذي يضع السلام في عقول المؤمنين ويحفظهم على الدوام ؛ ويستر آذانَهم عن كل كلام الحية الشرير ؛ ويذكرهم بحالتهم السابقة في العبودية المرة كيلا يعودوا إليها ؛ ويجعلهم يقدمون الشكر بغير انقطاع لمن اشتراهم بدمه ؛ ومحا فوق الصليب صك عبوديتهم .

    الذي أتخذهم له إخوة وأحباء ؛ وسكب عليهم روحه بالنعمة ؛ وطمأن قلوبَهم قائلاً : " إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " .

    وأيضاً : " أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا ؛ لأني أحببتهم كما أحببتني " .

    وهو يظهر لنا أيضاً أنه لا يتكلم عن الجميع بل يقصد أولئك الذين تركوا عنهم مشيئتهم وأتبعوا مشيئته المقدسة ؛ وقطعوا من أنفسهم كل شركة مع هذا العالم ؛ كقوله : " قد اخترتَهم من العالم ؛ لذلك يبغضهم العالم لأنَهم ليسوا بعد من العالم " .

    وهكذا ترى أن الذين تركوا أمور هذا العالم هم الذين وجدوا مستحقين أن يصيروا له عرائس ؛ ويثبتوا في الاتحاد به ؛ كقول الرسول :

    " من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ؛ ويكون الاثنان جسداً واحداً وهذا سر عظيم ؛ أقول ذلك من نحو المسيح والكنيسة " .

    ويقول أيضاً : " إن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح يسوع بالإنجيل " .

    فأنت ترى أن الذين وجدوا أهلاً له يصيروا فقط جسداً واحداً معه ؛ بل ويسكن فيهم روحه أيضاً ؛ وهو الذي يعينهم ويهتم بِهم كما هو مكتوب : " لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم " .

    كما يقول الرسول أيضاً : " .. .. فأعلن اللـه لنا نحن بروحه ؛ لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق اللـه " . ويقول أيضاً : " أما نحن فلنا فكر المسيح " . فكيف يمكن لفكر المسيح أن يتصور أية خطية ؟

ينبغي أن نقتدي بسيرة يسوع لنستطيع أن نتحد به :

    تأمل في قلبك هذا السر : كل جنس على الأرض يتولد باتحاده بآخر من جنسه وليس من جنس غريب ؛ سواء كان من الحيوانات أو الوحوش أو الزحافات أو الطيور ؛ ومن أجل هذا أحضر اللـه كل الأجناس أمام آدم ليرى إن كان يوجد بينها ما يشبهه ؛ فلم يجد ؛ إذ أنَها لم تكن من طبيعته .

    ثم أخذ اللـه واحدة من أضلاعه وصنع المرأة ؛ ودعاها امرأة لأنَها أُخذت من رَجلها .

    هذا السر عظيم بالنسبة للذين صاروا له عرائس ؛ فقد صاروا من طبيعته بالميلاد الجديد ؛ وأصبحوا منتسبين إلى جسده المقدس كقول الرسول : " نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح وأعضاء بعضاً لبعض كل واحد للآخر " . وأيضاً : " لأننا أعضاء جسمه من لحمه وعظامه " .

    وهكذا ترى أنه يريد أن يكون الإنسان مثله في كل شيء كما كانت حواء من آدم ومشابِهة له في كل شيء ؛ فإن كان فينا إذاً شئ من جهالة الحيوانات ؛ أو شراهة الوحوش الضارية حتى نسلب الواحد الآخر ؛ أو عدم استقرار الطيور ؛ أو سموم الزحافات ؛ فإن نفوسنا لا تستطيع أن تكون له عذارى لأن سلوكهن ليس مثل سلوكه .

    أرأيت يا أخي كيف يريد من الإنسان أن يشبهه ؛ وأن يكون سالماً من كل ما هو مخالف للطبيعة ؛ لكي يصير أهلاً أن يكون له عروساً .

    والنفس تُعرف أفكارها من سلوكها ؛ لأنَها إذا مارست الأعمال يسكن الروح القدس فيها ؛ فالأعمال تلد النفس من جديد في حالة عدم الأوجاع ؛ إذ يستحيل ألا يسكن روح اللـه في تلك النفس .

    كقول الرب : " إن كنتم تحفظون وصاياي ؛ وأنا أطلب من الآب فيعطيكم البارقليط روح الحق " .

    ويقول الرسول أيضاً : " أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم ؛ إن لم تكونوا مرفوضين " .

    هكذا ترى أن الإنسان إذا لم يقتن سلوك يسوع لا يكون مقبولاً ولا يصير عذراء قدامه .

    فجميع العذارى أعددن مصابيحهن ؛ أما اللواتي لم يكن لهن أعمال فتُركن خارج الباب .

    والشبكة المطروحة في البحر جمعت سمكاً من كل نوع ؛ لكنه أخذ الجياد فقط وأدخلهم إلى ملكوته .

    كذلك الزوان ينمو مع الحنطة ؛ لكن عند الحصاد يجمعونه ويطرحونه في النار .

    إن الأغصان تتصل بالكرمة ؛ لكن ما لا يأتي منها بثمر ؛ يطرح في النار .

    كذلك الحملان ترعى مع الجداء ؛ لكنه لا يدخل معه إلا الحملان وحدها ؛ أما الجداء فتطرح خارجاً .

    الزارع يلقي بذاره ؛ لكنه يفرح فقط بالبذار التي تقع في الأرض الجيدة.

    لقد أعطى فضته بغير محاباة ؛ لكنه فرح فقط بالذي ردَّها له مضاعفة .

    إن الجميع قد دُعوا إلى العرس ؛ لكن الذي لم يكن عليه ثياب العرس طُرح في الظلمة الخارجية .

    فهذه الأقوال موجهة إلينا ؛ لأننا جميعاً نقول إننا نؤمن ؛ لكن الذين ليست لهم سيرته الإلهية يطرحهم خارجاً حسب المكتوب : " كثيرون يُدعون وقليلون يُنتخبون " .

الحث على الشجاعة والثقة :

    لنفحص نفوسنا يا إخوتي ؛ ولنتدبر سيرتنا قبل ملاقاته ولا نلتفت إلى أولئك الذين يكملون شهوات قلوبِهم الجسدية ؛ ولا نفقدن مثل هذا الغنى العظيم ؛ كي نستطيع أن نجده ساعة الضرورة ؛ فلنجاهد كي نقتنيه ونبغض كل ما يدفعنا لتركه مثل عدو لنا .

    فلنتأمل أولئك الذين صرفوا كل جهادهم في الاهتمام بالأمور الفانية ؛ فقد تركوها ومضوا ؛ ومن أجلها ورثوا جهنم ؛ لأنَهم لم يريدوا أن يتبعوا خطوات الرب فيستحقوا أن يصيروا له عرائس .

    لنجاهد إذاً بالدموع أمام اللـه ؛ وبتوجع القلب والتأوهات الخفية كيلا نسقط في ما أدركهم من خزي ؛ لأنه إذا أتى الضباب على البحر وأهلك كثيراً من السفن بينما نجت سفن أخرى فلا يقل الرجال : فليبتلعنا البحر أيضاً ؛ مثل أولئك ؛ بل ليشدد كل واحد الآخرين لكي يحتفظوا بشجاعتهم ؛ ويبتهلوا إلى اللـه لكي يعينهم .

    والحق أنه يُوجد ضباب كثيف حالٌ على الأرض ؛ فلنخلع ثيابنا إذاً ولنصرخ لكي لا نَهلك ؛ لأنه إن كانت هناك زوبعة في البحر فالبحارة يشجعون الربان ؛ وأي من لا يوجد متعرياً من كل أعمال الهلاك لا يستطيع أن ينجو من ذلك البحر المضطرب .

    فموسى النبي لم يستطع حقاً أن يسبح للرب إلا بعد أن عبر البحر ورأى جثث الذين كانوا يريدون أن يسترجعوا بني جنسه إلى مصر لكي يخدموا فيها كعبيد؛ ولما أجازهم جميعاً وصاروا أحراراً عندئذ قال:"فلنسبح الرب لأنه بالمجد قد تمجد ؛ الخيل وركاب الخيل طرحهم في البحر " .

الرب أمين وقادر على خلاصنا :

    فإذا خلص العقل حواس النفس من أهواء الجسد وأجتاز بِها البحر ؛ فإن عمود نار اللاهوت يفصل النفس عن أهواء الجسد ؛ حينئذٍ إذا رأى اللـه أن الأوجاع تتجبر وتثقل على النفس لترد حواسها إلى الخطية ؛ وأن العقل يداوم على الحديث مع اللـه في الخفاء بلا فتور ؛ يرسل له اللـه معونته ويبطلها كلها دفعة واحدة ؛ بحسب المكتوب :

    " وقال اللـه لموسى مالك تصرخ إلىَّ ؟ قل لبني إسرائيل أن يستعدوا ؛ وخذ أنت العصا التي في يدك ومدها على ماء البحر فيجف " .

    أمين هو اللـه حتى يمد يده اليوم أيضاً لموسى ( العقل ) حتى يخلص إسرائيل ( النفس ) من أيدي المصريين أي من أهواء الجسد التي تلذَّ لنا ؛ لكي نصير نحن أيضاً أهلاً لأن ننشد ترنيمة جديدة ونقول :

    " سبحوا الرب لأنه بالمجد قد تمجد " .

    إذ كيف يمكننا أن نقول : " لأنه بالمجد قد تمجد " بينما نحن نستسلم لعدونا ؛ ونعود لمصر بمشيئتنا ؛ ونشتهي ما كنا نأكله حين كنا نخدم فرعون ؛ ثم نرغم هارون " أصنع لنا آلهة لتقودنا إلى مصر " ؛ وبفعل الضجر ننساق إلى حد احتقار الطعام الروحاني .

    لكن اللـه قادر أن يجعل موسى ينزل ثانية من فوق الجبل إلينا ؛ لكي يبيد العجل الذهبي الذي صرنا بواسطته أعداء للـه ؛ وأن يهبنا التوبة لكي نرجع إليه ثانية ؛ ويعطي موسى القوة لكي يصلي من أجلنا قائلاً :

    " إن غفرت خطيتهم وإلا فأمحني من كتاب الأحياء " .

    ويعطي يشوع في زمانه القوة لكي يستأصل الأمم السبعة الذين استولوا على أرض الموعد بجسدهم وفكرهم الشرير ؛ لكي ينال إسرائيل ميراثه ويسكن فيه دون أن يكون هدفاً للحسد إلى جيل الأجيال آمين .

    من عنده تأتي القوة والمعونة والحماية والعظمة والملجأ ؛ وربنا يسوع المسيح هو فينا لمجد وكرامة اللـه الآب والروح القدس قبل الدهور والآن وإلى دهر الدهور آمين .

    إذا قرأت هذا يا أخي ؛ فاجتهد قدر استطاعتك أن تعمل به ؛ لكي يحفظك الرب ساعة التجربة آمين .

الميمر السادس والعشرون

 

أقوال سمعها من أبا بطرس تلميذه

 

   قال أبي : تصرف بشجاعة لكي تقوم ما هو بحاجة إلى التقويم ؛ الطهارة تُعطي دالة أمام اللـه ؛ مخافة اللـه والمسكنة تمحوان الخطايا ؛ الذي يقتني رذيلة الانتقام في قلبه صلاته باطلة .

   لا تشته أن يسألونك نصيحة أو كلمة بخصوص الزمان الحاضر ولا تثق بالذي يسألك ( وكأنه سيشهد بمكانتك العالية ) ؛ أنصت دائماً للذين يتكلمون داخلك ( الأفكار ) ؛ وابتهل إلى اللـه أن يعرفك من منهم ينبغي أن تسمع له ؛ اجتهد ألا تتكلم شيئاً بفمك ؛ بينما تضمر شيئاً آخر في قلبك .

    وقال أيضاً : أن يطرح الإنسان نفسه أمام اللـه بمعرفة ويطيع الوصايا باتضاع ؛ فذلك يجلب المحبة ؛ والمحبة تجلب عدم التألم . 

وقال أيضاً : ينبغي لمن يجلس في السكون أن يفحص نفسه على الدوام ؛ هل خَلص من الذين يعوقونه في الهواء ؟ هل صار حراً منهم بقية أيامه ؟ فطالما كان خاضعاً تحت عبوديتهم ؛ فهو لم يصر بعد حراً ؛ ومازال يعوزه أن يتعب ويجاهد إلى أن تأتيه الرحمة .

    وقال أيضاً : الذي يجد في قلبه أي شكاية من ضميره مازال بعيداً عن رحمة اللـه .

سألته كلمة فقال لي :

    إذا أردت أن تتبع ربنا يسوع المسيح ؛ احفظ كلامه ؛ وإذا أردت أن تَصلب معه إنسانك العتيق ينبغي أن تقطع عنك كل ما من شأنه أن ينزلك من فوق الصليب ؛ وأن تُهيئ نفسك لاحتمال المحقرة ؛ ولتطيب قلب الذين يصنعون بك الشر ؛ وللاتضاع ؛ ولرفض مشيئتك ؛ ولأمساك الفم عن الكلام حتى لا تدين أحداً في قلبك .

    قال أيضاً : من كان في السكون يلزمه أن تكون مخافة ملاقاة اللـه مصاحبة لكل نسمة يتنفسها ؛ لأنه مادامت الخطية تخدع قلبه فليست فيه مخافة ؛ ومازال بعيداً عن الرحمة .

    قال أيضاً : إن لم يجاهد الإنسان حتى الموت لكي يجعل جسده مثل الجسد الذي أخذه حبيبنا يسوع عند مجيئه إلينا ؛ فلن يحظى بفرح ملاقاته؛ ولن يخلص من مرارة العبودية .

    وقال هذا : رحماك رحماك رحماك يارب ؛ إلى أين وصلت النفس ؟ بأي نقاوة خُلقت وتحت أي سلطان أُخضعت ولأي بُطل قيدت ؟

    وقال أيضاً : أطلب إليك ألا يتراخى قلبك مادمت في الجسد ؛ فكما أن الزارع لا يستطيع أن يطمئن قلبه من أجل البذور التي نبتت في حقله ؛ لأنه لا يعرف ما الذي يحدث لها قبل أن يجمع الحصاد إلى مخازنه ؛ كذلك الإنسان لا يمكنه أن يهدأ قلبه مادامت في أنفه نسمة حياة .

    فالإنسان الذي يزرع بذاره يترجى أن تثمر له ثماراً جيدة ؛ وعلى هذا الرجاء يعمل ؛ ولكنه يخاف بالأكثر عندما تقرب من النضج ؛ ويصلي إلى اللـه من أجل الحصاد .

    فكما أن الإنسان يظل جاهلاً إلى النفس الأخير بما سيقابله من أوجاع؛ هكذا أيضاً يستحيل عليه أن يرخي قلبه ما دامت فيه نسمة حياة ؛ بل عليه أن يغصب نفسه للصراخ إلى اللـه بمداومة لكي يحظى بمعونته ورحمته .

    سألته : يا أبي ما هو الاتضاع ؟ وما الذي يلده ؟

    فقال لي : الاتضاع هو الطاعة؛ هو قطع المشيئة بخضوع وبدون توجع؛ هو الطهارة واحتمال الإهانة ؛ هو قبول كلام القريب بغير ضيق ؛ هذا هو الاتضاع .

    وقال أيضاً : طوبى لمن يقتني الإنسان الجديد قبل أن يمضي لمقابلة المسيح؛ لأن الرسول يقول : " إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت اللـه " . وقال أيضاً : " فإنه إذ فيكم حسد وخصام وانشقاق ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر " .

    وقال أيضاً : نحن نعاني من أعدائنا ؛ ذلك لأننا لا نعرف جيداً أخطائنا؛ كما ونجهل ما هو النوح الذي بمعرفة لأنه لو انكشف لنا النوح لأظهر لنا خطايانا ؛ وإذ تركنا لنبصر خطايانا بحق ؛ لأخذنا الخزي من رؤية الزانيات لأنَهن أفضل منا كثيراً ؛ فهن إنما ترتكبن خطاياهن بوقاحة لأنَهن لا يعرفن اللـه ؛ أما نحن بالرغم من كوننا مؤمنين تستسلم قلوبنا لخطايانا .

    وقال أيضاً : الإنسان الذي يحتمل ما يأتيه من ملامة ويقطع مشيئته لقريبه من أجل اللـه لكي لا يسمح للعدو أن يندّس بينهما ؛ مثل هذا الإنسان يظهر أنه مُجاهد عمَّال ؛ لأنه إذ كان العقل يقظاً ويُخضع نفسه بمعرفة عند قدمي الرب يسوع ؛ فهو يهتم بقطع مشيئته حتى لا ينفصل عن الرب حبيبه .

    أما الذي يتمسك برأيه فلا يكون في سلام مع المؤمنين ؛ لأن نفاذ الصبر والغضب واحتداده على أخيه ؛ تلاحق قلبه الذي يظن في نفسه أنه أقتنى المعرفة .

    فحريٌ بنا أن نطلب من اللـه لكي يعطينا أن نعرف خطايانا ؛ وأن نعمل ما في إمكاننا .

    أن نَهرب من الناس ولا ننساق لمصاحبة العلمانيين والأحاديث الباطلة ؛ كي لا تغطي الظلمة نفوسنا أمام اللـه ؛ فقد قال أحد الآباء : أنه يستحيل على الإنسان الذي يتكلم أو يستمع للأحاديث العالمية أن يجد دالة في قلبه أمام اللـه .

    أما الذي يقول: "إنني إن سمعت أو تكلمت فهذا لا يضيرني في شيء" ؛ فهو يشبه الأعمى الذي لا يرى النور متى أدخلوه أو أخرجوه . فمن الشمس التي تبصرها تعرف ذلك ؛ إذ أن سحابة صغيرة تمر أمامها تخفي ضوئها وحرارتُها ؛ لكن الأمر لا يظهر للجميع بل للذين يمتلكون المعرفة .

وقال أيضاً:الذي يبصر خطاياه كل حين ليس له لسان يتكلم إلى الآخرين.

    وقال أيضاً : أبغض كل ما في العالم ؛ وكذلك أبغض راحة الجسد ؛ لأن هذه الأمور تجعلك عدواً للـه ؛ وكما لو كان لإنسان عدو يصارعه؛ كذلك يجب علينا أن نقاوم جسدنا فلا نعطيه راحة .

    وقال أيضاً : تأكد من هذا القول : أن التعب والفقر والغربة والثبات في السكون تولد الاتضاع ؛ والاتضاع يغفر الخطايا ؛ إن كان إنسان لا يحفظ هذه ؛ فخروجه من العالم باطل .

   وقال أيضاً : اجتهد قدر استطاعتك أن تنكر ذاتك لكي يمكنك أن تتفرغ للبكاء ؛ أهتم بكل قوتك أن تبتعد من المجادلة في أمور الإيمان خارجاً عما تسلمته من الآباء .

    وقال أيضاً : ينبغي على من يعمل ويحب اللـه أن يلاحظ كل أفكاره لينزوي فيها ويفحصها أهي من الجسد أم لا ؟ لأنه طالما كان لشىء مما هو مخالف للطبيعة سلطان على أحد أعضاءه فلا يُحسب بعد كعذراء (للمسيح) .

    سألته : ما معنى ما جاء في الصلاة الإنجيلية : " ليتقدس اسمك " ؟ فأجاب : هذا يختص بالكاملين ؛ لأنه لا يمكن أن يتقدس اسم اللـه فينا نحن الذين مازالت الأوجاع تتسلط علينا .

    وقال أيضاً : هذه أشياء تطرد تذكار اللـه من النفس : الغضب ؛ الجبن ؛ شهوة تعليم الآخرين ؛ الأقوال الباطلة . بينما الصبر والوداعة يجلبان المحبة .

    وقال أيضاً : كان آباؤنا الشيوخ يقولون : إن النسك هو الاعتكاف وتأمل الموت ؛ لكنه من الخطر أن يُترك أحد لينفرد وحده ما لم تكن له أعمال ( جهاد ) مقابل الخطايا التي تحيط بنفسه ؛ وتوبة قلبية عما فعله في زمان توانيه ؛ وكذلك يؤمن أن اللـه قد غفر له خطاياه .

    كما يقول لعدوه : إنني لا أتكل على شيء من أتعابي ؛ وإلى أن أقف أمام كرسي القضاء لا أدعي البر ؛ كما وأزدري بمن يهدمون كل بنيان النفس إن توافق القلب معهم .

    وقال أيضاً : إن الإنسان بحاجة إلى أن يقتني اتضاعاً عظيماً ؛ وأن يطرح نفسه أمام صلاح اللـه لكي يعرف اللصوص الخفيين ؛ ويهرب منهم .

    وقال أيضاً : بشأن حفظ السلام مع القريب :

    حيث ليس سلام لا يسكن اللـه بعد ؛ أما الذي يبصر خطاياه يرى أيضاً السلام ؛ فالموضع الذي نسكن فيه ليس هو الذي يغفر الخطايا ؛ بل الاتضاع ؛ وقد قيل أن داود حينما سقط في الخطية مع امرأة أوريا لم يجد أية ذبيحة يمكنه أن يقدمها للـه من أجل خطيته سوى هذه ؛ حين قال :

" الذبيحة المقبولة للـه هي الروح المنسحق والقلب المنكسر المتواضع " .

    وقال أيضاً : اجتهد قدر إمكانك أن تَهرب من هذه الأوجاع الثلاثة التي تسقط النفس : محبة الربح ؛ الكرامة ؛ الراحة . لأنَها إذا تسلطت على النفس عاقتها من النمو .

    وقال أيضاً : إذا جلست في قلايتك وأتاك فكر دينونة للقريب فأحكم عليه في ضوء خطاياك وأعتبر أن خطاياك أكثر عدداً من خطايا القريب ؛ فإذا كنت تفكر أنك تعمل أعمالاً حسنة؛فلا تظن أنَها مرضية أمام اللـه.

    وقال أيضاً : العضو الأكثر قوة في الجسد يهتم بالضعيف ينهضه ويتعهده ؛ أما الذي ينشغل بنفسه ويقول : " مالي أنا وللضعيف ؟ " ؛ فهو ليس من جسد المسيح . إذ أن القوي يحنو على الضعيف حتى يشفى .

    الإنسان القاسي يقول في قلبه : " أنا لم أسقط أبداً " . بينما الذي أقتنى الاتضاع يضع على نفسه ضعف قريبه قائلاً : " أنا الذي سقطت " .

    أما الذي يحتقر القريب فهو يظن في نفسه أنه حكيم ؛ وأنه لم يسئ إلى أحد قط ؛ الذي أقتنى مخافة اللـه يهتم بالفضائل لئلا تبيد .

    وقال أيضاً : إذا كنت جالساً في قلايتك تقوم بخدمة أوقاتك من أجل اللـه في صمت ؛ وأستسلم قلبك لشىء ما ليس هو من اللـه ؛ وفكرت في نفسك قائلاً : " هذا الأمر ليس خطية ولكنه مجرد أفكار " .

    فقُل أنت أيضاً : " فإذاً إن كانت هي أفكار وليست خطية فالخدمة التي كانت مني في صمت ليست صادقة " .

    فإذا قلت : " إن اللـه يقبل خدمة قلبي التي أعملها في صمت ؛ فإن أستسلم قلبك للشر في صمت يُحسب لك خطية أمام اللـه .

    وقال أيضاً : " عدم الصبر ؛ وملامة الآخرين ؛ تكدِّر العقل إلى الدرجة التي تجعله لا يرى نور اللـه " .

    طلبت منه كلمة فقال لي : الذي لا يجد معونة ( من اللـه ) وقت الحرب ؛ ففي السلم لا يستطيع أن يطمئن .

    قال بخصوص التعليم : ينبغي أن تخاف لئلا يكون سلوكك غير موافق لتعليمك ؛ لأنك مادمت تخطئ لا تقدر أن تُعلم .

    افتقدته عندما كان مريضاً فوجدته مُتعباً جداً؛ فلما رآني حزيناً قال لي: " إن هذا التعب ليس بشىء طالما يوجد رجاء في الراحة ؛ لكن الذي يضغطني هو خوف تلك الساعة المظلمة إذا ما وُجدت مطروحاً من أمام وجه اللـه لأن أحداً لن يسمعني ؛ بل وليس هناك أمل في الراحة .

    قال بخصوص الشركة في ( الأسرار الإلهية ) :

    ويلي ويلي إن كانت لي شركة مع أعداء اللـه ؛ فأي شركة تكون لي معه ؟ إذاً فيما أنا أتناول آخذ دينونة وخزياً في لنفسي ؛ لأننا نقول :

    " القدسات للقديسين " ؛ فإن كنت أنا قديساً فما هي هذه الأوجاع التي تتحرك داخلي ؟

    سألته أيضاً : ما هي مخافة اللـه ؟ فقال لي : من كانت لك دالة ليست بحسب اللـه مع إنسان فليست فيك مخافة اللـه .

    وسألته أيضاً : من هو خادم اللـه ؟ فقال لي : مادام الإنسان عبداً للأوجاع فلا يحسب بعد كخادم للـه ؛ بل هو عبد لمن يتسلط عليه .

    وما دام تحت عبودية واحد من الأوجاع ؛ فلن يستطيع أن يعلم من كان مغلوباً لهذا الوجع عينه ؛ لأن ذلك خزي له أن يعلم قبل أن يتحرر من ذلك الشىء الذي يعلم بخصوصه ؛ وكيف يصلي إلى اللـه من أجل آخر بينما هو نفسه مغلوب ( لهذا الوجع ) ؟ فإن كان لا يزال في عبودية مرة فهو حينئذٍ ليس بصديق أو ابن أو خادم اللـه .

    فكيف يصلي إذاً للـه من أجل الآخر ؟ يليق به بالأولى أن يبتهل إلى اللـه بدون انقطاع لكي يخلصه مما هو تحت عبوديته ؛ حينئذٍ يرى خزيه ويبكي عندما يرى نفسه غير مستحق لدالة البنوة التي هي الطهارة الحقيقية التي يطلبها اللـه منه .

    وقال أيضاً : ويلي ويلي أنا الذي لم أجاهد لكي أطهر نفسي لكي أجد رحمة .

    ويلي ويلي لأني لم أجاهد لكي أغلب في الحرب مقابل أعدائي ؛ لكي أملك مع المسيح ؛ فكيف يتسنى للأبرص أن يتقدم ويقترب من مَلِكه ؟

    ويلي ويلي أنا الذي أحمل اسمك يارب ؛ بينما أخدم أعدائي .

    ويلي ويلي أنا الذي أتغذى من الأشياء التي هي مكرهة أمام اللـه ؛ ومن أجل هذا فهو لا يشفيني .

    قمت بزيارته حين كان مريضاً ووجدته مُتعباً جداً ؛ فلما شاهد حزن قلبي من أجل معاناته الألم قال لي : إنني في ألمي أقارب الموت من هذه الأمراض؛وأستطيع أن أذكر نفسي بتلك الساعة المريرة حيث لا تفيد صحة الجسد شيئاً ؛ فهو يطلب أن يستعيد صحته لكي يصير عدواً للـه ؛ نعم إن الشجرة التي تُسقى كل يوم لا تجف ولكن هذا يجعلها لا تعطي ثماراً .

    قال أيضاً : ينبغي أن يقتني الإنسان قلباً شجاعاً واهتماما عظيماً ليحفظ وصايا الرب .

    قال أيضاً : ويلي ويلي أنا الذي أجد أمامي الذين يشتكون عليَّ ؛ اعرف بعضهم والبعض الآخر أجهلهم ؛ ولا أستطيع أن أردَّ عليهم .

    ويلي ويلي كيف يمكنني أن ألقى ربي وقديسيه مادام أعدائي لم يتركوا فيَّ عضواً واحداً سليماً قدامه .

    سألته : ما الذي يلزم أن يعمله من يجلس في السكون ؟ فقال : المتوحد في حاجة إلى هذه الأمور الثلاثة :

    أن يخاف على الدوام ؛ ويصليَّ بلا انقطاع ؛ ولا يرضي قلبه أبداً .

    وقال أيضاً : يجب على من يحيا في السكون أن يتحفظ لنفسه من الاستماع لأي حديث لا ينفعه ؛ لأن هذا يهلك تعبه .

    فكما أن المرأة الحبلى التي تأخذ حذرها إذا حدث أن أتى شخص بخبر سيئ أو ركلها بقدمه ؛ تسقط جنينها ؛ فكم من الوقت يلزمها أن تراعي صحتها من قبل أن تتمكن من أن تحبل من جديد ؛ وإذا أُجهضت مرة أخرى فهي تموت من شدة حزن قلبها ؛ لكونِها تألمت كثيراً دون أن ترى طفلاً ؛ كما أن زوجها يغتم ويحزن لذلك ؛ ( هكذا النفس أيضاً بسبب إهمال قليل ؛ غالباً ما تجهض الأمور التي اقتنتها بالتعب والكد ) .

    قال أيضاً عن أبا سيرابيون : إن أحد الشيوخ سأله قائلاً : من أجل المحبة قل لي كيف ترى نفسك ؟ فأجاب : أشبه إنساناً قائماً فوق برج يتطلع إلى الخارج ويشير إلى المارَّة ألا يقتربوا منه .

    فقال الشيخ الذي سأله : أما أنا فأرى نفسي وكأنما أقمت سوراً بابه مدعم بمزلاج من حديد لكي إذا قرع عليه أحد لا اعرف من هو ؟ ولا من أين أتى ؟ وما الذي يريده ؟ ولا أفتح له حتى يمضي .

    وقال أيضاً : إذا سأل إنسان اللـه بوجع قلب ؛ فهو يستجيب له إن كان يطلب بمعرفة ويهتم بذلك بحزن قلب .

    كما ينبغي ألا يرتبط بشىء من أمور العالم ؛ بل يهتم بنفسه بمخافة لكي يقدمها بلا لوم أمام كرسي اللـه على قدر استطاعته ( كإنسان صغير وحقير بحسب ما يرضي اللـه ) .

الميمر السابع والعشرون

 

بشأن القول الإلهي

" أحترز وأحفظ نفسك جداً "

الإقتداء بصبر المسيح :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي تؤمن بثبات أن ربنا يسوع المسيح وهو الإله ذو المجد والعظمة غير المنطوق بِها قد صار لنا مثالاً لكي نتبع خطواته .

    وضع نفسهُ من أجلنا آخذاً صورة عبد ؛ وأخلى نفسه مستهيناً بالخزي واحتمل إهانات كثيرة مهينة ؛ وصار كما هو مكتوب : " مثل شاة تساق إلى الذبح ؛ ومثل خروف صامت أمام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه ؛ في تواضعه أنتزع قضاؤه " .

    واحتمل الموت بِهزء كثير من أجلنا ؛ حتى أننا نحن أيضاً بحسب وصيته نحتمل باختيارنا من أجل خطايانا إن أساء أحد إلينا ؛ أو ثلبنا ( سواء بعدل أو بظلم ) .

    بل وماذا أقول ؟ حتى إلى الموت ؛ لكي نساق نحن أيضاً " مثل خروف للذبح " ؛ ونصير كبهيمة صامتة لا تقاوم بكلمة واحدة .

    بل بالأحرى بك أن تصلي قدر استطاعتك ؛ وإلا فعلى أي حال ألزم الصمت تماماً باتضاع كثير .

الثبوت في مخافة اللـه :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي إن واقفاً أو جالساً أو تعمل شيئاً؛ أن تثبت أمام اللـه بمخافة عظيمة وفزع زائد .

    لكي بِهذا لا تميل إلى التعالي أو الكبرياء ؛ بل تحيا دائماً بالوداعة والخشوع ؛ وتكون في جميع الأحوال بلا غضب أو قلق أو انفعال عالماً أن اللـه يلاحظ جميع حركاتك .

 

احتمال الإهانات وعدم محبة المديح :

 

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي إذ تتيقن أن الإهانات والشتائم التي تُقبَل من أجل اللـه هي ربح عظيم وخلاص لنفسك ؛ تحتملها عن طيب خاطر وبغير اضطراب قائلاً : " إنني مستحق أن أتألم بأكثر من ذلك من أجل خطاياي " ؛

    وأيضاً : " لقد وجدت حلاً أن أتألم وأحتمل من أجل الرب لعلني بفضل المحن والضيقات أصير ولو إلى لحظة قصيرة متشبهاً بآلام إلهي " .

    وكل مرة تتذكر فيها الذين أحزنوك صَلِّ من أجلهم بكل نفسك وبالحق كما لو كانوا أناساً أحرزوا لك ربحاً عظيماً؛ ولا تتذمر عليهم قط.

    أما إذا مدحك إنسان أو كرَّمك فأحزن وصَلِّ لكي يرفع عنك هذا الحمل الثقيل ؛ وهكذا في كل الأحوال التي تدركك فيها كرامة أو رئاسة حتى لو كانت صغيرة .

    صَلِّ إلى اللـه بحرارة من كل قلبك لكي يبعد عنك كل شيء من هذا القبيل مفكراً : " أنا لست بمستحق " . وأبحث دائماً بتدقيق عن الوظائف والأعمال الأكثر حقارة ؛ ومارسها بنوح واتضاع مثل إنسان مائت ومدفون لهذا العالم ؛ وكآخر الكل وخاطئ أكثر من الجميع ؛ فهذه الأشياء كلها ذات منافع عظيمة لنفسك .

أقطع عنك كل مجد باطل وكل شهوة :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي تقتني هلعاً وبغضة تامة كما من الموت العظيم وهلاك النفس والعذاب الأبدي بازاء محبة الرئاسة والعظمة واشتهاء المجد والكرامات والمديح من جانب الناس ؛ والظن بأنك شيء وأنك غني في الفضيلة ؛ أو أنك أفضل من آخر .

    وأقطع عنك كل شهوات الخزي وكل لذة جسدية ولو كانت تافهة ؛ ولا تذكر إنساناً لا يكون في ذكره منفعة لك ؛ ولا تلمس جسد آخر ؛ ولا تقل لأحد : " ما هذا الشىء ؟ " ؛ ما لم تدعو الضرورة لذلك ؛ ولا تأكل قبل الموعد ولو بقليل .

    فإذا كنت متحفظاً هكذا أو مدققاً في الأمور الصغيرة ؛ لن تعثر في الأمور الجسيمة ؛ أو تعرض قليلاً قليلاً للسقوط إذا تغاضيت عن الأمور الصغيرة .

الاتضاع في كل شيء :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " أن تفتش ذاتك بكل وسيلة من أجل خطاياك ؛ وتجتهد قدر ما تستطيع ( بالفكر والقول والأفعال وفي طريقة مشيك ) أن تتواضع في كل شيء وتتذلل كالجالس على مزبلة .

    وتتأكد من أعماق نفسك وبالحق أنك مثل التراب والرماد ؛ معتبراً نفسك أخر الكل وخاطئاً أكثر من جميع المسيحيين ؛ فتقول : " إنني تراب ورماد بالقياس إلى المسيحيين " ؛ وأيضاً : " إن كل بري هو مثل خرقة الطامث " ؛ وأيضاً : " إذا لم تدركني الرحمة من قبل نعمة اللـه وكثرة تحننه ؛ أكون مستوجباً للعذاب الأبدي ؛ لأن اللـه إذا أراد أن يدخل في المحاكمة معي فلن أستطيع أن أحتمل لأني ممتلئ رذائل " .

    فأضبط نفسك هكذا دائماً في النوح وانتظار الموت كل يوم وأصرخ إلى اللـه بحرارة بغير فتور لكي يقوِّم نفسك برحمته العظيمة ويتحنن عليك وذلك لكي تدوم في الإحساس بالحزن .

    ولا تضحك أو تتلاهى بل كل حين ليتحول ضحكك إلى نوح وفرحك إلى غم اليوم كله ؛ وأمش دائماً حزيناً من أجل أن نفسك قد امتلأت خزياً " .

    فهذه الأشياء هي حقاً ذات نفع عظيم وخلاص لنفسك .

كن أخر الكل :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " أن تعتبر نفسك من أعماق قلبك وبالحق أخر الكل وخاطئاً أكثر من جميع المسيحيين ؛ ولتكن نفسك دائماً نائحة باكية ومتخشعة ؛ واحفظ الصمت كل حين مثل إنسان جاهل وغير مستحق ؛ ولا تتكلم على الإطلاق ما لم تكن هناك ضرورة .

خَف من جهنم :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " أن تضع أمام عينيك كل يوم بلا انقطاع النار الأبدية والعذاب الذي لا نَهاية له ؛ كذلك أعتبر حال الذين يُدانون ويعذَّبون ؛ حاسباً نفسك كواحد بينهم أكثر من أن تكون بين الأحياء .

    فما دمنا في هذه الدنيا ؛ فهو زمان التوبة ؛ تلك التي تعتقنا من هذه العذابات العظيمة المرعبة .

    فأقتن هذا النوح الدائم والحزن العظيم والتذلل ؛ وألتمس لنفسك بحسب مشيئة اللـه أن تكمل أتعاب وآلام النفس والجسد من أجل خطاياك ؛ لكي من جهة تثابر بالجسد قدر استطاعتك على الأعمال اليدوية والأصوام والإماتات الأخرى الكثيرة ؛ متمماً بالحقيقة هذا القول : " أخر الكل وخادماً للجميع " ؛ ومن جهة أخرى تتوجع في نفسك متذكراً ذلك البكاء الدائم وصرير الأسنان ؛ مداوماً قدر استطاعتك الهذيذ في الأسفار الإلهية ؛ مع التنهد والصلاة بحرارة من آن لآخر أثناء هذيذك ؛ وذلك لتكون كل حين كمن يخدم القداس بغير انقطاع ؛ بحيث لا تجد الشياطين فرصة لكي يلقوا في قلبك الأفكار الشريرة .

الحياة للمسيح الذي مات وقام لأجلنا :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " ما دمت تعلم أن ربنا قد مات لأجلنا وقام ؛ وأننا قد افتدينا بدمه لا لكي تعيش فيما بعد لنفسك بل للرب الذي من أجلنا مات وقام ؛ ولتؤمن بيقين أنك قائم كل حين أمامه وأنه يفحص قلبك .

    كن في نفسك كمن مات ورحل عن الجسد ؛ وهو قائم قدام اللـه على الدوام .

اعتبر نفسك مثل عبد أمام اللـه :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي تتشبه بالعبد الذي يمكث دائماً أمام سيده بمخافة ورعدة ويتبعه باتضاع كثير ولا يبتعد عنه ؛ ويكون دائماً مستعداً ليصنع مشيئته ؛ هكذا يكون سلوكك أنت أيضاً ؛ جالساً كنت أو واقفاً ؛ متفرداً أم مع آخرين ؛ بحيث تكون دائماً كما يليق بحضرة اللـه بمخافة ورعدة .

    مطهراً (قدر استطاعتك) عقلك من الأفكار الشريرة؛ ومن كل عيب ؛ باتضاع كثير وسكون تام وبمعرفة؛ وذلك من أجل اللـه الذي يلاحظك؛ ولا تسمح لنفسك أبداً أن ترفع نفسك من أجل خطاياك .

كن دائماً مستعداً لإطاعة مشيئة اللـه :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " أن تكون دائماً مستعداً لطاعة مشيئة اللـه ( سواء كان بحياة أو بموت أو في ضيقة ما مهما كانت ) بإجهاد كثير وإيمان ؛ وأن تصبر دائماً على ما يعرض لك من محن وتجارب عظيمة ومخيفة ؛ وعذابات ؛ وموت مفزع .

افعل كل شئ بحسب اللـه :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي إذ تعتبر نفسك واقفاً أمام اللـه لا تعمل شيئاً ؛ ولو كان صغيراً جداً بغير مشورته .

    فإن أردت أن تقول أو تعمل شيئاً ؛ كأن تفتقد أحداً ؛ أن تأكل ؛ أو تشرب ؛ أو تنام ؛ فمهما كان ذلك الشىء الذي تفكر في أن تعمله ؛ فأفحص أولاً إن كان موافقاً لمشيئة اللـه ؛ معترفاً كذلك للـه في كل أعمالك لكي تجد أمامه دالة وألفة عظيمة .

اعتبر نفسك مثل عبد بطال :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " عالماً بما هو مكتوب : " متى فعلتم كل البر فقولوا إننا عبيد بطالون لأننا عملنا ما كان يجب علينا " ؛ لكي تمارس العمل الذي تعمله بحسب اللـه ؛ مهما كان هذا العمل لا كمن سينال عنه أجراً ؛ بل بكل اتضاع ومثل عبد بطال بالحقيقة ؛ عليه دين كبير ولا يرد غير القليل ؛ واعتبر نفسك أنك تضيف كل يوم على خطاياك بسبب إهمالك لأنه قيل: " من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له ".

    وأفتح عيني ذهنك لترى كل تقصير صدر منك من جهة وصايا اللـه ؛ وكن دائماً نائحاً حزيناً مصلياً إلى اللـه من أجل كثرة خطاياك ؛ لكي يصنع معك رحمة ويغفرها لك بتحننه العظيم ومحبته للبشر .

لا تنطق بشىء تحت تأثير الغضب :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " إذا أحزنك أحد في أي من الأمور ؛ وامتلأ قلبك غماً وسخطاً ؛ أحترز أن تصمت ولا تنطق بكلمة غير لائقة ؛ بل هدِّئ قلبك بالصلاة ؛ وبعدئذ توسل إلى أخيك .

    وإن دعتك الضرورة لأن تعاتب أخيك ؛ وأدركت وانفعلت واضطربت ؛ فلا تقل له شيئاً على الإطلاق لئلا يزداد اضطرابك ؛ بل حين ترى أنكما قد صرتما هادئين طيبي الخاطر ؛ عندئذ تحدث إليه لا لكي تتهمه بشىء بل لكي تذكره بكل اتضاع .

    إقتسر ذلك وجاهد دائماً ألا تنطق بكلمة وأنت غاضب متفكراً بيقين أنك أمام عيني اللـه الذي يفتش قلبك ؛ لذلك أحذر وخَفْ كما لو كنت تراه دائماً ؛ وأعلم أنك أمام مجده وعظمته الفائقة كأنك غير الموجود وكتراب ورماد وعفن ومثل دودة .

اخضع بالتمام للرب الذي افتداك :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " عالماً أن الرب من أجلنا أفتقر وهو غني؛ ومن أجلنا مات وقام ؛ وأنه اشترانا بدمه ؛ لكي تدرك أيضاً أنك قد اشتريت بثمن ؛ فلا تعيش فيما بعد لنفسك بل للرب .

    لتصير له عبداً كاملاً في كل شيء ؛ يكون أمام اللـه دائماً مثل بَهيم هادئ جداً ؛ لا يحارب بل يخضع دائماً لسيده ؛ مائتاً عن الأوجاع البشرية وعن كل شهوة .

    وكمن ليست له مشيئة أو رغبة خاصة ؛ واجعل مسرتك دائماً في الاشتغال بعمل اللـه ؛ ولا تظن أنك حر ؛ أو أنك قادر أن تعمل شيئاً من ذاتك ؛ بل صر عبداً للـه خاضعاً لمشيئته .

توقع التجارب كل يوم وأحتملها بصبر :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي تتوقع كل يوم ما يعرض لك من المحن والتجارب ؛ سواء كان الموت أو الضوائق أو المخاطر العظيمة ؛ احتملها عن طيب خاطر دون أن تضطرب ؛ ذاكراً هكذا :

    " أنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت السماوات " .

أطلب وأعمل مشيئة اللـه في كل شيء :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " في جميع الأمور التي تعرض لك ؛ سواء في كلام أو عمل أو تفكير ؛ ألا تطلب على الإطلاق مشيئتك الخاصة أو راحتك ؛ بل فلتفحص بعناية ما هي مشيئة اللـه وتكملها بالتمام .

    كذلك إذا ظهر لك أنَها تستلزم تعباً فاحتمله ونفذها من أجل ملكوت السماوات حقاً ؛ واثقاً من كل قلبك أنَها نافعة أكثر من كل فطنة بشرية لأن "وصيته هي حياة أبدية" ؛ "وطالبوا الرب لا يعوزهم شيء من الخير" .

 

انتظر الرب وحده في كل شيء :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " كمن هو قائم كل يوم أمام اللـه كيلا تثق في إنسان بل فيه وحده بإيمان ؛ فإذا كنت في حاجة إلى شيء ؛ أطلب من اللـه تحصل على ما تحتاج إليه بحسب مشيئته ؛ وقدم الشكر دائماً للـه من أجل ما تجده كأنه هو الذي أعطاك .

    إن أعوزك شيء لا تتكل أبداً على إنسان ولا تغتم ولا تتذمر على إنسان بل أحتمل بطيب خاطر ودون أن تقلق مفكراً هكذا : " إنني استحق الكثير من الضيقات من أجل خطاياي " .

    إذا فكرت هكذا ستجده يغدق عليك ما تحتاج إليه .

لا تقبل ثمر الظلم :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " ألا تأخذ شيئاً ما لم تتأكد أن اللـه أرسله إليك كثمرة عادلة ؛ فإقتبله حينئذٍ بسلام عظيم ؛ أما ما ينبع من الظلم أو النزاع أو الغش أو النفاق فأرفضه وأبتعد عنه قائلاً :

    " إن القليل مع مخافة اللـه خير من كنوز كثيرة مع الظلم " .

تدرب على الصمت :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " واغصب نفسك وذاتك على ممارسة الصمت ؛ لكي يعطيك الرب قوة للجهاد والتمرن عن أن لا تتكلم ولو بكلمة صغيرة من غير ضرورة .

    وإذا اضطررت أن تقول لأحد : " أين ذلك الشىء ؟ " ؛ أو " ما هو هذا الشىء ؟ " ؛ فأفحص أولاً نفسك إن كان هناك ما يبرر ذلك .

    فإذا كان الأفضل بحسب اللـه أن تتكلم ولا تسكت ؛ عندئذ افتح فمك بمخافة اللـه وبرعدة ووجه مطاطئ ؛ وتكلم بخوف وبصوت منخفض .

    وإذا قابلت شخصاً كلِمّه قليلاً من أجل المحبة ثم أسكت بسرعة ؛ وإذا طلب منك شيء فاستمع فقط إلى ما هو ضروري ولا تقل شيئاً أكثر .

أمتنع عن كل شهوة جسدية :

    " أحترز وأحفظ نفسك جداً " لكي كما تمتنع عن الزنا تمتنع أيضاً عن شهوة العيون والآذان والفم واللمس .

    ولتكن حذراً لعينيك ملتفتاً إلى عمل يديك ؛ ولا تتطلع إلى أي إنسان إلا إذا تأكدت أن الحاجة تدعو إلى ذلك ؛ ولا تنظر قط إلى امرأة بغير ضرورة أو إلى شاب جميل الصورة .

    لا تسمح لأذنيك بالاستماع إلى شيء يخص شخصاً آخر ؛ أو إلى أحاديث غير نافعة ؛ وليسكت فمك ولا تتكلم أبداً بغير ضرورة .

    فإذا قرأت هذا أيها المحبوب ؛ فاعمل قدر استطاعتك أن تحفظه ؛ لكي يحفظك اللـه في ساعة الضيقة . آمين .

 

 

 

 

 

 

a

الميمر الثامن والعشرون

 

أغصان الشر

 

يجب معرفة أغصان الشر والتحقق منها :

    الحديث عن أغصان الشر أمر ضروري لكي يعرف الإنسان ما هي الأوجاع ؛ وما الذي يفصله عن اللـه ؛ فيسأل من صلاحه من أجل كل واحد منها لكي يدرك الإنسان بمعونته تعالى ويهبه القوة حتى يصير قادراً أن يتخلص منها .

    فهذه هي جروحات النفس بالحقيقة ؛ وهي التي تفصلها عن اللـه ؛ وطوبى لمن يتعرى منها لأنه يصير غنمة روحية مقبولة على مذبح اللـه ؛ ويسمع الصوت المملوء فرحاً ؛ صوت الرب القائل :

    " نعماً أيها العبد الصالح والأمين ؛ كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير ؛ أدخل إلى فرح سيدك " .

   أما الذين يريدون تكميل مشيئتهم الجسدية وقد رفضوا أن يداووا نفوسهم بدواء التوبة المقدس لكي يصيروا أطهاراً ؛ فهؤلاء يُوجدون ساعة الضيقة عراه ليس عليهم ثوب الفضائل ؛ فيطرحون في الظلمة الخارجية الموضع الذي يجدون فيه الشيطان لابساً حلة الأوجاع التي هي : الزنا ؛ الشهوة ؛ محبة الفضة ؛ الحسد ؛ المجد الباطل ؛ العظمة .

   فتلك هي الأغصان وغيرها كثير يشبهها .

    ما هو الزنا ؟ هو عدم ضبط ؛ وعدم الضبط هو محبة زينة الجسد ؛ الطياشة ؛ الكسل ؛ كلام الضحك ؛ والنظر غير المتعفف .

    وما هي محبة الفضة ؟ هي ألا تصدق مواعيد اللـه ؛ وتحب الراحة ؛ وتطلب مجد العالم ؛ ولا تحب الإحسان ؛ بل تحب المجد الباطل ؛ ولا تبالي بالآخرين ؛ تفقد الضمير ولا تلاحظ دينونة اللـه .

    وما هي النميمة ؟ هي الجهل بمجد اللـه ؛ الحسد للقريب لكونَهم لم يبالوا بك ؛ الوشاية ؛ الغيرة ؛ محاباة الناس ؛ شهادة الزور .

    وما هو الغضب ؟ هو أن تريد أن تقيم هواك ؛ الشقاق ؛ العلم الباطل؛ شهوة تعليم الآخرين ؛ محبة أمور العالم ؛ الجبن ؛ الملل ؛ نفاذ الصبر ؛ محبة الأخذ والعطاء .

    وما هو الحسد ؟ هو الحقد على القريب؛ رفض ملامة النفس ؛ الكسل؛ عدم اعتبار كرامة القريب أنَها من اللـه ؛ محبة الأطعمة ؛ وشهوة الخلطة بأمور العالم .

    وما هو المجد الباطل ؟ هو محبة هذه الحياة الفانية ؛ أن تعمل النسك بِهدف أن يشتهر اسمك ؛ محبة مجد الناس أكثر من مجد اللـه ؛ الجهل بما يؤلم قلبك ؛ أن تظهر أعمالك للناس لتنال منهم المجد غير مراع مجد اللـه؛ تكميل أهواء الجسد في قلبك .

    وما هي العظمة ؟ هي أن تعثر إذا لم تكرَّم ؛ عدم التنازل للقريب ؛ الافتخار بأنك لست محتاجاً لأحد ؛ الاتكال على قوتك ؛ الرغبة في أن تصنع لنفسك اسماً بين الناس .

تشبيهات كتابية لأغصان الشر :

    كل هذه يعملها الخبيث في النفس البائسة لكي يفصلها عن اللـه (هذه هي الأحمال الثقيلة التي حملها آدم لما أكل من الشجرة ) ؛ هذه هي التي عنها قيل : " هو أخذ أسقامنا وحمل أوجاعنا " .

    هذه هي الأمراض التي حلت على آدم والتي أماتَها ربنا يسوع المسيح على الصليب .

    هذه هي الزقاق القديمة التي لا توضع فيها الخمر الجديدة .

    هذه هي الثعالب التي تفسد الكروم .

    هذه هي الأقمطة التي كان لعازر مربوطاً بِها .

    هذه هي الشياطين التي أطلقها المسيح إلى قطيع الخنازير .

    هذه هي الإنسان العتيق ؛ الذي يطلب منا الرسول أن نخلعه ؛ الذي عنه يقول : " إن لحماً ودماً لا يقدران أن يرثا ملكوت اللـه " ؛ وأيضاً
" إن كنتم تعيشون حسب الجسد فستموتون " .

    هذه هي الجراحات التي جرَّح بِها اللصوص ذلك الإنسان النازل من أورشليم إلى أريحا .

    هذه هي الشوك والحسك الذي أنبتته الأرض لآدم ؛ لما طُرد خارج الفردوس .

    هذه هي ذبيحة قايين التي لم يقبلها اللـه لأنه أراد أن يخلط الأمور المخالفة للطبيعة بتلك الطبيعة ؛ ولما رفضها اللـه قتل أخاه هابيل .

    هذا هو الميراث الذي أحبه عيسو حتى أضاع حق بكوريته من أجل طعام بسيط .

    هذا هو المصري الذي قتله موسى فصار عدواً لفرعون وهرب إلى أرض مديان حيث نال الحرية من اللـه ؛ ولما عاد وقف أمام فرعون حتى خلص إخوته .

    هذا هو ضمير المصريين الذي قال عنه اللـه لموسى :    " لا تأخذوا معكم من خمير أرض المصريين " .

    " سبعة أيام تأكلون فطيراً واليوم الثامن يكون عيد للرب إلهكم " ؛ لكي تصير النفس حرة من الأوجاع السبعة وتُعيّد الرب الإله وتنعتق من الشر العتيق ؛ وتقتني ألفة مع اللـه .

    هؤلاء هم الأنبياء الكذبة الذين قاوموا إيليا النبي ؛ الذين ما لم يكن قد أبادهم ما أمطرت السماء على الأرض .

    هذه هي الأسود التي تستولى على الخراف الضالة .

    هذه هي الإشراك التي قال عنها إشعياء النبي : " انتظرت أن تصنع عنباً فصنعت شوكاً " .

    هذه هي الكرمة التي بكى من أجلها إرميا النبي قائلاً : " كيف تحولت الكرمة الأصلية إلى كرمة مرة " .

حمل المسيح خفيف :

    لكن حمل المسيح خفيف الذي هو : الطهارة؛ عدم الغضب ؛ الصلاح؛ الوداعة ؛ فرح الروح ؛ ضبط الأهواء ؛ المحبة للجميع ؛ الإفراز ؛ القداسة ؛ الإيمان الثابت ؛ الصبر في المحن والتجارب ؛ أن يعتبر الإنسان نفسه غريباً عن العالم ؛ شهوة الخروج من الجسد وملاقاة المسيح .

    هذه هي الأحمال الخفيفة التي أوصانا الرب أن نحملها .

    هذا هو الطريق الذي من أجله أحتمل القديسون أتعاباً كثيرة قبل أن يبلغوه ؛ الذي لا يستطيع إنسان أن يقتنيه ما لم يخلع أولاً الإنسان العتيق ؛ ويتحرر ويقتني المحبة ؛ والمحبة تجعله بلا هم من جهة الكل .

    ثم أن محبة لا يمكن أن تسكن فينا ما دمنا نحب شيئاً من أمور هذا العالم؛ كما هو مكتوب :

    " لا تقدرون أن تشتركوا في مائدة الرب وفي مائدة الشيطان " .

    وقد قال إشعياء النبي أيضاً : " من يعرفنا بالنار الآكلة ؟ من يُعلِمنا بموضع الأبدية ؛ أليس هو السالك بالحق والمتكلم بالاستقامة الراذل الإثم والظلم ؛ النافض يديه من قبض الرشوة؛ الذي يسد أذنيه عن سماع الدماء؛ ويغمض عينيه عن النظر إلى الشر ؛ هذا في الأعالي يسكن ؛ حصون الصخور ملجأه ؛ يُعطي خبزه ومياهه مأمونة " .

 

التعب اللازم لاقتناء عناية اللـه :

   تأمل في الكرامة التي يهبها اللـه للذين يجاهدون في هذا الزمان القليل وقد طرحوا عنهم ثقل العالم باحتمالهم الضوائق .

    أترى كيف تأتي معونة اللـه لمساعدة الذين يقطعون مشيئتهم ؛ وطرحوا عنهم جميع الأوجاع لأنَهم اتبعوا مشيئة اللـه .

    وبالعكس فالذين يتمسكون بمشيئتهم ويسعون لتكميلها مبتدئين بالفكر فلكونَهم لا يستطيعون مقاومة أعدائهم بسبب سعيهم لتكميل مشيئتهم ؛ ينتهون إلى تكميلها بالجسد ؛ ويتعبون باطلاً وبلا هدف ؛ لأجل هذا يوبخهم إرميا النبي قائلاً : " ملعون من يعمل أعمال الرب برخاوة " .

    ها أنت ترى كيف أن اللـه لا يمنح معونته للذين يريدون أن يخدموا اللـه ويتعبدوا للأوجاع بآن واحد ؛ فإنه يتركهم لشهواتِهم ويسلمهم لأدي أعدائهم .

    وعوض الكرامة التي يتطلعون إليها من الناس يلحقهم الخزي لكونِهم لم يقاوموا أعدائهم إلى أن يدركهم اللـه بمعونته ويذل أعدائهم .

    فبحسب جميع الأسفار المقدسة ؛ لا يستطيع الإنسان أن ينال الاستجابة من اللـه بغير العمل والتعب والحزن .

    كما قيل في الإنجيل : " كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يارب يارب أليس باسمك تنبأنا وصنعنا قوات كثيرة " . فحينئذٍ يقول لهم : " أني لم أعرفكم قط " . ذلك لأنَهم يباشرون عمل النسك لكنهم لا يحفظونه .

    فنحن نحفظ السكون في القلاية ؛ لكن إنساننا الداخلي يدور ويجول في النجاسات . نؤدي صلواتنا والطياشة تسرقها منا ؛ نصنع أصواماً وبالنميمة نُهلكها .

    نعطي خبزاً للجائع ؛ والبغضة والازدراء بأخينا يخطفانه منا ؛ نُهذِ في أقوال اللـه والأحاديث الباطلة تسرقها منا ؛ نعدَّ المائدة أمام أخينا من أجل اللـه ؛ لكن الغيرة والطمع تجعلنا نضيع المكافئة .

    كل هذا يحصل لنا لأننا لا نثبت في مشيئة اللـه؛ ولهذا نجده يقول لهم: " إني لا أعرفكم " ؛ لأنَهم لم يجاهدوا بمعرفة بل كانوا يضاربون الهواء ؛ ولما لم يرَ الأكاليل على رؤوسهم قال لهم : " إني لا أعرفكم " ؛ لأنكم لا تحملون علامتي ؛ " اذهبوا عني " .

    فلنعمل إذاً يا إخوتي قدر استطاعتنا على أن نكمل جهادنا ونصلي إلى اللـه لكي يرسل لنا مخافته لتحفظنا وتحرس جميع أتعابنا ؛ لئلا نوجد وقت خروجنا من الجسد خالين من الفضائل ؛ فنقع تحت سلطان الوحش ؛ لأن العدو مملوء حقاً من كل خبث ؛ وهو حقود وقاس ؛ منظره بغيض ؛ عديم الرحمة في شره ؛ يلقي يده على الذين يحبون العالم .

    تأملوا الآن القديسون جميعاً ؛ لقد تركوا العالم وراءهم وخرجوا هكذا ليصنعوا حرباً مع العدو ؛ فلما أذله الرب أمامهم فرَّ هارباً منهم كجبان .

    فحين خرج دانيال ليحارب معه لم يجد فيه شيء مما يخصه ؛ لقد اشتمته الأسود فلم تجد فيه رائحة ذلك الذي أكل عاصياً .

    كذلك فإن أيوب احتمل الجهاد بعد أن تحرر أولاً من أمور العالم ؛ وبرهن أن ذاك الذي يفتخر قائلاً : " جُلت فيما تحت السماء هاأنذا " ؛ ما هو إلا جبان ؛ فطرحه أمامه ذليلاً مثل عصفور بيد طفل صغير .

 

ختام :

 

    فلنسأل صلاح اللـه باهتمام قلبي وبالدموع والتعب ؛ ولنخضع لكل إنسان من أجل الرب ؛ ونواضع أنفسنا أمام إخوتنا معتبرين أنَهم أكثر منا صفاء ؛ ولا نكن مجازين أحداً عن شر بشر ؛ ولا نظن السوء في قلوبنا بإنسان ؛ بل ليكن لنا جميعاً قلب واحد .

    لا نقولن عن شيء ما من خيرات العالم المادية : " هذا يخصني " ؛ بل نقيس كل يوم مدى نمو نفوسنا ونحرسها من الأفكار النجسة رافضين شبع الجسد لكي نمنعه عن إشباع شهواته فيخضع لسلطان النفس ؛ وتخضع النفس بدورها للروح وتصير عروساً نقية من كل عيب تنادي عريسها هكذا : " لينزل أخي إلى جنته ويأكل من ثمر أشجاره " .

    فلنجاهد إذاً يا إخوتي لكي إذ تكون لنا مثل ذلك الثقة أمامه ؛ نسمعه يقول : " أيها الآب ؛ أريد أن هؤلاء يكونون معي حيث أكون لأني أحببتهم كما أحببتني ؛ أنت فيَّ وأنا فيهم " .

    الثالوث المقدس المساوي الذي بلا بداية ؛ قادر أن يصنع معنا رحمة حتى نحظى بالراحة مع قديسيه يوم الدينونة ؛ لأن له المجد والقوة إلى دهر الدهور . آمين .

 

الميمر التاسع والعشرون

 

مراثي

 

    ويل لنا نحن الزائلون محبي اللذات ؛ الذين من أجل شهوة جسدية غابرة وأثيمة نحرم أنفسنا من رؤية مجد الرب .

    ويل لنا ؛ لأن الفساد لا يرث عدم الفساد ؛ ونحن باحتقارنا عدم الفساد ننساق متهورين إلى الفساد .

    ويل لنا ؛ نحن الذين نغذي بالخطايا جسدنا ؛ الذي مآله إلى الانحلال في الدود العفن ؛ ولا نخاف من عذاب النار التي لا تُطفأ بغير انتهاء ولا من الدود الذي يموت أبداً .

    الويل لنا ؛ لأن المسيحيين الأتقياء يحيّون ويعانقون أجسادنا الملوثة بالنجاسات ؛ ونحن قبور مبيضة يفوح منها نتن الخطية المميتة .

    الويل لنا ؛ نحن الذين بسبب عدم انضباطنا في الأكل وبسبب رخاوتنا؛ يتراكم في أعضاءنا زرع الطبيعة ويلهبها هكذا بالزنى بطريقة أثيمة .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نسلم نفوسنا لتكون مأوى للشياطين ؛ بدلاً من أن تكون سكناً للـه .

    الويل لنا ؛ نحن الذين إذا وُجِّه إلينا المديح والإطراء ؛ ازددنا رقة ولطفاً؛ أما إذا أثارنا أحد فقدنا تلك الفضيلة .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نفرق بين الفساد وعدم الفساد ونزدري بالدينونة الإلهية الرهيبة .

    الويل لنا ؛ نحن المتكاسلين في الخير ؛ المملوئين حمية ومسارعة إلى الشر.

    الويل لنا ؛ نحن الذين هيئنا أجسادنا للظلمة الأبدية ؛ مع أنَها كانت مُعدَّة للنور الأبدي .

    الويل لنا ؛ لأن الذي تجسد وصار ابن الإنسان من أجلنا ؛ وهو مساوٍ للـه الآب ؛ ليس له فينا أين يسند رأسه ؛ بينما الثعالب والأرواح الشريرة والخبيثة قد حفروا لهم فينا جحوراً .

    الويل لنا ؛ لأن مستقيمي القلوب يتقدمون إلى الدينونة بنفوس غير دنسة وأجساد طاهرة لم تتسخ ؛ بينما نتقدم نحن بنفوس ملوثة وأجساد نجسة ؛ فننتظر حكم العذاب الأبدي .

   الويل لنا ؛ نحن المملوءين من شهوة الإفراط وكل أنواع النجاسات ؛ ونطالب بكرامة القديسين .

    الويل لنا ؛ لأنه بينما نحن مدانون ومثقلون بخطايا كثيرة ؛ نعيش وسط القديسين والأبرار كما لو كُنا أطهاراً وأحراراً . الويل لنا ؛ لأننا مع كوننا مستوجبين تمام اللوم نوبِّخ ونبكِّت من هم أفضل منا كثيراً .

    الويل لنا ؛ لأنه بالرغم من الخشبة التي في أعيننا ؛ نلوم إخوتنا غاضبين على نقائص تافهة ؛ كما لو كنا نحن بلا عيب .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نُحَمل الآخرين أحمالاً ثقيلة لا تُحْتَمل بينما نحن أنفسنا نرفض مجرد أن نلمسها ؛ متعللين بضعف الجسد .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نشكر اللـه على عطاياه لنا ؛ وإذ نتناسى البلايا والأحزان والمحن السالفة التي نجانا منها ؛ نُظهر أمام اللـه الكثير الإحسان أننا غير مستحقين للمعونة والنعمة الحاضرة .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نحب كل ما هو قبيح ومن أجل ذلك نحتمل بمشقة كل ما هو حسن .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نسعى وراء الاعتبارات والاهتمامات الجسدية بحجة أننا قد أضعفنا أجسادنا بنسك زائد ؛ مع أنه ينبغي لنا أن نصنع توبة في المسوح والرماد ؛ بالخبز والماء ؛ بالدموع والتأوهات .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نُهمل قوانين السيرة الرهبانية الإلهية ؛ واقتنينا جسارة تعليم الآخرين عمل الفضيلة .

    الويل لنا ؛ نحن الذين بإهمالنا ذكر خطايانا السالفة ؛ لا ننزعج أو نبكي من أجل ما نقوم بارتكابه . الويل لنا ؛ نحن الذين بعد أن ابتدأنا حسناً بمعرفة ونعمة اللـه ؛ صرنا الآن جسديين .

    الويل لنا ؛ نحن المستغرقين في الأفكار النجسة بلا حد ؛ ونتساءل عما إذا كنا قد ارتكبنا خطايا ولم نعرها التفاتا .

    الويل لنا ؛ نحن الذين حين نأكل ونشرب ؛ لا نتبصر في الحرب التي ستتولد فينا من شراهتنا .

    الويل لنا ؛ لأننا في اللحظة التي يثير فيها الشياطين التذكارات النجسة فينا يجدوننا مستعدين تماماً لتسليم أفكارنا لهم .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نعرف كم نحن عظماء من أجل كرامة نفوسنا الخالدة ؛ وبسبب الشهوات نفضل عليها هذا الجسد الذي هو أدنى وأحط منها .   الويل لنا ؛ لأن التقوى تنحصر عندنا في القول والمظهر فقط .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نُهمل الهذيذ في الصلوات والأقوال الإلهية ؛ فنضيع بذلك أيامنا في الطياشة وكثرة الكلام .

    الويل لنا ؛ لأن قلوبنا صارت قاسية ؛ حتى أننا كثيراً ما نطلب اقتناء انسحاق القلب والدموع ؛ لكننا لا نعرف ماذا نعمل بصدد إهمالنا الزائد وتكاسلنا .

    الويل لنا ؛ لأن اللـه يقول : " إن النفس التي تخطئ هي تموت " ؛ ومع ذلك تخطئ نفوسنا كل يوم دون أن نبالي قط .

    الويل لنا ؛ نحن الذين بواسطة الشبع والرخاوة نحرك جسدنا ليميل إلى الخطية والشهوات النجسة والأفكار الشريرة ؛ وبواسطة أعيننا نقتبل في قلوبنا سهام الشرير التي إذا أصابت الأجساد جعلتها مثل حُصُن جامحة ؛ نحن الذين ليس لدينا الإحساس أو التقدير لكرامتنا الروحية ؛ أو للعذاب الأبدي .

    الويل للنفس التي تنحط باختيارها ؛ لأنَها تبعد ذاتِها بملء اختيارها عن المجد السماوي ؛ وبواسطة الاشتهاء الردىء للأمور الزائلة تصادق الشياطين الأنجاس من خلال جسدها غير المنضبط .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نَهرب من إنكار ذواتنا ؛ وننهزم للأوجاع البهيمية .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نئن كثيراً ونحزن من أمراض وأوجاع جسدنا ؛ بينما قد أصابنا عدم الإحساس بجروح النفس وآلامها المضنية .

    الويل لنا لأن النفس بكل سلطانِها خضعت تماماً للجسد خادمها الأردأ يأمر الأفضل ؛ ومشيئة الاثنين كلاهما معاً هي ألا يخدما اللـه خالقهما .

    الويل لنا ؛ لأن الأفكار الشريرة والنجسة تجدِّد خطايانا ؛ ونحن إذ لا نميِّز متى ينصرف اللـه عنا ؛ تأتي الأرواح النجسة بغتة وتُدهمنا .

    الويل لنا ؛ نحن الذين في حماقتنا واستهتارنا نشتهي ونطلب الكرامة التي تليق بالقديسين ؛ ولكننا لا نطلب أعمالهم وسيرتَهم .

    الويل لنا ؛ نحن الذين في ممارستنا لوصايا اللـه ليست لنا مخافة العبيد ؛ ولا غيرة وهمة الأُجراء ؛ ولا محبة البنين .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نرفض أن نقول أو نفعل كل شيء لأجل مرضاة الناس ؛ ونُهمل تماماً كل ما هو صالح . الويل لنا ؛ نحن الذين نخطئ خجلاً من الناس ؛ ولا نعمل حساباً للخزي الأبدي .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نعرف أننا ولدنا من والدين فقراء مجهولين ؛ ومع أننا نذرنا من أجل حب اللـه أن نعيش بالفقر والمسكنة ؛ نطمح إلى التشبه بالأغنياء والعظماء .

    الويل لنا ؛ نحن الذين كنا نعيش بالنسك في العالم بسبب الفقر ؛ والآن بعد أن دُعينا إليه بِهذه الدعوة ( الرهبانية ) نَهتم اهتماما زائداً بملء بطوننا وإعطاء الراحة لأجسادنا .

    الويل لنا لأنه بينما الملائكة تحيط بخائفي اللـه ؛ والشياطين حول من لا يخافون اللـه ؛ به يعصون وصاياه ؛ تنضم إلى معسكر الشياطين .

    الويل لنا ؛ لأن عيوننا تمكث هنا بغير دموع فيحق علينا احتمال عذاب الدموع المحرقة المرة والبكاء ؛ وآلام النار التي لا تُطفأ .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نسرع إلى إرضاء الأغنياء والقادرين ونخرج لملاقاتِهم ؛ أما الفقراء الذين يأتون إلينا متوسلين فنتحول عنهم كمزعجين لنا . الويل لنا ؛ نحن الذين لا نسلك بحسب ما يجب علينا نحو كل إنسان؛ بل تمليه علينا إرادتنا .

    الويل لنا نحن الذين نحدِّد ونحكم ونرشد إلى ما هو حق ؛ ونظل مبتعدين تماماً عن عمل الصلاح .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نبدي اهتماما زائداً بتطهير الأرض من الأشواك والحشائش والنباتات التي تضر بالأثمار ؛ ولا نعتني بتطهير نفوسنا بمخافة اللـه من الأفكار الشريرة والنجسة التي تضر الفضائل المقدسة .

    الويل لنا ؛ نحن الذين سنعطي حساباً يوم الدينونة الرهيبة عن كل أفعال حياتنا الأرضية ؛ وعن كل كلام باطل ؛ وكل فكر شرير نجس ؛ وعن أقل خاطر قلبي ؛ ومع ذلك لا نَهتم بنفوسنا كما لو كان علينا أن نقضي أيام حياتنا كلها في الغفلة والتواني .

    الويل لنا؛ بالحقيقة ليس بسبب المعاصي والآثام التي ارتكبناها فحسب ؛ بل أيضاً من أجل ازدرائنا وعدم تصديقنا لمواعيد اللـه .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نساير الفساد مثل من لا حس له ؛ ومع أنه في مقدورنا أن نشارك عدم الفساد بسيرة موافقة للإنجيل ؛ إلا أننا بسبب محبتنا للأرضيات ؛ صرنا مقيدين بالبناء ؛ وغرباء عن عدم الفساد الأبدي .

    الويل لنا ؛ نحن الذين قد فضلنا الفساد الزائف على عدم الفساد .

    الويل لنا ؛ نحن الذين باستطاعتنا أن نغلب كل شهوة ؛ لكننا بإرضائنا لنفوسنا ؛ قد فضلنا أن نكون مغلوبين لشهواتنا .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نستعمل الخبرة والتمييز في أقوالنا وأفكارنا وأفعالنا ؛ بل كالحيوانات التي لا عقل لها نتبع ما هو أكثر متعة وأكثر إغراءً لنا . الويل لنا؛ لأن الإله العلي قد ظهر لنا لكي ينقض أعمال إبليس؛ ولكننا نعود فنلتصق بعدونا مرة أخرى .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نخجل ونخاف أن نخطئ أمام الناس ؛ ولا نرتعد أو نخاف حينما نرتكب المعاصي والخطايا أمام ذاك الذي يرى الخفيات .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نُصلح أقوالنا بالملح الإلهي ؛ بل نتحدث دائماً بالأقوال الباطلة والمتوقحة نحو القريب .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نتواجد مع من كانت أحاديثهم مملوءة من التملق والكذب والرياء ؛ ولا نخاف أن ندان من أجل ذلك .

    الويل لنا ؛ نحن الذين تركنا العالم ؛ لكننا نتفوق على أهل العالم في الرذائل .

    الويل لنا لأن النوم والضجر يجعلان الشيطان يجرد قلوبنا من الانسحاق

    الويل لنا ؛ لأنه بينما نحن في عوز شديد لأن نتأدب ونتهذب ؛ نُصحح هفوات الآخرين .

    الويل لنا ؛ إن كان الرب يختبرنا ويجربنا على الأرض ؛ ثم يرانا نُقبل إلى الدينونة ونحن بعد لم نتغير .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا ننظر إلى ما في أحشائنا ولهذا ننغلب للشهوة والعظمة .

    الويل لنا ؛ لأنه بينما ننجس نفوسنا بلا انقطاع بالأفكار النجسة ؛ نريد أن نُعتبر قديسين ونكرَّم بألقابِهم .

    الويل لنا ؛ نحن الذين إذ ننشغل تماماً بأمور باطلة ننس الجهاد مقابل إبليس .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نخطئ في هذه الدنيا بكل وقاحة ؛ لأن هناك ستوافينا نار جهنم التي لا تطفأ والظلمة الخارجية والدود الذي لا يموت ؛ حيث البكاء وصرير الأسنان ؛ والخزي الأبدي أمام الخليقة كلها العليا والسفلى .

    الويل لنفوسنا الخالية من التمييز العادمة التوبة ؛ لأنَها في قيامة الأموات ستنوح وتتحسر ؛ بالدموع وصرير الأسنان من أجل العذابات القاسية المرة والأليمة جداً في النار الأبدية ؛ ولا تدري ماذا تعمل بجسدها الخاطئ .

    الويل لنا ؛ نحن الذين بسبب محبة الذات لا نحب اللـه ولا القريب ؛ لذلك نقع في قبضة جميع الأوجاع والشهوات الفاسدة والكبرياء الشيطاني.

    الويل لنا ؛ لأن مخافة اللـه ومحبته ليستا راسختين فينا ؛ ولهذا كم نحن بعيدون عن المسيح الذي يحبنا .

    الويل لنا ؛ لأنه كم من أوقات كثيرة أعطيت لنا لنصنع توبة ؛ ولكننا نتوانى إلى أن نُقتلع مثل تلك التينة غير المثمرة التي أبطلت الأرض .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نقضي زمان غربتنا الزائل في محبة الشهوات المخزية دون أن نذكر تنعمات الفردوس ونزدري بملكوت السماوات نفسه

    الويل لنا ؛ نحن الذين نشبه العذارى الجاهلات من أجل قساوة قلوبنا ؛ فلم نبتع لنا في هذه الدنيا ( بأعمال الخير نحو القريب ) زيتاً ينير مصابيحنا (هناك) .

    الويل لنا ؛ نحن الذين نخاطب اللـه الليل والنهار بالصلوات قائلين :

" يارب يارب " ولسنا نعمل ما يأمرنا به .

    الويل لمن كتب هذه المراثي لأنني أنا نفسي ضحية لكل ما وضعته وليس لي أقل شعور بالندم .

    الويل لمن يحزن على الآخرين ؛ ويمتنع على الحزن على نفسه .

    الويل لنا ؛ نحن الذين لا نستحي ؛ مع أن ضميرنا بتبكيته لنا يشتكي علينا ويشهد ضدنا ؛ إلا أننا لا نفزع ولا نرتاع من دينونة اللـه على الرغم من العذابات التي تستوجبها أعمالنا .

    الويل لنا ؛ لأننا بالرغم من نتن أعمالنا ؛ نسَّر بمديح الناس لنا .

    الويل لنا لأن الأوهام والطياشة والنسيان نزعت خوف اللـه من قلوبنا

    الويل لنا لأن اهتمامنا الزائد بالأمور الفانية جعلت عقلنا عقيماً متبلداً .

    الويل لنا لأن طول أناة اللـه يحتملنا دون أن يهلكنا بموجب أعمالنا ولا نبادر بالإفادة منها كل يوم لكي نصير إلى أفضل .

    الويل لنا لأننا لسنا نتذكر خطايانا الآن ؛ وحين تخرج نفوسنا من الجسد سوف يدركنا ألم وحسرة وندامة مرة على كل ما ارتكبناه ؛ من أقوال وأفعال وأفكار ؛ عندما نراها مكتوبة ومنقوشة في ذاكرة عقولنا .

    الويل لنا لأنه على الرغم من تأكيد الرسول : " أيّ مَن أكل هذا الخبز؛ أو شرب كأس الرب بدون استحقاق ؛ يأكل ويشرب دينونة لنفسه لأنه لم يميز جسد الرب " . إلا أننا نتقدم ونحن غارقون في النجاسة ؛ ونتقرب من الأسرار الإلهية الرهيبة والمخيفة ؛ ونصفح لأنفسنا عن كل ما ارتكبناه بالتصورات الليلية والأفكار النجسة .

    لأنه كم من الأتعاب الجسدية والأمراض النفسية التي تنتهي بالعذاب الأبدي والخزي العظيم ؛ تستأهلها نفس ذلك الإنسان الذي يقترب من اللـه دون أن تكون أفكاره نقية ونظره متعففاً وجسده طاهراً وبحمية النفس وبجسده لم يتدنس ؟

    الويل لي أنا الذي أكتب هذا باكياً بمرارة ؛ ولكنني لم أبدأ بعد بأعمال التوبة .

    الويل لي أنا الذي أتكلم عن الحق ؛ ولا أفعل الصلاح .

    الويل لي أنا الذي أمدح الخير وأفعل الشر .

    الويل للذين يخطئون بالشهوة لأن نَهاية مُرَّة تنتظرهم مع خزي أبدي .

    الويل للذين يحزنون بلا منفعة ؛ لأنَهم يحرمون أنفسهم من الحزن الذي ينفع للتوبة .

    الويل للشتامين والغضوبين ؛ لأنَهم ينفصلون من المحبة المغبوطة .

    الويل للحادقين والحاسدين لأنَهم يجعلون أنفسهم غرباء عن اللـه وأعداء لصلاحه وإحسانه .

    الويل لمن يطلب مرضاة الناس ؛ لأنه لا يستطيع أن يرضي اللـه .

    الويل لمن يأخذ بالوجوه ؛ لأنه سينفصل عن حق اللـه .

    الويل للمتكبرين لأنَهم يصيرون من نصيب إبليس المارق .

    الويل للذين لا يخافون اللـه ؛ لأنَهم يشتبكون بخطايا تفوق العد ؛ ويُجْلَدون في هذه الدنيا وفي الآخرة .

    الويل لنا نحن الذين لا نحتمل لذعات وعضات البراغيث والسيبان والقمل والهاموش والناموس والنحل ؛ ولا نجتهد لنحصل على أية معونة أو أي ملجأ مقابل فم الوحش العظيم الذي يلدعنا ويبتلعنا كما لو كنا طعاماً سائغاً ؛ وينهشنا بأنيابه المملوءة سُماً مميتاً .

    الويل لنا لأن إبليس يُثقلنا بالشهوات والآلام والاغتصابات ؛ وبكل أنواع الأضاليل التي في هذا العالم ؛ ونحن لا نريد أن نكف عن شرورنا .

    الويل لنا لأنه عندما أشتد الارتداد منذ سنين عديدة وتقوّى على الإيمان الأرثوذكسي أكثر فأكثر ؛ لم نبكِ ولم يتوجع قلبنا .

    ونحن لا نكف عن الشهوات التي أعتدناها ؛ بل نضيف خطية إلى خطية لكي ننال في جهنم العذاب الأبدي المرير عن أعمالنا الشريرة وعن جحودنا .

    الويل لنا إزاء هذه المراثي المكتوبة لأنه بالرغم من أننا قد أدركنا نَهاية العالم ؛ عوضاً عن التوبة والبكاء على خطايا شبابنا ؛ قد أضفنا عليها في شيخوختنا سيئات أعظم لا تطاق وخطايا لا تحتمل .

    الويل لنا نحن الذين لا يعترينا الخزي من الآلام التي لا تطاق ومن مختلف أمراض أجسادنا ؛ بل ونتمادى أيضاً في الخطايا وننساق إلى الاستهتار وعدم الانضباط الزائد وترك أجسادنا ملوثة ومدنسة بالخطايا .

    الويل لنا نحن الذين نستوجب المسير عبر النار التي تغلي أكثر من أمواج البحر ؛ " لينال كل واحد منا ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً " .

    الويل لنا نحن الذين لا نفكر في جمر النار المظلمة غير المادية ؛ ولا في الدموع المرة وصرير الأسنان في الآخرة ؛ فإن اللـه يحجز عن الأبرار ضوئها ويوزع على الأثمة والخطاة ظلمتها ولهيبها المتقد .

    الويل لنفسي الشقية: " لأن لي حزناً عظيماً ووجعاً في قلبي لا ينقطع "؛ فأنني أتكلم وأنا أبكي على نفسي لأن الشر أتلف الضمير ؛ الفاسد غلب غير الفاسد ؛ والكذب حجب الحق ؛ والموت تغلب على الحياة .

    والأرضي الفاني الزائل حلَّ محل السمائي غير الفاسد الأبدي ؛ ما هو كريه وممقوت تراءى عندي أكثر حلواً ومحبوباً أكثر من محبة المسيح الحقيقية ومن القداسة .

    الخطأ إذ أبعد الحق من نفسي أبدل فرحها بالحزن . وقد اخترت لنفسي الخزي والعار عوضاً عن الرجاء والتسبيح ؛ وفضلت القساوة على الوداعة.

    أحببت الأرض وترابِها أكثر من السماء وملكوتِها ؛ ظلمات العدو الذي يكره الخير حلَّت بقلبي ومحت من عقلي نور المعرفة .

    الويل لي ؛ الويل لي ؛ ترى ما هي فخاخ إبليس التي أصطادني بِها ؛ وطرحني فيها وأسقطني من علو كهذا ؟

    لقد انكسرت في ميدان السباق ؛ وتصبب مني العرق بلا منفعة ؛ فمن ذا لا يرثي لحالي ؟

    مَن الذي لا يبكي عليَّ بمرارة ؟ أنا الذي قد انسحقت بالأحزان غير النافعة وغرقت بالقرب من الميناء ؟

    تراءفوا تراءفوا أنتم عليَّ يا أصحابي واطلبوا بلجاجة من ربنا الصالح الطويل الأناة يسوع ؛ لكي يشفق عليَّ ويبدد من عقلي الظلمة المدلهمة التي أنشأها فيَّ إبليس عدو الخير ( فأرى في أي حمأة أضجعت وكيف كان بمقدور الرب أن ينهضني منها ولم أشأ ذلك ) اطلبوا عني لئلا ينزع مني كل رجاء في الزمان القليل الذي تبقى لي .

    ليس حزنٌ عظيم كحزني ؛ ولا جرح مثل جرحي ؛ ولا وجع مثل وجع قلبي ؛ لأن آثامي قد طمت فوق رأسي ؛ قتلاي ليسوا هم قتلى السيف وأمواتي ليسوا هم موتى الحرب ؛ لكن سهام العدو الملتهبة قد أنتشبت فيَّ وأعمت إنساني الداخلي ؛ غرقت في حمأة عميقة وليس مقر ؛ الذي فزعت منه جاء عليَّ وغطاني ظل الموت .

    الويل لي ؛ فانظري يا نفسي وتطلعي إلى الزمان الحاضر سريع الزوال الذي سوف ينقضي عما قريب بتعب ومرارة ؛ وإلى المستقبل الشديد الرعبة .

    تأملي يا نفسي من أية خيرات ومن أي أمال قد تجردت ؛ وأية عذابات عما قليل ترثينها وليس من يعزي أو يواسي .

    بادري يا نفسي قبل أن ينطفئ النور فوق رأسك ؛ تقدَّمي واطرحي نفسك وصلي وابتهلي إلى مانح النور الأبدي ؛ لكي ينتشلك من النار الآكلة ومن الظلمات المدلهمة ؛ لأنه هو الذي يغفر خطايانا ويمنحنا خيراته نحن غير المستحقين لمراحمه .

    لأن له المجد والقوة إلى أبد الآبدين . آمين .

 

b

الميمر الثلاثون

 

من أقواله أيضاً

 

   هذا ما سمعته يا إخوتي ورأيته عند الشيوخ أنقله إليكم دون أن أنقص منه أو أضيف إليه :

أنبا بيمن وإخوته : شروط المعيشة المشتركة في سلام :

    قال لي آبا يوحنا : الأنبا أنوب والأنبا بيمن والخمسة الآخرون ( كانوا سبعة إخوة من بطن واحدة ؛ وصار الجميع رهباناً ) فلما جاء البربر وضربوا الأسقيط أول  دفعة ؛ أنتقل من هناك الأنبا أنوب والأنبا بيمن والإخوة الخمسة ؛ وأتوا إلى موضع آخر يدعى ترنوطى ؛ فمكثوا هناك بعض أيام .

    حينئذٍ قال أنبا أنوب للأنبا بيمن : اصنعوا معي محبة أنت وإخوتك ؛ وليعتزل كل واحد من ناحيته ؛ ولا يقابل أحدنا الآخرين هذا الأسبوع .

    فأجابه أنبا بيمن : " لنصنع كما تريد " ؛ ففعلوا كلهم كذلك ؛ وكان في ذلك المعبد صنم كبير من الحجر ؛ فكان أنبا أنوب يقوم كل صباح ويردم وجه ذلك الصنم بالتراب ؛ وعند المساء يقول له : " اغفر لي " ؛ وهكذا كان يفعل طوال الأسبوع .

   وفي السبت اجتمعوا معاً وقال أنبا بيمن للأنبا أنوب : " لقد رأيتك
يا أبي خلال هذا الأسبوع تردم وجه الصنم وتستغفره أهكذا يفعل الإنسان المؤمن ؟ " .

    فأجابه الشيخ وقال : هذا الأمر فعلته من أجلكم .

   لما رأيتموني ردمت وجه الصنم هل تكلم أو غضب ؟ فقال أنبا بيمن : لا . فقال : ولما تُبت إليه هل اضطرب أو قال : لا اغفر لك ؟ قال : لا .

   فقال أنبا أنوب لإخوته : ها نحن سبعة إخوة ؛ إن أردتم أن نسكن معاً فلنصر مثل هذا الصنم الذي لا يبالي بمجد أو هوان ؛ أما إن لم تؤثروا أن تكونوا هكذا ؛ فها هي أربعة أبواب لهذا المعبد وليذهب كل واحد حيثما شاء .

   حينئذٍ طرحوا أنفسهم إلى الأرض وصنعوا مطانية للأنبا أنوب قائلين : " نحن نفعل كما تريد أيها الأب ونسمع لكل ما تقوله لنا " .

    وأضاف أنبا بيمن قائلاً : فمكثنا معاً زماننا كله نفعل كما قال لنا الشيخ ؛ وأقمنا علينا واحد منا أقنوماً ؛ وكان كل ما يقدمه لنا على المائدة نأكله ؛ ولم يكن ممكناً لأحدنا أن يقول : " أحضر لنا شيئاً آخر " ؛ أو يقول : " لا نريد أن نأكل من هذا " .

    وهكذا اجتازوا أيامهم كلها بسلام وانتقلوا في شيخوخة حسنة ؛ وأما من جهتي فأنا أشارك رأيهم وأؤكد قول الشيوخ ؛ " إن لم يجعل الإنسان نفسه مثل صنم ؛ لا يستطيع أن يعيش مع قريبه " .

شروط افتقاد روح اللـه :

    قال لي أنبا بفنوتيوس : كنت أقوم بزيارة الأبوين الشيخين أنبا أنوب وأنبا بيمن طيلة حياتِهما مرتين كل شهر ؛ وكانت قلايتي تبعد عنهم أثنى عشر ميلاً ؛ وكنت أسألهما عن جميع أفكاري ؛ فكانوا يقولون لي هذا :

    " لا تعمل لك اسماً في المكان الذي تسكن فيه فتجد راحة . فالمرأة الشونمية استضافت إليشع النبي لأنه لم يكن لها انشغال برجلها " .

    ونقول : أن المرأة الشونمية هي النفس ؛ وإليشع هو روح اللـه .

    فإذا أقامت النفس بعيداً عن الطياشة يفتقدها الروح ؛ وحينئذٍ تستطيع أن تلد وهي التي كانت من قبل عقيمة .

العلاقات بين الرهبان :

    قال لي أنبا آمون : قلت لشيخ هو الأنبا بيمن : إذا مضيت إلى قلاية أحد الإخوة ؛ أو دعته الضرورة أن يأتي عندي نخاف أن نتكلم الواحد مع الآخر لئلا تتولد بيننا محادثة غريبة .

    أجاب الشيخ : " تعملون حسناً ؛ لأن الشاب تلزمه اليقظة " .

    فقلت له أيضاً : " كيف يتحادث الشيوخ ؟ " .

    أجابني الشيخ قائلاً : " إن الشيوخ تخطوا حدود اليقظة والانتباه ؛ يَزد على ذلك أنه لا يوجد عندهم شئ غريب ليقولونه " .

    وقلت له أيضاً : " إن دعت الضرورة إلى التحدث مع أحد الإخوة ؛ هل أتحدث إليه من الأسفار الإلهية أم أقوال الشيوخ ؟ " .

    فقال لي الشيخ : " إذا لم تستطع أن تمضي في صمت ؛ فمن الأفضل لك أن تتحدث بأقوال الشيوخ أكثر من الأسفار الإلهية ؛ لأن التحدث من الأسفار الإلهية لا يخلوا من خطر " .

 

السهر والنوح :

    سألت أنبا بطرس تلميذ أنبا لوط : ماذا أصنع ؟ عندما أكون وحدي في السكون يكون قلبي في سلام ؛ أما إذا زارني أحد الإخوة ونقل إليَّ كلام الناس الذين خارجاً يضطرب قلبي .

    فأجابني وهو يردد ما قاله أنبا لوط : إن مفتاحك هو الذي يفتح بابي .

    فسألته ما معنى هذا القول ؟

    فقال : إذا جاءك الأخ وقلت له : كيف حالك ؟ ومن أين أنت ؟ وكيف حال الإخوة ؟ هل قبلوك أم لا ؟ هل سمعت بأمور حصلت هذه الأيام ؟ فأنت عندئذ تفتح باب أخيك وتسمع منه ما لا تريد سماعه .

    فقلت له : فماذا أفعل إذاً إن زارني أحد الإخوة ؟

    فقال الشيخ : النوح يقظة كاملة ؛ فحيث لا يوجد نوح لا يمكن أن تجد اليقظة .

    ولكن قلت له : إذا ما كنت في قلايتي أجد النوح معي ؛ أما إذا أتاني أحد أو خرجت أنا من أجل أمر ضروري ؛ فلا أجده معي بعد .

    فأجابني الشيخ قائلاً : ذلك لأنك لم تقتنيه بعد . بل لا يزال عندك كشىء مستعار ؛ أما إذا اقتنيته فهو يمكث معك .

    فسألته : وما هو اقتناء النوح يا أبي ؟

    فقال لي الشيخ : ألا تحزن ضميرك ؛ وأن تغصب نفسك على ترك مشيئتك في كل شيء ؛ حينئذٍ يتحنن اللـه عليك ويهبك إياه ؛ وإذا أتاك تقضي بعد ذلك جميع أيامك في الراحة .

    فقد كتب في سفر الثنية : إذا بيع لك أخوك العبراني وخدمك ستة سنين ؛ ففي السنة السابعة تطلقه حراً من عندك ؛ فإذا أعطيته امرأة وولد أولاداً في بيتك ولم يشأ أن يمضي من أجل المرأة والأولاد فخذ المخرز وأجعله في أذنه عند بابك ؛ فيكون لك عبداً مؤبداً .

    فقلت له : وما معنى هذا القول ؟

    فقال : إذا أكمل الإنسان الجهاد المطلوب لاقتناء شيء ما ففي أي وقت يحتاج إليه يجده حسب رغبته .

    قلت له : أشرح لي هذا القول جيداً ؟

    فقال لي : إذا اتخذ إنسان ما لنفسه أولاداً بالتبني فهم لا يمكثون معه ؛ أما الذين يلدهم فأولئك لا يقدرون أن يهربوا منه أو يهجروه .

 

عن الأنبا أغاثون : تجنب الدالة :

    كنت مرة جالساً في قلاية أنبا إبراهام تلميذ الأنبا أغاثون ؛ فأتى إليه أخ قائلاً :

    يا أبي إني أريد أن أسكن مع الإخوة ؛ قل لي كيف أقيم معهم ؟

    أجاب الشيخ : كن معهم دائماً كمثل اليوم الذي بدأت فيه سكناك عندهم ؛ واحفظ غربتك هكذا كل أيام حياتك لكي تَهرب من الدالة .

    فقد حدث أن أقام أبي أنبا أغاثون مرة في طيبة مع أخ يدعى مكاريوس فأمضى زمانه كله في صحبته على الحال التي أتاه فيها أول يوم ؛ حتى أن الأخ مكاريوس قال له : أيها الأخ أغاثون لماذا تسلك مثل غريب معي ؛ وتجهد نفسك لكي لا يكون لك معي دالة ؟

    أجابه أنبا أغاثون قائلاً : هذا هو ما يجب ؛ لأنه يستحيل عليَّ أن أجد دالة مع الغرباء سواء أردت أم لا .

    فقال له أبا مكاريوس : فما هي الدالة إذاً ؟

    فأجابه الشيخ : الدالة تشبه ريح السموم ؛ عند هبوبِها يهرب الجميع من أمامها ؛ كما أنَها تُهلك ثمار الأشجار .

    فقال له أبا مكاريوس : أبِهذا المقدار تكون الدالة رديئة ؟

    أجابه أنبا أغاثون : ليس هناك وجع آخر أشد سطوة من الدالة ؛ لأنَها مصدر جميع الشرور ؛ ولهذا يجب على الراهب العمال ألا تكون له دالة حتى ولا على القلاية ولو كان وحيداً فيها .

    لأني اعرف أخاً كان ساكناً كل زمانه في قلاية واحدة مع أنه كانت لديه قلاية أخرى في ذلك البيت عينه . وقال : وكان إذا خرج من قلايته لا يعرف أنه توجد قلاية أخرى ما لم يقل له آخر .

    هذا هو الراهب العمال الذي يجاهد ضد مشيئاته الخاصة .

 

الأنبا أغاثون وسلامة قلبه :

    قال أنبا إبراهام أيضاً عن أنبا أغاثون : إنه كان يقول : يجب على الراهب ألا يرى ضميره يلومه في أمر من الأمور .

    كان يوجد معنا أخ يدعى مارتيروس ؛ هذا وجد مرة قليلاً من النطرون كان قد سقط من الجمال ( التي تنزل ) من الأسقيط إلى ترنوطيس فأحضره إلى القلاية؛ فلما رآه أنبا أغاثون تألم قلبه لذلك كثيراً ؛ وقال له :

    إن كنت تشاء السكنى معي أمضي إلى حيث وجدت النطرون وهناك ضعه ؛ ( وكان الموضع على بُعد أثنى عشر ميلاً ) لأنه ليس من الحكمة بالنسبة للراهب أن يأخذ شيئاً لم يصنعه ؛ ومن ثم فإن ما ليس من الحكمة فهو خطية .

    كما أنه إن كانت لي مودة زائدة لشخص ما وعرفت أنه قد تلحقني من وراء ذلك خطية ؛ فإني أنقطع منه .

    لكن الأخ قال له : ما هذا الحديث كله ؛ أمن أجل قطعة صغيرة من النطرون أحمل في هذا خطية ؟

    أجاب الشيخ : نعم ؛ فكل احتيال هو إثم وخطية .

    وهكذا لم يهدأ حتى أعادها ( إلى مكانِها ) فقد كان شديد الحرص حتى في الأمور الصغيرة والأشياء التافهة .

نياحة أنبا أغاثون :

    كان أنبا أغاثون يقول : يجب على الإنسان أن يتذكر دائماً دينونة اللـه .

    ولما كان عتيداً أن ينطلق إلى الرب مكث ثلاثة أيام مفتوح العينين لا يتحرك ؛ فأقامه الإخوة وقالوا له : يا أبانا أغاثون أين أنت ؟

    فقال لهم : أمام مجلس قضاء اللـه أنا واقف .

    فقالوا له : أتفزع أنت أيضاً ؟

    فأجابَهم قائلاً : حتى الآن على قدر طاقتي حفظت الوصايا ؛ إلا أنني إنسان من أين أعلم أن عملي قد أرضى اللـه ؟

    فقال له الإخوة : ألست واثقاً أن عملك هو من اللـه ؟

    فقال لهم : لن أطمئن حتى ألقي اللـه ؛ لأن حكم اللـه شيء ؛ وحكم الناس شئ آخر .

    فطلب منه الإخوة كلمة أخرى ؛ لكنه قال لهم : اصنعوا محبة ولا تكلموني لأنه ليس لدي متسع من الوقت لذلك ؛ وهكذا تنيح وهو متهلل وترائى منظره للإخوة مثل شخص يحيي أحباءه .

عن الأنبا أغاثون : السهر وعمل اليدين :

    كان ذا يقظة عظيمة في كل شيء ؛ وكان يقول : أنه بغير يقظة لا يقدر أحد أن ينمو في أية فضيلة .

    سأله مرة أحد الإخوة : أيهما أعظم الأتعاب الجسدية أم اليقظة ؟

    فأجابه بِهذه الكلمات : " إن الإنسان يشبه شجرة والأتعاب الجسدية هي الأوراق ؛ واليقظة هي الثمرة ؛ فإذا لم يكن للمجاهد يقظة ؛ فهو يشبه شجرة التين التي تُرى عن بعد كثيرة الأوراق .

    أما إذا اقتربت منها ولم تجد بِها ثمرة فإنك تدعها عقيمة يابسة ؛ ثم إذا كان ثمر الشجرة بعد صغيراً وليس عليها ورق كاف ؛ فالهواء يجفف الثمر؛ لأن الورق هو الذي يحمي الثمر " .

جهاد الصلاة للأنبا أغاثون :

    سأله الإخوة مرة : يا أنبا أغاثوس بين كل الأعمال أي جهاد يحتاج إلى تعب ؟

    فأجابَهم قائلاً : اغفروا لي ؛ إني اعتبر أنه ليس جهاد أعظم من جهاد الذي يصلي للـه ؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يصلي تجعله الشياطين مشتتاً ؛ لأنَهم يعلمون جيداً أنه لا شيء يبطل قوتَهم سوى الصلاة للـه ؛ فكل جهاد يبذله الإنسان ويتعب منه لابد أن يحصد منه الراحة ؛ إلا الصلاة ؛ لأن الشياطين تجاهد لكي تعوقه ؛ حتى أخر نسمة من حياته .

شخصية أنبا أغاثون :

    كان أبا أغاثون حكيماً بطبعه من جهة الروح ؛ ومجتهداً من جهة الجسد ؛ وكان يكفي حاجته بنفسه في كل الأمور ؛ في عمل اليدين ؛ وفي طعامه ؛ وفي ملبسه ؛ وكان لا يلبس ثيباً يمكن أن يقال عنها أنَها جميلة جداً أو رديئة جداً .

    ذهب مرة بنفسه ليبيع عمل أيدينا وسلمها للمشتري بِهدوء ؛ وكان ثمن الغربال مائة قطعة ؛ وثمن القفة مائتان وخمسون قطعة ؛ فكان يقول الثمن لمن يريد الشراء ويأخذ منه ما يعطيه إياه بسكون ؛ وما كان يعد ما يأخذه .

    وكان يقول عن حكمة وإفراز : ما نفع التشدد في المساومة مع المشتري ؛ والتورط في خطية القسم ؟

    ألكي أحصل على زيادة في الثمن أعطيها للفقراء ؛ إن اللـه لا يريد مني هذه الصدقة بأن أجعل إنساناً ما يخطئ بقسم .

    وكان إذا قال له أحد الإخوة : ومن أين يأتينا خبز القلاية ؟

    يجيبه قائلاً : وما هو خبز إنسان يعيش منفرداً في القلاية مكتفياً بنفسه .

    كذلك حينما كان يشتري قميصاً أو رداءاً أو وعاء للقلاية كان يلقي نظرة خاطفة في الخفاء ؛ فإذا رأى هناك أرملة معوزة عندها الشىء الذي يُرد شراؤه كان يسألها : بكم تبيعين هذا ؟ وما تقوله له كان يعطيه لها إذا كان معه ؛ أما إذا لم يكن معه ما يكفي يقول لها : اغفري لي ثم يتركها .

    كان دائماً محترساً بعينيه ؛ لم يدعهما تلتفتان هنا وهناك ؛ وكان دائماً يقول بصراحة : إنني على ما اذكر لم أسمح قط لعيني أن تجلب الطياشة لفكري داخل القلاية .

    وما كان يضطرب وهو يعمل شغل يديه ؛ أو يتقيد به إذا دعت الحاجة إلى تكميل وصية الرب ؛ فكان يجلس للعمل حتى الساعة التاسعة فإذا حان موعد خدمة صلواته ؛ ولا يزال باقياً أمامه قليلٌ من عمل يديه ؛ كان يتركه للغد ولا يعتفي من أداء صلواته قط .

    وإن احتاجت القلاية إلى أي شيء كان يقوم بشرائه ؛ وإذا قال له أخ مريض : قد مضيت ( إلى السوق ) خفية يا أبانا أنبا أغاثون دون أن أعلم؛ وقد كنت أود أن تشتري لي شيئاً .

    فإن كان الشىء الذي يريد الأخ شراءه هو نفس الشىء الذي اشتراه لاستعمال القلاية ؛ كان يعطيه له .

    فإذا اعترضه الأخ مارتيروس قائلاً : نحن أيضاً نحتاج إليه .

    كان أنبا أغاثون يجيبه :

    لقد اشتريته من أجل القلاية دون أن نكون في حاجة إليه ؛ لأنه يوجد عندنا ما يشبهه ؛ أما هذا الأخ فهو في حاجة ضرورية إليه .

    وكان دائماً يقول لنا : لا تحتفظوا بشىء إن كان يطلبه منكم أحد الإخوة تتأخروا في إعطائه إياه .

    كان يدوم بغير اضطراب في حواسه ؛ وإذا قال له أي شخص كلمة صعبة كان يسكت ولا يجيب بشىء كما لو كان لم يسمعه .

    أما حين كنا نقول له : أما سمعت ما يقوله الأخ ؟

    كان يقول : نعم ؛ إن الكلام الذي قاله لي اعتبرته فيَّ وقد رأيته فيَّ ؛ لأن هذه هي خطيتي وأنا هو المذنب .

    ولما كنا نقول له : ولماذا إذاً لم تصنع له مطانية ؟

    كان يجيبنا قائلاً : لأنني لا أريد أن أجرح ضميره .

    وكان مسالماً لجميع الإخوة الكائنين في الموضع الذي كان يسكن فيه ؛ كان الجميع يحبونه ويتشبهون بسيرته .

    هذا ما قاله لي أنبا إبراهام الذي كان ساكناً معه ؛ ونحن كذلك
يا إخوتي ؛ إذا أحببنا حياتنا ؛ فلنتمثل بالذين أرضوا اللـه ونقتفي آثار خطواتِهم ؛ لأنَهم وجدوا السيرة الصالحة .

عن الأنبا شيشوي :

    قال لي أخ جدير بالثقة : كنا سبعة رهبان وذهبنا إلى أنبا شيشوي ؛ وكان ساكناً في جزيرة القلزم وطلبنا منه أن يقول لنا كلمة .

    لكنه قال لنا : اغفروا لي أنا إنسان أُميّ ؛ وقد أتيت لزيارة آبا أور وآبا آثرا ؛ وكان آبا أور مريضاً منذ 28 سنة ؛ فصنعت له مطانية لكي يقول لي كلمة .

    فقال لي آبا أور : ما الذي يمكنني أن أقوله ؟ أذهب وأعمل ما أنت تراه؛ لأن اللـه هو لمن يتوق إليه ؛ ويغصب نفسه في كل شيء .

    ولم يكن آبا أور وآبا أثرا من أصل واحد ؛ لكن كانت بينهما ألفة عظيمة حتى نياحتهما ؛ وقد كانت طاعة آبا أثرا عظيمة وكان آبا أور ذا اتضاع شديد .

    وقد أمضيت عندهما بضعت أيام وتابعتهم خطوة خطوة وشاهدت الأعجوبة العظيمة التي حصلت على يدي آبا أثرا .

    فقط حدث أن حملوا إليهم سمكة صغيرة وأراد آبا أثرا أن يطبخها للأب أور ؛ فأخذ السكين ليقطع بِها السمكة ؛ وإذ بالأب أور يدعوه قائلاً : يا أثرا يا أثرا ! فترك آبا أثرا السكين وسط السمكة دون أن يكمل تقطيعها فإنذهلت أنا من هذه الطاعة ؛ أنه لم يعترضه قائلاً : أصبر حتى أقطع السمكة .

    فقلت لآبا أثرا : أين وجدت هذه الطاعة العظيمة ؟

    فقال لي : إنَها ليست من عندي ولكنها من الشيخ .

    وتناول يدي قائلاً : تعال وانظر طاعته . وطبخ جزءاً من السمك وأفسده باختياره ثم قدمه للشيخ الذي أكل منه ولم يتفوه بكلمة .

    فقال له : هل هو جيد أيها الأب ؟

    فقال : جيد جداً .

    وبعدئذ قدم إليه جزءاً من السمك مطبوخاً جيداً قائلاً : لقد تلف مني أيها الأب .

    فأجابه آبا أور : نعم فقد أفسدته بعض الشىء .

    فقال آبا اثرا : أرأيت طاعة الشيخ ؟

    فخرجت من عندهما وحاولت جهدي أن أحفظ ما رأيته .

    وألح عليه أحدنا قائلاً : من أجل المحبة قُل لنا أنت أيضاً كلمة .

    فقال : الذي لا يحسب نفسه شئ بمعرفةٍ ؛ يكمل كل الأسفار المقدسة.

    فسأله آخر منا : يا أبي ما هي الغربة ؟

    فقال : اقتن السكوت ؛ وقُل في كل أمر : مَنْ أكون أنا ؟ وما شأني بذلك ؟ ولا تخالط أحداً من الذين في موضع سكناك في أمر من الأمور ؛ فهذه هي الغربة .

    هذا ما قاله لي ذلك الأخ بعد أن سمعه من أنبا شيشوي .

 

خاتمة :

 

    فلنجاهد نحن أيضاً يا أحبائي ولنبني على الأساس الذي وضعه الآباء ؛ بذات الاهتمام الذي رأيناه وسمعناه عنهم ؛ لئلا إذا احتقرناه يصير لنا ذلك دينونة .

    فإذا حفظنا ذلك على قدر قوتنا ؛ تدركنا الرحمة مع جميع القديسين الذين أرضوا اللـه ؛ لأن له المجد والكرامة إلى دهر الدهور . آمين .

 

 

 

b

 

 

@

تعاليم أنبا إشعياء

أولاً

ميمر لأجل الفرح الذي يكون في النفس

التي تطلب أن تتعبد للـه

 

    قبل كل شيء أبلغك السلام بمخافة اللـه وأسألك أن تكون تاماً بما يرضيه لئلا يكون تعبك بطال ؛ بل إذا كان تام كامل يقبله اللـه منك بفرح .

    لأن الذي يتجر ويربح يفرح ؛ والذي يتعلم صنعة جيداً أيضاً يُسر ؛ وما يحسب أتعابه التي قاساها لأجل أنه تعلم ؛ والذي يأخذ امرأة إن كانت تطيعه وتحفظ أموره جيداً يفرح في قلبه بثقته بِها ؛ والذي يتجند يجسر على الموت ويقاتل عن ملكه إلى حين يتوج ويأتي إلى قدام .

    هؤلاء جميعاً هم أعمال هذا العالم الزائل ؛ وعندما يعملون هؤلاء يفرحون بأنَهم نجحوا بأعمالهم ؛ كم فرح وسرور تظن يكون في نفس الذي قد بدأ أن يتعبد للـه ويكمل أعمال خروجه التي من هذا العالم ؛ إن جميع عمله الذي صنع يتقدمه ؛ وتفرح معه الملائكة عندما ينظروه قد تخلص من سلاطين الظلمة .

    لأنه عندما تخرج النفس من هذا العالم ؛ عند ذلك يخرجوا لملاقاتِها جميع قوات الظلمة يريدون أن يضبطوها ويفتشوها إن كان فيها شيء مما يخصهم ؛ وعند ذلك ليس الملائكة يحاربوا معهم بل أعمالها التي صنعت هي يحفظونَها ويستروها منهم أن لا يقربوا إليها .

    إن غلبت أعمالها عند ذلك تجد الملائكة قدامها إلى حين تلتقي اللـه بالفرح ؛ وعند ذلك تنسى جميع أعمال هذا العالم وكل حركاته .

   نجاهد يا إخوتي بكل قوتنا ونعمل الصلاح في هذا الزمان القليل فيكون عملنا سالم من جميع الشرور لكي نستطيع أن نخلص من المنافقين الأشرار ؛ والذين هم قدامنا ويمتحنوننا في كل شيء ويفحصون جميع أعمالنا ؛ هم أشرار أردياء ولا رحمة فيهم ؛ طوبى لمن ما يجدوا فيه شيء مما يخصهم لأن فرحه وبَهجته وإكليله فوق المقدار هو .

    جميع أمور هذا العالم تتغير إن كان أولئك الذين تاجروا والذين أخذوا نساء والباقين الذين سبقت فقلت .

    يا إخوتي الأحباء نجاهد بكل قوتنا قدام اللـه بالدموع لعله يتحنن علينا بنعمته ويرسل لنا قوة حتى نغلب لجميع ما فعلنا وما يختص برؤساء الشر أولئك الذين يسبقوا ويلتقونا .

    نَهيم بكل نشاط القلب ونقتني لنا الشهوة باللـه التي هي تخلصنا من يد الشر عندما يخرج لملتقانا .

    نحب رحمة المساكين لأنَها تخلصنا من يد محبة الفضة عندما يخرج لملتقانا؛ نحب كل الناس كمثل إخوتنا ولا نمسك في قلبنا بغض لأحد ولا نكافئ شر لأحد لأنه يحفظنا من الغيرة عندما يخرج لملتقانا .

    نحب الاتضاع في كل شيء ونحتمل كلمة قريبنا في كل شئ يمقتنا أو يعيرنا به ؛ وهي تخلصنا من العظمة عندما تخرج لملتقانا .

    نقتني طول الروح في كل شيء وهي تخلصنا من الضجر عندما يخرج لملتقانا ؛ تطلب كرامة قريبك في كل شئ ولا نخسر بشىء مما يتفق لنا منه لأنَها تخلصنا من الكلام السوء عندما يخرج لملتقانا .

    نرذل استعمال هذا العالم وجميع تكريماته لنخلص من الحسد عندما يخرج لملتقانا .

    نعلم لساننا الهذيذ باللـه ودوام البر والصلاة ليحفظونا من الشهوة لنخلص من النجس عندما يخرج لملتقانا .

    هؤلاء جميعهم يضبطوا النفس عندما تخرج من الجسد ؛ وأما الفضائل يساعدوها ويعينوها إن كانت اقتنتهم ؛ أيما هو الحكيم الذي ما يبذل نفسه للموت ليتخلص من هؤلاء الجميع .

    نعمل حسب قوتنا ؛ ومعونة ربنا يسوع المسيح هي عظيمة أن تقوي وتعاضد ضعفنا ؛ لأنه يعرف أن الإنسان عاجز وضعيف ؛ فلهذا أعطانا التوبة ما دمنا في الجسد إلى النسمة الأخيرة .

    يكون فكرك شاخص باللـه لكي يحفظك أن لا تنظر في استعمال هذا العالم كمثل أن فيه رجاء أو نفع ما لنستطيع أن نخلص ؛ لأن جميع أمور هذا العالم مصيرك تتركها وتمضي عنهم ؛ والشىء الذي عملته لأجل اللـه هو الذي تجده للرجاء الصالح في تلك الساعة الصعبة .

    ابغض كلام هذا العالم ومفاوضاته لينظر قلبك اللـه ؛ حب مداومة الصلاة ليستضئ قلبك ؛ لا تحب الكسل والغفلة لئلا تحزن عندما تبلغ لقيامة القديسين الصديقين ؛ احفظ لسانك ليضئ قلبك ومخافة اللـه تسكن فيك .

    أعطِ الصدقة للمحتاجين بعين شَرحَة لئلا تخزى في وسط القديسين ومحاسنهم ؛ ابغض شهوة المواكيل لئلا يمنعك عماليق ؛ كن مجتهداً حريص في خدماتك لئلا تأكلك الوحوش ؛ لا تحب الخمر للسكر لئلا يخيبك من التنعم باللـه .

    حب المؤمنين لكي بواسطتهم تحل عليك الرحمة ؛ حب القديسين لكي تأكلك الغيرة بِهم ؛ اذكر ملكوت السماء لكي شهوتِها تجذبك قليل قليل؛ افتكر في الجحيم لكي تبغض أعمالها .

    وعندما تقوم باكراً كل يوم اذكر أنك تريد تعطي الجواب للـه من أجل جميع أعمالك ؛ وبِهذا ليس تخطئ ومخافته تسكن فيك ؛ عد نفسك لملتقاه لتصنع إرادته .

    لوم نفسك ها هنا بالشىء الذي خسرت كل يوم لئلا تتعب في ساعة الموت ؛ بضرورة ينظرون إخوتك أعمالك الصالحة وغيرتك تأكلهم .

    افحص كل يوم وفتش أي ألم غلبت ؛ ولا تطمئن لنفسك لأن الرحمة والقوة هي للـه ؛ لا تحسب نفسك أمين إلى النسمة الأخيرة لئلا تفتكر بالعظائم كمثل أنك صالح ؛ ما تستطيع أن تطمئن لأعدائك ؛ لا تثق بنفسك ما دمت بالجسد إلى حيث تجوز بجميع سلاطين الظلمة .

    تيقظوا يا إخوتي قبال الروح الذي يجلب الكآبة للناس .

    كثيرة هي فخوخه لكي يجعلك ضعيف ؛ وأما الحزن الذي من أجل اللـه فيه الفرح ؛ عندما تنظر أنك واقف بمسرة اللـه ؛ أما ذاك يقول لك إلى أين تَهرب ؟ ما بقى لك توبة ؛ ويصنع العدو هذا حتى يجعل الإنسان يرتخي من التجلد .

    وأما الحزن الذي من اللـه فما يثقل على الإنسان بل يقول له لا تخاف؛ تعال توب لأن اللـه عالم أن الإنسان ضعيف وعاجز فيقويه .   

    يكون لك قلب حكيم في معنى أفكارك ليشتالون عنك وأما الذي يخاف منهم يجعلوه ينحل من ثقلهم ؛ فالذي يخاف ويجبن يدل على نفسه أنه غير واثق باللـه .

    وأما الذي ما يعظم نفسه ويكون غير معروف ؛ تدل على ذاك الإنسان أنه غير متفاوض بالآلام ليصنع إرادتِهم بل مسرة اللـه .

    الذي يطلب أن يقول كلامه قدام كثيرين يوري نفسه أن ليس فيه مخافة اللـه ؛ لأن مخافة اللـه هي حافظ صالح ومعونة للنفس وتحرس الذهن من داخل لتهلك جميع أعدائه .

    والذي يهتم بمعرفة هي تقطع عنه الآلام ؛ لأنه مكتوب أن الاهتمام يأتي على رجل حكيم ؛ والذي قد مرض هو الذي يعرف الصحة ؛ والذي يأخذ الإكليل هو الذي يتوج ؛ لأجل أنه غلب أعداء الملك .

    ثم آلام وثم فضائل ؛ إن كنا ضجورين نعلم أننا مسَّلمين ذاتنا ؛ شجاعة القلب هي معونة النفس بعد اللـه كما أن الضجر هو معونة الشرور ؛ قوة أولئك الذين يطلبون ليقتنون الفضائل هي هذه ؛ أنَهم إذا سقطوا ما تصغر نفوسهم بل يرجعوا يخلصوا .

    الأعمال بالفضائل هم أعين الأعمال الجسدية بالمعرفة ؛ أولاد الآلام تكون من الإهمال .

    إذا لم ندين قريبنا هي صور لأولئك للذي بالمعرفة يقاتلون ؛ وأما أن نحصره هي تقلع الصور بعدم المعرفة .

    الهم بمسك اللسان يدل على الإنسان أنه عمال ؛ عدم تأديب اللسان يدل أن ليس له فضيلة .

    من داخل الصدقة بمعرفة تلد لنا أن نسبق ننظر وتجذبنا للحب ؛ عدم الرحمة تدل أن ليس فيه فضيلة ؛ الجود يلد الذكاوة والأتساع يولد الآلام .

    قساوة القلب تولد الغضب ؛ مسك النفس هي أن تبغض الأتساع والمجاذبات ؛ استقامتها هي السكون بمعرفة .

    شبع النوم هو اضطراب الآلام بالجسد ؛ صحة القلب هو السهر بمقدار؛ كثرة الفناطس تكون من الشبع والنوم ؛ ثبات الذهن السهر بمقدار .

    النوم الثقيل يغلظ القلب؛ السهر بمقدار يلطفه ؛ نسك الجسد هو العوز؛ سقطة النفس هي محبة الأتساع والأثاث ؛ حسن هو النوم بمعرفة بالسكون بمعرفة أخير من السهر بالكلام الباطل .

    النوح يطرد جميع الشرور بغير اضطراب ؛ إذا لم نسجس قريبنا تولد الاتضاع ؛ مديح الناس يولد العظمة قليل قليل ؛ محبة الاتساع والأثاث تطرد المعرفة ؛ تجلد البطن يضعف الآلام بسرعة ؛ شهوة المواكيل تثيرهم بالنياحات .

    هم الجسد هو هدم النفس ؛ والهم به بمخافة اللـه هو حسن ؛ نظرنا في دينونة اللـه تولد في النفس مخافة اللـه ؛ دوس النية تطرد الفضائل من القلب ؛ الحب الذي باللـه يقطع التهاون ؛ وعدم الخوف يثيره .

    حفظ الفم ينبه المعرفة للـه إن كان سكوته بمعرفة ؛ كثرة الكلام تولد الضجر والجنون .

    قطع هواك لقريبك يدل على أن الذهن ينظر الفضائل ؛ قيام هواك مع قريبك يدل على عدم المعرفة؛ بالهذيذ بمخافة اللـه يحفظ النفس من الآلام؛ الكلام بالأمور العالمية يظلم الذهن من الفضائل .

    محبة الهيوليات يزعج الذهن والنفس ؛ سكوتك أن لا تظهر أفكارك تدل على أنك تشتهي تكريم العالم ومجده السمج .

    الذي يظهر أفكاره قدام أبيه يطردهم منه ؛ كالبيت الذي ليس له باب يغلق وكل من أراد يدخل إليه ؛ هكذا هو الذي يصنع عمله وما يحفظه ؛ كالصدأ الذي يأكل الحديد هكذا هو التكريم إن خدع له القلب .

    كلون القوس الذي يطوق على الكرم ويتلفه هكذا هو المجد الفارغ يتلف جميع عمل الراهب إن أطاع له .

    قبل كل الفضائل هو الاتضاع ؛ وقبل كل الآلام هي محبة البطن ؛ كمال الفضيلة هو الحب ؛ وكمال الآلام هو أن يبرر الإنسان نفسه ؛ الدودة التي تأكل الخشب وتتلفه هكذا هو القلب بالشرور ويظلم النفس من الفضائل .

    لنلقي أنفسنا قدام اللـه يلد لنا أن نحتمل المحقرة بغير سجس والدموع الصحيحة المتعافية عن جميع البشريات ؛ عدم أن يلوم الإنسان نفسه تجلب له عدم الصبر والغضب ؛ محبة أن يخلط الإنسان نفسه مع العلمانيين تسجس قلبه وتخزيه عندما يصلي للـه لأجل أنه ليس له دالة .

    محبة استعمالات العالم تجعل النفس تظلم ؛ والتهاون به في كل شيء يجلب المعرفة ؛ محبة العمل هي بغضة للألم ؛ الكسل يجلبهم بغير تعب .

    لا تربط نفسك بتدبير ما وفكرك ساكت فيك ؛ لا تكون متكل على قوتك ومعونة اللـه تأتي إليك .

    لا يكون لك عداوة مع إنسان لئلا تكون صلاتك غير مقبولة ؛ اصطلح مع كل أحد لتقتني دالة عندما تصلي .

    احفظ قلبك وعينيك ولم تنظر الشرور ؛ النظر في إنسان بلذة هو فعل الفسق ؛ لا تطلب أن تسمع خسران الذي أحزنك لئلا تكافئه في قلبك ؛ احفظ مسمعك لئلا تجمع لك قتال .

    داوم على عمل يديك ليجد المسكين خبزك ؛ البطالة هو موت وسقوط للنفس . أن نصلي دائماً ينقض الشر ؛ والذي يتهاون قليل قليل هي علامة الطغيان .

    الذي يتأمل الموت عن قريب لم يخطئ كثير والذي ينظره بعد زمان كثير في خطايا كثيرة يتشبك ؛ والذي يعد نفسه ليعطي الجواب للـه عن جميع أعماله اللـه يهتم به ليطهر جميع طريقه من الخطية ؛ والذي يتهاون ويتغافل ويقول حتى أبلغ إلى هناك يسكن مع الأشرار .

    قبل أن تعمل أي عمل كل يوم اذكر كيف أنت تخرج من الجسد ؟ إلى أين تمضي ؟ ولم تتهاون بنفسك ولا يوم واحد .

    اذكر الكرامة التي بلغت إليها القديسين وغيرتَهم تجذبك قليل قليل ؛ فكر أي معيرة أدركت الخطاة وتحفظ نفسك من الشرور .

    استعمل المشورة في كل وقت وتعبر زمانك بالراحة ؛ انظر في نفسك إن كان فكرك يتحرك أن أخاك متغاض عليك ؛ ولا تتهاون أن تضرب له مطانية بصوت متضع حتى  تقنعه ؛ انظر لئلا يقسي قلبك على أخيك لأننا نُغتصب جميعنا . إن سكنت مع إخوة لا تكون تأمرهم في كل شيء بل اتعب معهم في العمل لئلا تضيع أثمارك . إن أزعجتك الشياطين من أجل القوت والكسوة بسبب فقرك الكثير ويعيروك بذلك فلا تجاوبَهم بشىء بل سلم نفسك للـه بكل قلبك فتستريح .

    أحذر لئلا تغفل عن تكميل صلواتك لأنَهم هم الذين يجلبون النور لنفسك ؛ إن صنعت أموراً صالحة لا تفتخر بِهم وإن صنعت كثير شرور ليس بقليل يحزن قلبك ؛ بل قوم أنت على نفسك ولا تنخدع لهم ؛ وتحفظ من العظمة إن كنت حكيم .

    إن تعبت من الزنا اشقي نفسك بلا فتور قدام اللـه باتضاع ولا تترك قلبك أن ينخدع إن قد غُفرت لك خطاياك فتستريح ؛ ومحقرة قريبنا هو لنا جميعاً فتستريح .

    إن قويت عليك محبة البطنة بشهوة المواكيل اذكر نتونتهم فتستريح ؛ إن كان يتعبك الفكر تتكلم على أخيك اذكر أنه إن سمع يحزن فتستريح .

    إن تسلطت عليك العظمة اذكر أنَها هي التي تضيع جميع أعمالك وأن الذين انخدعوا بِها لم يلتفتوا للندامة فتستريح .

    إن كان يقاتل معك محقرة على القريب اذكر أنه بِهذا النوع يسلمك اللـه بيد أعدائك فتستريح ؛ وإن كانت شهوة النساء تلذ لك اذكر الذين ماتوا إلى أين مضوا ؟ وكيف نتونتهم ؟ فتستريح .

    هؤلاء جميعهم الإفراز يجمعهم ويفتش عليهم ويبحث ويبطل ؛ ولا يمكن أن يأتيك الإفراز إلا إذا صنعت بموجبها .

    أولاً السكون : والسكون يلد النسك ؛ والنسك يلد البكاء ؛ والبكاء يلد مخافة اللـه ؛ ومخافة اللـه تلد الاتضاع ؛ والاتضاع يلد أن لا تكافئ؛ وأن لا تكافئ يلد الحب ؛ والحب يلد للنفس عدم المرض وعدم الآلام ؛ وعند ذلك يعرف الإنسان أنه ليس ببعيد من اللـه .

    بعد هؤلاء جميعهم الذي يريد أن يأتي كرامة جميع هذه الفضائل لا يكون عنده هم من أجل الإنسان ؛ ويعد نفسه للموت كلما يقدر ؛ ويتميز ما هو الشىء الذي يفرزه ويبطله ؛ ويرذل جميع هذا المسكن ؛ ونعمة اللـه تجمعهم له سريعاً .

    اعلموا هذا أن كل إنسان يأكل ويشرب بغير مقدار أو يحب شيء من هذا العالم لم يأتي لهؤلاء ولم يصل وإنما يضل نفسه .

    وأنا أسأل كل إنسان أن يطلب أن يقدم توبة للـه أن يحفظ نفسه من كثرة الخمر لأنه يحدد جميع الآلام ويطرد مخافة اللـه من النفس ؛ فلهذا بكل قوتك اطلب من اللـه أن يرسل لك مخافته .

    وبشهوتك باللـه تُهلك جميع آلامك المقاتلة مع النفس الشقية أولئك الذين يريدون أن يفرزوها من اللـه لعلهم يستطيعون أن يرثوها ؛ من أجل هذا يجاهدون الأعداء بكل قوتِهم مع الإنسان .

    لا تلتفت يا أخي للراحات ما دمت في حياة الجسد ؛ ولا تطمئن لذاتك إذا نظرت في وقت قد استرحت من الآلام ؛ لأنَهم يقبضون أنفسهم بمكر وقت ما لعل الإنسان يحل تجلد قلبه عندما يظن أنه استراح ؛ وعند ذلك يفزُّون على النفس الشقية بغتة ويختطفوها كالعصفور .

    وإن تقووا عليها يضعوها بغير رحمة في شيء أردأ من الأوليات الذي من أجلهم يصلي لكي يغفروا له .

    نقف الآن بمخافة اللـه ؛ ونحفظ ونكمل ونصنع جميع الفضائل ؛ أولئك الذين يمنعون شر الأعداء لأجل عمل وتعب هذا الزمان القليل ؛ ليس من الشرور فقط يحفظونا بل هم يعدون للنفس إكليل من قبل أن تخرج من الجسد .

    معلمنا الأعظم يسوع المسيح عندما نظر كثرة عدم رحمتهم بتحننه على جنس البشر أمر أن بنشاط قلب نكون مستعدين في كل ساعة ؛ لأنه قال: " ما تعلموا بأي ساعة يأتي اللص ؛ لئلا يأتي بغتة ويجدكم نائمين " .

    وعَلَّمَ قديسيه وحذّرهم لئلا تثقل قلوبنا بالخمر والسكر والاهتمامات الباطلة وتأتي عليكم تلك الساعة بغتة .

    وبمعرفته أن الأشرار هم أكثر منا أوضح لأهل خاصته لكي يخافوا منهم وأظهر أن الرئاسة هي له ؛ وقال لهم : هوذا أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب ؛ وأمرهم أن لا يحملوا شيء للطريق ؛ لأنَهم ما دام ليس لهم شيء مما للذئاب ما يقدرون يأكلوهم .

    ولما رجعوا بالصحة عندما حفظوا الوصية فرح معهم باعترافه للآب لأجلهم ؛ وشجع قلوبِهم وقال لهم : أني نظرت الشيطان قد سقط كالبرق من السماء ؛ وهوذا قد أعطيتكم سلطان أن تدوسوا كل الحيات والعقارب وجميع قوات العدو ولا يقهركم شيء .

    معين إرساله لهم كان بالخوف والتحفظ ؛ وعندما كملوا وصاياه أعطاهم السلطان مع القوة .

    وهذا الكلام ليس هو لأولئك فقط بل ولجميع الذين يكملوا وصاياه لأنه عندما أحبهم الحب التام قال : لا تخاف أيها القطيع الصغير قد شاء أبيكم أن يعطيكم الملكوت ؛ بيعوا أمتعتكم الآن وأعطوا صدقة ؛ واجعلوا لكم أكياس لا تبلى وكنوز لا تفنى في السماء ؛ ولما حفظوا هذه الكلمة وعملوا بِها قال لهم : سلامي أخلفه لكم سلامي أعطيه لكم .

    وعندما أقنعهم قال : إن الذي يحبني يحفظ وصاياي ؛ وأنا والآب نأتي ونجعله لنا مسكناً . وعندما جعلهم بلا خوف من هذا العالم قال لهم : في العالم ضيقة ولكن تشجعوا لأني أنا غلبت العالم .

    وعندما قواهم أن لا يتضجروا في ضوائقهم أعطى الفرح في قلوبِهم وقال : أنتم الذين تعبتم معي في تجاربي ؛ وأنا أوعدكم كمثل ما أوعدني أبي الملكوت لتأكلوا وتشربوا معي في ملكوتي .

    هذا الكلام ليس قاله لكل أحد ؛ بل لأولئك الذين احتملوا معه التجارب ؛ من هم الذين احتملوا مع يسوع التجارب إلا الذين قاموا على الأشياء التي هي خارج عن الطبيعة حتى قطعوهم .

    قال لهم هذا الكلام وهو ماضي إلى الصليب ؛ لأن الذي يطلب أن يأكل ويشرب على مائدة الملكوت يمضي معه إلى الصليب .

    صليب ربنا يسوع هو التجلد على جميع الآلام حتى ينقطعوا ؛ الرسول الحبيب الذي قطعهم جسر وقال : " إني مصلوب مع المسيح وليس أنا حي الآن بل المسيح هو الحي فيَّ " . فلهذا بالذين بطلوا الآلام هو المسيح حي .

    ولما وعظ الرسول أولاده قال لهم : " الذين هم للمسيح يسوع قد صلبوا جسدهم مع آلامه وجميع شهواته " .

    ولابنه تيموثاوس قال : " إن كنا متنا معه وأيضاً معه نحيا ؛ وإن كنا نحتمل معه نملك ؛ وإن كفرنا به هو أيضاً يكفر بنا " .

    ومن هم الذين كفروا به إلا الذين يعملوا أهويتهم الجسدانية ويهينون المسكن المقدس .

    لأن باسمه أعطَ لنا غفران الخطايا ؛ وبالجسد أيضاً قوى علينا العدو بالخطية .

    ربنا يسوع المسيح لمعرفته بِهذا الشر أنه عظيم أزاد لنا التوبة إلى النسمة الأخيرة ؛ لو لم تكن التوبة ما كان أحد يخلص .

    ولمعرفة الرسول بالذي يخطئ من بعد العماد قال : " الذي كان يسرق لا يعود يسرق " .

    بالشىء الذي لنا من رسم العماد المقدس نَهتم أن نترك خطايانا لكي نجد رحمة في ذلك اليوم لأنه قريب ويأتي ويجلس على عرش مجده وتجتمع جميع قبائل الشعوب قدامه ويُعرف كل واحد من المصباح الذي بيده .

    كل من ليس له زيت ينطفئ مصباحه ويلقى في الظلمة الخارجية والذي ينير مصباحه يدخل الملكوت .

    نأخذ لنا اهتمام يا أحبائي أن نملأ أوانينا زيتاً ما دمنا في الجسد لتنير مصابيحنا كي ندخل الملكوت .

    الإناء هو التوبة ؛ الزيت هو أعمال جميع الفضائل ؛ والمصباح هو النفس الطاهرة التي هي لابسة النور بواسطة أعمالها تدخل معه الملكوت والذي من شروره نفسه مظلمة يمضي للظلمة .

    جاهدوا الآن يا إخوتي لأنه قد قرب ؛ والسعيد هو الذي يهتم بالأثمار الربيعية يكونوا له الآن في زمان الحصاد .

    الطوباني هو الذي يحفظ أثماره بأن الملائكة تضمه للأهواء الأبدية ؛ الويل للزيوان لأن ميراثهم هي النار .

    وراثة هذا العالم الذهب والفضة هي ؛ والبيوت والملابس ؛ وليس فقط يجعلونا هؤلاء أن نخطئ ؛ بل ونحن عندما نمضي نتركهم .

    ميراث اللـه هو بلا كيل ؛ الشىء الذي لم تنظره عين ولم تسمع به أذن ولا صعد على قلب إنسان ؛ الذي يعطيهم اللـه للذين يطيعوه في هذا الزمان الصغير ؛ وينالوه بالخبز والماء والكسوة الشىء الذي أعطوه للمحتاجين .

    لأن من أجل الرحمة وطهارة الجسد من الفساد وعدم الأذى للقريب ؛ وقلب لا شر فيه وبقية الوصايا ؛ فالذين يحفظون هؤلاء يكون لهم نياح في هذا العالم وتستحي منهم الناس ؛ وعندما يخرجون من الجسد ينالون فرحاً أبدياً .

    والذين يصنعون أهويتهم بالخطية ؛ وما يريدون أن يتوبوا بل هم بانجذاب الشهوة وبضلالتهم يكملون شرورهم بتصنع كلامهم وصراخ خصوماتِهم وعدم الخوف من دينونة اللـه وعدم الرحمة للمساكين ؛ وبقية الخطايا ؛ ومملوءة وجوههم خزي في هذا العالم والناس ترذلهم ؛ وعندما يخرجوا من هذا العالم العار والخزي يتقدمهم ويسبقهم إلى الجحيم.

   قادر هو اللـه أن يؤهلنا أن تأتي إلى قدامنا بالأعمال الصالحة إذ نحفظ أنفسنا من جميع أعمال الشرور نستطيع أن نخلص في ساعة التجربة التي هي مزمعة أن تأتي على جميع العالم .

    ليس يتأخر ربنا يسوع المسيح بل يأتي ومعه الأجر .

    ويرسل المنافقين لنار الأبد ؛ والذين هم خاصته يعطي الأجر ويدخلوا معه ويستريحون بملكوته إلى أبد الآبدين . آمين .

 

 

 

 

 

c

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانياً

تفسير تحذيرات أنبا إشعياء

فسرهم واحد من تلاميذ ما إسحق

 

التحذير الأول :

قال : التي هي الرحمة أرفع من جميعهم ؛ معروف أنه التجلد في الصلاة هي ليطلب الإنسان أن يكون له كنز في نفسه وفي عقله الذي هو الرب ؛ لأجل أنه إن كان يصلي وإن كان يعمل وإن كان يقرأ ليكون له قنيان الروح السمائي الذي لا يزول .

   ثم في الناس يقولون : إنما يطلب اللـه من الإنسان أثمار ظاهرة فقط وأما الخفية هو الذي يقومهم . ليس هو الأمر هكذا ؛ بل مثلما يحترس على الإنسان البراني هكذا ينبغي له أن يصنع أيضاً جهاد في أفكاره وقتال.

   يطلب اللـه منك أن تغصب أنت على ذاتك وتضع خصائم مع ذهنك ولا توافق ولا يكون لك لذة مع أفكار الشر ؛ وأما قلع الخطية والشر اللـه فقط يقدر ؛ الإنسان له يضرب وينضرب ؛ وأما القلع هو للـه ؛ لو كان لك استطاعة أن تفعل هذه ما كان حاجة لمجىء الرب .

    كما أنه ليس للعين أن تنظر من دون النور ؛ ولا الفم أن يتكلم من دون اللسان ؛ ولا أن يعمل من دون اليدين ؛ هكذا أيضاً ما يستطيع الإنسان أن يخلص من دون ربنا يسوع أو يدخل ملكوت السماوات .

    فإن كنت تقول أن الأشياء الظاهرة ؛ ما أزني ؛ ما أسرق ؛ ولا أفسق ؛ بالعدل أنت ضال بأنك إن كملت الجميع أليس أعضاء الخطية ليس هم ثلاثة فقط لكن من هؤلاء ينبغي للإنسان أن يحترس بل كثيرين :

    عدم المخافة والتشامخ وقلة الأمانة والحسد والغش والمرايا ينبغي لك أن تضع جهاد مع هؤلاء جميعهم خفياً بالأفكار .

    كما إذا كان لص في بيتك يتعبك وما يتركك بلا هم ؛ بل تبتدئ أن تضربه وهو يضربك أيضاً وتجرحه وتنجرح ؛ هكذا أيضاً ينبغي أن تكون النفس أن تكمل هذه الوصايا لئلا تصير نفسك مسكن لجميع الآلام ؛ فتيقظ قبال كل واحد واحد منهم لئلا تكمل أيام حياتك بلا أثمار .

التحذير الثاني :

    لا تتهاون بحفظ وصايا اللـه وإلا خطاياك ما تغفر لك ؛ أحترس من هؤلاء إلى الموت ؛ وهو أن لا تأكل مع امرأة ولا يكون لك مصادقة مع صبي .

التفسير :

    إنه ينبغي للمتوحد أن يبعد نفسه كلما يقدر من الموضع الذي فيه نساء وصبيان ؛ لأن لو كان حروب كثيرة تكون مع المتوحدين بل الذي هو أصعب من الكل وبالأكثر يخزيه ويجعله غريب من حب المسيح هو قتال الزنا عندما يكون بالفعل ؛ لأن هو موت الراهب وقاتله .

    من أجل هذا جزموا الآباء أن في البراري والجبال يسكنوا حيث لا يوجد لا امرأة ولا صبي .

    لأنه إذا كانوا قريبين من النساء والصبيان عندما يقاتل معهم ألم الزنا يسقطون من شدة الحرب الصعبة الرهبان الشبان الذين يسكنون قرب النساء والصبيان ؛ بسبب حرارة الشبوبية وصعوبة القتال .

    وأما الشيوخ المتحفظين العمالين يعرض لهم عندما يتعظموا لأجل تدابيرهم فستتخلى عنهم النعمة ويسقطوا .

    لأن الرجل الكامل إذا ما تعظم بسيرته يسلم بيد شيطان الزنا ؛ وإن كان بقربه امرأة أو صبي في الحال يسقط ؛ فلهذا حكموا الآباء أن في كل حين يكونون بعيدين من النساء والصبيان حتى أنه إذا عرض لهم أن يتكبروا أوفق لهم أن ينمقتون بالأفكار الخفية بالشهوة ولا بالفعل الظاهر بالزنا .

التحذير الثالث :

    إن كنت تتجرب بفنطسة الزواج بالليل احفظ قلبك أن لا تفتكر بالنهار تلك الأجساد الفنطسة لئلا تتنجس بشهوتَهم وتجلب على ذاتك سخط صعب .

التفسير :

    نقول أن الشيوخ العمالين يبلغون في وقت أن ينعتقون بنعمة اللـه حتى ومن الأحلام السمجة التي للزواج .

    وأما الشبان الذين بعد ما قد عملوا بالكمال بأعمال التوبة تأخذ الشياطين عليهم سلطان بسبب خطاياهم الأولى .

    وعندما ينظروهم أن في النهار ما يقبلون أفكارهم الشهوانية ولا يتنازلون معهم ؛ يظهرون لهم في الليل مناظر سمجة كمثل أنَهم بالفعل يشتركون بالزواج النجس ؛ وفي النهار يحركوا لهم تلك الوجوه التي أخطئوا معهم بالحلم .

    والذين هم غير مدربين بصنائع الشياطين وليس سريعاً يطردوهم ويلقوا عنهم بالنهار التذكار السمج الأشياء التي حدثت لهم في الحلم وتثبت أفكارهم في الهذيذ فيهم ؛ هؤلاء بسهولة ينخدعون لأعدائهم .

    فلهذا حذر أنبا إشعياء لمثل هؤلاء أن بالصلاة والطلبة يطردون الأشكال السمجة التي كانت في الليل ؛ وواضح بماذا يبطل هذا الألم النجس للزنا .

التحذير الرابع :

    بأنه قال : حب جميع التقشف لتضعف آلامك .

التفسير :

    نقول الآن : إن ما دمت معافى عود نفسك الأعمال الجسدانية ؛ بالصوم إلى العشاء ؛ والنسك الدائم عن جميع المواكيل الدسمة ؛ وقلة الأكل وقلة الشرب من الماء ؛ والامتناع الكلي من شرب الخمر وكل مشروب مسكر ؛ وبلباس زري ؛ وبالمشي حافي .

    وبالرقاد على الأرض ؛ وبخدمة السبعة أوقات الليلية والنهارية ؛ وضرب المطانيات الكثيرة؛ والتمرغ الدائم ؛ والصلاة الخفية التي للعقل على الدوام؛ وبالقراءة المفرزة بين الأوقات ؛ وبالاتضاع الدائم قدام اللـه وقدام جميع الناس ؛ وبالبكاء والنوح والدموع المحزنة وتألم القلب حتى تبرد صعوبة الجسد وتضمحل آلامه من القوة الإلهية المخفية في عمل الوصايا .

    ويحذر أيضاً من كبر البطن لأن هي السبب والمادة لألم الزنا .

التحذير الخامس :

    قال : أبغض شهوة المواكيل لئلا يؤذيك عماليق ؛ أنقص قليل عن البطن لينقص كثير شهوتك .

التفسير :

    نقول الآن : أن ألم محبة البطن وشيطانه هم الذين يقاتلون أولاً مع المتوحدين عندما يبتدئون بتدبير الرهبنة ؛ الذي يطلب الصوم والنسك .

    كمثال قال أنبا أوغريس : رأس الشعوب عماليق ورأس جميع الآلام محبة البطن ؛ لأنه يؤذي كثير للراهب شبع البطن وبالأكثر إذا استعمل المواكيل الدسمة وبِهن يُنَعم بنفسه .

    لأنه إن لم يستد النهر من فوق لم يبطل جريه ؛ وأما بقية الآلام قليل قليل يضمحلوا .

    لم يقدر أحد أبداً يأخذ غلبة على ألم الزنا وشيطانه النجس ما دام يعطي لهذا الألم مادة بكثرة المواكيل . كما قال أنبا أوغريس : النسك هو أن لا يشبع المتوحد من الخبز ولا من الماء .

التحذير السادس :

    كثير جداً ينفع المتوحد قلة شرب الماء لأن الشياطين يداوموا في المواضع التي فيها ماء .

التفسير :

    وأنبا إشعياء روحانياً يفسر قول سيدنا أن الشيطان الردىء الزنا يطوف في المواضع التي ليس فيها مياه ليطلب راحة فما يجد .

    هذا هو معناه : أن شيطان الزنا إذا ما قاتل مع الراهب إن ضيق المتوحد على جسده بقلة الأكل والجوع وبالأكثر بقلة الشرب للماء ؛ ما يغلب شيطان الزنا للراهب بالألم ولا يجد له عنده راحة ؛ لأجل أنه ليس شيء ييبس الشريانات ويمنع السيلان بالليل ؛ ويعطِ أفكار هادئة سليمة عفيفة بالنهار .

    كمثل ما قال أوغريس : إن كنت تشتهي العفة أنقص عن أكلك وضيق على نفسك بقلة شرب الماء وعند ذلك يظهر لك عدم تألم القلب وذهن يشرق كمثل النجم تنظر في صلاتك .

    ثم من يصوم إلى العشاء وثم من يطوي أيضاً أيام ولأجل أنه يشرب ماء كثير يروي بطنه وتمتلئ الشريانات رطوبة كثيرة ؛ يجدون عليه الشياطين سبب ليدغدغوه بالنهار بالأفكار ويسقطونه في الليل بالفنطسة .

    ومن بعد ما حذر من كثرة الأكل وشرب الماء وأيضاً من شرب الخمر لأنه يحمي ويقوي ألم الزنا الرديء .

التحذير السابع :

    قال : إن عرض لك شرب الخمر لا تأخذ أكثر من ثلاثة كؤوس ولا تحل الوصية لأجل الصداقة .

التفسير :

    وهكذا أيضاً قال مار أوغريس : يا الذي يشتهي العفة مالك بشرب الخمر أبعد عنه كلما قدرت لئلا يشعلك بالألم ؛ لا تلقي نار على نار لئلا تقع بيد ألم الزنا .

    حسن هو هذا التحذير ونفع عظيم لمحبين الطهارة ليس فقط للشباب بل وللشيوخ الكاملين ؛ لأن الشيوخ الذين بنعمة اللـه غلبوا الألم ودخلوا لميناء عدم التألم الهادئ في كل أيام حياتِهم كانوا متنسكين عن الخمر ؛ "لأن الخمر ما هو للرهبان " .

    قال أنبا بيمن من أجل النوعين الذي يولد ؛ أعني الشهوة والغضبية .

    قالوا الآباء : إن الخمر يلهب الغضبية ويقوي الشهوة ؛ لأنه لما يتمكن الخمر من الشريانات ليس إرادته يصنع الراهب لأن عند ذلك ما يبقى له سلطان على اختياره .

    المتوحد الذي يشبع بطنه من شرب الخمر الآلام السمجة تتحرك في أعضائه وإن كان ما هو زان ولا نجس ما تصدقه .

التحذير الثامن :

    لا تتهاون في خدمة صلواتك لئلا تقع بأيدي أعدائك كن حريص مجتهد في خدماتك لئلا تأكلك الوحوش .

التفسير :

    نقول الآن : ليس شيء يحفظ المتوحد من مؤذية الشياطين إن كان هو في مجمع إخوة أو في انفراد وحده في الجبال والبراري مثل تكميل السبعة صلوات للأوقات كمثل ما وضعوا الأباء القديسين أوقات وبقية العمل ؛ بالآلام يتحركوا وتتسلط عليهم الشياطين ويقتلوهم بالخطية .

التحذير التاسع :

    قال : أغصب نفسك لتلاوة المزامير والهذيذ بِهم لأنه هو الذي يحفظك من سبي النجاسة .

التفسير :

    نقول الآن : إن لم تداوم وتغصب نفسك أن تكمل خدماتك كل يوم التي هي السبعة صلوات ؛ ولما تجلس تعمل عمل يديك وعندما تأكل وتشرب وتمشي إلى حين يأخذك النوم ؛ ترتل بمزامير الروح .

    بالصلاة التي علم سيدنا نغلب حروب الشياطين وبالأكثر ألم الزنا لأنه هو بزيادة يضيق على الراهب إذا تَهاون في مداومة الصلاة والخدمة .

التحذير العاشر :

    قال : لا تضجر بشىء من أعمالك لئلا تقوى عليك قتال الشياطين ؛ بل أغصب نفسك للهذيذ فتأتيك الراحة ؛ لأن نفس الراهب الكسلان المتهاون هي مسكن لجميع الآلام السمجة .

التفسير :

    نقول الآن : إن جميع الضجر والأفكار الرديئة التي تحدث على الراهب بالسكون ؛ من الانحلال يكونوا ؛ فإن كان في وقت يخدم وفي وقت يصلي وفي وقت يضرب مطانيات قدام الصليب ويتمرغ .

    وفي وقت يقرأ وفي وقت يعمل ؛ لم يستهل للشياطين أن يلقوا في قلبه الأفكار الرديئة لأنَهم يتعطلوا من القوة الإلهية المخفية في عمل الوصايا .

التحذير الحادي عشر :

    قال : لا يكون لك دالة مع نفسك إذا كنت وحدك .

التفسير :

    نقول الآن : أن تتعفف وبغير تَهاون ينبغي لك أن تترتب في قلايتك لئلا تعثر بشىء ما ولا تتفرس في عري جسدك لأن هذا هو ألم ردىء ؛ بل أسكن بعفة في قلايتك وأنت خائف من اللـه لأنه ينظر إليك ويحفظك ؛ وأحذر من الشيطان الذي يبغضك ويهدم أعمالك .

التحذير الثاني عشر :

    عود لسانك بقول " اغفر لي " .

التفسير :

    حسن هو هذا التحذير وينفع عظيم ؛ من الطوباني أنطونيوس بدأ وسار هذا التعليم بين الرهبان ؛ وفي وقت غفلوا عنه الإخوة قليل بكتوهم الآباء قائلين : " ضيعوا الرهبان فضيلتهم إن لم يقولوا اغفر لي " .

    لأن مداومة هذه الفظة تولد الاتضاع ؛ لأنه إذا تعود الإنسان بِهذه الكلمة وداومها كمثل ما قال أنبا إشعياء .

التحذير الثالث عشر :

    قال : لا تسكن في موضع أخطأت فيه قدام اللـه . 

التفسير :

    حسن هو هذا التحذير وعظيم ينفع للمتوحد المتحفظ ؛ آخرين يقولوا " في الموضع الذي يخطئ فيه " يقرءوا ؛ والاثنين حق .

    فهم تلك التي قال أخطأت فيه ؛ هذا هو أنك إذا كنت في مجمع إخوة حصل لك سقطة تشكك آخرين أنتقل من هناك وقدم توبة في موضع آخر لكي مع انتقالك تنسى ذكر تجربتك التي شككت بِها كثيرين .

    وإن مضيت إلى موضع كان قد حصل فيه سقطة لا تدخل لتلك القرية ولا لذاك البيت لكي ينمحي من ضميرك تذكار تلك السقطة .

    وأما المعنى " الموضع الذي يخطئ فيه " هو هكذا : أنك إذا سكنت في مجمع أو في مكان يوجد فيه أسباب السقوط أنتقل من هناك ولا تتأخر ولا ترتبط بالموضع ولا بأمر ما ؛ لئلا يربطك فيه يكون فيه سبب للسقوط وتَهلك حياتك .

    وإن كان في وقت تقو الأسجاس بين الإخوة من قتال الشياطين وتنظر بنفسك أنك ما تحترس بلسانك بل تصير سبب لمؤذية أحد من الإخوة انتقل من هناك لكي تنقطع منهم الدالة والعوائد الذين سبقوا فيك وأهتم يتقويمهم .

التحذير الرابع عشر :

    احفظ نفسك من الكذب لأنه يطرد منك مخافة اللـه .

التفسير :

    الكذب يكون في الإنسان من العادة من أجل أنه ما يحترس بلسانه وفي وسط كلامه يختلط الكذب لكي يقيم ظنونه .

    كما قال أنبا أوغري : أحذر أن تضلك روح كثرة الكلام لأن الكذب يكمن في أبوابِها .

    وكمثل ما أمر سيدنا تكون كلمتك نعم نعم ولا لا ؛ وما زاد على هذه هو من الشرير .

التحذير الخامس عشر :

    لا تظهر أفكارك لكل أحد لئلا تجعل عثرة لقريبك .

 

التفسير :

    نقول الآن : إن الحروب التي تحدث عليك وبالأكثر قتال الزنا والتجديف لا تظهرهم إلا للشيوخ العمالين فقط ؛ أما الشباب الذين هم في منزلتك لا تظهر لهم شيء لأنه ليس فقط ما يساعدوك بل وما يضادد هذا تحصل الخسارة لبعضكم البعض .

    يتفق أن ذاك بعد ما صارت معه هذه القتالات وبسبب كلامك له يقاتلون معه ويحصل لهم فيك الشكوك لأجل عدم احتراسهم ؛ ويتفق أيضاً أنَهم يشهرون أمرك ويظهرون حروبك بكلام رديء .

التحذير السادس عشر :

    إن يكون لك مصادقة مع أحد وتنظر أنه يحصل لك من جهته خطأ أقطع نفسك منه .

 

التفسير :  

    نقول الآن : إن كان لك صديق متوحد أو علماني ويكون مشتبك بأمور كثيرة بالشره والرغبة وهو مبتعد من النسك ؛ أبعد نفسك من عشرته لئلا تنجذب لعوائده وتَهلك نفسك معه .

    فإن كان الإنسان الذي هو بصورة اللـه إذا صار لنا سبب للخطية أو الانحلال قد أمرنا أن ننقطع منه ؛ كم بالأحرى الأمور الهالكة ينبغي لنا أن نبغضهم ونرذلهم عندما يجعل لنا الخطأ بسببهم ويعوقونا عن سيرنا .

التحذير السابع عشر :</