V

خواطرُ فَيْلسُوفّ

في

الحيَاة الرّوحية

للقديّس أوغوسْطينوس

الكتاب الأول

الفصل الأول : رأس الحكمة مخافة الرب.

عن الحكمة كلامنا ؛ لا عنَ حكمة هذا العالم التي هي جهالة عند الله ؛ بل عما هي ، حقاً بنظرة حكمة : الله هو كمال الحكمة ؛ وحكمة الإنسان عبادة الله.

وتناقش الناسُ في الحكمة قالوا : إنها علم الأمور البشرية والإلهية . بيد أن الكثيرين لم يسعَوا إليها  إلا كسباً لمديح الناس لهم ، وأرادوها في حياتهم علماً ؛ لا خُلْقاً تأمر به الحكمة ؛ فنالوا مجداً بشرياً زائلاً وعجزوا عن البلوغ إلي نور الله.

وما طلبوا الحكمة ؛ مع إنهم تظاهروا بالبحث عنها ؛ ولو بحثوا عنها ، حقاً لعاشوا وفقاً لمبادئها لكنهم شأوا التبجح بأقوالها فكانوا كلما ازدادوا بها تبجّحاً كلما ازدادوا بعداً.

أما الكتاب المقدس فإنه يعلّمهم أنهم لن ينالوا مبتغاهم إلا إذا رَعَوْا ما كانوا يهملون (يا بني إن رغبت في الحكمة فاحفظ البر فيهبها لك الرب)(يشوع بن سيراخ33:1). ومن ذا الذي يحفظ البر إن لم يخف الرب القائل في موضع أخر(من لا يتقي الله لا يدرك البر)؟

وبالتالي فإن كان الرب لا يهبُ الحكمة سوي من يحفظ البر فمن لا يتقي الرب لا يتبرر ، ثم يضيف(رأس الحكمة مخافة الرب).

وحين يتكلم أشعياء النبي عن مواهب الروح السبع يبدأ بالحكمة وينتهي بمخافة الله منحدراً إلينا ليعلّمنا كيف نصعد إليه.

بدأ حيث يجلب عليك أن تصل ، ثم وصل حيث يجب أن تبدأ ، قائلاً (ويستقر عليه روح الرب روح الحكمة والفهم ، روح المشورة والقوة ، روح العلم وتقوي الرب)"أشعياء2:11-3".

وكما أن النبي انحدر من الحكمة إلي التقوى / معلّماً بقوة ، عليك أن تصعد تدريجياً وبدون استكبار من التقوى إلي الحكمة.

المتواضع يتقي الله ، وقلبه ينسحق بدموع التوبة والاعتراف ، لا تخف البقاء في هذا القعر ، لأن الله رتًّب ، في القلب ، المنسحق ، المتواضع ، الذي يرضي عنه مراقيَ إليه.

وانحدر أشعياء على سلًّم العلم ، من الحكمة إلي تقوي الله ، ليحثك على القيام بأعمالك . لقد انحدر من مقر السلام الأبدي إلي وادي الحزن الزمني ، كيلا تبقي حزيناً ، باكياً ، متنهداً في توبتك ، بل لتصعد من ذلك الوادي إلي الجبل الروحي ، إلي أورشليم ، المدينة المقدسة الأبدية ، وتفرح فرحاً أبدياً.

وحين نصحك بالتزام الحكمة نوراً للعقل ، أضاف العقل ، رداً على سائليه:ـ

 (1) بأن طريق الحكمة العقلُ.                         (2) وطريق العقل المشورة.
 (3) وطريق المشورة القوة .                             (4) وطريق القوة المعرفة.
 (5) وطريق المعرفة تقوي الله .                                 (6) وطريق تقوي الله مخافة الرب
من وادي الدموع إلي جبل السلام فإجعل التواضع والتقوى رأس حكمتك.

عواطف وصلوات.

اللهم ، فيًّ أري البداية ، فلمَ أقنط من النهاية ؟ وفيّ الخوف إنما مخافتك رأس الحكمة لقد بدأت أخاف  فعليّ أن أصلحَ نفسي واحذر أعدائي ، أي خطاياي ، وابدأ حياةً باطنية وأميت أعضائي على هذه الأرض. مخافتك تجرح النفس كما يخرج مبضعُ الطبيب جسم المريض لينزع منه ما فسد فيه ، فيبدوا مثخناً جراحاً ، ويفوق ألمُ جرح يُداوي ألمَ جرح مهُمَل . ويعرف الإنسان دواءه فيحزن حزناً يفوق حزنه على ألم يتلوه شفاء.

املأ قلبي من مخافتك ووجّهه إلي محبتك ؛ وأجعله ينسى أثر جرح مبغضك لأنك طبيب لا يُخلّف جرحه أثراً .

فلَيكن الخوف فيَّ ، قبل أن تنفي المحبة الكاملة الخوف عني : إني لأؤمن وأدرك أني سائر بعيداً عنك في جسمي هذا الفاسد الذي يثقل علىًّ . بقدرْ ما أدنوا من الوطن الذي أصبوا إليه يضعف الخوف فيَّ خوفُ المسافرين قوي ، وخوف القريبين ضعيف . والذين بلغوا غايتهم لا يخافون إني أخاف ممن يقتلون الجسد ، وبخاصة ممًّن يقتلون الجسد ، وبخاصة ممَّن يمكنه أن يلقي النفس والجسد في جهنم.

الفصل الثاني : في الخوف.

الخوف نوعان : خوف سافل ... وخوف نقي ، أحدهما يخشى أن يفقد البر والأخر يخشى العقاب.

الخوف السافل : هو خوفُ من يخشى الاحتراق مع الشيطان ، والخوفُ النقي هو خوف من يخشى عدم مرضاة الله.

وأين العظمة في أن يخشى الإنسان العقاب؟

 تلك حالُ العبد الخاطئ واللص الشرس . لا عظمة في أن يخشى الإنسان العقاب ؟

تلك حالُ العبد الخاطئ واللص الشرس . لا عظمة في أن يخشى الإنسان العقاب إنما العظمةُ في أن يحبَّ البر . وكم من يحبّ البرّ لا يخشى العقاب بل يخشى فقدان البر.

اللصّ : يخشى العقاب إنما لا يخشى الإثم : إنه يسرق حين لا يستطيع أن يسرق ، مع أنه سارق.

الذئب : يسطو الذئب على حظيرة الخراف ويحاول أن يدخل ويقتل ويفترس ؛ وبما أن الرعاة يسهرون ، والكلاب تنبح ، فلا يستطيع أن يخطف أو يقتل ، إنما يخرج ذئباً كما جاء ذئباً. الأنة لم يستطع أن يسرق نعجةً نقول : جاء ذئباً وعاد نعجة؟

لقد جاء ذئباً محتدماً غضباً ، وعاد ذئباً ، مرتجفاً فزعاً ، ومع ذلك فهو ذئب ، غاضباً كان أم خائفاً لا خطف فريسة ولا تخلًّي عن خبثه . إن كانت تلك هي حالك فإنك تفكر بألا يعذبك البر.

أنت واللص .. الفرق بين خوفك وخوف اللص ، هو أن اللص يخشى قوانين البشر فيسرقَ أملاً في أن يخدعها ؛ وأنت تخشى شرائع وعقاب من لا يسعك أن تخدعه .

سؤال : هب إنك استطعت أن تَغُشَّ ، ألا تغش؟ المحبة لا تنزع منك الشهوة ؛ إنما الخوف ، وحده يكتبها . إن من قيَّده الخوف يضل ذئباً . تحوًّلْ أنت إلي نعجة ـ ذاك ما صنعة الرب ببر منه لا منك.

وطال ما إن لك برك ، فاخشَ العقاب ولا تحبّ البر . إني أطرح عليك سؤلاً : تفحَّص سؤالي المدويّ ؛ وأجعل لك من نفسك سؤالاً صامتاً . لك أقول : إن لم يرَك الله حين تعمل فهل تعمل إذاً لم يكن ، يومَ الدين ، من يقنعك بإنك عملت شراً ؟ تأملَّ نفسك بنفسك إذ لا يسعك أن تجيب على كل ما أقول . تأملًّ نفسك ، أتفعل ؟

إن فعلتَ ، كان ذلك خوفاً من العقاب وليس حباً بالبر ، ولم تكن على شيء من المحبة لأنك تخاف كعبد : إنه الخوف من الشر وليس الحب للخير . وبرغم ذلك ؛ يجب عليك أن تخاف خوفاً يؤدي بك إلي المحبة . إن خوفك هذا يجعلك تخاف من جهنم ويمنعك عن الخطيئة ويغمرك من كل جانب ولا يدع فكرك الباطني الحر يريد الخطيئة.

وبالتالي ، فالخوف هو كالحارس والمعلم في السنَّة ، التي كان حرفها يهده قبل أن تنجده النعمة . فليحفظك هذا الخوف من السوء ؛ ولتدخل المحبة قلبك ؛ إذ بقدر ما تكون فيه بقدر ذلك يخرج منه الخوف.

وطال ما إن الخوف يحفظك من السوء ، فالمحبة تستأصل ما فيك من رغبة في الإثم ؛ ولو استطعت أن تعمل دون أن يطول العقاب.

عانقْ المحبة وأدخل فيها ، اقبلهْا تفادياً للخطأ ؛ كفَّ عن الخطيئة واقبل المحبة واحَي حياة صالحة.
ومتى دخلتَ في المحبة بدأ الخوف يخرج ؛ وكلما ازدادت ولوجاً في المحبة ازداد الخوف تراجعاً . ومتى دخلت بكليتك تلاشى الخوف :(لأن كمال المحبة يطرد الخوف خارجاً)"يوحنا 1يو18:4". للمحبة خوف نقي خاص بها يثبت إلي جيل الأجيال . الرجل الصالح ولو استطاع أن يحفظ قول الله لما أحزن عيني أبيه القائل له : (أراك حين تخطأ فلن أعاقبك إنما لست أرضي بك.) والرجل الصالح يخشى أن يغيظ محبوبة بمعزل عن صرامة القاضي ، لأنه لو أحب الأب حقاً كما يحبه الأب لاعترف به رباً ولما عصا له أمراً.

هناك أناس يخشون أن يعلموا شراً ، عن ضعف جسدي ، أو نفسي وليس حباً بالخير ، بل خوفاً من أن يدينهم الناس ؛ فيكفون عن شر الأعمال دون عاطل الأفكار.

إذا فكرت بأمثالها ، وإن لم تأت شراً ضد واحد ، تسيء كثيراً إلي نفسك ، وبإثمك هذا تهلك نفسك.

أنت لا تؤذي الناس لأنك جبان ؛ لكن الله الذي يري خطيئتك يعاقبك على أفكارك.

إن من لا يستطيع اللحمْ إن يحجب عنه إرادتنا ، يري ما تريد ؛ وبالتالي إذا كان قلبك لا يخشى سوى العقاب ثم سنحت لك الفرصة لارتكاب الخطيئة فلا تصير إذ ذاك خاطئاً ، بل يماط اللثام عمَّا فيك من خطأ لتدرك أن ما خفي منك موجود ؛ ولا لتعرف أنّ ما هو طبيعي قد انكشف.

الإرادة الأثيمة : الإرادة الأثيمة تحيا في العمل الذي لا يرجى عليه عقاب ؛ أما حين تتأكد بأن العقاب ملازم للخطأ فهي تحيى في الخفاء وتود لو يسمح لها بأن تعمل على هواها . وتكتئب لأنها لا تتسامح مع نفسها بما يحرمه الله ، وهي لا تتمتع روحياً بما له من خير ؛ بل تخشى جسدياً الشر الذي يهددها به . وإن كنت تخشى الله بسبب ما ينتظرك من عقاب فلست تحب من تخشاه هكذا . وعبثاً تدَّعي التغلب على الخطيئة إن كنت تكف عنها خوفاً من العقاب ؛ إن خفت من جهنم فلست تكره الخطيئة بل الاحتراق في جهنم ، أما إن كرهت الخطيئة كرهت معها جهنم.

أحبّ الله الصالح واخش عدله : إن أحببت خفت من أن تغيظ المحب والمحبوب . وأين تجد خوفاً نقياً يفوق ما فيك ، يا من لا تفكر بأمور الدنيا بل بما هو للرب وبما يرضيه؟؟

إن لم يكن فيك حبّ فاحذر الهلاك ؛ أما إن كنت تحب فاخشَ أن تغيظ بحبك . بالمحبة لا بالخوف تصير ابناً لا عبداً .

إن ثابرت على عمل الخير خوفاً من الهلاك فلست من أبناء الله . حتى ما تخشى العقاب ؟ الخوف عبد ؛ والمحبة حرة طليقة ، والخوف هو عبد للمحبة .

لا تدع الشيطان يسيطر على قلبك برغم أن الخوف سبّاق في الدخول إليه ليحفظ بمركز للمحبة  سيدته ، التي سوف تدخل ، أعمل خوفاً من العقاب ، أن تعسَّر عليك أن تعمل ، حباً بالبر ، لأن السيدة سوف تأتي وسوف ينسحب العبد لأن المحبة الكاملة تطرد الخوف.

عواطف وصلوات.

رب ، تحاشيت الشر فصلُحت نفسي وراحت تتوق إلي الخير فنشأ فيّ الخوف النقي .

 أنا ما ابتعدت عن الشر خوفاً من جهنم وإبليسها ؛ بل خوفاً من أن تبتعد أنت عني . ليس خوفي من إبليس وجهنم خوفاً نقياً .

 لأنه لم يصدر عن حب لك ؛ بل عن خوف من العقاب . وحين خفت أن تتخلي عنى عانقتك وتمنيت أن أستمتع بك.

نفسي تلطخت بالإثم ولكنها تصبح جميلة إذا أحببتك . الخوف النقي يعيد إلي النفس جمالها ـ أنت يارب ، دائم الجمال ، لا قبح فيك ولا تغيير.

لقد أحبَبْتنا يا دائم الجمال ، حين كنا قُبحاً وفساداً لقد أحببتنا . لا لتبتعد عنك كل قبيح ؛ بل لكي تغيّره وتجعل منه إنساناً جميلاً . وكيف أصبح جميلاً ؟ متى أحببتك يا دائم الجمال... كلما تعاظم فيَّ حبك عظُم جمالي لأن محبتك جمال لنفسي . 

رب ، أني لا أشبع من الحديث عن محبتك .

وبقدر ما أنا تائق إليها أرجو أن تنمو وتثبت فيّ وتطرد عنها الخوف ليستمر الخوفُ النقيّ إلي جيل الأجيال.

إني أحتمل العالم وضيقاته وشكوكه وتجاربه.

رب ، ساعدني كيلا أبتعد عن الطريق ؛ واجعلني استمسك بك ، عن محبة ، فلا أترك أعضاء مسيحك ولا أكفر بالإيمان بل أتمجَّد بحضرتك .

 بإيمان اثبت فيك الآن ، ثم أتمتع بك ، وجهاً لوجه  وقد أخذت مواهب الروح القدس عربوناً على ذلك.

الفصل الثالث : في وعود الله ووعود العالم.

يا بني ، أريد منك ألاّ تميل منْ ينعمون في هذا العالم بسعادة كاذبة ، باطلة ومغرية ، لا تغذي سوى كبريائهم فيجف قلبهم من الله ، ويقسو على شآبيب فلا يعطي ثمراً.

أريد منك ألا تنصرف إلي ما يُري ، بل إلي ما لا يري ، لأن ما يري زمني ، وما لا يري أبدي.

وعودُ العالم دائماً كذابة ، ووعود الله دائماً صادقة .

وبما أن العالم يبدو لك ، وكأنه يحقق وعوده في أرض الأموات هذه ، بخلاف مَنْ يحقق وعوده لك في أرض الأحياء ، أراك تملّ من ترقبّ السعادة الصحيحة وتهوي بلا خجل سعادة كاذبة.

تأمل في الكتاب القائل :(الويل لكم أيها الذين فقدوا الصبر ومالوا إلي طرق السوء)"سيراخ16:2     إن أبناء الموت الأبدي لا ينفكون يوجهون الإهانات إليك أيها المجاهد العامل برجولة المستمسك بالله بقلب ثابت ، ويفاخرون بأفراحهم الدنيوية التي لا تروي لهم غليلاً إلاّ إلي زمن ؛ ثم يجدونها أمرَّ من العلقم.

ويقولون : أين ما يعدك به بعد الحياة الحاضرة ؟ ومن ذاك الذي عاد من هناك ليؤكد لك صحة ما تؤمن به؟

أنظر إلينا نتمتع فرحين بملذاتنا نحن الذين نرجو ما نري . أما أنت فإنك تشقي من متاعب العفة مؤمناً بما لم تر.

ثم يزيدون ما ذكرّ به الرسول في قوله : فلنأكل ولنشرب لآنا غداً نمون . ولكن ، تأمل بما حذرنا منه هو عينه حين قال : فلنأكل ولنشرب لأننا غداً نموت . ولكن ، تأمل بما حذرنا منه هو عينه حين قال :(استيفقوا للبر ولا تضلوا ، إن العشر الرديئة تفسد الأخلاق السليمة)"1كور32:15-33".

إياك أن تفسد أخلاقك ، بمثل هذا الكلام فيضعف صبرك ويضيع أملك وتسير في طرق السوء.

تسلًّحْ بالرجاء الحقيقي ولتكن لك ثقة عظمي ؛ وليكن كلامك مطيبًّاً بملح النعمة لتعرف أن تجيب     كما يليق ، كل إنسان.

أجب : أين ملذاتكم أيها الباحثون عنها في طرق السوء ؟ أنا لا أقول : ماذا تكون حالك بعد هذه الحياة؟ بل ، ما هي حالك الآن؟

وكما أن اليوم الذي نحن فيه قد مضي على يوم أمس والغدَ يغيّب يومنا هذا ، فلمَ لا ينقضي ويزول يوم الملذات التي تحبون؟

ولمَ لا يهرب منذ أن يُلْقي القبضُ عليه طال ما أن الاحتفاظ به غير ممكن ساعة واحدة ، ولا يوماً واحداً ، في هذا الحاضر ؟ وكما يطوي اليومُ الثاني اليومَ الأولَ هكذا يطوي الثالثُ الثاني . ومن هذه الساعة التي تبدو حاضرة ، لا يبقي شيء منها ؛ لأن هنيهاتها وأجزائها هاربة.

ولهذا يأثم الإنسان حين يخطأ هذا إذا لم يكن أعمي . وحين يخطأ , فعليه أن يفكرّ ؛ يمكنه أن يري البشر يشتهون اللذة بلا فطنة لأنها لذة عابرة وإذا انقضت فليفكر أقله بالندامة عليها .

إنكم لتهزأون بي لأني أرجو الأبديات التي لا أراها في حين إنكم تستسلمون للزمنيات المنظورة وتجهلون الغد الطالع عليكم . وإذ ترجون أن يكون يومَ خير ، إذا به يوم شؤم ، ومتى جاء فلا يمكنكم أن توقفوه عن الهرب.

إنكم لتهزأون بي لأني أرجو الأبديات التي لا تنقضي ، لأنها لا تأتي بل تثبت إلي الأبد ، إنما أنا أجيء إليها ، سالكاً طريق الرب ، فأجدها في نهايتها . أنتم لا تنفكون ، طوال يوم واحد ، ترجون الخيرات الزمنية.

الخيرات الزمنية : وإن خدعتْ حدسكم إنها تضرم أشواقكم متى طلبتموها ، وتفسدكم متى نلتموها ، وتعذبكم متى فقدتموها ، أو ليست هي الخيور عينها التي أضرمت رغباتكم ، حتى إذا ما حصلتم عليها ، حطت من كرامتكم ، وإذا أردتم الاحتفاظ بها ، تلاشت بين أيديكم؟

كيف تستخدم الزمنيات ؟  أنا أستخدمها وفقاً لحاجات السفر إنما لا أضع فيها سعادتي ، كيلا أفشل إذا فاتني ، واستخدم هذا العالم كمن لا يستخدمه . رغبة في الوصول إلي خالقه  لأثبت فيه وأستمتع به إلي الأبد.

وما معني قولكم : من ذا الذي عاد إلينا واخبرنا عما يجري في جهنم؟ لقد أخرسكم ذاك الذي أقام الميت من قبره في اليوم الرابع ، وقام في اليوم الثالث هو الذي لن يموت ، وهو الذي لا شيء يفوته وصف لنا قبل موته ، في مثل الغني والفقير ، الاستقبال الذي يعُدّه للأموات.

أذهبوا الآن وقولوا : فلنأكل ولنشرب لآنا غداً نموت . الحق يجدهم موتي حين يقولون هذا القول زاعمين إنهم سيموتون غداً . أما أنت يا ابن القيامة . وموُاطن الملائكة والقديسين ، ووريثَ الله وشريك المسيح في ميراثه ، فإياك أن تقتدي بهؤلاء الذين يموتون غداً ، حين يلفظون أنفاسهم ويدفنون اليوم في قبورهم وهو يشربون.

يقول الرسول بالمعنى عينه : استفيقوا للبر ولا تضلوا ، إن العشر الرديئة تفسد الأخلاق السليمة) أنت تسير في طريق ضيقّ وآمن ، أنه يوصلك إلي أورشليم السمائية ، الرحبة ، التي هي أمّ لنا إلي الأبد  ترجّ بثبات ما لا تري وأنتظر بصبر ما ليس لك طالما أنك تمسك ، مخلصاً ، بالسيد المسيح الواعد الصادق.

عواطف وصلوات.

في خضم هذا العالم القلق سألتك يا رب أن تصغي إلي طلبتي بأي شيء أفرح؟ وممّ أحزن وأكتئب؟ إني أغتبط بما أنقضي لي من أيام وأكتئب لما بقي لي منها الآني قطعت تلك المسلفة الشاسعة وطويت ذاك العدد الكبير من الأيام لا أبكي؟ وهل أكف عن البكاء لأنه بقي لي زمن طويل اشتهي فيه وأتوق إلي تحقيق رغبتي؟ صحيح أن الإثم يكثر كلَّما كثرت الشكوك وأنه (كلما كثر الإثم جفت محبة الكثيرين)؟متى12:24". (ومن يعطي رأسي ماء وعيني ينبوع دموع)"أرميا1:9(استمع صلاتي يا رب وأصغ لاستغاثتي ولا تصمت عن دموعي وكلمني)"مز13:38". ولا تصمت معي لئلا أصاب بالصمم إلي الأبد لا تقطع كلامك معي فأني أسمعك وقل لنفسي : أنا خلاصك.

كغريب أقيم بقربك ؛ ويوم كنت تحت نير الشيطان كنت أقيم بقربه ، قربّ معلّم شرير ، أما الآن وقد أقمت بقربك حقاً فلم أعد غريباً عنك . غريب أنا في سفري ونزيل . أقد أعطيتني لسكناي بيتاً لم تصنعه الأيدي . بيتاً أبدياً في السماء . إن كان هذا المسكن الأبدي في السماء فلن أكون فيه غريباً.

أيها الرب إلهي كن سعادتي فآتي إليك أنا لا أريدها ولا فضة ولا قنياناً ولا ، في هذه الحياة ، غنى باطلاً وسريع الزوال . كن غناي فلا أقدك ولا أهلك متى حصلت عليك . كن وحدك سعادتي (لأنه طوبي للشعب الذي الرب إلهه)"مزمور15:143".

هبني ذاتك يا إلهي وأستسلم إليّ لأني أحبك . وإذ لم يكن حبي لك كافياً فزدني منه . عاجز أنا عن معرفة ما ينقص محبتي لتصبح كافية لإلقاء حياتي بين ذراعيك وتوجهيها إليك لتختبئ في سر وجهك.

أنا أعرف أن كل ما عداك يسئ إليَّ ، أكان في الداخل أم في الخارج ، وأدرك أن كل ما أعتبره غني لي . ما خلاك ، بؤسّ هو وشقاء .

الفصل الرابع: في ضرورة البحث عن السعادة خارجاً عن الأرض.

إن أردت أن تحيا سعيداً فزد حباً لما يعد الله به أكثر ما يعد به العالم ؛ ليكن خوفُك مما يحذر الله منه أكبر مما يحذر العالم منه.

لا تعد نفسك إلا بما يعدك به الإنجيل : إن الكتب المقدسة لا تعدك فوق هذه الأرض إلا بالضيقات والاضطهادات وكثرة الآلام والتجارب . 

استعد لها بنوع خاص لئلا لم تكن مستعداً . وإياك أن تبحث عن السعادة في الأرض : إنها لخير عظيم ولكنها ليست ها هنا . السعادة ليست من هذا العالم فارفع قلبك إلي العلى.

الحياة هنا: وما حياتنا ها هنا ؟ وما لنا ولوصفها ؟ لقد خبرناها مثقلة بالآلام والمتاعب ، محفوفة بالمخاطر ، مليئة بالمخاوف ، الشهوات تتأكّلها والشكوك تستعبدها ، بمكاسبها نفرح ولخسارتها نتألم.

إنك تخاف تبتهج بمكاسبها خشية أن تفقد ما ربحت ، لذلك لا تسْع إليها ، يا من لم تبحث عنها قبل أن تنالها.

السعادة الكاذبة على الأرض: السعادة الكاذبة شقاء حقيقي الوضيع يتوق إلي العلى ، والرفيع يخشى السقوط من ليس له يحسد من له ، ومن له يحتقر من ليس له.

ومع ذلك فأنت تضع رجاءك في هذا العالم ومتى تنال مبتغاك ؟ متى نلت مبتغاك ، أياً كان ، بدا لك تافهاً ، فتطلب غيره وترجو الأفضل ؛ حتى إذا ما تحققت لك الخيرات كلها تدنَّتْ قيمتهُا في عينيك وصارت أمامك فراغاً . الثروات التي ظننتها ملأى بالملذات ، مليئة بالمخاطر. 

الفقير : ينام الفقير قرير العين ، لأن النوم على الحضيض أسهل منه فوق سرير من فضه.

الأغنياء : تأمل هموم الأغنياء وقارن بينها وبين طمأنينة الفقراء.  وهل تنام مطمئناً إن كنتَ تفكر بزيادة ثروتك ؟ أظنني على حق في ما أقول : حيثما تجد ثروتك تفقدْ راحتك . ساهراً تفكر بالمزيد من المال ، ونائماً ، تحلم باللصوص ؛ فيما لك من شقي!

لماذا تحب الحياة على الأرض : أنيّ أتأمل في من يهوون هذه الحياة الحاضرة ، الزمنية  القصيرة السافلة : آه ! كم لها من محبين ! غالباً ما يتخلَّى الإنسان ، في سبيلها ، عن كل شيء فيستعطى ويشقي ، وإن سألته السبب أجاب : كي أعيش . ماذا أحببت؟ وأين أنت في حبك ؟ وماذا تقول لحياتك هذه التي تحبها ؟ قلْ تكلَّمْ وتودَّدْ إليها إن استطعت . وماذا تقول لها ؟ جمالك ، أيتها الحياة ، أوصلني إلي ما أنا عليه من العُرْي وإذ بها تصرخ بك : (وسخه أنا) فتحبها .(وقاسية أنا) فتعانقها . وتجيبك تلك الحياة المحبوبة : لن أبقي معك وإن كنتُ معك إلي زمن ؛ ولن أكون معك إلي الأبد . أنا قادرة على أن أعريك من كل شيء وعاجزة على أن أجعلك سعيداً .

وطالما أنك مسيحي فأطلب من الله أن يساعدك على التغلبّ على المغريات التي استهوتك لخبث فيك  وأحبب جمال الحياة التي (لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطًر على قلب بشر)"1كور9:2". تلك هي الحياة التي أعدها الله للذين يحبونه ، وهي الله بالذات ، أحبَّها حبَّا شديداً ، والله يعطيك نعمته . أذرف أمامه دموعك لكي تحب تلك الحياة وتبلغ إليها.

الحياة في الكتاب المقدس : وكيف أنبهك ؟ وماذا أبين لك ؟ هل أفتح الكتب المقدسة لأبرهن لك عن زوال هذه الحياة واضطرابها وصحة ما كتب عنها (حياتك هي بخاّر يظهر قليلاً ثم يضمحل)"يعقوب15:4".

الحياة في الحياة : هذا إنسان عاش بالأمس ولم يبق له وجود اليوم ، منذ قليل كنا نراه أما اليوم فلم يعد يري . يُحملُ إلي القبر ، وسرعان ما ينساه الناس وإن عادوا من دفنه حزاني            لا تضطرب : لكل ممالك الأرض نهاية ؛ اقبل الحاضر ولا يعلق قلُبك به أعداؤك حتماً هالكون ونعمة السعداء غالباً ما تكون كاذبة .

ضع رجاءك بالله ، وأطلب ما هو ابدي ، وإليه وجّه اهتمامك كله ، وفيه ضع قلبك لئلا تفسده هموم العالم . وأختر ، بالتالي ، حياتك إن كنت تحب الحياة وماذا تختار ؟ الحياة ، الحياة الصالحة على الأرض ثم الحياة إلي الأبد . ها هنا حياة صالحة إنما غير سعيدة ، لأن من عاش حياة صالحة أعدّ للمستقبل حياة سعيدة .

إن أحببت الحياة اخترت الحياة الصالحة : الحياة الصالحة عمل والسعيدة أجرْ له . عشْ حياة صالحة تنلَ السعادة . وهل أفضل من هذا العدل أو النظام ؟إن أحببت الحياة اخترتَ الصالحة : إن شئت زوجة لك ، ألا تختارها صالحة ؟ أو تحب الحياة وتختار الشريرة منها.

قل لي : هل تريد شراً ؟ كلا . مهما أردت وأحببت فإنك لا تطلب سوى الخير . أنت لا تريد حصاناً ولا خادماً ولا ثوباً ولا بيتاً رديئاً كما لا تريد زوجة شريرة ولا بنين أشراراً .

حياتك ليست أقل من بيتك وزوجك وثوبك وحذاؤك :ـ

 يا من لا يطلب سوي الخير ، كن صالحاً في نفسك . ولمَ تحتقر ذاتك فتطلب كل خير وتبقي أنت وحدك شريراً ؟ عزيز عليك بيتك وزوجك وثوبك وحذاؤك . ونفسك أليست عزيزة عليك؟

تعدك الحقيقة بحياة أبدية ، بل سعيدة ، لا ضجر فيها ، ولا وجع ، ولا خوف ، ولا تعب : هناك الطمأنينة التامة الحقة حيث يحيا الإنسان تحت نظر الله ومع الله وبالله ، وحيث الحياة هي الله عينه . تلك هي الحياة التي وعُدتَ بها ، ومع ذلك نراك تؤثر عليها الحياة الزمنية التاعسة الملأى بالأحزان.
أنك تطلب الحياة والأيام الصالحة : خيرّ هو ما تطلب ، إنما لن تجده ها هنا . لهذا الحجر الثمين مكان ، إنما ليس من مواليد أرضنا هذه.

مهما اجتهدت وحفرت فللن تجد ها هنا ما ليس من هنا ؛ ولكن أعمل وأجبك يعاد إليك ما تحب وتهوي .

ابك تارةً وصلّ طوراً لأن البكاء للبؤساء والصلاة للمحتاجين . الصلاة تنقضي ويتلوها تسبيح  والبكاء ينقضي ويتلوه سرور . في أيام بؤسك أرفع صلاتك دوماً إلي الله وسَلهْ نعمةَ السكنى في بيته دون سواها من النعم ؛ ولا تكفَّ عن السؤال قبل أن تحظي بمبتغاك.

وصلوات عواطف.

أسمع ، يا رب ، صوتي فأني إليك أصرخ ، استجب لي يا رب وارحمني ، واحدةً فقط ، سألتك  متضرعاً باكياً ، يوم واحد في بيتك أفضل من ألف يوم سواه . لقد اشتهيتُ ألف يوم وشئت أن أعيش طويلاً ها هنا فأجعلني أحتقر ألف يوم وأتوق إلي يوم واحد لا شروق له ولا غروب ، إلي يوم أبدي  لا أمس له ولا غد : ذاك هو اليوم الذي أشتهيه .

التعب ينقضي والراحة تأتي . الملذاَّت الكاذبة تنقضي ، والخير الذي تنشده نفسي يأتي ، ذاك الخير الذي أحن إليه وأتوق طوال سفري ها هنا . الوطن الصالح هو الوطن السماوي الذي فيه أشاهد الملائكة . حيث لا يموت مواطن ولا يقبل عدوّ ولا أخاف عدواً . لأن صداقة الله إلي الأبد.

يا مدينةً مبنية كمدينة ، الله نصيبك . ليكن السلامُ في قوتك ومحبتك لأن قوتك في محبتك أنا لا أريد أن أصادق هذا العالم و ألا عاديتُ الله.

أعداؤك هم أصدقاء العالم أنهم الباحثون عن الترهات ، الآخذون برأي العرافّين . أعداؤك ، سواء أدخلوا الكنائس أم لا . يزهرون زمناً كعشب الحقل ثم يذبلون تحت نظرك حين تلفظ حكمك على كل بشر.

أي نفع لي من المال المجموع متى ضيعّت برارتي ؟ إني أحبك يا رب وأحبك للغاية وأتوق إليك بشوق وحرارة تحت قدميّ أدوس مباهج الحياة بأسرها وأريد أن أذهب وأبلغ إليك وأموت عن نفسي حبا بالوصول إليك.

الفصل الخامس: في طريق السعادة الحقة.

لا ريب في إنك تريد أن تعيش سعيداً ، من من إنسان ألا ويسلَّم بهذا الرأي قبل الأعراب عنه تماماً . لكنك ، لن تكون سعيداً ، على ما أري ....

ثلاثة لا تجعلك سعيداً ... إن لم تحصل على ما تحبّ أيا كان . ولن تكون سعيداً إذا نلت ما تحب وكان هذا المحبوب مضراً ، وإذا لم تحبَّ ما لك وأن كان ممتازاً .

عذاب وضلال ومرض ... إن رغبت في ما ليست لك قدرة عليه ، تعذّبت ؛ وإن نلت ما لا يجوز لك أن تسعي إليه ، ضللت . وإن لم تسع إلي ما يجب السعي إليه ، مرضت: التعب يلازمك في سعيك إلي تلك الأمور ؛ ولا مكان للسعادة مع التعب .

الكل يبحث عن السعادة ... السعادة خير عظيم يسعى إليه الأشرار والأبرار على السوء . ولا عجب في أن يتحلَّى الأبرار بفضيلة تؤهلم إليها ؛ إنما الغرابة في أن يواظب الأشرار ، أحراراً ، على الشر سعياً وراء سعادتهم .

الأشرار .  

الشهواني :ـ أن من أستسلم إلي شهواته ، ففسد في الدعارة وسعى من خلالها إلي سعادته يعتبر نفسه شقياً إذاً لم يشبع رغباته منها ، وإذا حصل عليها ، فلن يتردد في المباهاة بما وصل إليه من سعادة .

البخيل :ـ إن الذي يتأكله البخل فيكدس الآن الثروات ، سعياً وراء السعادة والذي يتوق إلي سفك دماء أعدائه ، والذي يطمح إلي الاستئثار بالسلطة ، والذي يروي غليل شراسته من مصائب الآخرين  هؤلاء كلهم يبحثون من خلال جرائمهم عن سعادتهم.

إن هؤلاء الضالين الباحثين عن سعادة كاذبة من خلال شقاء حقيقي يهتدون إلي الطريق الصالح إذا سمعوا الصوت الإلهي القائل :ـ (طوبي للأذكياء في الطريق للسائرين في شريعة الرب)"مز1:118" وكأني بالله يقول لهم (أين تذهبون ؟ تهلكون ولا تدرون ، ليس هذا هو الطريق إلي الغاية التي تنشدون ، رغبتكم في السعادة أكيده ، إنما الطرق التي تسلكونها ، محفوفة بالمخاطر ، وتؤدي بكم إلي شقاء ما بعده شقاء لا تعتمدوا تلك السبل الشريرة بحثاً عن ذاك الخير العظيم . أمات إذا أردتم الحصول عليه فتعالوا من هنا وسيروا من هناك.

تخلَّوا عن شر السبيل العاطل يا من لا تستطيعون أن تتخلَّوا عن رغبتكم في السعادة .

باطلاً تتعبون ، ساعين إلي ما سوف يؤثمكم ، لدي حصولكم عليه . إن الذين يتدنسون في ضلالهم سائرين في شر هذا العالم ، ليسوا سعداء إنما (طوبي للأذكياء في الطريق ، للسائرين في شريعة الرب ، وطوبي للذين يرعون شهاداته ويلتمسونه بكل قلوبهم)"مز1:118-2".

هؤلاء يسعدون بالرجاء وليس بالواقع ، نظير (المضطهدين على البر "متى10:5") وليسوا سعداء بالعذابات التي يقاسونها الآن بل لأنهم يعلمون (إن لهم ملكوت السماوات).

{طوبي للجياع والعطاش إلي البر "متى6:5"). لا ، لأنهم يشبعون ويرتوون ، بل ، ومن أجل الباقي (لأنهم سوف يشبعون).

{وطوبي للباكين} لا ، لأنهم يبكون ، بل من أجل الباقي لأنهم {يُعزَّون} ثم طوبي للذين يتعمقَّون في تلك الشهادات ويرعونها بكل قلوبهم ، لا لأنهم يبحثون ويتعمقون بل لأنهم سوف يجدون ما يطلبون. إن الباحثَ ، جاداً ، لا يتهاون في سعيه ، إن كنت سعيداً في رجائك فلابد وأن تكون باراً برجائك.

إن سلكت في شريعة الرب وحفظت وصاياه وبحثت عنه ، بكليتك ، في هذه الحياة ، ثم قلت في نفسك : لست خاطئاً فأنك تخدع نفسك وليست بالحقيقة فيك.

وبالتالي فأنت سعيد إن شئت أن تكون باراً . أطلب ما تسعي إليه لتكون سعيداً . لو كنت سعيداً فهل تصبح الآن أفضل من يوم كنت فيه تاعساً؟ بيد أن ما هو دنيء لا يصيّرك أفضل.

إنسان أنت ، وكل ما تبتغيه إسعاداً لك هو أدني منك قدراً ؛ سواء أكان ذهباً أم فضة أم سواهما من الخيور المادية التي تتوق إليها وتريد التمتع بها : هذه كلها خيور دونك قدراً.

أنت حقاً أفضلُ منها وأحسن : تريد أن تكون أفضل مما أنت عليه فتتمني السعادة بينما أنت تعيس وتريد أن تكون أفضل وتسعي إلي غايتك بسبل أدني منك . أن كل ما تسعي إليه فوق هذه الأرض هو دونك قدراً .

كيف تكون أفضل ؟ أقبل مشورة مخلصة : إن أردت أن تكون أفضل فاسعَ إلي ما هو أرفع منك لكي نتمكن من أن تصير أفضل . وارتفع إلي خالقك : ولا تيأس قائلاً أنه ، بعيد عني جداً . يصعب عليك أن تحوز الذهب الذي تبتغيه وقد لا تتمكن منه ؛ أما إن طلبت خالقك فسوف تحصل عليه ، وهو الذي قد جاء إليك قبل أن تطلبه ، وحين كنت مائلاً عنه بإرادتك ، كان يدعوك ويوم خفت منه ، واعترفت ، أساك.

إن الله الذي أعطاك كل شيء حتى الوجود ، الله الذي يشرق شمسه على الأشرار وعليك أيضاً ، الله الذي يمطر غيثه ويعطي الثمر ويفجّر الينابيع والحياة والخلاص ويمنح الكثيرين تعازيه يحتفظ لك دون سواك بكل شيء. 

الله يحتفظ لك بذاته .. وبم يحتفظ لك ، إن لم يكن بذاته ؟ سلْ ما هو أفضل منهما؟ إن استطعت الله يحتفظ بذاته لك.

يا طماع ، لم تتوق إلي السماء والأرض ؟ أو ليس خالقهما أفضل منهما؟ هو عينه لك ، وهو الواجب أن يكون لك.

أطلب الله يَكُنْ لك فتصبح سعيداً ، وحده الخير الذي يهبك السعادة ، والخير الذي يصيرك أفضل من ذاتك . أحبَّه وخُذه ، ومتى أردته كان لك بالمجان.

إذا أمتلكت ذهباً ، فكن ربه ، ولا تكن عبده ، طالما أن الله الذي صنعكما ، سلّطك عليه ؛ لقد صنع الذهب لخدمتك ، أما أنت فقد صنعك على صورته . أقنع بالكفاف دون سواه وألا ثقل عليك ما زاد عنه ولم ينفعك . أن خيوراً كهذه تثقل عليك ولا تشّرفك . لا تقتن المال بل اعترف بفقرك ؛ وإذا كنت ذا ثروة طائلة فأعلم أن غناك ليس بها ! بل أطلب سواها وأعلم أن الثروات الحقيقية لا تزيد أصحابها جشعاً.

كلما ازددت غني من تلك الخيور كلما زدت شوقاً وتحرقّاً إلي الاستزادة منها . وما هي تلك الخيرات التي ، كلما كثرت بين أيدينا كلما زدنا حاجة إليها؟ أن من يحظى بها يزداد جشعاً لأنها لا تروي له غليلاً .

 بعض الناس يكتفي بالربح القليل والموارد الضيئله حتى إذا أصبح غنياً ، ما عاد يقنع بالقليل.

وتظن الناس قانعين بما لهم ، إنما أنت على خطأ . أن الثروات الطائلة لا تسد قعر الجشع بل توسعه ولا ترويه بل تزيده عطشاً ، فإذا بهم يرفضون الكأس لأنهم إلي النهر عطاش.

أختر الحياة الأخرى وأحب الله واحتقر الزمنيات وأشحْ بوجهك عن خيور الأرض طالما أنت مسافر عليها ، ولن تبقي فيها إلي الأبد .

أعدَّ ذاتك للحياة الآتية :ـ إن ملكت شيئاً فاصنع منه خيراً ، وإن لم يكن لك شيء فلا تتحرَّق إليه شوقاً . سرْ وابعث بما تدَّخر حيث يمكنك أن تطمئن إليه أكثر .

إنك تسمع كل يوم هذا الكلام : لنرفع قلوبنا إلي العلى ، وكأني بك تسمع عكسه فيغور قلبك في التراب.

سر أيها المسافر ، إن كان لك شيء ، تصدَّقْ به ؛ وإلا فلا تتذمَّرْ على الله ، أصغ إلي أيها البائس: وماذا ينقصك والله معك ؟ أصغ إلي أيها الغني : أي شيء لك والله ليس معك ؟

عواطف وصلوات.

أيها الرب إلهي ، فرّحْ نفس عبدك التي رفعتها إليك ؛ لقد كانت على الحضيض فريسة مرارتها فرفعتها إليك تلتهمها مرارتها فتفقد عذوبة نعمتك ، فرّحها معك يا من ، وحدك ، فرح حقيقي والعالم بأسره مرارة .

ولمَ أهوي الكذب والباطل ؟ ولم اسعي وراء سعادتي في الشهوات الدنيئة ؟ وحدك ، قادر على أن تجعلني سعيداً يا مصدر كل خير {باطل الأباطيل وكل شيء باطل "الجامعة2:1"} أي نفع لي من تعب أعانيه تحت الشمس ؟ ولم تستهويني الزمنيات ؟ ولم أسعي بادئ ذي بدء في أثر كل دنيء وراء الكذب والباطل ؟ كن نصيبي يا قوتي وحافظي واجعلني لك ، فترعاني.

على مذبح اعترافك أضع قلبي تقدمة وذبيحة تسبيح فأشعله بلهيب حبك ولا تُبق لي منه شيئاً يذكّرني بنفسي وأشعلني بكليتي وذوّبني فيك فأحبك بكل ما فيَّ .

الفصل السادس: في بطلان الخيور الزمنية.

مع أن حياتنا هذه شاقة وفانية فلها حلاوتها ، فإذا لم تتمكن من التخلص من الموت ، تحاول بجد واستمرار أن لا تموت باكراً .

أنت لا تستطيع أن تمنع الموت عنك ، إنما تعمل ما بوسعك لكي تؤجله . ولماذا يتكبد الناس مشّقات كثيرة ، قياماً بما هو ضروري لوجودهم ، فيخضعون للطب مثلاً ولسواه من الخدمات التي يفرضها المرض عليهم أرجاءً لساعة الموت عنهم؟؟

ثمن الموت في الآخرة:ـ وما هو ثمن الموت في الآخرة إن كان تأخير أجله ها هنا يتطلب هذا الثمن الباهظ؟؟

إن كان يقصد بهذا الدوىّ مجداً عالمياً فما أشبهه بسقسقة الماء بين الحصى تأمله يجري وأنظر إليه منحدراً وإذا تأملته جارياً منحدراً فاحذر من أن يجرفك معه لا تكترث لنهر يجري بسرعة إلي مصبه الله عشب :ـ لأن كل بشر عشبّ ومجده كزهر الصحراء {العشب قد يبس وزهره قد سقط}أشعياء6:40-7"}.

العشب يخضر شتاءً وييبس صيفاً ، فأنظر إليه ، لا أسرع منه إلي الزوال . وهل أبهي منه وأشد اخضراراً ؟ لا تفرح به مخضراً بل خف منه يابساً.

الخطاة .. أجل الخطاة كالعشب يزهرون ، والحمق ينظر إليهم فيقتدي بهم وإذا أراد أن يزهر معهم في الزمن ، هلك إلي الأبد.

ولماذا يتيه كبْراً الذي يزُهرُ الآن ثم لا يلبث أن ييبس ؟ خير لك أن تحوّلك رحمةُ الله من عشب إلي ذهب . وأي نفع لك من كل ما هو زمني فإن ؟ سواء أكان فضة أم لذة بطن ولسان ، أم مجداً تجنيه من مديح الناس لك ؟ أليس هذا كله دخاناً وريحاً ؟ ألا يزول سريعاً؟ الويل لك إذا تمسكت بما يزول  فإنك تزول معه ، ألا يشبه نهراً سريعاً يثب إلي البحر ؟ الويل لك إن وقعت فريسة له ، جرفك إلي القعر.

الأبرار / أما إذا زال العشبُ وانقضى زهرُ الخطاة فماذا يحل بالأبرار؟{الصديق كالنخلة يزهو وكالأرز في لبنان ينمو} "مزمور13:29". جمالُ النخلة في جذعها ، وفي التراب جذورها القاسية أما أغصانُها العَّالية فهي تناطح السحاب . وهل تجف النخلة والارزة لشروق الشمس عليهما في حين أن الزوابع لا تستطيع أن تحنى رأسيهما؟؟

أيها الشقي المولع بحب العالم لا تغتر بسعادة الكفرة وزهر العشب ، ولا تحسد من يسعدون إلي حين  ويشقون إلي الأبد .

أختر لنفسك :ـ تأملًّ إن كانت أصولك راسخة في بيت الرب وأردت أن تزهو كالنخلة وتنمو كأرز لبنان أو أن تيبس كالعشب تحت حرارة الشمس.

إن لم تشأ أن تكون عشباً بل نخلةً وارزةً فليطمئنًّ باطنُك وتأمَّلْ في ما أقوله لك ؛ لأن الله أزلي يرأف بالخطاة الكفرة ويقودهم إلي التوبة ، أنه يجلد الصالحين ويوجّهُهم إلي ملكوت السماوات ، ولا يظلم أحداً فلا تخف .

لا تضطرب بل اطمئن : وهل يجلدك الآن ، إلا ليخلصك من نار الأبد؟ وهل يصبر على الشرير الآن إلا ليسمعه هذا الصوت القائل : أذهبوا إلي النار الأبدية؟

لا تقلق لتلك الأفكار بل اطمئن وقل :{عادل أنت أيها الرب إلهي ولا إثم فيك البتة}"مزمور13:92".

لا تغترَّ بأفراح هذا الدهر فهي أضغاث أحلام : أبناء الدهر يستمتعون بنومهم وإذا أبوا يستيقظوا حين تكون لهم من النهوض فائدة ، فسوف ينهضون ساعة لا يشاءون ،  ويدركون إذ ذاك أن أحلام هذا العالم بأسرها باطلة وزائلة على حد قول الكتاب :{نام رجال الثروات ولم يجدوا أيديهم}مز5:75".

ومنهم من لا ينامون بل يغفون ويكفون عن محبة الخيور الزمنية ثم يقعون في حبها من جديد وغالباً ما يحنون بسرعة رؤوسهم كالغافين.

أما أنت فاسهر وانفض عنك غبار النعاس لأنك إذا حلمت تعرضت للسقوط . ولمَ تخاف من خراب ممالك الأرض ؟ السماء أعطتك مواعيدها لئلا تهلك مع من في الأرض . إن ترددت في العمل فأثبت على الرجاء وإن أقلقك العمل فلتكن المكافأة حافزاً لك .

عواطف وصلوات.

أيها الرب إلهي ، إنك تحتفظ لي بنفسك في السماء ، ثروةً إلي الأبد ، سألتك على الأرض ما يطلبه الآثمة والأشرار والمجرمون الكبار : سألتك الغني والذهب والفضة والحجارة الثمينة والبنين وسألتك أيضاً ما يطلبه كثير من المجرمين والنساء العاهرات . لقد اشتهيت هذا كله خيراً عظيماً لي فوق الأرض إنما احتفظت لي بنفسك في السماء.

الجسد عشب دائم ومجد الإنسان كزهر العشب وبما أني لم أتفحص تلك الأشياء أبداً فقد ظننت زهر العشب ذا قيمة فلم أحتقره بل سعيت إليه بجد ونشاط .

الآن أحتقر العشب وزهره لأن العشب ييبس والزهر يسقط . لو أني استمسكت بالعشب وزهره لقضيت على نفسي ، إذا لم يتم هذا حتى الآن فسوف يأتي الغربال ليفصل التبن عن كومة القمح.

ألا يجمع القمح في الأهراء والتبن في النار ؟

ألا يتُوقف إلي الشمال الذين أحبوا التبن ليقول لهم {أذهبوا إلي النار الأبدية المعدة للشيطان وملائكته}"متى41:25".

سوف احتقر التبن وزهره كيلا يهلكني ويبعدني عنك ويطردني من خبائك .

سوف ارسخ جذوري في الأرض أرزة في أرض الأحياء فتختفي جذوري وتظهر الثمار          {كانت المحبة لي جذراً ثابتاً في أرض الأحياء.}

الفصل السابع: في مكر العالم.

فرح الكفرة : فرح الكفرة ليس بفرح : أصغ إلي قول النبي أشعياء {لا سلام للمنافقين قال الرب}"أشعياء21:57". فصدّقه . ما هو فرح الكفرة؟ أنهم يفرحون بالإثم والعار والرذيلة والقبْح الخلُقي ، بهذا كله يفرحون . أجل ، بأي شيء يفرح الكفرة ؟ إنهم يفرحون بالرذيلة التي لا عقاب عليها ، يعيش أناس في الفسق والزنى وترهات المسارح والسكر ويتلوثون بكل ما يخجل ويرفضون كل تجربة : ذاك هو فرح الكفرة.

لا جوع ولا حرب ولا مرض ولا ضيق ، يعتبره الكفرة عقاباً على جرائمهم ، ولأنهم يتمتعون جيداً براحة في جسدهم وطمأنينة في فكرهم العاطل ، فذاك هو فرحهم .

بداية الكفرة ونهايتهم :ـ بيد أن الله لا يفكر بمثل ما يفكر به الإنسان : شيء هو تفكر الإنسان وآخر هو تفكير الله . بداية الكفرة خالية من التبصر ونهايتهم ندامة ، جميع أعمالهم إلي الهلاك ولا ثمار لهم ، قيمة أعمالهم باقية إلي زمن ثم يتساءلون فلا يجدون شيئاً مما عملوا وإليك ما يتحدثون به : أي نفع لنا من الكبرياء ؟ وما فائدتنا من الأموال المكدسة والثروات المجموعة؟{كلها تمر كالظل}"حكمة8:5".

وفي خضم هذه الحياة وتجربها يتأملون بما تصبو إليه نفوسهم بجشع أرعن ، بيننا العالم ينشط وراءك ليجذبك إليه ؛ ويصخب بقوة ، خلفك ، ليجعلك تضعُ رجاءك في ما يزول ، ثم تحاولُ أن تستريح فتهلك معه .

كم من حركات يقوم بها العالم ليسلخ قلبك عما يعدك به المسيح ! ولمَ هذا الغليان أيها العالم الفاسد؟ إنك تحاول أن تستميلنى إليك ، أنت ذاهب إلي الهلاك ممسكاً بي ، ماذا تعمل لو اضطررت أن تبقي؟

ماذا تحب في الطعام ؟ إنك تقدم طعاماً مراً لمن لم تستطيع أن تخدعه . يا رجل ، العالم في هيجان ، وأنت تحبه؟ ماذا تصنع لو كان هادئاً ؟ وكيف تستمسك بالجمال إن كنت تحب ما هو قبيح ؟ وكيف تقطف زهوره ويداك لا تزالان عالقتين في أشواكه ؟

عطية العالم وعطية الله :ـ ألا تريد أن تترك العالم ؟ العالم يتخلى عنك وأنت تتبعه أتجه إلي الرب إلهك وقل للعالم : لماذا تلاطفني ؟ إن ما أحبه هو أحلي ممَّا تعدني به ، تعدني باللذة الأرضية  فالله أحلي منها . وتعدني بالكرامة والمجد العالمي ، فملكوت الله أسمي منها . وتعدني بكل أثيم فيَّ وفضوليّ وباطل ، حقيقة الله وحدها لا تضل .

إن كنت عظيماً فأعظم منك صانعك.                                                  وإن كنت جميلاً فأجمل منك صانعك.                                                    وإن كنت جذاباً فأطيب منك صانعك.                                                  وإن كنت شريراً فصالح هو خالقك.
 العظمة في رحمة الله هي أنها لا تترك الآثم بلا عقاب ؛ وها أننّا نراه يضرب بعصا تأديبه ، كيلا يضطر في النهاية إلي المعاقبة في جهنم .

عواطف وصلوات.

طوبي للساكنين في بيتك ، يا رب ، فإنهم يسبحونك من جيل إلي جيل . في بيتك الراحة الأبدية التي لا نهاية لها والفرح الذي لا حد له والكمال الذي لا نقصان فيه.

 لقد وعدتني بحياة إلي الأبد وراحة لا نهاية لها ، إنما شئت أن تختبرني وتعلمني وتسن لي شرائع حتى إذا ما لجأت إلي خوف مقدس نجوت من محبة الخيور الأرضية وتعلقْتُك وحدك يا خيري الحقيقي.

صالح أنت ، لأنك ، لو لم تمزج مرارة هذا العالم بسعادته لكنت نسيتك ! أرغب في أن أصنع لنفسي من مخلوقاتك سلَّماً أرقي عليها إليك لأني لو أحببتُها أكثر منك لما حصلت عليك.

وما نفعي من أعمالي الكثيرة أنت تخليت عمنَّ عملها ؟ أكيد بأني أستطيع أن أحبها إنما أحبك أكثر منها لا بل أحبها من أجلك .

رجائي أنت يا صانع كل شيء وأفضل من كل شيء ، ويا صانع كل جمال وأجمل من كل جمال ، ويا صانع كل قوة وأقوي من كل قوة ويا صانع كل عظيم وأعظم من كل عظيم : أنت لي كل ما أحب.

أريد أن أحب الخالق في خليقته والعامل في عمله لئلا يسيطر علي ما قد عملت فأخسرك يا خالقى ما أشقاني ! ولمَ أتعب في حب المال ؟ مضنوكاً أحب ما أحب ، أما أنت فإني أحبك بلا تعب.

الجشع يهيب بصاحبه إلي العمل وإلي تحمل المخاطر والضيقات ، ومع ذلك فأني راض بها .

إني أصغي إليه لكي أملأ جعبتي منه حتى إذا ملأتها فقدتُ راحتي وقد كنت أكثر اطمئناناً يوم كنت معُدماً لا أملك شيئاً.

ملأت بيتي فخفت من اللصوص وحزت الذهب فقدت النوم . أمر البخلْ فلبيت أمره وأنت يا إلهي . بما تأمرني ؟ أن احبك .

إن أحببت الذهب فقد لا أجده مع أني عنه بحثت ، أما أنت يا إلهي فإنك مع من يبحث عنك أياً كان .

وإن دعاني المجد إليه فقد لا أصل ، أما أنت فمن الذي يحبك ولا يجدك ؟ على أن أحبك وأن يبقي حبك في قلبي ، وهل أحلي منه حباً ؟ أجعل من حبك خاتمةً لأعمالي كلها ، تلك هي غايتي ، إليها أسعي مسرعاً حتى إذا ما بلغت إليها واسترحت.

الفصل الثامن: في نوعية حب العالم.

الحب نوعان : حب العالم ، وحب الله ، إن كان فيك حب العالم فلا محل لحب الله . أنف عنك حب العالم وأقم فيك حب الله ليحل محله الحب الأفضل.

إن كنت تحب العالم فلا تحبه بعد الآن : إن سلخت قلبك عن حب العالم أدخلت فيه حب الله وسكنتْ فيك المحبة التي لا يصدر عنها أدني شر.

بين الصانع والمصنوع :ـ

كل ما في العالم ، صنعة الله : أقم فيك روح الله ترَ كل شيء صالحاً ولكن الويل لك إذا أحببت المصنوع وتركت الصانع . إنك تراه جميلاً ولكن ما أجمل صانعه!

إن الله لا يحرمّ عليك محبة هذا الجميل ، شرط ألاّ تحبه سعياً وراء سعادتك وبحثاً عنها ؛ بل حباً بالخالق وتمجيداً له .

الخطيب والخاتم : إذا صنع خطيب لعروسه خاتماً فقبلته ثم فضلته عليه ، ألا تكون زانية بحق خطيبها بسبب تلك الهدية؟

إنها تحب في خطيبها هديته ، ولو قالت : حسبي هذا الخاتم ولا أريد أن أري وجه خطيبي فمن تكون هذه العروس؟

ومن ذا الذي يقبل بهذا الجنون ؟ ومن لا يعترف بزني هذه النفس ؟ إنك تحب الذهب حباً بالرجل وتحب الخاتم حباً بالزوج ، فلو أنك أحببت الخاتم حباً بالزوج ثم استغنيت عن رؤية الزوج فكأني به يعطيك الخاتم لا ليرسّخ اتحادكم بل لكي يستميلك عنه إلي الخاتم . العروس يقّدمُ لك تقدمة لكي تحبه من هديته . والزوج يعطي عهده ليكون ميثاق حب بينه وبين شريكه الآخر .

عطايا الله : إن الله قد أعطاك نعمة لكي تحبه في تلك النعم التي صنعها ، وأكثر منها أعطاك ، لقد أعطاك ذاته . إن تعلقت خيور الله وأهملت خالقها ، حباً بالعالم ، ألا يعتبرُ حبك له زني ؟ لست أقول لك : لا تتعلق بما للأرض بل أحبه باعتدال ، حباً بالخالق لئلا يزعجك حبه ، بل فليكن حب استمتاع لا حب استعباد .

أرعَ محبة الله في قلبك كي تحيا إلي الأبد كما هو الله إلي الأبد ، لأن الإنسان يكون كما تكون محبته إن أحببت الأرض كنتَ أرضاً وإن أحببت الله ماذا أقول ؟ أتصير إلهاً ؟ لا أتجاسر على التلفظ بهذا الكلام تلقائياً إنما أسمع الكتاب القائل {قد قلت أنكم ألهه وبنو العلى كلكم} مزمور6:81".

وعليه ، إن أردت أن تكون إلهاً ، وابن العلى ،فلا تحب العالم وما فيه : حب العالم أشبة بيد النفس التي ، إن أمسكت شيئاً ، استحال عليها الإمساك بشيء أخر ، ولكي تستطيع أن تمسك بما يقدم لها يجب عليها أن تتخلى عما معها . إن أنت أحببت العالم فلا يسعك أن تحب الله ، لأن يداك مشغولة الله يقول لك : خذ منى ما أعطيك ، أما أنت فتأبي أن تتخلي عما بيدك ، إذ ذاك لن يسعك أن تقبل ما أقدمه لك . وإذ لم تستطع بحكم الضرورة فأملك ولا تكن مملوكاً . وخذ ولا تكن مأخوذاً ، كن سيداً على ما لك ولا تكن عبداً له .

أسألك وأرجوك وأحثك على أن تحب الحياة الأبدية نظير من يحبون الحياة الزمنية.

تعلَّم أن تحب وألا تحب : أحبَّ لسبب وامتنع عن الحب لسبب أخر . في العالم أشياء تحبها لكي تتقدم وأشياء أخري ، إن أحببتها ، منعتك عن التقدم ، لا تستمسك بالمانع إن لم تشأ العقاب : المانع هو ما تحب من هذه الأرض وهو بمثابة دبق للأجنحة الروحية ، أي الفضائل التي تطير بواسطتها إلي الله أنك لا تريد أن يقبض أحد عليك ومع ذلك نراك تهوي الدبق ! أتظن أنك لن تقع بين أيديهم إذا كان القبض عليك أمراً سهلاً ؟ إن العالم يضيّق عليك بقدر ما يفرحك.

عُدْ أيها الخاطئ إلي قلبك واستمسك بمن خلقك أمكث معه لكي تستقر واسترح فيه لكي تطمئن . أين تذهب في تلك الطرق الوعرة؟ إلي أين؟ إن الخير الذي تهواه هو من الله ، وبقدر ما يقودك إلي الله بقدر ذلك هو صالح وطيب ، لكن سوف يكون أمراً على من لم يقبل ، بصدق ، ما يأتيه من الله . أنك تسير باستمرار على تلك الطرق الضيقة والوعرة فإلي أين تريد أن تصل؟ لن تجد الراحة حيث تبحث عنها أطلب مبتغاك خارجاً عن هذا المكان . وهل تبحث عن السعادة في ديار الموت؟ لن تجدها وهل تكون الحياة سعيدة حيث لا حياة؟

عواطف وصلوات.

فخُّ هي حلاوة هذه الحياة ، يضع أعدائي طُعماً في الفخ حتى إذا ما استهوتني وقع رأسي في شرها وأطبق علىّ على الفخ.

أثبت فيّ يا رب لئلا أقع في الفخ ، ها أني أصرخ إليك قائلاً : تباركت ، رب ، يا من لا تدعني فريسة لأسنانهم لقد نجحت نفسي كالدوري من شبكة الصيادين.

نجت نفسي من شباك الصيادين لأنك فيّ وبما أني عصفور فلا قرار لي لذلك ساعدني فأثبت قدميّ على الصخرة لئلا أقع في الفخ.

أمكث معي ونجنى من المخاطر التي تحيق بي .

يجب علىّ أن أهتف خارجا : بك نجوت . وعلى أن أطير إليك وأظفر بك لأني نجوت وبما أنك فيّ فلَمْ أعلَقْ في الفخ ، لقد نجوت لأن الفخَّ كُسر وكُسرَ الفخُ لأني اعتمدت على اسمك يا صانع السماء والأرض.

إن الذين أسرهم جمال هذه الحياة وأهانوك قد زالوا معها . إني لواثق من أن الفخ سيكسر وسوف تتلاشى حلاوة هذه الحياة بعد أن يكتمل شوطها في الوقت المحدد إنما يجب أن لا أتعلق بها لكي أتمكن من أن أثب وأقول حين يتحطم الفخ : لقد تمزقت الشبكة ونجوت أنا.

الفصل التاسع: في أن عالمنا هو محطة للمسافرين.

غريب أنت في هذه الحياة : أنت حقاً مسيحي إن عرفت أنك غريب في بيتك ووطنك . لأن وطنك فوق ولست فيه ضيفاً عابراً ، أما هنا في بيتك هذا ، فأنت ضيف وألا لما غادرته.

أنت ضيف :ـ إن وجب عليك الخروج منه فأنت فيه ضيف ، لا تغتر ، أنت ضيف ، شئت أم أبيت دع بيتك لأولادك يا ضيفاً عابراً ، دعة لسواك ، دعة للذين سوف يعبرون مثلك.

الفندق والبيت:ـ إن كنت في فندق ألا تترك محلك لضيف جديد ؟ وفي بيتك تصنع نفس الشيء: أبوك ترك لك المكان فعليك أن تتركه لأولادك.

 التمتع والاستخدام :ـ أنت لا تقيم فيه كمن سوف يبقي ، ولن تترك مكانك لمن سوف يبقون لم تشتغل ؟ ولمن تشتغل ؟ تقول : لأولادي . وهذا لمن يشتغل ؟ لأولاده . وهؤلاء لمن يشتغلون ؟ لأولادهم . إذاً لا أحد يشتغل لنفسه أجعل من ثروتك عوناً لك في السفر لئلا تكون حافزاً لجشعك . خذ منها الضروري ولا تبحث فيها عن لذتك . التمتع بشيء هو تعلق به من أجل ذاته ، أما استخدامه فهو استعماله أداة للوصول بواسطته إلي من نحب إن كان أهلاً للمحبة . الاستعمال غير اللائق لشيء يدعى سوء استعمال أو سوء تصرف .

استخدم هذا العالم فقط ولا تسئ استعماله واستخدم الخيرات الجسدية الموضوعة لزمن محدود بلوغاً إلي الخيرات الروحية التي تبقي إلي الأبد.

استخدم العالمَ ولا تكن له أسيراً : السبيل الذي سلكته حين دخلت لا تزال تسير فيه ، ولقد دخلت لتخرج لا لتبقي.

فندق :ـ استعمل أموالك كما يستعمل المسافر في الفندق الطاولة والكأس والإبريق والسرير أستعملها كمن سوف يتركها لا كمن سوف يبقي.

استخدم العالم كمن لا يستخدمه : وأعلم انك مسافر على طريق أنت غريب فجدّد قواك . جدّد قواك وكمّل طريقك ومتى سرتَ فلا تحملْ معك ما تجده في الفندق ، سوف يأتي مسافر أخر ويستعمل الأدوات عينها دون أن يحملها معه.

عرياناً خرجت من بطن أمك وعرياناً تعود إلي الأرض . إن كانت تلك حالك فأرفع قلبك واستمع إلي إن كانت تلك حالك فسوف تصل إلي ما وعدك الله به.

ألا تعتبر اليد التي دعتك ضمانة لك كبري؟ لقد دعاك الله فتوسَّل إليه قائلاً : دعوتني فها أنا أتوسل إليك خذني إلي ما وعدتني به وكمّل ما باشرت به لا تترك عطاياك بلا ثمرة ولا تتخلَّ عن حقّك بل أدخل حصادك في أهرائك .

سعادة الحياة الأبدية :ـ ما أسعد الحياة الأبدية وما أهنأها . فلا مثيل لها.  فيها لن نجد عدواً ولن نخسر صديقاً من هنا وهناك نرفع التسابيح لله . ولكن من هنا ترتفع التسابيح بأصوات قلقة ومن هناك ترتفع بأصوات مطمئنة ، هنا يسبحه من سوف يموتون ، وفي السماء يسبحه من يحيون إلي الأبد . هنا يسبحونه بالرجاء ، وهناك يسبحونه متمتعين بمشاهدته . هنا يسبحونه في الطريق وهنالك يسبحونه في الوطن .

أنشد الآن لكي تتعزيّ في التعب ، لا لتتمتع بجمال الراحة ، أنشد كما تعودّ المسافرون أن ينشدوا أنشد وسرْ وخفّفْ بترانيمك من تعبك ولا تستسلم إلي الكسل ، أنشد وتقدَّم . تقَّدم في الخير إن تقدمتَ سرتَ تقدَّم في الإيمان المستقيم والأخلاق الصالحة لا تضلَّ ولا تتراجعْ ولا تتوقف.

عواطف وصلوات.

 رب إن كنت لا أزال حتى الآن بجسدي ، في هذا العالم ، فأني أريد من صميم فؤادي أن اخرج منه.

إني أغنّي مدينتي ، التي لي ، وأتوق إليها ، ولكن كيف أجد فيّ محبة وطني الذي نسيته طول سفري.

لقد بعثتَ منه إليَّ برسائل ، وقدمت لي كتبك لتنعش فيَّ شوق العودة إليه ، أحببتُ غربتي ووجهت أنظاري إلي أعدائي وأدرت ظهري إلي الوطن.

 أنا وطني بالشوق ، وها أني ألقي رجائي في أرض وطني ، نظير مرساة ، لئلا أغرق في ذاك البحر المضطرب.

ومتى أنتهي سفرنا فوق هذه الأرض وجدنا كلُنا عزاءنا ، صوتاً واحداً وشعباً واحداً في وطن واحد مع ألوف الملائكة الذين يرنمون بقيثاراتهم إلي جانب القوات السماوية. هناك من ذا الذي يبكي؟ من ينوح؟ من يتعب أو يحتاج ؟ أو يموت ؟

هناك ماذا ينتظرنا ؟ ماذا يكون شغلي ؟ الحب الهنيء بحضرتك هذا الحب الذي أتوق إليه الآن وأصبو وكيف يضرمني متى حصلت عليه؟

ومتى وصلت إلي ذلك الحب الذي يضرمني والذي أتوق إليه قبل أن أراه . كيف يشغلني ؟ كيف يحولني؟ (طوبي لسكان بيتك فإنهم يسبحونك إلي الأبد)"مز5:88".

الفصل العاشر: في أن حياة الإنسان قصيرة ومجهولة الأجل.

ما هي حياة الإنسان ؟ (أنها بخار يظهر قليلاً ثم يضمحل"يعقوب15:4". على حد قول الكتاب المقدس  إن السنوات التي تبدو طويلة ، قصيرة هي بعين الله ، لأن الله لا يحصيها كما تحصيها أنت لقد كان يوم سُمّي اليوم : ابتداءً منه إلي يومنا هذا ، كلّ ما كان مستقبلاً أصبح ماضياً وكأنه لم يكن . وهلم جرا حتى النهاية.

فليكن هذا الوقت بمقياس ما تصورُه مخيلتُك وبقياس ما تقول وتفكر وتحدد ، وطولّ حياتك ما شئت . ثم بعد أليس لك يوم أخير من عمرك ، تترك فيه هذا الجسد وتنبسط إلي البعيد البعيد؟ وماذا يعني العمر الطويل ها هنا إذا لم يبلغ الإنسان الشيخوخة ؟ وما فائدتك منه طالما أنه يؤدي بك حتماً إلي الشيخوخة؟ مهما بدا لك الوقت طويلاً فلابد من أن تعترف بقصره متى أتاك الموت وأنتهي أجلك.

قصير هو كل يعبر ويزول . هبْ أن آدم بقي حياً رزق حتى أيامنا هذه ثم مات ؛ فماذا ينفعه طول عمره؟

تأمّل فيما لو بقي عمر واحد : يريد الأطفال أن يكبروا ولا يدرون أن حياتهم تنقص كلما توالت فيها السنون.

السنون لا تزداد مع العمر ، بل تُستخرج منه كمياه النهر التي كلما تقدمت في الأرض ابتعدت عن ينبوعها.

أن أقبل عمرُّ أدبر آخر : إذا أقبل الشباب أدبرت الطفولة ، وإذا أقبلت سن المراهقة أدُبرت الطفولة وإذا أقبلت الشيخوخة أدُبر الشباب وإذا أقبل الموت أدُبرت كل حياة.

إن شئت أن تعيش عدداً أكبر من السنين تمنيت أن تطوي لنفسك أكبر عدد من الأوقات.

لا يثبت عمرنا على حال : تعب دائم وملل دائم وفساد في كل مكان . ومع ذلك تتمني العمر الطويل ولا تخشى الحياة الشريرة لأنك تريد أن تعيش طويلاً وإن شراً أنك تبحث عن شر مديد فلما لا تبحث عن خير مديد؟

وتقول : بعيد هو يوم موتي ـ ومن ذا الذي أنبأك بأن يوم موتك بعيد ؟ ومن أين لك أن تقول أن موعد أجلك بعيد ؟ ألا تحمل في جسدك علة موتك؟ ألست أسرع عطباً من الزجاج؟ ومع أن الزجاج سريع العطب فحفظُة ، طويلاً ، ممكن كم من كؤوس خلفها لك الآباء والأجداد وشرب فيها الأحفاد وأبناء الأحفاد ثم حُفظت طويلاً مع أنها سريعة العطب أما أنت أيها الضعيف السائر عرضة لأخطار كثيرة ، كل يوم وإن لم تفاجئك الأخطار فلست قادراً على أن تعيش طويلاً.

يموت الناس كل يوم : يشيع الأحياء موتاهم ويحتفلون بجنازاتهم معللّين أنفسهم بالحياة ولا يقول واحد منهم : على أن أصلح نفسي كيلا أكون غداً نظير من أشيعه اليوم.

أعمل إذن يا بنيّ وأصلح ميولك الشريرة ، ليكن الخوف فيك الآن طالما لا بد من الخوف.

إن كان يوم الدين بعيداً فيومك الخير لن يكون بعيداً والحياة قصيرة وطالما أن مدة حياتك مجهولة فإنك ليومك الخير جاهل أيضاً .

أصلح ذاتك اليوم من اجل الغد ـ أنك تعمل إلي زمن ولست تعمل إلي الأبد تعبك قصير أما سعادتك فإلي الأبد إلي زمن حزنك أما فرحك فإلي الأبد.

إن فرحت في الزمن فلا تثق بهذا الفرح وإن حزنت في الزمن فلا تيأس . لا تفسدنَّك السعادة ولا تحطمنَّك الشدة. 

إلعازر والغني: كم طال شقاء العازر؟ وكم دام غني الغني العائش كل يوم في رغد يلبس البرفير والأرجوان ؟ لقد تبادلا ما هو إلي الأبد.

لسنين معدودة شقاؤك ؛ إنما لن تنقصك التعزية ولن تحُرم الأفراح. لكن ، لا تفرح بالعالم بل أفرح بالمسيح وكلمته وشريعته.

سر مؤمناً وأصلح أخلاقك وعش كمسافر وأعلم أنك راحلُّ تخطأ قليلاً . لا تتهاون في عملك الآن ليكون فرحك إلي الأبد.

عواطف وصلوات.

رب ، شكراً لك يا من شئت أن يكون عمري قصيراً ومجهولاً . وهل من طول في ما ينتهي ؟ لا أستطيع أن أستعيد يوم أمس ، ويومي هذا يدفعه عنى غدي ليخّرج هو أيضاً بدوره.

في هذا المدى القصير من الزمن يجب على أن أحيا حياة صالحة لكي أذهب حيث أبقي ، والآن إذ أتكلم أعبرُ حقاً الكلام يطير بسرعة من بين الشفاه وينقضي كما تنقض أعمالي وأمجادي وبؤسي وسعادتي هكذا ينقضي كل شيء.

رب ، الويل لي إن أصدقائي يقولون لي : نتمنى لك سنين عديدة ، فأتمني أنا أن تتحقق فيُ رغباتهم فإذا بالسنين تأتي ثم تليها السنون ولا أريد لها نهاية.

رغباتي متناقضة : أريد أن أمشي وألا أصل .

رب ، أظهر لي ذاتك ، إني أعمل كل شيء لكي أراك فإذا بي أعدو في أثر رائحة عطرك . لقد جئت ونشرَ رائحة طيبه فملأ شذاك العالم.

إني إلي السماء على خطاك إذا لم أشأ أن أعطي جواباً خاطئاً على قولهم لي : قلبنا وحبنا ورجاؤنا إلي العلى . أنا على خطاك حتى السماء لئلا أفسد فوق هذه الأرض.

الفصل الحادي عشر: في حتمية الموت.

زمن حياتنا ها هنا سباقُّ إلي الموت ، حيثُ لا توقفُّ ولا تباطؤ : بل الكل مدفوعون بنفس الحركة إلي الهدف . وليس لمن كان عمره أقصر من سواه أن يطوى نهاره بأسرع ممَّن كان عمره أطول . على السواء تنُزعُ الأوقات منهما ؛ فهذا يري هدفه أقرب وذاك يراه أبعد إنما كلاهما يسيران بالسرعة عينها.

أن يلاحق الإنسان حياته طويلاً شيء وأن يسير فيه ببطُّ شيء أخر. وبالنتيجة . فمن يقطع على طريق الموت زمناً طويلاً لا يعني انه يقطع مسافة أطول.

وبما أنك مولود فمن المحتم عليك أن تموت ، المرض ضروري ها هنا ليدفع بك إلي الموت.

من الواضح أن الأطباء حين يعاينون المرضي يقولون مثلاً : إن هذا مصاب بداء الاستسقاء وهو مرض غير قابل للشفاء وهذا الآخر مصاب بداء البرص ولن يشفي منه وذلك مسلول وموته محتم : ومن ذا الذي استطاع أن يشفي من السل ؟ لقد لفظ الطبيب حكمه عليه بأنه مسلول ومع ذلك فليس من المحتمَّ عليه ولا على المصاب بهذا الداء أن يموت ، وأن يكون محتوماً على كل مولود أن يموت.

يموت الإنسان لأنه مولود ، وما كان بخلاف ذلك فهو مستحيل.

أنت مولود ، ولهذا تموت : إن هربت من الموت أو تحاشيته أو دفعته عنك فلا يسعك أن ترجئه أو تمنعه عنك . أنه لآت حتماً ، ولو أبيت ؛ وفي ساعة لا تعلمها . ولماذا تخافُ ما هو آت رغماً عنك؟ أحر بك أن تخاف ممّا لن يكون . ما لم ترده أنت قارن بين هذين الأمرين : بين الموت الذي يتم في برهة من الزمن والعقاب الذي يدوم إلي الأبد . أنك تخشى الموت الذي يتم في برهة من الزمن والعقاب الذي يدوم إلي الأبد . أنك تخشى الموت الذي يأتي في برهة رغماً عنك فاخش بالأحرى العقاب الذي لن يحصل ما لم ترده أنت . أن ما يجب عليك أن تخشاه لأفظعُ بكثير ، وباستطاعتك أن تتجنبَّه . وأنه لشرّ فظيع طويلُ المدى ، عليك أن تخشاه طالما ما أنك تستطيع أن تمنعه عنك.

في الواقع ، أنك إن عشتَ عيشةً صالحة أو شريرة ، فسوف تموت ؛ ولا مفرَّ لك من الموت ، ولكن  إن عشت عيشةً صالحة فلن تلُقي في العذاب الأبدي ، وطال ما أنك تستطيع ها هنا أن تتمني عدمَ الموت ، فاخترْ أن تكون مع الأحياء لئلا تموت إلي الأبد.

كم من مشقات يتحملها الإنسان تطويلاً لمدة عذابه ، وإذا هدده الموت نراه يسعى إلي تجنبه ، لماذا؟ ألكي يخافه زمناً أطول؟

العمل من أجل الحياة الإنسانية : أي عذاب لا يذوقه أولئك الذين يعالجهم الأطباء ويجُرون لهم العمليات؟ أيتحمَّلون ذلك كله كيلا يموتوا؟ أما لكي يطيلوا أعمارهم يوماً أو أكثر؟ إن كان الناس يتحملون تلك المشقات ويقومون بتلك الجهود ويتكبدون نفقات باهظة ويواظبون على السهر والعناية تطويلاً للعمر وإن قليلاً فأحر بهم أن يسَعوا ويعلموا لكي يحيوا إلي الأبد.

وهبْ أن من اتخذوا تلك الوسائل تأخيراً للموت قليلاً وتطويلاً للعمر أياماً قصيرة قد سُمّوا حكماء فما أغباك لو عشتَ عيشة تسببتْ لك بخسارة اليوم الأبدي.

العالم ينهار : يا من تعمل ما بوسعك لترجئ موتك قليلاً ، أعمل ما شئت لئلا تموت إلي الأبد الويل لك ، إن العالم ينهار إذا كان العالم ينهار فلما لا تتركه؟

لو قال لك مهندس معماري أن بيتكَ ينهار ، ألا تبدأ تتركه ثمَّ تتذمَّر؟ ومهندس العالم يقول أن العالم ينهار ثم لا تصدقه ؟

أصغ إلي صوت الواعظ ونصيحة المرشد : الواعظ يقول(السماء والأرض تزولان"متى35:34"). والمرشد يقول{لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض"متى19:6}.

إذا أمنت بكلمة الله ولم تحتقر إرشاداته فأعمل بموجبها لأن من أعطاك تلك المشورة لا يغشّك وأنت فلست تخسر ما أعطاك بل سوف تتبع خيرك حيث أرسلته.

وإليك النصيحة :{أعط المساكين فيكون لك كنز في السماء"متى19: 21"} إذ ذاك لن تبقي بلا كنز لأن ما تتمتع به على الأرض ، قلقاً سوف تتمتع به في السماء مطمئناً.

قايضه به : نصيحتي إليك للخلاص ، وليست للهلاك ، سيكون لك كنز في السماء سرْ على خطي المسيح تصلْ إلي كنزك ، وبذلك تربح ولا تخسر . أنك تلُقي في الأرض حنطة ثم يأتي صديق لك عالم بطبيعة الأرض والحنطة فيكشف لك جهلك قائلاً : ماذا صنعت؟ لقد ألقيت الحنطة في أرض عميقة رطبة لهذا سوف يفسد بذارك ويضيع تعبك فتجيبه : وماذا أعمل؟(أذهب من هنا إلي فوق).

أو تسمع نصيحةً يعطيها صديق بشأن الحنطة وتهمل نصيحة الله بشأن قلبك؟

أتخشى أن تلقي حنطتك في أرض غير صالحة وتلقي قلبك في أمور الأرض ؟ ها أن الرب إلهك يعطيك توجيهاً لقلبك:(حيث يكن كنزك يكن قلبك "متى21:6").

أرفع قلبك إلي السماء لئلا يفسد على الأرض ؛ بهذا ينصح من يريد أن يخلص لا أن يهلك.

عواطف وصلوات.

رب ، حررْ نفسي من متاعب هذا العالم وضيقاته ، لأن اللحم الفاسد وتجاربهَ سجنُّ لي . أملْ بإذنك إليّ لأني أومن ، وفي أيامي أدعوك قائلاً . ربّ ، خلص نفسي ، أيامي هي أيام موتي وكما شاء آدم فأنها ملأى بالتعب والعرق ومناسبة للفساد القديم.

مختلفة أيامي عن أيامك ، أيامي هذه التي كوّنتها لي بجسارتي حين تخلَّيتُ عنك وبما أنك مالك في كل مكان وذو سلطان وقدرة فقد استحققت السجن ، أني قبلت ظلمات الجهل وقيود الموت.

في أيامي أدعوك قائلاً : حرر نفسي من سجنها مزور2:114-3").

اللهم ، يا أبي يا من تحثّني على الصلاة وتعطيني ما أطلب منك . استجب لي أنا الذي أتخبَّط في ظلماتي ها هنا وأبسط إليَّ يمينك : أشرق نورك علىَّ وردَّني عن ضلالي ، فأعود إلي نفسي تحت قيادتك . أمين.

الفصل الثاني عشر: في أن ساعة الموت المحتوم مجهولة.

هل اثبت من الموت على الأرض؟ تأمل ما في هذه الحياة من خير وشر ، تأملّ في البر وفي الإثم هل من شيء ثابت ها هنا كالموت؟

لقد أحرزت تقدماً فصرت تعرف ما أنت عليه اليوم وجهلت ما ستؤول إليه غداً .

إن طلبت مالاً فلست تدري إن كنت ستحصل عليه.

وإن طلبت زوجة فقد لا ترضي بها ، وتجهل ما قد تكون.

وإن طلبت بنين فليس من الكيد أن يولدوا وإن ولدوا فليس من الكيد أن يعيشوا وإن عاشوا فلست تدري إن كانوا من الناجحين أم لا؟

أنيَّ توجهت وجدت كل شيء مجهولاً : الموت وحده ثابت.

أنت فقير ؟ من يدري إن كنت ستصير غنياً؟

أنت أمّي ؟ من يدري إن كنت ستصير مثقفاً؟

أنت مريض ؟ من يدري إن كنت ستتعافى؟

وماذا يفيدك هذا الكلام وأنت عالم بأنَّ يومك الأخير آت حتماً ؟ يحسن بك أن تنتظره وتجهل أجله وتستعد باطنياً بحياة صالحة حتى تحب ذاك اليوم ولا تخاف منه.

أنت مولود؟ ستموت حتماً ، وبما أن الموت محتوم فأجله مجهول . وكما أنه يزيد في شقاء الكفرة هكذا يضع حداً لشقاء الصابرين . من أية فئة تريد أن تكون؟ عليك أن تختار الآن طال لما يسعك أن تختار ، أما بعدئذ فلا.

اختر في الوقت المناسب طال لما أن الله يؤخر ، ما يخفي ، برحمةً منه وكيف تخطأ مرجئاً توبتك من يوم إلي يوم برغم أنك تجهل يومك الأخير؟

أيا كنت ، يا من لا يريد أن يصلح نفسه الآن ، بماذا تعدُ نفسك وماذا تقول؟ أعيش على هواي فترة من الزمن وجيزة ثم أصلحُ ذاتي ، طال لما أن النبي يقول(ليست مرضاتي بموت الخاطئ لكن بتوبة المنافق عن طريقه فيحيا).

يمحو الله جميع آثامي متى تبتُ إليه ، فلما لا أضيفُ إلي أفراحي هذا النزر اليسير. ولما لا أعيش على هواي مدةً أطول ، طال لما أن التوبة إلي الله أمرُّ لا بد منه ؟ ولما تقول هكذا؟ لأن الله وعَدني بالصفح إنْ أنا غيَّرتُ حالي.

إني أري وأدرك أن الله وعد بالصفح ، وعدك به على يد النبي القديس كما وعدك به بواسطتي أنا أحقر عبيده: ولقد أعطي هذا الوعد أيضاً بواسطة ابنه الوحيد.

وهل تزيد أيامك شراً على شر ؟(يكفي كل يوم شره)"متى34:6) أمس شرُّ واليومَ شرُّ وغداً شرّ.

أتظنها أيامَ  خير تلك التي تشبعها من الملذات ؟ أتظن أنك تُحْسن استعمال يومك بتناولك وليمة فاخرة؟ وهل يكون النهار صالحاً إذا كان الإنسان شريراً ؟ أتريد أن تزيد الأيام شراً على شر؟

إن كان الله قد وعدك بالصفح ، فمنَ يضمنُ لك العيش إلي الأبد؟ اقرأ على من الأنبياء والإنجيل والرسول حيث يقولون أن الله يمحو خطاياك كلها حين تتوب إليه : اقرأ علىَّ الموضع الذي يعدك فيه بأن تعيش للغد ؛ ثم عش يومك هذا على هواك ، مع انه ليس لي أن أقول لك: قد تكون حياتك طويلة وإن كانت طويلة ، وإن كانت طويلة فلتكن صالحة ، ولماذا ترغب في حياة طويلة وشريرة؟ أمَّا أن تكون هذه الحياة قصيرة  وتفرح بحياة طويلة ، لا نهاية لها وأما أن تكون طويلة ، وأي شر آنذاك إذا عشت طويلاً بالصلاح؟

أتريد أن تحيا حياةً شريرة وطويلة ، وتأبي أن تحيا حياة صالحة مع العالم بأن يومَ غد لا أحد يعدك به؟

أصلح ذاتك وأصغ إلي الكتاب المقدس :(لا تؤخر توبتك إلي الرب"بن سيراخ8:5"). أن هذه الكلمات ليست منى بل أنها موجهه إليًّ . أن شئتهُا أنا فهي لي ، وإن شئتَها أنت فهي لك . وقولي هذا هو من الكتاب المقدس الذي أنا احتقرته شكاك . ولكن اسمع قول الرب(أسرع وصالح أخاك "متى25:5"). فليسمع الجميع أني أردد على مسامعكم قول الكتاب الإلهي.

أيها المتواني الشرير ، يا من يتمنى لنفسه إحصاءً شريراً ، اسمعْ كلام الرب القائل واسمع تحذير الكتاب المقدس ، من هذا المكان أراقبك :(لا تؤخر توبتك إلي الرب ولا تتباطأ من يوم إلي     يوم"بن سيراخ8"5"). أتظن أنه لا يري أولئك القائلين(اليوم شرُّ وغداً برُّ) وفي الغد ستقول أنت الكلام عينه.

لا تؤخر التوبة إلي الرب ولا تتباطأ من يوم إلي يوم لآن غضبة يأتي بسرعة ويهلكك في زمن انتقامه . أأنا كتبت هذا الكلام؟ وهل يمكنني أن أمحوه؟ إن محوته خفت من أن أعود إلي العدم.

يسعني أن اصمت ولا أنطق بهذا الكلام ، إنما اخشي سكوتي لأني مضطراً إلي التبشير به خائفُّ أنا خَفتْ أنت معي كي تفرح معي.

لا تؤخر التوبة إلي الرب . تأمّلْ بما أقول : رب ، أصغ إلي كلامي ، رب ، أنت عالم بما أصابني من خوف لدي مطالعة نبيك.

من فوق هذا المنبر أقول : لا تؤخرّ التوبةَ إلي الرب ، ولا تتباطأ من يوم إلي يوم لأن غضبه يأتي عاجلاً وفي زمن انتقامه يهلكك.

ولا تقل لي : أريد أن اهلك أنا لئلا تهلك أنت ، رفضي أفضل من إرادتك . واسعة هي رحمة الله تحثك على أن تحيا بالبر . أنه يخفي عنك يوم موتك لئلا يعدك بشيء للمستقبل.

أعمل اليوم وأعيشُ اليوم ، وغداً لن أعمل . وماذا يحدث إن لم يكن غد؟ واسعة هي رحمة الله لنه جعل كل يوم من حياتك مجهولاً لئلا تعرف تاريخ أجلك ، يا من تنتظر الموت كل يوم لابد وأن تتوب إليه : وتلك هي رحمة الله الواسعة.

لو أنه أعلن لكل إنسان عن يومه الأخير لكانت الخطيئة تكاثرت بسبب راحة البال . ولذلك فبحكمة منه بقي يوم الموت مجهولاً : فكّر في يومك الأخير تفكيراً خلاصياً ، برحمة منه أنت تجهل يوم موتك ، يوم أجلك . لذلك يجب على المرء أن يكون يقظاً طوال أيام حياته.

عواطف وصلوات.

ثابت هو العقاب أما ساعته ، فلا . أنا متأكّد من هذا العقاب دون سواه من بين أمور الناس قاطبة .

كل ما يحدث لي من خير أو شر مجهول هو ما عدا الموت : وحده الموت أكيد.

 إن كانت ساعةُ الموت غير أكيده فلما أرجئ من يوم إلي يوم؟ وكيف أخطأ بأرجائي؟

 وأتمتع ، وهذه التي جمعتها لمن تكون؟ ها أني أفرح بأموالي جاهلاً موعد الحميَّ ، أني أجمع وأحصّل وأكدس وأحفظ وأتمتع وهذه التي جمعتها لمن تكون؟

على أن اسهر وأصلي لأن حياتنا قصيرة ، ومجهول أجلها . وأني لجاهل يا رب ساعة مجيئك .

على أن اسهر بقلبي وإيماني ومحبتي وأعمالي : ومتى رقد جسدي يجيء يوم أقوم فيه. يا عوني فأصغ إليَّ يا مخلصي.

بعت نفسي إلي سلطان الإثم وقبضتُ الثمن لذة عابرةً من الشجرة المحرمة.

إني أصرخ قائلاً : وجّه سبلي وخطاياي بحسب كلمتك . رزحتُ تحت وطأة الإثم بينما كلمتك ، هي للحقيقة قاعدتُها . لقد شوهتُ نفسي وبعُتها ، حراً ، فافتدني بدمك . يا لخجل الكبرياء فيًّ ويا لعظمة النعمة فيك.

أنك تقاوم المتكبرين وتمنح المتواضعين نعمتك.

الفصل الثالث عشر: في الفرق بين الميتة الصالحة والميتة الشريرة.

الاقتناع العقلي: وأي فائدة لك من معرفة نوع الميتة التي بها تنتهي حياتك ؟ طالما أنك لن تموت من جديد؟ أن يأنف الشعور الحسي الواهي من أمر ما ، شيءُّ ، وأن يقتنع به ، جاداً ، منطق العقل النيّر شيءُّ أخر.

لا تعتبر ، شريرة ، الميتة التي تعقب حياة صالحة ، بل شر الميتة في ما يعقبها ، وبالتالي فإن الذين خُتّم عليهم أن يموتوا لا يحق لهم أن يهتموا كثيراً بنوع الموت الذي يقاسون بل بالمكان الذي يساقون ساعة يموتون.

الغني والفقير: تذكرّ مثل الغني والفقير في الإنجيل : كان غنى متشحاً بالأرجوان والبرفير يتنعم كل يوم بما لديه من خيرات ، وكان فقير ملقي أمام باب الغني ، جائعاً ، يستعطي كسرات خبز تساقطت عن مائدة الغني ، وكان جسمه مغطي بالقروح والكلاب تلحس جراحه.

مات الفقير المعدم فحملته الملائكة إلي حضن إبراهيم ومات فدفن في الجحيم . وبينما هو يتعذب رفع عينية فرأي العازر في حضن إبراهيم فصرخ قائلاً : ارحمني يا أبت إبراهيم وأرسل لعازر يبل طرف أصبعه بالماء ويرطب به لساني لأني احترق في هذا اللهيب . المتكبر ، في حياته.

 يستعطي في جحيمه : نال المسكين كسرة خبز . أما الغني فلم يتمكن من الحصول على نقطة ماء.

قل لي : أيُهما مات ميتة صالحة ؟ و أيُهما  مات ميتة شريرة؟ لا تسل عينيك بل قلبك لأنك إن سألت عينيك كان جوابهُما خاطئاً.

ما كان أكبر جمهور الباكين من الخدم والجواري ! وما كان اكبر جمهور زبانيته وأصدقائه ! وما أفخم جنازته ! إني أظن بأن العطور التي رشت على جثمانه قد سحقته سحقاً . ما رأيك؟ هل كانت ميتته صالحة أم شريرة؟ عيناك تقولان : ميتة ممتازة . وإن طلبت الجواب من معلمك أجاب : يا لها من ميتة شريرة إن كانت هذه ميتة المتكبرين المتمسكين بأموالهم الذين يضنون بالقليل منها على الفقراء فما تكون ميتة أولئك المغتصبين لأموال الناس؟

عش عيشة صالحة كيلا تموت ميتة شريرة نظير ذلك الغني ؛ إذ لا شيء يظهر شر الميتة كالوقت الذي يعاقبها . وبالعكس ، ضعْ نصب عينيك ذلك البائس الملقي أرضاً المغطي بالقروح تلحسها الكلاب ، إذ ذاك ، أمام ذاك المشهد ، وبينما تصاب بالقرف وتشيح بوجهك عنه وتسد أنفك بأصابعك أنظر إليه بعيَنْي قلبك. 

لقد مات لعازر فحملته الملائكة إلي حضن إبراهيم ومات الغني فبكته عائلته ولم تفرح الملائكة . وماذا كان جواب إبراهيم له؟(أذكر يا بني أنك نلت خيراتك في حياتك وحصرت همك كله فيها) أجل نلتها ؛ وها هي الأيام تمضي وتخسر معها كل شيء وتبقي أنت في الجحيم قيد العذاب.

وتضطرب حين تري أناساً هانئين يحيون في الشر مغمورين بالخيرات ، أصحاء ، مكرّمين ، آمنين في سكناهم ولهم بنون يخلفونهم فيها ، ولهم زبانية مخلصون ، يخافون جانبهم ويتممون رغباتهم فلا يزعجهم شيء . أما أنت فتضطرب وتقلق حين تري أخلاقاً عاث فيها الفساد شراً تواكبها الثروات فتحزن وتقول: لو كان الله يري ما في الناس لما ترك هذا الأثيم في نعماه وأبقاني أنا البار في بؤسي.

لكل داء في النفس دواءُّ من الكتب المقدسة إن كنت مريضاً به فأصغ إلي الكتاب المقدس القائل:     (لا تغر من الأشرار و لا تحسد عمال الإثم  فإنهم مثل الحشيش سريعا يقطعون و مثل العشب الاخضر يذبلون"مز1،2:37") أن ما يبدو لك طويلاً قصير هو في عيني الله . أخضعْ له يبدو قصيراً إنّ أعشاب الحقل التي تكسو سطح الأرض واطئه وليست أصولها في التراب عميقة ، ولهذا تخضرّ وتيَبسُ صيفاً حين تغمرها حرارة الشمس.

فالوقت الآن وقت شتاء ومجدُك لم يظهر حتى الآن ، ولكن إذا كانت محبتك عميقة الأصول كما هي الحال في أشجار كثيرة فسوف تتحمل الشتاء وينقضي البرد ويأتي الصيف ، يوم الدين ، فييبس العشب الأخضر وينكشف مجد الأشجار.

الخاطئ يتقدم ، إنما في طريقة . أما أنت فأعمل في طريق الله . له في الطريق النمو وفي النهاية الشقاء . ولك في الطريق الشقاء وفي النهاية السعادة ؛ لأن طريق الكفرة هلاك . أما أنت فسرْ على طريق الأبرار وإن تعبت فلا تضل . طريق الآثمة تولي سعادةً زائلة حتى إذا ما انتهت الطريق انقضت السعادة.

طريق الآثمة و طريقك: طريق الآثمة رحبةُّ ونهايتها في أعماق الجحيم . أما طريقك فضيقة وقليلون يسيرون عليها ، تأمّل بالغني الذي توصلك إليه.

المسيح لم يعدك بسعادة عالمية : لو أن المسيح وعدك بسعادة عالمية ورأيتَ الكافر سعيداً لكان لك أن تتذمر ضده . ما هي السعادة التي وعدك بها ؟ إن لم يعدك بها بعد القيامة فهل وعدك بشيء في هذه الحياة ؟ أيها الخادم والتلميذ أتحتقر ما أعطاك معلمك؟ لقد أعطاك ذاته دون سواه ألم تسمعه يقول(ليس عبد أفضل من سيده ولا تلميذ من معلمه "يوحنا10:8"). لقد احتمل من أجلك الآلام والجلد والشتم والصلب والموت . وأي نوع منها كان مفروضاً عليه؟ أم أي نوع منها كلها لم يكن مفروضاً عليك؟

أمنْ بمن قال(فإن الأشرار يستأصلون)"مز9:36") أمن به لأنه يدرك أفضل منك وأنتظر قول الرب{أما الذين يرجون الرب فإنهم يرثون الأرض "مزمور9:36"}. تريَث قليلاً تنلْ للأبد ما تنتظره.

عواطف وصلوات.

أسرع يا رب إلي إغاثتي حين أدعوك ، أسرع إلي إغاثتي يا من قلت لمن يدعوك: هاأنذا"أشعياء9:58"). أسرع إلي إغاثتي لأني لا أطلب سعادة على الأرض ولا أطلب إلي إغاثتي هبني ما أسألك يا من علمتني كيف أسأل.

أني أسألك الحياة الأبدية حيث الخير الذي لا يخالطه شر والراحة التي بها أتمتع ما شئت دون أن يقول لي أحد أعتدلْ .

إنه لمن الصعب والخطر على الإنسان أن يتمتع ها هنا بخيور الأرض ، لأن من يتمتع بها يهواها قلبه ومن يكدّسها يسير إلي الهلاك.

مزجتَ تجارب الأرض بأفراحها لكي تعلّمني التشوق إلي الراحة الأبدية بتحمّل مرارة الحياة وكدورتها. 

جاهل أنا ما ينفعني الآن ، فلذا أقول : لتكن مشيئتك.

إن شئت ما تعطيني ، فأعطني ما أسألك ، في هذه الحياة ، وألاّ فكن أنت ذاتك حياةً لي أنا الباحث عمك باستمرار.

أريد أن تحررني نعمتك من اسري فأهتف إليك : نجني من يد الخاطئ لئلا يغضب ويوقعني في الضلال ويجرّني بمكره إلي الإثم.

برحمة منك خلصني ، لا يبري واستحقاقاتي . لأنك رحيم ، أما أنا فلست أهلاً لها ، لا تضع إلي بصرامة حكمك بل اسمع لي يا جواد يا رحيم وخلصني بمحبتك.

الفصل الرابع عشر: في استدراك حكم الله بحياة مسيحية.

 أوصاك الرب باليوم الأخير وشاء أن ترقُبَ مجيئه بفطنة وحذر ، بمثله خوّفك لئلا يشجبك قضاؤه.

حذرك الرب ، لا لكي تعرف نهاية الأزمنة ، بل لكي تستمر في يقظة ، وتعمل خيراً يا من تجهل أخر الزمان . ولم ينبهك لكي تعرف ما رسمه ، يا من تجهل ساعة مجيئه بل لكي تقتدي بالقديسين بقلب مستعد.

أستعد طال لما هو آت ، وما لك وللساعة التي فيها يجيء ؟ خفّف من فضولك واتق الله وعشْ كأنه اليوم آت فلن تخاف في يوم مجيئه .

أناة الرب ورحمته فرح لك . ولكن ، برغم فرحك برحمته اخش قضاءه .

 أصغ إلي تحذيره لتفيد منه ساعة يلفظ حكمه . في سكوته يرحم إنما سكوته إلي حين.

تدبرَّ الآن أمرك وقم به قبل أن يصدر حكم الله .

الشاهد على أعمالك هو عينه يشهد على تلك النداءات ، فلا تدعها تذهب سدى ، بل حولها إلي بكاء . لقد حان الوقت لكي تسرع إلي مصالحة خصمك.

بقدر ما يتحمل الله الإثم ، صابراً ، ولا يعاقب عليه بقدر ذلك نراه يسارع إلي الاقتصاص منه يوم الدين.

تعودّ الناسُ أن يروا طويلاً ما هو في عيني الله قصير ولكن أي شيء يعوض عما يبدو ، بنظر الناس طويلاً في هذا العالم ؟ إن كانت نهاية العالم بعيدة فهل من أجلك أيضاً بعيد؟

 القضاء آت قريباً وأنا أقول لك بأن تفرح لأن الرب سيدين الأرض بعدله والشعوب باستقامته.

أنه لمن الشر أن تخشي مجيء من تحبّه وتتضرع غليه قائلاً(ليأت ملكوتك) ثم تخشى أن يستجاب لك.

ولماذا تخاف ؟ ألآن الديان آت ؟ هل هو ظالم تخشى منه شراً على نفسك ؟ أتظنه يستفسر عن قضيتك  لدي شخص غريب لا علم له لها؟

هل يغشك أم يحتاج إلي الفصاحة فلا يجد الكلام اللازم لإظهار براءتك أمام الجميع ؟ لا تخف من هذا كله.

إن كنت تحب المسيح فافرح ، أو شريراً فارتعد ، لأن الرب يدين المسكونة كلها بعدله والشعوب باستقامته .

بوسعك أن تنتظر مجيء المسيح كما تشاء ، ولكن انتبه كيلا يرذلك ساعة يأتي متى تأخر مجيئه . حتى الآن لم يأت : هو في السماء وأنت على الأرض . هو يرجئ قدومه أما أنت فر تتباطأ في أن تكون فطناً.

مجيئه قاس على القساة ، وعذب على الأتقياء فتأمَّل في من تكون : إن كنت قاسياً فباستطاعتك أن تلين أو تقياً فاغتبط بمجيئه.

استدركْ نظرة باعتراف منك إليه ، لئلا يستدركك ، ولا مجال للانتقام بعد الاعتراف إذا لم تعد من جديد إلي الإثم.

استدرك قبل فوات الأوان: إن كنت اليوم قلقاً فاقض على قلقك معترفاً إليه ليصبح يومُك يوم هدوء وغفران وخلاص.

لا تتباطأ في اتخاذ العلاج يا من تشعر في نفسك بألم يعذبك ويقض عليك مضجعك . وإن وجدت في بيتك حجراً يزعج ناظريك أمرت برفعة من البيت وبخاصة إذا كنت تنتظر ضيفاً كبيراً.

وحين تتوسل إلي الله تدعوه إلي نفسك ، فكيف يأتي إليك إن لم تنظف المكان المعد لاستقباله ؟ أما إن كنت عاجزاً عن أن تنزع من قلبك ما وضعت فيه فأدعه لكي يدخل هو إلي قلبك لينقيه . أعمل حالاً ما يجب عليك أن تعمل طال لما أنه يحدثك منبهاً ويقاضيك ساكتاً.

عواطف وصلوات.

اللهم أذكرني بحسب رحمتك ولا تذكرني بحسب ما استحققته أنا من غضب ، بل أذكرني بحسب رحمة أنت أهل لها ، أنا لا أتباهي بأعمالي ولا أفاخر بما صنعته يداى لأني أخشى وأنت تتأملها ، أن تجد فيها خطايا تفوق ما أستحق . شيئاً واحداً سألتك راجياً أن أناله منك (لا تهمل أعمال يديك"مز137") .

أنظر إلي ما صنعت فيّ ولا تنظر إلي ما أنا صنعت لأنك إن نظرت إلي عملي شجبته ، أما إن نظرت إلي عملك كافأته. لا قيمة لأعمالي أياً كانت ، بدونك ولهذا فهي لك أكثر مما هي لي.

بفضل منك خلصت بإيماني . ونعمتي هذه ليست لي ، بل لك ، أنها ليست من صنعي وألا استكبرت بسببها . خطيئتي هلاك لي ودمك ثمن لي ، قيامتك رجاء لي ومجيئك أوفي خير لي . على نفسي الضعيفة أن تقول(ربّ، متى تأتي؟ أتمنى أن تأتيني شرط أن تجدني مستعداً.

الفصل الخامس عشر: في أن ما فيك يظهر واضحاً أمام المسيح الديان.

سوف يأتي سوف يأتيُّ يوم يخضع فيه كل شيء للقضاء : إن كان هذا اليومُ بعيداً في الزمن فهو قريب من كل إنسان لأنه أخر يوم من حياته . وشاء الله أن يظل هذا اليوم خفياً عن البشر.

إن أردت ألا تخاف اليوم الذي تجهله ، فاستعدّ لمجيئه . شاهدُك الوحيدُ ، ضميرك . فلا تخفْ بين القاضي وضميرك سوي قضيتك : إن لم يكن لديك دعوى سوء فلن تخشى شاهد زور ، ولن تطلب شاهد حق .

أطلب الله قاضياً لك وشاهداً ، ولن يرفض القاضي أن يكون شاهداً . وطال ما أن الشاهد هو قاض فأطلب منه أن يسرع في دعواك . انه شاهد لا يستشهد بآخر لأنه يعرفك . وهو قاض له سلطان أن يحكمَ بالموت وأن يعفو . أن يلقي في جهنم ويرفع إلي السماء ، أن يسوق مع الشيطان ويكلل مع الملائكة.

يراك الآن من سوف يحاكمك فلن تستطيع أن تغشه ويقول الله لك : احتقرتني فرأيتك وكفرت فلم أسحب دعواي بل أرجأتها وما تراجعت عنها.

رفضتَ تعليمي فذقْ تهديدي : لو أنك قبلت تعليمي لما كنت تكبدت العذبات التي حدثتك عنها بل الخيرات التي وعدتك بها.

أنه يمتنع الآن عن أن ينتقم بل يرجئ العقاب منتظراً التوبة.

وماذا تريد أن تعمل ؟ سلْ نفسك حالاً . أدرس وضَعْك وتأمله باطنياً وضع ذاتك أمام ذاتك وافحصها من الداخل واجلس إليها وابسطها على مركبة الوصايا الإلهية وخوّفها ولا تغترّ وأجبْ نفسك بنفسك.

تأملْ نفسك منذ الآن وافحصها ، لأن الله يدينك علناً ساعة مجيئه. وماذا يصنع بك متى قاضاك؟ يريك ما لا تري الآن . لو انك فحصت ذاتك بحسب الحق وما رضيت بها لكنت أرضيت الآن الله ولكن بما أنك عميت فارتضيت بذاتك ، فلن ترضي الله ولن ترضي ذاتك : لن ترضي الله ساعة يدينك ولن ترضي ذاتك ساعة تحترق بالنار.

وكيف يقنعك ؟ يضعك أمام نفسك ، ولماذا تخفي نفسك عن نفسك؟ تقف إلي الوراء كيلا تري نفسك أما هو فسوف يريك ما أخفيت وراء ظهرك فيضعه أمامك لتري قذارتك وتخجل منها . ولن يبقي لك مجال للإصلاح .

كن مطيعاً ما أمكن وما دام ساكتاً لأنه آت ولن يسكت ، ومتى اتهمك فلن يبقي لك مجال للإصلاح.

أعمل الآن ما سيهددك به الله ، قم من وراء ظهرك حيث لا تريد أن تري ذاتك مختبئاً عن أعمالك وقف أمام نفسك . أصعد قوس نفسك وقاضيها واتخذ الخوف مهماز عذاب ينتزع منك اعترافاً تقول فيه لله:(أنا عارف بآثامي وخطيئتي أمامي في كل حين).

ضع أمامك ما كان وراءك مخافة أن يضعك اللهُ ديانُك بعدئذ أمام نفسك فلن يبقي لك مجال للهرب. أما إن انقضتْ حياتك بكرامة بين الناس ولم يجدوا فيها ما يستحق اللوم العادل تبدأ محاكمتك ، وفقاً لقاعدة فيتفحصك بنظره ويجد فيك ما لا يرضاه القاضي حتى ولو لم يجد فيها حسُك الباطني ولا الناس ما يستحق اللوم . وإذ تخشى هذه الأمور تضطرب ، فيسرّ إليك عقلك قائلاً : ولما تخشى وأنت لا تستطيع أن تتحاشاها بالتمام؟

أرجُ الله وضع ثقتك فيه : الصلاة تشفيك من بعض الأخطاء ، والاعتراف الصادق ينقيك من البعض الأخر.

عواطف وصلوات.

رب ، أنا لا أجد شيئاً في ضميري ، أما أنت فإنك تلجُ بنظرك الإلهي إلي أعماقه وتجد فيه شيئاً ولذلك أقول لك :(لا تنافذ عبدك إلي القضاء"مزمور2:142"). ثم أترك لي ديوني رحمتك ضرورية لي وإلي من أذهب إن قضيت بلا رحمة ؟(إن كنت للآثام راصداً يا رب فمن يثبت؟"مزمور3:129").

{لا تنافذ عبدك إلي القضاء فأنه لا يبر أمامك أحد من الأحياء "مزمور2:142"} وإن لم يبر أمامك أحد من الأحياء فالويل لي أن نافذتيْ إلي القضاء.

لست أعترض على قضائك بل سأعمل على اعتباره قضاءً عادلاً فاعترف بخطاياي ، كما هي  راجياً  باستمرار ، رحمتك .

وضعت رجائي عليك ، يا رب لا علي نفسي ، رجوتك فاشفني ، مريضاً ، أتكلم معك ، أني أعرف طبيبي ولا أتباهي بعافية لي . أرحمني يا رب واشفني فأني قد خطئت إليك . ساعدني على أن أسهر وأقوم بصالح الأعمال وأرنم ، حافظاً لوصاياك ؛ وأتناول قيثارتي ، قابلاً التجارب.

لقد سمعت أشعياء يقول(بأن تكسر خبزك للجائع) وأظن بأن الصوم لا يكفي. أنه يميتني ولا يفيد أحداً.

أنَّا نري المسيحيين أحياناً كثيرة يكسرون الخبز بانزعاج ، متذمرين ، تخلصاً من بائس يسأل بإلحاح وليس تخفيفاً من جوعه.

أما أنت فإنك تحب المعطي الفرحان : إن أعطيت خبزي متأفقاً خسرت خبزي وأجري . سوف أعطي بفرح لتقول لي أنت يا من تري ما في قلبي وأنا أتكلم(أنا هنا).

سرعان ما تقبل صلوات المحسنين : يجب على أن أعمل البر في هذه الحياة صوماً وصدقه وصلاة.

الصوم والصلاة جناحاً صلاتي ، يا من جئت تموت عنا أني أسألك نعمة ، حين تأتي لتخلصني من الموت ، وهي أن يجدني نورك وحقيقتك باراً فلا أخاف شيئاً . آمين.

الفصل السادس عشر: في أنه لا يجوز التفريط بصبر الله.

  لا يظنن أحد أن رحمة الله تترك الذنب بلا عقاب لأن الله عادل ، وليس واحد ممّن صلح سلوكهم يخاف قضاء الله لأن رحمته سابقة له.

غالباً ما ينقاد الناس وراء الرحمة في أحكامهم فتسيطر وحدها عليهم دون العدل ؛ ثم يفقدونها أحياناً حفاظاً على صرامة أحكامهم . أما الله فلا يفقد صرامة حكمه في طيبه رحمته ولا طيبة رحمته في صرامة حكمه.

حين تري الأبرار والأشرار على السواء يتمتعون بنور الشمس عينه ويستقون من الينابيع ذاتها ويثرون بفضل الأمطار عينها ويقتاتون من ثمار الأرض عينها ويستنشقون الهواء عينه ويمتلكون على السواء ، خيور العالم فلا تقل أن الله ظالم ، لأنه يهب الأبرار والأشرار على السواء.

زمننا هو زمن رحمة ، وليس زمن قضاء ، ولولا رحمة الله الآن لما استحق إنسان يوم الدين أجراً.

الزمن زمن رحمة ، إذا أدت بك رحمة الله إلي التوبة ، فكّر بخطاياك ، وأصلحها الآن ، طال ما أن الوقت متاح لك واجعل الألم فيك خصباً ولا تكن توبتك عقيمة.

ها هو يقول : لقد أصدرتْ حكمي ولم الفظه ، وأعلنته ولا مردَّ له ، ولماذا تخاف وأنا القائل لك : إن صلُحْت غيّرت قضائي ، الحكم قابل للتغيير ، أما العدل فباق . العدل باق وعلى كل ذي سلطان أن يخلّص من يصلح نفسه . الله لا يرحم الخاطئ المصرَّ على خطأه بل التائب إليه ، إياه يرحم . واضع الشريعة هو عينة رب الغفران : أرسل الشريعة ثم جاء مع الغفران.

بالشريعة صرتَ خاطئاً . وبمواضعها حللت من خطاياك . أم بالأحرى فإنه لم يحلك من خطاياك لأن الحل منها إقرار بالبرارة . بل يترك لك خطاياك إن تبتَ عنها.

إن الله لا يريد أن يدين الناس بل أن يخلصهم ، ولهذا يرجئ حكمه ويصبر عليك لتنتقل من الخطأ إلي الصلاح . الله صالح وجواد وصبور يرجئ ولا يأخذ .

 وأنت تحتقره متجاهلاً أن صبره عليك يجب أن يقودك إلي التوبة {ولكنك بقساوة قلبك تدّخر لنفسك غضباً ليوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة الذي سيكافئ كل واحد بحسب أعماله"رومية6:2"}.

مهما تعمل الآن يكن لك ذخراً : إن صلحت حياتك أدَّخرت للسماء أعمال رحمة ساعدت بها الناس . وسوف تعرف مدي أمانة القيمّ الذي يرعى كل ما عهدت به إليه . ومع أنك لا تري ما تدّخر ، تطمئن إلي كنزك الذي لن يسطو عليه لص وعدوّ . ولن ينتزعه منك ذو سلطان أو أي إنسان شرير بل يبقي لك إلي الأبد لأن الرب القدير يرعاه . وإن كنت شريراً وبعثت بما أتيت من شر ، فإن الله يدخره لك . ويباشر الله يوم الذين باستعراض كنوزك لتتعرف إلي ما سلمت . أصغ إلي قول الرب : {هاأنذا أحكم بين ماشية وماشية وبين الكباش والتيوس)"حزقيال17:34".

{هاأنذا أحكم} يا لها من طمأنينة ، أنه هو عينه يحكم فاطمئن إن كنت صالحاً إذا لا يمكن لأي خصم أن يرشوا ديانك ولا أن يتواطأ مع محام ولا يخدعه شاهد ، وبقدر ما تطمئن إذا كنت صالحاً تخاف إذا كنت شريراً . إذ لا يخفي شيء على ذلك القاضي .

 وعن نفسك يسألك ولا يسأل عنك أحداً سواك . إنما لا يسألك لكي يعرفك بل لكي يخجلك أمام ذاك القاضي الذي لن يستطيع أحد أن يغشه . لا لمصلحتك ولا ضدها . أعمل كمن لا يخاف قضاءه الآتي بل كمن ينتظره ويتوق إليه.

وهل تخشى حباتُ الحنطة الاهراء ؟ ما أطول الزمن الذي تتوق فيه الأهراء!

وبالنتيجة على من يصلون أن يقولوا بصدق من كل قلوبهم (ليأت ملكوتك)"متى1:6".

من شأن الإنسان الشرير أن يرتجف قلبه رعباً ويتلعثم لسانه حين ينطق بتلك الكلمات وكيف تقول(ليأت ملكوتك)؟ ها هوذا آت . وكيف يجدك ؟ اسع لأن تصلي بطمأنينة . إن أحببت المسيح وجب عليك أن تتمنى أن يأتي وممّ تخاف ؟ من هو الآتي ؟ ولم لا تفرح ؟ أليس الآتي دياناً لك هو عينه الذي جاء وحُكم عليه بالموت بسببك؟ لا تخش محامياً فاشلاً : ديانك الآتي هو المحامي عنك في الوقت الحاضر . لو كانت لك دعوى أن تقدمها إلي قاض وأخبرت عنها محامياً فراح يدرسها ، وقبل أن يتم دراستها علمت  بأنه هو ذاته سوف يحكم فيها ، ألا تفرح به قاضياً من كان لمدة وجيزة محامياً لك ؟ لقد أصبح هو عينه يصلي ويتوسل من أجلك وقد كان لمدة وجيزة يسألك . وهل تخشى القاضي بعد أن أصبح المسيح محامياً عنك ؟ أحر بك أن تنتظر مجيئه باطمئنان بعد أن عنك محامياً  إن خفت من القاضي الآتي . فسارع إلي إصلاح القاضي الحاضر ، وهل تعتبر أمراً قليل الأهمية أن يبحث ضميرك عن أخطائك السابقة؟ أصلح نفسك الآن حتى تتمكن من إصلاح ذاتك في المستقبل.

عواطف وصلوات.

رب ، أني اخشي عدلك وقضاءك الآتي إلا إذا سبقتها رحمتك . ولماذا أخشى في النهاية أحكامك طال ما أنت تستدركها برحمتك وتمحو خطاياي ثم تتم لي مواعيدك وتظهر لي الحقيقة.

أني لست أخاف لأنك عطوف ، ولو لم تكن عطوفاً وأبيت أن تكون محامياً ورحيماً بل شئت أن تكون دياناً وحسب لنظرت إلي آثامي كلها وتعقبتها ، إذ ذاك ، من يستطيع أن يثبت تحت نظرك؟ من ذا الذي يستطيع أن يقف قدامك ويقول:{أنا برئ} ومن يثبت أمام قضائك ؟ الرجاء عون لنا عندك.

ساعدني لكي أتوب توبة كاملة وخلصني برأفتك . ولا بما لي من استحقاق.

الفصل السابع عشر: في أن المسيح الديان يأتي بشكل منظور في نهاية العالم.

 نؤمن بمجيء المسيح الأول والثاني : الأول تم ولم يفهمه اليهود ، والثاني آت وكلنا نرجوه . إن الكتاب المقدس يشير ، لو انتبهنا إلي دينونتين : الأولي سرية وهي القائمة الآن . وعنها يقول بطرس الرسول :{قد آن للقضاء أن يبتدئ بيت الله"بطرس17:4"} وهي هذا العقاب الذي يتمرن عليه كل إنسان لكي ينتقَّي ويهتدي . أما إذا احتقر دعوة الله . فيساق إلي الهلاك.

أما الدينونة العلنية فهي تلك التي بها يدين الرب . في مجيئه الثاني ، الأحياء والأموات ، ويعرف الجميع أنه يهب الصالحين عطاياه وينزل بالأشرار شتى العذابات.

إن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح علّق في بداية الأمر على خشبة الصليب . وها هو الآن جالس في السماء . على الصليب دفع ديناً وها هو الآن في السماء يجمع من قد اشتراهم . وبعد أن يجمع من ينتقيهم على مر الأزمنة سوف يأتي في نهاية الأزمنة علناً . لا خفية ، كما جاء في المرة الأولي.

وجب عليه أن يأتي خفية ليُحكَم عليه . ولكنه سوف يأتي علناً ليدين ، ولو انه جاء في بدء الأمر ، علناً ، وأظهر نفسه ، لما تجاسر أحد من الناس أن يحكم عليه.

وجب عليه أن يصمت في آلامه ولكنه لن يصمت في دينونته ، وبما انه قبل ، بتواضع ، حكم الناس عليه ، فسوف يصدر حكمة بقوة عظيمة.

يوم جاء خفيةً أظهر نفسه لخدامة دون سواهم ؛ ولكنه حين يأتي علناً سوف يظهر نفسه للاختيار والأشرار.

لزم الصمت في محاكمته بيد انه لن يلزم الصمت متى أتي للدينونة . ولن يلزم الصمت تجاه من عرفوا صوته واحتقروه.

يسخر بعض الناس من وصايا الله ، لأنه تعالي لم يظُهر ما وعد به ؛ ولا هم يرون في الحال عاقبه تهديداته ؛ فلهذا يسخرون من وصاياه . أنه يظهر في حينه ويدين بالشكل عينه الذي به أدين.

حين رآه الرسل يصعد إلي السماء سمعوا بأنه سوف يأتي كما صعد : {إن يسوع هذا الذي رأيتموه يرتفع سوف يعود على مثال ما رأيتموه صاعداً إلي السماء} وسوف يراه بالشكل ذاته الأحياء والموات. الصالحون والأشرار : فالأبرار يرونه إنساناً كالذي آمنوا به والأشرار يرونه إنساناً كالذي احتقروه ورذلوه. 

إن الذين يتحملهم الآن خطاه سوف يدينهم مرذولين.

في بدء الأمر جاء متواضعاً ، أما بعد فسيكون ممجداً .

في بدء الأمر جاء مثالاً في الصبر وقدوة ؛ أما بعد فسيأتي ليدين الأشرار والأبرار حسب ما يستحقون.

في بدء الأمر جاء ليجمع أما بعد فسيأتي ليفرق.

إن لم يخش أحداً ، متواضعاً فهل يخشاه ممجداً.

إن قال الحقيقة كاملة على طريق الآلام أفلا يقولها حين يلفظ حكمه للدينونة؟

في البستان قال لأعدائه :{عَّمن تبحثون؟} فأجابوه : عن يسوع. إذ ذاك قال لهم(أنا هو) فتراجعوا للحال إلي الوراء وسقطوا على الأرض.

وماذا يحل بمن سقطوا على الأرض ، لدي سماعهم كلمة واحده من يسوع السائر إلي الموت ، متى سمعوا صوته في الدينونة؟

سيظهر مخيفاً من كان محتقراً.

لقد اظهر صبره فبقي عليه أن يظهر مجده.

على الصليب كان صبراً وفي الدينونة سيكون قوةً.

ومع ذلك لو تأملت الصليب لوجدته قاعة محاكمة : في الوسط القاضي ، ثم اللص الذي آمن فغفرت له خطاياه ؛ والآخر الذي رذل بسبب إهاناته.

بهذا المشهد عينه أشار إلي ما سوف يصنع بالأحياء والأموات حين يقيم أناساً عن يمينه وآخرين عن يساره: لص الشمال يمثل المرذولين ولص اليمين يمثل المختارين . وبينما كان المسيح يحاكم كان يهدد بالدينونة.

عواطف وصلوات.

رب ، أجعلني أعرف تواضعك حتى لا أخاف أمام عظمتك ، وأجعلني أعانق تواضعك حتى أتوق إلي علاك . اعطني أن أتوق إليك يا من تأتي ، رغماً عني غافراً لمن يتوقون إليك : إن لم أشأ أنا فأنت آت وكيف أكشف لك عن رغبتي هذه ؟ إن عشت عيشة صالحة وخيرة.

لا تدعني أبحث عن غبطتي في الأيام السالفة ، ولا تدع اليوم الحاضر يقيدّني ، بل أجعل شبابي يتجدد كالنسر باستمرار . أنا عالم يا رب بأن شبابي لن يتجدد إلا إذا ساعدتني وحطمت ماضيّ الأثيم.

ساعدني لئلا تصُمَ أذناي عن سماع كلمتك وتلهوان بحلاوة حياتي الماضية . أني أشكو منك يا من تحفظني ، بفضل ما تضع أمامي من صعوبات مختلفة . ساعدني لكي أصير صالحاً يا من لا تبخل على بالعصا ، اليوم لترفعها عني يوم الدين.

اللهم لا تناقدني في القضاء ، وآيا كان بري فسوف تقيسني بمقياس غناك فيظهر كل ما فيّ من شر.

يطيب لك أن تدعوني صديقاً وإن اعترف بأني خادم لك : محتاج أنا إلي رحمتك ، لقد هربت وها أنا أعود باحثاً عن السلام ، ولست أهلاً لأن أدعي لك إبناً.

لا أريد أن أتناسى أعمالي وأتجاهل خطاياي ، ناظراً إلي خطايا الآخرين ، متظاهراً بإخراج القشة من عين أخي تاركاً الخشبة في عيني ، خطيئتي أمامي في كل حين وليست ورائي.

أستجب لي ولا تستمر في محاكمتي ، لا تطالبني بجميع ما رسمت لي وفرضت على ، لأنك لو دخلت معي في المحاكمة لو وجدتني مذنباً.

أنا أحوج إلي رحمتك منى إلي قضائك الصريح .

إني أسألك الرحمة يا من لا يتبرر حيّ أمامك. 

الفصل الثامن عشر: في الدينونة الأخيرة.

نحن نعلم بأننا سوف نمثل أمام منبر المسيح ليقدم كل منا حساباً عن أعماله في حياته خيراً كانت أم شراً . ونعلم بأن كل واحد ينهض مع قضيته ويمثل أمام القضاء بالطريقة عينها التي بها دخل سجن الموت.

عليك أن تهيئ منذ الآن قضيتك ، إذا لن تتمكن من إعدادها بعد أن يغلقُ الباب إذ لن تتمتكن من إعدادها بعد أن يغُلق الباب عليك . أسمع ما جاء الإنجيل{اسهروا إذن لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت أفي المساء أم في نصف الليل أم عند صياح الديك أم في الصباح لئلا يأتي بغتة فيجدكم نياماً . وما أقولة للجميع أن يسهروا"مرقس35:13"}.

 ولم يوجهّ كلامه إلي من كانوا يصغون إليه آنذاك وحسب ، بل إلي من عاشوا بعدهم وعاشوا قبلنا ويوجهه إلينا أيضاً وإلي من يأتون بعدنا حتى مجيئه الثاني.

إسهر كيلا يفاجئك الرب بمجيئه فيجدك غير مستعد . لن يجدك مستعداً إذا لم تكن مستعداً في آخر يوم من حياتك.

ومجيء ابن الإنسان هكذا يكون على حد قول السيد المسيح :

وكما كانوا في أيام نوح يأكلون ويشربون ويزوجون ويتزوجون ويجددون ويبنون حتى دخل نوح السفينة فجاء الطوفان وأهلكم جميعاً.

هكذا يأتي الرب ويدين الوالغين في شرورهم ن الجاحدين لرحمته المحتقرين لأناته . وماذا يحدث بعد أن يأتي ويجمع الأمم كلها للدينونة؟

ويجمعهم لديه ، كما جاء في الإنجيل ، ليميزهم ويضعهم عن يمينه و يساره) فيقول للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم)"متى32:25".}.

 خذوا الملك السماوي الأبدي للحياة مع الملائكة حياة أبدية لا ولادة فيها ولا موت.

{لقد جعت فأطعمتموني وعطشت فسقيتموني وكنت عرياناً فكسوتموني وغريباً فآويتموني وسجيناً فزرتموني ومريضاً فعدتموني) فيجيبونه قائلين:

(متى رأيناك ، يا رب ، متضايقاً وساعدناك؟ إذ ذاك يقول لهم : إن ما فعلتموه مع واحد من أخوتي هؤلاء الصغار فمعي فعلتموه) خذوا ما أعطيتم وليكن لكم ما قبلتم ، لأنكم لهذا سلمتموني إياه.

ويلتفت إلي الذين عن يساره ويكشف لهم كنوزهم الخالية من الأعمال الصالحة قائلاً{أذهبوا إلي النار الأبدية المعدة للثلاب وملائكته لني جعت ولم تطعموني}.

 وإن وجدتم في كنزي شيئاً بعثتم به إلي  فكّروا ها أنا أرده إليكم فيجبونه قائلين: متى رأيناك يا رب جائعاً؟ فيقول لهم: ما لم تفعلوه مع واحد من أخوتي هؤلاء الصغار فمعي لم تفعلوه.

بالطبع أنتم ما عملتم بي شيئاً لأنكم لم تروني على الأرض ولو رأيتموني لحَملَكَم ما انطويتم عليه من شر على أن تصلوبنى كما فعل بي اليهود.

وفي الواقع فإن الأشرار الذين يقاومون بناء الكنائس حيث يتعلمون وصايا الله ألا يصلبون المسيح لو وجدوه على الأرض حياً ؟ لكنهم تجاسروا وقالوا له:{متى رأيناك جائعاً} وكأنه يجهل أفكار الناس.

أما هو فقد أجاب : إنَّ ما لم تفعلوه مع أخوتي هؤلاء الصغار فمعي لم تفعلوه . أنا وضعت بقربكم على الأرض.

 ولو إنكم أعطيتموهم شيئاً لوصل إلي الرأس وعلمتم آنذاك أني أقَمْتُهم إلي جانبكم جبُاةً يحملون إلي كنزي أعمالكم الصالحة ؛ وبما أنكم لم تلقوا شيئاً بعد فوات الأوان :

آه ! لو قُدّرَ لنا أن نعيش من جديد لنحفظ ونعمل ما قد أهملناه في الماضي . ويردد أولئك الذين تشجبهم آثامهم ما جاء في كتاب الحكمة: {ماذا نفعتنا كبرياؤنا وماذا أفادنا افتخارنا بالأموال ، قد مضي ذلك كله كالظل؟"حكمة8:5"}.

عواطف وصلوات.

رب ، أني أري الآثمة يتوبون توبة تعذبهم ولا تشفيهم ، فها أني أسعي في أثر ندامة تفيدني لأني شعرت الآن  بها أصلحت نفسي وأتلفت الكنز الذي أجتمعت فيه أعمالي السيئة ، وملأت كنزي الآخر بصالح الأعمال.

بيمينك يا رب نجني حتى أقف عن يمينك.

أنا لا أطلب في هذه الحياة نجاحاً زمنياً ؛ إنما أسألك أن تجعلني إلي يمينك ، بعد انقضاء هذه الحياة ومع خرافك ، لا إلي الشمال ، مع الجداء . وحين تجلس على عرشك للدينونة فمن الذي يفاخر بنقاوة قلبه وخلوّه من الخطيئة إذا لم تستدرك العدل بالرحمة؟

عادل أنت يا من تعطي كلاً حسب أعماله.

قدير أنت يا من تحملت في سبيلنا الآثمة المضطهدين مع أنك كلي القدرة.

كريم أنت يا من بعد قيامتك لم تختطف مضطهديك لكي تعاقبهم بل صبرت علَّهم يتوبون عن أثمهم ولا تزال صابراً محتفظاً بالعقاب الأكبر لليوم الأخير . تاركاً باب التوبة مفتوحاً بوجه الخطاة حتى ذلك اليوم.

ما انقطعت قط عن الكلام في وصيتك إنما توقفت عن العقاب ؛ وامتنعت عن الانتقام وما أصدرت حكمك ضد المتهم.

لقد زدت على صبرك صبراً فلا تدعني أزيد على أثمي إثماً.

أنت تري خطاياي وتسكت عنها يا طويل الأناة وكثير الرحمة والحق.

ويل للناس من حياة تمتدح إذا حبست رحمتك عنها وبدأت تقاضيها . وبما أنك لا تلاحق المعاصي غاضباً ، فأني أرجو منك الغفران واثقاً .

كلّ من أحصى استحقاقاته أمامك فليس يحصي سوي عطاياك.

أني أتوسل إليك الآن من أجل خطاياي فاستجب لي بحق علاج أمراضنا الذي علّق على الخشبة ذلك الجالس عن يمينك الذي يشفع بنا .

 أغفر لي ، يا رب ، أغفر لي ؛ ولا تناقضني في القضاء.

الفصل التاسع عشر: في العقاب الأبدي.

هوذا الله يهدد بالنار الأبدية (اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس                   وملائكته"مت41:25"). إن كنت حتى الآن لا تحب الحياة الأبدية فاخش النار.

كما أننا لا نجدها هنا فرحاً شبيهاً بفرح الحياة الأبدية المحفوظ للقديسين هكذا فأننا لا نجد أبدا شبهاً بين الألم الزمني والآلام الأبدية.

تجنب بإيمان راسخ وأخلاق عالية تلك العذابات حيث لا ينقص الجلادون ولا يموت المعذّبون حيث يدوم الموت ولا يموت أحد تحت وطأة الآلام.

لكن المرذولين يقاسون عذابات أشد حين يقومون . إذا قارنَّا بينهما وبين عذابات هذه الدنيا كانت هذه بالنسبة إليها أضغاث أحلام . ولابد من أن يكون العذبات أشدّ على من يتحمله ساهراً.

أنك تخاف من أن تلقي في السجن إذا وشي بك أحد ، ولا تخاف من أن تحترق في النار من جراء حياتك الرديئة التي لا تخدم لك مصلحة . أتخشى السجن ولا تخشي عذابات النار؟

أسمع قول المسيح(لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد و لكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها بل خافوا بالحرى من الذي يقدر أن يهلك النفس و الجسد كليهما في جهنم (مت  10 :  28)}.

أنت تخشى العذاب الزمني ولا تخشى عذاب النار الأبدية؟

أنت تخشى الموت إلي زمن ولا تخشى الموت إلي الأبد؟ وبالتالي لم يبق لك طال ما أن الموت معك سوي أن تنير حياتك وتصلح ما فسد من أعمالك . القاضي يتوعَّدك بمجيئه كيلا يجدك ، متى جاء  جديراً بعقابه . لو أراد القاضي أن يحكم على إنسان لزم الصمت ، إذا  لا أحد يريد أن يضرب ثم يقول (انتبه).  إن الضيقات التي تتحملها ، في حياتك ها هنا ، بمثابة عصا تأديب من الله ، يضرب بها من يحبهم كيلا يرذلوا إلي الأبد.  أصلح نفسك الآن لئلا تعجز عن القيام به متى أرته بعد فوات الأوان ، لأن الموت يفاجئك فلا يترك مجالاً للإصلاح بل يرسلك إلي جهنم . فائدتك أعمال تصنعها ها هنا  ؛ لأن أعمال الإنسان عون له أو عليه.  إن لم يجدك اليومُ الأخير ظافراً فاسعَ اقله حتى يجدك مجاهداً ، لا أسيراً ولا مديناً.

أنت عضو للمسيح فارجُ ميراثه, وإن زال هذا كله يبقي لك ما لا يزول؛ لأن المسيح لم يَعِدْ خاصته بمكافآت فانية ولا هدد الكفرة بعذاب زمني وكما أنه وعد القديسين بالحياة والسعادة والملكوت ميراثاً أبدياً لا نهاية له هكذا نراه يهدد الكفرة بالنار الأبدية . إن لم تحب ما وعد به فخف على الأقل مما هدّد به.

عواطف وصلوات.

{لا تجمع يا رب نفسي مع الخطاة"مزمور9:25"}. بل أجعل ثمن دمك لي خلاصاً ، ولا تتخل عن رحمتك في مضايق هذه الحياة صغير أنا فاسترني في ظل جناحيك أسترني لأنك إن لم تدافع عن هذا الفرخ الصغير انقض الصقر عليه.  نجني من خطاياي قبل أن أذهب لئلا تذهب خطاياي معي . اغفر لي فيستريح ضميري وينجو من نار القلق لأني قلق أحمل هم خطيئتي . اغفر لي لأنك إن لم تغفر لي خطاياي ذهبت بدونك إلي النار الأبدية . وعمّن ابتعد إلي الأبد ؟ أبتعد عنك يا من تقول(أنا هو الكائن)خروج14:3. نفسي أمامك أرض مجدية أجعلها تعطش إليك كأرض لا ماء فيها لأنها إن لم ترتو منك فلن ترتوي حقاً . أذكر يا رب أني لست سوي غبار وهل أشبه بهذا الغبار من الأرض التي لا ماء فيها.  أسرع يا رب إلي استجابتي اسقني وقونّي لئلا أكون غباراً يطيره الهواء على سطح الأرض أنا عطشان إليك إنما لست قادراً على أرواء نفسي . أروني وأسرع إلي استجابتي وماذا تقصد من تأخرك هذا ، طال ما أن عطشى لا يرتوي ألاّ منك ؟ تريد أن ازداد عطشاً لقد أخّرت غيثك فأعطه الآن لأن نفسي شبيهة بأرض قاحلة . أسرع يا رب إلي استجابتي واملأني من روحك لأن روحي ضعيف.

الكتاب الثاني

الفصل الأول : في انه يجب على النفس أن تصغي إلي كلام الله.

اسمع صوت الرب {من يحبني يحفظ كلمتي وأبي يحبه وإليه نأتي وعنده نجعل مقامنا)"يو23:14").

شيدّ في قلبك وابن منزلاً فيأتي المسيح إليه ويعلّمك ويتحدث إليك .

حين أظهر المسيح مسكنه لتلاميذه ، جاءه اثنان وأقاما معه.

فيا له من نهار سعيد ! ويا لها من ليلة سعيدة قضوها معاً ! ومن ينبئك بما أخذاه عن الرب؟

أطلب السلام يحدثْك هو من الداخل حيث لا أحد سواه . أطلب السلام يدخل المسيح إلي قلبك فلن يعود يعطش في عزلته ولن تعوزه الينابيع التي يشرب منها.

حيث لا تجد وحيه وعذوبة نعمته فعبثاً تدويّ كلماته من الخارج. الكلمات التي أسمعها في الخارج أشبه برعاية المزارع للشجرة ، يحوطها بها من الخارج. ليسقيها ويشذّبها وأياً كانت تلك الرعاية فهل هو الذي يكّون فيها الثمر ويكسو عريها بظل أوراقها؟ أيعمل ما يعمل لينميها من الداخل؟

أصغ إلي الرسول وأنظر إليّ وأصغ إلي المعلم الباطني{أنا غرست وابلّوس سقي لكن الله هو الذي أنمي . فليس الغارس إذن بشيء ولا الساقي بل المنمي وهو الله "1كور6:3-7"}.

إليك ما أقول : أغرست أنا أم سقيت بكلامي ، فلستُ بشيء . بل الله الذي ينمي بعذوبة منه يفُقّهك في كل شيء.

أنا أتكلم ، لكن الله يعلّم ، وأنا أتكلم ، لكن الله يفقّه.

ليس سعيداً الإنسان الذي يتعلم من إنسان ، بل من علَّمه الرب وفي شريعته يفقّه.

أنا أزرع وأسقي وعلى الله أن ينمى . الزارع والساقي في الخارج يعملان ، أما الذي ينُمي فمن الداخل يعمل.

لا تقل : أين هي وفرة عذوبة الله ؟ وأنيّ لي أن أظهر لك وفرة عذوبته ، وقد فقدت حاسة الذوق في حمىّ الإثم ، إن لم تعرف العسل ولم تذقه فلا تستطيع أن تشيد بحلاوته.

إن لم تكن حاسةُ قلبك مستعدة لأن تتذوقَّ عذوبةَ الله فما العمل؟ وكيف أظهرها لك ؟ ولستَ ممنّ يقال لهم {ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب}. مزمور 9:33}.

إن سمعتَ ولم تفهمْ ما يقال لك فلا يتحدث الرب إليك من الداخل . يتحدَّث اللهُ إلي الذين يقدّمون له محلاً ولا يتركون للشيطان محلاً أخر.

يريدُ الشيطان أن يسكن قلوب البشر وأن يُسرّ إليهم بكل ما يغريهم . إن تركت للشيطان محلاً ، فلا تفهم حديث الله إليك ، وعقلك غائب عنه.

الله يكلّمك بحسب الروح ، وأنت تسمع بحسب الجسد .

إن موضوع حديث الله إليك لا يلائم فيك حاسةُ السمع والنظر والشم والذوق والحس . وحدهُ العقل يدركه ويتمثَّله . وإن كان عقلك غائباً فكيف تفهم حديث الله إليك ؟

الله يحدثك عن مواهبه ، وأنت تفكّر جسدياً ، وتعطش جسدياً ؛ وعقلك غائب . أتقفل قلبك وتشكو المفتاح؟ أخرُّ يشغل قلبك ، وهو خصم المسيح الذي أعطيته فيه محلاً.

بابل تحملك وتلفّك وتغذيك وتتحدَّث إليك ، أنت لا تمُسك إلا بما يلمع إلي حين ؛ ولا تتأمل في الأشياء الأزلية. ولا تفهم الروحية.

أيها الإنسان المليء بالشهوات الشريرة كيف تدرك قيمة أورشليم السماوية؟ يجب أن تُفرغَ ذاتك ممَّا يملأها لتملأها ممَّا ليس فيك.

عُدْ إلي قلبك وطهّره تجد المسيحَ يحدثّك ، أنا أصرخُ لكنه يعلّم بصمتهَ ، أكثر . أنا أتكلم بنبرة كلامي أما هو فيكلمك من الداخل بخوف الكلام . ويزرع كلماتي في قلبك.

عواطف وصلوات.

ربّ ، أريد أن أمشى طال ما أنا متمتع بنور ك وبعقلي . حتى إذا اهتديت إليك بفضل كلمتك الذي هو النور الحقيقي . أستحق أن يشرق النور علىّ وان لا تحيط الظلمات بي. 

إن ابتعدتُ عنك فإلي من اذهب ولك كلام الحياة الأبدية ؟ الويل للذين يتخلَّون عنك أنت مرشدهم ونور عقلهم العذب المطهر في الحكمة . أظهر لي دوماً قيمتك.

الويل للذين يبتعدون عن نورك ويستمسكون بالظلام مهملين نورك.

كلامك أطيب من العسل وألذ من شهد العسل . وأني أريد أن اختبر عذوبته لا بالكلام بل بالخضوع له.

الفصل الثاني : في واجب السماع للكنيسة.

إن قانون الإيمان يذكر الكنيسة المقدسة ، فوراً ، بعد الروح القدس . إن نظام اعترافنا السوي يفرض على الكنيسة الخضوع للثالوث كما يخضع البيت لساكنة ، والهيكل لله ، والمدينة لبانيها.

وهذه الحقيقة لا يجوز أن تحظي بالقبول فقط لدي هذا القسم من الكنيسة الذي لا يزال على الأرض مسافراً يسّبح اسم الرب من مشرق الشمس حتى مغربها . وينشد ، بعد الأسر ، نشيداً جديداً ، بل يجب أن تحظي بقبول من هم في السماء ، إلي الأبد ، متحدين بالله الذي أسس الكنيسة وحماها من كل شر.

إن هذه الفئة تتمتع بسعادة الملائكة القديسين ، وتعضد ، ما استطاعت ، جماعتها التي تتابع سفرها على الأرض ، لأن نصيبها في المستقبل إلي الأبدية . وفي الوقت الحاضر ترتبطان برباط المحبة المقامة تمجيداً للإله الواحد . ومن ثم فلا الكنيسة بأسرها ولا جزء منها يرضي بأن يكون موضوع إكرام كإكرام الله ولا بأن يقارن بين الله وهيكله المبني من آلهة صنعهم الله غير المخلوق.

ولهذا لو كان الروح القدس مخلوقاً لا خالقاً لحُقّ له أن يكون خليقة عاقلة إذ هو أسمي المخلوقات. 

وبما أن يختص بالكنيسة التي في السماوات ؛ فلا يقدَّم في قانون الإيمان على الكنيسة . قد لا يكون له هيكل؟ وقد يكون هو عينه هيكلاً ؛ بيد أنَّ له هيكلاً يقول عنه الرسول{ألا تعلمون أنكم هيكل وإن روح الله حالّ فيكم "1كور6:3"}.

وبالتالي ، فالله آب وابن وروح قدس يسكن في هيكله ، وهو الذي قال عن جسده المركب من أعضاء الكنيسة التي صار رأسها . ناقضاً الأولوية في الكل{انقضوا هذا الهيكل وأنا أعيد بناءه في ثلاثة أيام}"يو19:2}.

وعليه فإن الكنيسة المقدسة الجامعة في السماء وعلى الأرض هي هيكل الله الثالوث الأقدس.

أحبَّ الكنيسة الكاثوليكية ، أحبَّ كنيسة المسيح حتى إذا ارتبطت بها بالمحبة وتمتعت بالاسم والإيمان الكاثوليكيين أخذت الروح القدس.

ثقْ بأن تأخذ الروح القدس : وبقدر ما يكون إناء الإيمان الذي تقدمه إلي الينبوع كبيراً بقدر ذلك يملأه لك.

أحبّ الرب إلهك وأحبَّ كنيسته : أحبه أباً وأحبها أماً ، أحبَّه رباً وأحبَّها خادمةً لأنَّك ابن أمته. محبة عظيمة توحد هذا الزواج.

لا أحد يحتقر الواحد ويستحق المكافأة من الآخر . ولا أحد يقول : صحيح أني أخطأ إنما لا أترك كنيسة المسيح تتعلق بالأم وتحتقر الأب.

ولا أحد يقول : أنا لا أخطأ لكني لست في الكنيسة : وأيّ نفع لك من مرضاة الأب الذي ينتقم للأم المهانة.

وأي نفع لك من الاعتراف بالرب وعبادته والتبشير به ومعرفة ابنه والإقرار بأنه جالس إلي يمين الأب بينما تجدف على كنيسته ؟ أر تجد عبرة لك في زواج بشري؟

هب أن لك صديقاً قديراً تزوره كل يوم مكرّماً وتضحي في سبيله كثيراً ؛ فهل تجسر أن تدخل بيته بعد أن تتهم زوجته بذنب ما؟ ما أكثر الذين أرادوا أن يرتفعوا خارج الكنيسة الكاثوليكية ؛ وإذ كانوا متمسكين بمراكزهم أبوا أن يعرفوا الحقيقة! لو كان الروح القدس في قلوبهم ألا يتخلون عن مراكزهم ويقبلون إلي الكنيسة ليجدوا فيها درجات يرقون عليها من فضيلة إلي فضيلة واضعين رجائهم كله بالمسيح دون أي إنسان أخر؟  

وإذا انفصلت عن الكنيسة الكاثوليكية وظننت أن حياتك خلو من كل شائبة فلن تحيا لأنّ غضب الله يحل عليك وقد خرجتَ عن وحدة المسيح.

عشْ في الكنيسة حياة صالحة فلا تؤذيك أخطاء الآخرين طال ما أن لكل إنسان مسؤولية خاصة.

حافظ على الوحدة ، لأن من عاش خارجاً عنها ، ولو عمل العجائبَ فهو كل شيء.

في الوحدة كان الشعب الإسرائيلي ولم يصنع عجائب .. وخارجاً عنها كان مجوس فرعون وعملوا ما يشبه أعمال موسى.

بطرس الرسول أقام ميتاً وسيمون الساحر صنع معجزات كثيرة ، وكان آنذاك مسيحيون كثيرون ما استطاعوا أن يعملوا لا نظير بطرس ولا نظير سيمون . ولماذا كانوا يفرحون إذاً؟؟

لأن أسماءهم قد كتبت في السماء.

بطرس طرد الشياطين . ولا أدري إذا كان إنسان أخر أو أيّم عجوز فازا بالإيمان الكامل والمحبة لا يعملان نظير بطرس؟

بطرس في الجسم عين وهذا في الجسم إصبع ، الإصبع هي من الجسم ذاته الذي منه بطرس ، ومع أن الإصبع ليست مقطوعة من الجسم فلا تستطيع أن تقوم بما يقوم به الرأس. خيرُّ له أن يكون إصبعاً في الجسم من أن يكون عيناً خارج الجسم.

نداء إلي الكنيسة.

لولا السلطة في الكنيسة الكاثوليكية لما آمنت بإنجيلك.

أيتها الأم المقدسة الكاثوليكية ، يا أم المسيحيين الحقة ؛ أنت لا تبشّرين بواجب عبادة الله بقلب نقي طاهر ، هذا الإله الذي يسعد كل من يحصل عليه .

 إنما تحرميّن علينا عبادة المخلوقات التي أمرنْا بخدمتها وإذ تمنعين عناّ كل ما هو مخلوق قابل للتغيير وخاضع للزوال توجهيننا إلي الأبدية غير القابلة للفساد والتغيير هذه التي يجب على الإنسان أن يخضع لها دون سواها والتي تجدين فيها كل نفس عاقلة تهوي السعادة أنت لا تخلطين بين ما تميزه الأبدية والحقيقة والسلام ولا تباعدين بين ما. تجمعه العظمة الفريدة ، إنما تعانقين محبة القريب والحب الذي به تستطيعين أن تقدمّي إلي أعضائك الكثيرين الذين مرضت نفوسهم  بخطاياهم كلَ الأدوية اللازمة.

انك تعلمين الأطفال ببساطة والشبان بقوة والشيوخ ليس وفقاً لعمر كل منهم وحسب بل وفقاً لنضوج نفسه.

وتخضعين الزوجات العفيفات الأمينات لأزواجهن ، ليس إشباعاً للشهوة ، بل تكثيراً للنسل واشتراكاً في الميراث.

وتريدين السلطة في العائلة للرجل ، فيوجه زوجته  ، لا تحقيراً للجنس الأضعف بل حفاظاً على سنن حبّ صادق.

وتخضعين الأبناء لآبائهم بموجب طاعة حره ، وتضعين الوالدين على رأس العائلة وتجمعين برباط الدين ، الذي هو اشدّ وأمتن من ربط الدم ، الأشقاء بعضاً إلي بعض ، وتوفّقين بالمحبة المتبادلة كل إتحاد ضروري وقرابة قائمة على ربط طبيعية حره.

وتعلّمين الخدام التعلّق بأربابهم ، لا تلبية لحاجات وضعهم بل حباً بالواجب.

وتجعلين الأرباب أكثر لطفاً مع خدامهم ، عطوفين أكثر منهم حزومين ، لأن الله هو ربّ الجميع ومعلّمهم.

وتوحدين بين المواطنين والشعوب والبشر بأسرهم مذكرة إياهم بأنهم من اصل واحد ؛ وذلك ليس بالاشتراك وحسب بل بنوع من الأخوة.

تعلّمين الملوك الأعتناء بشعوبهم والشعوب الطاعة لملوكهم.

وتعلّمينا أن نرعى واجباتنا تجاه من نحب ونكرمّ ونحترم ونخاف ونؤاسي ونؤنب ونشجع ونؤدب ونوبّخ ونعاتب ، وتقترحين العلاج المناسب لكل واحد منهم ، وتعلّمينا أن هذه ليست لهم جميعاً ، خلا المحبة ، وأنه لا يجوز أن نظلم أحداً.

عروسك وفاديك هو رأسنا . إن كان رأساً فله جسم ، أنت جسمه أيتها العروس . وأكيد بأن له جسماً إذا كان هو الرأس . والجسم هو جسمك أنت عروسه.

الرأس في السماء والجسم على الأرض ... الرجل والمرأة اثنان في جسد واحد : إن هذا السر لعظيم يقول الرسول : إنما أقول هذا في المسيح وكنيسته. إذاً كنتما اثنين في جسم واحد فأنتما اثنان في صوت واحد.  وأنت هيكل الملك الأبدي لأنه في الوحدة . ليس الهيكل خرباً ولا متهدماً ولا متشققاً.

المؤمنين بالله حجارتك الحية . والمحبة هي التي تجمع الحجارة الحيةّ بعضاً إلي بعض. الرسل الذين ولدوك ، مُرسْلون ، لقد أذاعوا الكلمة وكانوا لك أباء. وهل استطاعوا أن يظلوا دوماً أباء لك بالجسد؟ وهل أصبحت مهجورة حين غادروك؟

لقد استعضت عنهم ببنين لك فأقمتهم أساقفة . ودعوتهم آباء . أنت ولدتهم وأقمتهم في كراسي الآباء.

لا تظني نفسك مهجورة لكونك لم تعودي ترين بطرس الصخرة ولا بولس ، ولا أولئك الذين ولدوك: الأبوة تجددت لك من ذريتك عينها. عوضاً عن آبائك ولُد لك بنون فأقمتهم فوق الأرض كلها . أبناؤك أقيموا محل آبائك.

فعلي من هجروك أن يتعّرفوا إليك ويرجعوا إلي الوحدة ويعودوا إلي هيكل الملك . أني أدعوك ، بحق ، أيتها الكنيسة الكاثوليكية عروس المسيح وآخذك بأسلوب لي خاص. أن ابنك هذا وخادمك ، بالرغم من ضعفه ، قد أقيم ليوزّع الطعام على رفاق له في المنفي.

أخرجتْني في الماضي أضاليلي من حضنك فهربت وخبرت ما لم يجب أن يكون . ومع ذلك فقد كانت المخاطر التي تعرّضت لها مفيدةً لك أنت يا من أخدمك الآن بعد أن نجوت . ولو لم يغفر لي خطاياي عروسك الصحيح الحقيقي الذي خرجت من جنبه لكانت لجّة الضلال ابتلعني ، والأرض التي صارت حيةً افترستني لا محالة.

الفصل الثالث : في تلميذ الكتاب المقدس.

إن سيدنا يسوع المسيح الإنسان هو رأس وجسم ، ونعرف رأسه في الإنسان الذي ولد من مريم العذراء : ذاك هو رأس الكنيسة.

إن جسم الرأس هذا ، هو الكنيسة ؛ تملأ العالم بأسره من هابيل حتى أولئك الذين يولدون ويؤمنون بالمسيح وحتى نهاية العالم . وهو جمهور القديسين. الصائرين إلي مدينة واحده ؛ وهذه المدينة هي شبيهة بجسد المسيح الذي هو عينة الرأس.

فيها الملائكة مواطنون لنا ، وبما أنّنا في سفر فنحن نتألم وهم ينتظرون في المدينة قدومنا . ومن المدينة التي عنها ابتعدنا تصلُنا الرسالات : أنها الكتب المقدسة التي تحثنا على أن نحيا حياة صالحة.

ملك المدينة ذاته نزل وصار طريقاً لنا نسافر عليه حتى إذا ما سلكناه لا نضل ولا نعثر ولا نقع بين أيدي اللصوص ولا نلقي بأنفسنا في الفخاخ المنصوبة لنا على طول الطريق.

فلنصغ إلي الكتاب كما إلي ذلك الملك . أن نظام المدرسة ومنهاجها لا يفتحان ذهنك على كتاب وحسب بل على عدة كتب إن عرفت أن تحفظ النظام. غالباً ما يحدثك الكتاب المقدس عن المسيح بحيث أنه يوصى برأسه فقط ، ومراراً ينتقل من الرأس إلي الجسم، أي إلي الكنيسة دون أن يتحول إلي شخص آخر ، لأن الرأس لا ينفصل عن الجسم لكن يحكي عنهما كما عن شيء واحد.

طالع إذاً الكتاب المقدس بإيمان واطمئن إلي حقيقته ، أنه لقي أعلي مقام من السلطة السماوية .تعلّم حقاً ما هو مقبول وأعلم ما يجب إصلاحه أو شجبه. ولن تجد فيه الحقيقة وحدها بل الخطّة التي تنعش النفوس وتجدّدها موضوعةً وفقاً لقياس يؤهلك لأن تنهل منها ما يلائمك متى دنوت منها بعبادة وتقوي وفقاً لفرائض الدين الصحيح.

ولكن ، أفهم قبل كل شيء أنه لا يجوز لك أن تضطرب إذا لم تفهم الكتاب المقدس . كما لا يجوز أن تستسلم إلي الكبرياء متى فهمته ، بل أصبر بإحترام إلي أن ينكشف أمامك معناه الخفي وأرعَ محباً ما فهمت منه. عُمْقُ كلمة الله يروّض الذوق ولا ينفي العقل . لو كان كل شيء مغلقاً لما كان مجال لكشف الستار عما هو ظلمة ، فضلاً عن أن النفس التي تحُرمُ قواها الضرورية التي بها تقرع الأبواب الموصدة.

ولذلك  فإن الله لم يحجب كنوز الكتاب ليمنعها عن عقول الناس بل لكي يذكي الشوق إلي معرفتها.

أحترم في الكتاب ما لا تفهم وزدْ له احتراماً كلما ازداد احتجاباً عن ناظريك . وفي الواقع ، فإن احترام الشخص يزداد كلما ازدادت الحُجُبُ في بيته : فهي التي تجعل السر مصوناً وتهُتك أمام من يحترمونها ، أما الذين يسخرون منها فالدنو إليها محظور عليهم.

وقلة هم الذين يتمكنون في درسهم من فهم الكتب المقدسة من أن بابها مفتوح أمام الجميع . وان ما يتضح من حقائقها لشبيه بحديث صديق حميم يلج مباشرة إلي قلوب الجهال والعلماء.

إن الحقيقة المحجوبة ضمن الأسرار لا تجذب إليها ، بواسطة خطاب رفيع لا ينصب على درسه من كان بطيء الفهم ، جاهلاً ، كما هي حال الفقير أمام الغني ، إنما تدعو بلغة بسيطة جميع الذين تغذّيهم بالحقيقة المكشوفة ، وتدربهم بواسطة الحقائق المخفية التي تبدو وكأنها مجموعة في مكان سري.

وتجنباً للقرف من الأمور التي تسهُل جداً معرفتُها يتوق الإنسان من جديد إلي تقصيّ الحقائق الخفية ثم تدفعه رويداً تلك الرغبات المتجددة إلي إجراء بحوث جديدة وتصلح تلك البحوث العقول الشريرة وتغذي الضعيفة منها وتستهوي الكبيرة. القلب المقاوم لهذا التعليم لهذا التعليم هو ذاك الذي يجهل أنه تعليم خلاصي ، فيكره العلاج ، لأنه مريض.

وبالتالي فلا تملْ إلي الأضاليل ولا تتهَّم الكتاب إن لم تفهمه . ومع أن الكتاب روحي تراه يعمل طبيعياً مع من يعيشون بحسب الجسد . ولكنه يأبى عليك أن تظل لحمياً ، لأن الأم تحب أن تغذي طفلها ولا تريد أن يبقي إلي الأبد مقمطاً ، أنها تشده إلي صدورها وتدفئه بين ذراعيها وتلاطفه بمداعبتها وتغذية من لبنها  وتعمل كل شيء في سبيله ، وتتمني له النمو كيلا تظل على هذا النحو تُعني به.

وإن كنت غير قادر على قبول كلمة الله غذاء لك فاغتذ من لبن الإيمان  وآمن بلا تردد بالكلمة التي لا تقدر أن تفهمها.

أما إن أردت أن تحرّرَ من الكتب المقدسة فتأمّل دائماً بتحذير الرسول القائل:{العلم ينفخ والود يبني"1كور1:8}.

وإن رأيت ذاتك مدركاً للكتب المقدسة دون أن تنمو فيك محبة الله والقريب فأنت لم تفهم شيئاً.

إن رفعت عينيك إلي الكتاب المقدسة فأرفعها إلي الله تجد لدية عوناً . أرفع قلبك إليه لتفهم ما تقرأ ولا تقل : الكتب المقدسة هي ألح حضوراً من الله بل هو ألح حضوراً منها.

الكتب المقدسة ماثلة أمام ناظريك والله يأمر ضميرك.

أرفع نظرك إلي الكتب المقدسة وقلبك إلي الله لتملأهما معاً ولكن أرفعهما بحيث تري ما ترفع وأين ترفع. تأمّل أيَّ قلب ترفع لئلا يرزح تحت ثقل الشهوة فيبقي رازحاً قبل أن يرتفع . عالج قلبك بالعفة لكي تجعله نقياً.

عواطف وصلوات.

{ربّ ، حق هو كتابك الذي أذعتَه ، يا من أنت الحق والحقيقة.

{ إلهي أنت ، وأنت تهتف في إذن خادمك الداخلية بصوت قوي يفتّح صممي:{أيها الإنسان: قولُ كتابي هو مقالي}.

{يوم كنت طفلاً كنت أصوب إلي كتبك مهمازاً يناقشها بدلاً من أن أبحث فيها "بتقوى" وكنت أوصد بوجهي ، بابك الذي كان علىَّ أن أدفعه ، ولسوء أخلاقي.

 (كنت ازيده انغلاقاً . والسبب هو أني تجاسرتُ على البحث ، متكبراً ، عمّا لا يجده).

{سوي الودعاء . آه ! ما أسعدهم وما أطيب العلْم الذي يقبله في الصفّ ، أولئك الذين{لا يزالون في عش الإيمان يتناولون الطعام الروحي ؛ لما ظننتنى أنا الشقي أهلاً لأني...

{أطير تركت العش فسقطت قبل أن أطير . أما أنت يا رحيم ، فقد أنهضتني لئلا يدوسني المارة بأرجلهم ويميتونني ، أنهضتني واعدتني إلي العش.

{إلهي ، أصلحْ لك تسبيحاً كاملاً من الأطفال وعلى شفاه الرضع. {أنا ما عرفت قط ، ربُّ ، كتباً ككتبك ، تقضى على الكبرياء بهذا الشكل ؛ وتقضي معاً على الخصم والمحامي الذي يأبى مصالحتك في الدفاع عن خطاياه.

{كلا يا ربُّ ، أنا ما عرفت البتة كلاماً بصفائها ونقائها ، يهيبُ بي إلي الإعتراف (ويخضع عنقي تحت نيرك ويدعوني إلي خدمتك مجاناً).

{أيها الأب الصالح أجعلني أفهمها وهب عبدك الحقير تلك النعمة ، يا من كتبت {كتبك بقوة حباً بمن يخضعون لها}.

الفصل الرابع : في التقوى

حكمة الإنسان تقواه: هذا ما جاء في كتاب أيوب البار حيث قالت الحكمة عينها للإنسان.

أن خشية الرب هي الحكمة:أيوب28:28". فضلاً عن أن التقوى عبادةُ الله ولا يُعبد الله بالمحبة.

وبالتالي ، فالتقوى السامية الأصلية مرتكزة على هذه الوصية الأولي القائلة:

{أن تحب الربّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك "متى 37:22". ولهذا ، فالتقوى هي أن تحب الله ولا تُفاضُ في قلوبنا المحبةُ إلا بواسطة الروح القدس الذي أعطيناه .

وعليه ، فإن التقوى أو عبادة الله الحق ، عبادة صحيحة مفيدة للجميع ، وهي التي تبعد عنَّا متاعب الحياة أو تخففها وتؤدي بنا إلي الخلاص والحياة ، حيث لا وجع بل تمتعّ دائم بالخير الأبوي الأسمى.

إني أحثك على أن تبلغ هذا الخير ، ما أستطعت إليه سبيلاً ، وأن تحافظ عليه باستمرار كما أشتهيه لنفسي.

أقرع باب الحياة بقداسة حياتك يفتحه لك إله الحياة.

سل وأطلب وأقرع بقلبك لأن الله يفتح للسائل بقلبه.

وعلى القلب أن يكون ورعاً ليسأل وفقاً لنظام ، ويقرع حيث يجد أن يقرع ويطلب ما هو نافع.

تقوم التقوى على أن تحبَّ الله مجاناً وعلى ألا تطلب خارجاً عنه المكافأة التي ترجوها . إذ لا أحد خيرُّ منه ، وهل يسأل الله شيئاً ذا قيمة مم لا يحترم الله؟

أنه يعطي الأرض ، أنت تفرح يا من تحب الأرض فتصير أرضاً .

 إن كنت تفرح حين يعطي الأرض فكم يكون فرحكُ عظيماً حين يعطيك ذاته صانع السماء . والأرض؟ أنت تبحث كيف ترضي الله؟ وماذا تقدم له؟ قدم له نفسك.

وماذا يطلب منك الرب سوي ذاتك؟  لقد خلقك أفضل مخلوقات الأرض كلها ، وبحث عنك بعيداً عنك ؛ لأنك كنت تائهاً ، فأحتقر ما أنت الآن لتصير ما لست الآن.

أصلحْ نفسك وسبح الله في يسرك وأشكْ نفسك في عسرك.

يوم تأنفُ من فساد فيك ، وتصلح نفسك بمساعدة خالقك ، تستقيم وترعي التقوى والبر.إن خدمت الله حباً بالزمنيات . لم تكن نيتك مستقيمة . إنك تراقب من لا يعبدون الله فتجدهم يملكون خيوراً تتوق إليها بطاعتك لله ، قائلاً في قلبك : وأي نفع لي من طاعة الله؟ وهل أملك ما لذلك الذي يجدفّ عليه كل يوم؟ أصلي فأجوع ؛ ويجدفّ فيعيش في بحبوحة.

إن وضعت همك في هذه الأمور كنت ذلك الإنسان القديم ، لو كنت الإنسان الجديد لرجوت الميراث الجديد لا القديم.

إن رجوت الجديد دُستَ الأرض واحتقرت مجد العظماء ، ومتى احتقرت هذا كله تواضعت لئلا تزلَّ إن إرتفعت.

أرفع قلبك إلي العلى إلي جوار الرب ، ولا تخالفه.

المتكبرون يرفعون قلوبهم إلي فوق ولكنهم يخالفون الله.

إن أردت أن يكون قلبك فوق فألزم الرب.

وإن كان قلبك ملازماً للرب ، فالرب يمسك به ، لئلا يسقط على الأرض.

أكرم الله يكرمك الله ، إن أنت أكرمت الله فلست تصّيره أفضل مما هو .  أنت تكرم الله عابداً إياه لا حارثاً له . أما هو فيكرمك كما يحرث الحارث حقله .  وبذلك يجعلك أفضل مما أنت كالفلاح الذي يحرث الحقل فيصيّره أفضل مما كان ويطلب فيك الثمرة عينها ، تكريماً له.

إكرامه فيك ، ولذلك لا ينفك ينزع ، بكلمة ، من قلبك بذور الشر ويفتحه بالوعظ كما بالمحراث ويزرع بذور المشورات الصالحة منظراً التقوى ثمرة. وثمرتك هذه لا تكُثر غناك ؛ بل تزيد سعادتك ويلازمك هذا الشعور إن كنت حقاً تحب الله.  وحين تقبل راضياً بالعناية التي أحاطك بها ، تقدم له إكراماً ، ولا تنكر فضل الحارث عليك ، إنما تعطيه ثمرة  ، بها يفرح.

وإن أردت أن تكون سعيداً فلا تموت في خيور أحبتها وبين ملذات الأرض وشهواتها . فقد تكرم الله وترفع إليه الصلاة لتحيا طويلاً فيها وتحتفظ بكل ما هو لك فلا تفقد مثلاً لا الذهب ولا الفضة ولا ما يشبع لذة النظر فيك وتطلب لأصدقائك ولبنيك ولزوجتك ولزبائنك أن لا يموتوا ، وتود لو تعيش إلي الأبد في وسط تلك الملذات.

وبما أنك لا تستطيع أن تحيا إلي الأبد تفهم أنك صائر إلي الموت فتكرم إذ ذاك الله وتبكي أمامه وتسأله أن يبقي لك تلك الأمور حتى أيام شيخوختك.

ولو أن الله قال لك : ها أني جعلتك وسط هذه التي تحبها خالداً إلي الأبد لاعتبرت كلامه هذا خيراً عظيماً ولما استطعت أن تضبط نفسك في نشوة الاعتراف بالجميل . الرجل التقي لا يسأل شيئاً كهذه لأن من يكرم الله بتجرد يرغب في التأمل بمحاسن الله طول أيام حياته.

لا تسأل الله ما يدعوك هو عينه إلي أن ترذله.

جزاء التقوى حياةُّ إلي الأبد.

لا تؤخرُّ توبتك إلي الله يا من تثقُ به جزاء لك ، أنت الذي تتجه إليه.

أنت تثق به جزاءً موعوداً برغم انه لم يسمح لك بالتأخر.

ويوم أستأجر رب البيت عمّالاً لكرمه هل قال له عمال الساعة الثالثة "{رويدك نحن لا نذهب إلا في الساعة التاسعة؟ أم قال له عمّال التاسعة : لن نأتي إلا في الحادية عشرة؟ وطال ما أن الكل يتقاضون الأجرة عينها فلماذا نرهق أنفسنا بالتعب؟

إن الذي يأتيه رب البيت ويعطيه هو أمر خاص به دون سواه أمَّا أنت فتعال ساعة يدعوك.

ومع أن المختارين يتألقون وفقاً لاستحقاقاتهم : هذا يتألَّق أكثر وذاك أقل فالجميع يتساوون في السعادة الأبدية لأن الأبدي لأن الأبديًّ لن يكون طويلاً بالنسبة إلي هذا وقصيراً بالنسبة إلي ذاك ، لأن ما لا ينتهي ، لا ينتهي بالنسبة إليك وإليّ على السواء ، ويتساوى الجميع أمام الجزاء إنما المهم أن تعرف ساعة بدء العمل. هبْ أنك دعيت الساعة السادسة في نضرة شبابك ، أبان الساعة السادسة ، وأجبت الله : رويدك رب ، ها قد سمعت في إنجيلك بأن الكل يأخذون الأجرة عينها ، لهذا حين أصبح شيخاً  في الساعة الحادي عشرة أجيء إليك ولما المزيد من الشغل؟ أتدري إن كنت ستصل إلي الشيخوخة أم لا؟

إن دعيت في الساعة السادسة فتعال ، في الواقع لقد وعدك رب العمل بالأجر الذي وعد به عمّال الحادية عشرة بل حتى السابعة.

ولم ترجئ تلبية من يدعوك يا من تأكدت من الأجر ولم تتأكد من اليوم الأخير؟؟

إن صحّ هذا الكلام في الأولاد المدعوين ، الساعة الأولي ، والفتيان المعينَّين للساعة الثالثة والشبان الشهوانيين ، عمال الساعة السادسة ، فأحر به أن يصح في عمّال الساعة الحادية عشرة الهرمين أجل هي الساعة الحادية عشرة لا تزال تنظر أيها المتخاذل عن المجيء. 

عواطف وصلوات.

رب خيرُّ لي أن التصق بك ، أريد أن أكرمك مجاناً ، سواء أمنحتني هباتك أم أخذتها أم حبستها عنى  فاني أكرمك . شيئاً واحداً أخافه وهو أن تتخلي عني.

أنتزع منى ما تشاء ولكن لا تتخلّ عنى : ميراثك أنا وأنت ميراثي ؛ أنا أكرمك وأنت تكرمني : إكرامك لي لا يُلحق بك ادني حيف لأني إن أكرمتك إلهاً لي أكرمتني حقلاً لك.

أنت قلت : أنا الكرمة وانتم الأغصان وأبي الحارث (يوحنا 1:11) أنت تكرمني وتهيئ لي الأهراء إذا أعطيت ثمراً . أما إن أردت أن أبقي عقيماً في عهدة حارث ماهر كهذا الحارث وأعطيته شوكاً عوض القمح ، قضيت على الفرح ، وها أني أمتنع عن بحث ما سيحل بي.

الفصل الخامس : في أن الإيمان هو رأس الحياة الروحية.

الإيمان المستقيم هو رأي الحياة الصالحة التي تحق لها الحياة إلي الأبد . ويقوم الإيمان على القبول بما لا تري . وجزاؤه أن تري ما تؤمن به.

زمن الإيمانُ هو زمن الزرع إحذر من أن يفوتك ؛ وثابر عليه حتى النهاية حتى تحصد ما زرعتَ.

الإيمان بالله أولي الوصايا ؛ وهو بداية الدين والحياة فيك ، ثبتّ قلبك في الإيمان ، ثم عشْ حياةً صالحة مترفعاً على كل ما يغري متحملاً آلام هذا الدهر ، حتى إذا غالت في ملاطفتك أو في تهديدك لا يجرفك تيارها ولا تحطّمك شدًّتها ، بل فليصمُد قلبك بوجهها.

لن تحيا حياة صالحة إلا إذا بدأت تؤمن ؛ ومتى رعيت الإيمان زيد لك الباقي ، كثيرون يفاخرون بأعمالهم ، وكثيرون ، مًّمن لا يؤمنون يأبون أن يعتنقوا الدين المسيحي معتقدين بأنهم يحييون حياة صلاح ، مكتفين بخيور هذه الدنيا ، قائلين بضرورة الحياة الصالحة . وبما يوصينا السيد المسيح؟

أيوصينا بأن نحيا حياة صالحة؟ ها أنّا نحيا بالصلاح وليست لنا حاجة إلي المسيح:

نحن لا نقتل ولا نسرق ولا نسلب ولا نشتهي مقتني غيرنا ولا نزني لا شيء في حياتنا يستحق اللوم ومن لا منا في شيء صيًّرنا مسيحيين.

إن كل عمل مستقيم يأتيه إنسان لا يمكن أن يكون مستقيماً إذا لم يرتبط بتقوى الله(وإذا لم يكن الإيمان سباقاً فر صَلاح في الحياة.

أسمع الرسول:{وبغير إيمان لا يستطيع أحد أن يرضي الله "عبرا6:11"}. تظن أن أعمالك شجرات صالحات . إنما ، يكفي لكي تكون غير صالحة ، أن تكون بلا ثمر أمام الله.

لا تعتبر صالحاً عملاً أتيته قبل أن تؤمن ؛ لا صلاح حيث لا إيمان . النية تكونّ العمل الصالح على نور الإيمان.

لا تنظر كثيراً إلي ما تعمل ؛ بل أنظر إلي ما تبتغيه من عملك هذا ؛ ثم انظر إلي نشاط إرادتك الصالحة. 

تصوَّر  ربَّاناً يقود سفينته بمهارة وقد ضيع وجهة سفره ؛ إذ ذاك ماذا يفيده أن أمسك جيداً بدفة السفينة ووجهها بحكمة وجابه الأمواج بمقدمتها وحفظ التوازن لجانبيها؟ وبالرغم من تلك الجهود الجبارة التي يبذلها ليسير بالسفينة حيث يشاء هبْ أن واحداً سأله قائلاً: إلي أين؟ وهب أنه        أجاب : لا أدري أو {إلي هذا الميناء} ثم اصطدم بصخرة وتحطم.أكيد أن ذاك الرجل الذي يقود سفينته بمهارة وقدرة نادرتين يسير بها حتماً إلي الغرق.

تلك هي حال من يعدو بسرعة خارج الطريق ، أليس من الفضل لهذا الربان أن يكون أضعف مما هو عليه ويسيّر دفة سفينته بصعوبة وحذر ويحافظ على الوجهة الواجب أتباعها؟ ليته أقل نشاطاً وحذقاً وسار في الطريق ولم يسرع خارجاً عنه.

ممتاز هو ذاك الذي يتبع الطريق ويسير عليه سيراً حسناً ثم يتبع خطاه أخر ؛ وإن تأخر أحياناً فلا يتأخر عن ضلال ، أو ليبقي ؛ بل لكي يتقدَّم على مهل.

إننا نرجو وصول من يحب أن يصل إلي غايته ولو متأخراً .

تأمّل هذه المقارنة: الإيمان في النفس جذر صالح يُخصبُه المطر. والكفر أصل الشرور كلها وشبيه بجذر الشوك الذي إذا سقطت عليه قطرات قليلة من المطر حوَّلته إبراً حادة.

لا جمال في الجذر الصالح إنما جماله كامن في باطنه.

حين تنظر إلي شجرة جميلة مخضره تعجب بها ويطيب لك أن تتناول من ثمرها وأن تستريح في ظلها أثناء الحر وتمتدح جمالها . وإذا كشف لك عن جذورها فلا تحتقر ما خفي منه إذا عنه ينبثق ما يروقك حسّه.

كل ما ينطلق من الإيمان عظيم ؛ وهكذا فقد تعوَّد الجهال أن لا يقدروا أساس البناء حق قدره.

في البدء تحفر حفرة عميقة ثم تردمها بالحجارة بلا جمال ولا رونق ، وتنظر إلي الأساس ولا تفرح به ثم تنظر إلي البناء وقد ارتفع فتتعجب به! يا أحمق ، إن ما أعجبت به مرتكز على ما احتقرته!!.

تلك هي حالك: إن لم يكن الإيمان فيك سباقاً فلا مجال لحياة صالحة . إن لم يستقم إيمانك فلست باراً لأن البار بالإيمان يحيا . وإن لم يكن فيك إيمان فلا مجال للصلاة ، وكيف تصلي لمن لا تؤمن به؟ الإيمان هو ينبوع الصلاة . ويُظهُر الرسول أن الإيمان هو ينبوع الصلاة وأن الساقية تجف متى جفت ينابيعها قائلاً :{وكيف يدعون إلي من لم يؤمنوا به}"روميه124:10".

وبالنتيجة آمن لكي تصلي: وصلّ حفاظاً على إيمانك الذي به تصلي .

الإيمان يفيض صلاة : والصلاة المفاضة تقوي الإيمان. وحفاظاً على الإيمان من التجارب.            قال السيد: {سهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة "لوقا46:22"}

الدخول في تجربة خروج عن الإيمان وبقدر ما يضعف فينا الإيمان تقوي علينا وبقدر ما نقاوم التجربة يقوى فينا الإيمان.

الإيمان النقي يحيا وسط تجارب هذا العالم وضيقاته : العالم يهتز ؛ أما الإيمان فلا يتزعزع . آمن تصبحْ أهلاً لأن تفهم: على الإيمان أن يسبق الإدراك ليكون الإدراك جزاء الإيمان . والنبي أوضح هذا الأمر حين قال:{وانتم إن لم تصدقوا فلن تثبتوا"أشعياء9:7:}.

من اللازم أن تؤمن بما تبشر به ببساطة لأن غاية العقل أن يناقش بدقة . بالإيمان تتحد وبالعقل تحيا. يجب عليك قبل كل شيء أن تتحد بواسطة الإيمان لتحيا بواسطة العقل.  إن لم تتحد تقاوم ؛ وإن كنت تقاوم فلست مؤمناً . وإن كنت تقاوم فكيف تحيا؟ انك تجعل نفسك عدواً لشعاع النور الداخل فيك  حين لا تشيح بنظرك عنه ،بل بعقلك وتقول: كل واحد على الإطلاق يريد أن يفهم . فمن الواجب علىًّ إذاً أن أفهم حتى أؤمن ، فأجيب آمنْ تفهم. الإيمان مرقاة ، عليها تبلغ الفهم ، والفهم جزاء الإيمان.

للإيمان نور خُص به دون سواه من الكتب المقدسة والأنبياء والإنجيل والقراءات الرسوليه.

إن كل من يقرأ في حينه لهو شبيه بسُرج في ظلمة تساعدك على أن تري النور.

يا أحمق ، أتريد أن تصعد وتنسى المرقاة؟؟!!

لو تمكنت الآن من أن أريك ما سوف تري لما حرضتك على الإيمان ؛ لأن الإيمان هو الإيقان بحقيقة الأمور غير المرئية"عبرانيين1:11".

أعطاك الله عينين جسديتين وعقلاً باطنياً: أيقظ عقل قلبك وأرفع الساكن في عينيك الباطنيتين ليفتح نوافذه ويتأمل في خليقة الله.

في باطنك يقيم من ينظر من خلال عينيك . إذا فكرت بعكس الحقيقة التي فيك فلا تري ما هو أمامك.

عبثاً تُشرع النوافذ في غياب من يحُبّ أن ينظر خلالها. الأعين لا تري إنما هنالك من يري بواسطتها: أيقظه وأرفعه! أرفع نظر العقل واستعمل عينيك كإنسان ، أنظر إلي السماء والأرض . إلي السماء الجميلة والأرض الخصبة والطيور الطائرة والأسماك السابحة في المياه وإلي الزروع النامية والأوقات المنظمة . تأمل هذه كلها وأبحث عن صانعها أنظر إلي ما تري وأسألْ عمَّا لا تري. آمن لما لم ترَ من أجل الأشياء التي تراها . زمن الإيمان زمن شاق ، ومن ينكره ؟ إنما العمل موعود بالمكافأة.     

لا تكن كسولاً في عمل ترجو عليه أجراً . الإيمان يدرك ما لا يدركه العقل البشري وحيث يعجز العقل ينمو الإيمان.

عواطف وصلوات.

علىَّ أن ابدأ يا ربّ بالإيمان لأصل إلي المشاهدة : أني أعدو على الطريق في طلب الوطن وتقول نفسي في السفر{أيها السيد أن بغيتي كلها أمامك وتنهّدي غير خفيّ عليك"10:37". وفي الوطن لن يبقي مجال للصلاة بل للحمد لأن كل شيء موفور . سوف أري هناك ما أؤمن به هنا  وما أرجوه هنا سوف احصل عليه هناك . وما أطلبه هنا سوف أناله هناك. أنظر الآن ما أري وأؤمن بما لا أري. لقد دعوتني إلي الإيمان ولم تتخل عني ، وبرغم أنك أمرتني بأن أؤمن بما لا أستطيع أن أراه ، فلم تتركني بدون رؤية شيء ، أؤمن بواسطته بما لا أري.

ما كنت قادراً على أن أراك إلهاً بل إنساناً . لقد صرت إنساناً ليكون من أراه وأؤمن به واحداً.

الفصل السادس : في أن التواضع ضروري لبلوغ الإيمان.

دواء مرضك تواضع المسيح ، ولا هلاك لك إلا إذا أصبت بداء الكبرياء ، اصل الخطيئة فيك الكبرياء ، والبر ضروري أصلاً لمقاومة الخطيئة في أصلها .إن كانت الكبرياء أصل كل خطيئة فأنيّ لورم الكبرياء أن يشفي لولا تنازل الله واتضاعه.

ولذلك فقد تنازل السيد المسيح واتضع مبيّناً لك الطريق الواجب سلوكه إذا شئت . إتضاع الرب في نظر المتكبرين غير لائق ؛ ولذا فالشفاء بعيد منهم.

لا ترتفع ، بل انحدر إذا شئت أن تشفي. وإذا شئت أن تبلغ إلي سموّ الله فأبحث عنه أولاً في تواضعه. أتضع إن شئت ، فالتواضع مفيد لك لأن الله قد أتضع من أجلك وليس من اجله.

خذ المسيح المتواضع وتعلّم منه التواضع ، إياك والتكبر. حين تأخذ تواضعه ترتفع معه ، وترتفع ليس كما يرتفع هو بل انه يرفعك معه رويداً رويداً.

في البدء كان عقلُك متأرجحاً بين الشك واليقين : أما بعد فسوف تفهم بثقة ووضوح . هو لا ينمو أما أنت فتدنو منه وكأنه مرتفعُّ معك.

آمن بوصايا الله وأعمل بموجبها ليعطيك القدرة على الفهم.

لا تعتدَّ بعلمك ولا تؤثره على وصية الله مخافة أن تخسر قدرتك وتضعف . أنظر إلي الشجرة كيف يبدأ النمو من أسفلها ثم ترتفع في الجو.

جذورها في الأرض ورواسيها إلي السماء . وهل تستطيع الشجرة أن ترتفع في الجو إذ لم تعتمد على جذورها في الأرض؟

إن شئت أن تبلغ السموات ، بمعزل عن التواضع والمحبة ، فلا أصل لك.

حينذاك تطلب الهلاك ، لا النمو وتبتغي الريح. المسيح يسكن في قلبك بالإيمان : تأصل في المحبة واثبت فيها لتمتلئ من الله . أسمع شهادة الرب القائل: أعترف لك يا أبت ، رب السماء والأرض إذا أخفيت هذه عن الحكماء والعقلاء وكشفتها للأطفال) متى25:11".

لا تفهم هذا الكلام بغير معناه : لقد أخفاها عن الحكماء والعقلاء ولم يكشفها للجهال والبلهاء بل أظهرها للأطفال.

لم يضع مقابل الحكماء والعقلاء الجهال والبلهاء ، بل الأطفال.

ألم يعن الرب بالحكماء والعقلاء أولئك المتكبرين حين قال(لقد كشفتها للأطفال)؟ لقد أخفيتها عمن ليسوا صغاراً . وماذا يعني بكلامه هذا؟ يريد : عمَّن ليسوا متواضعين ، ومن هم غير المتواضعين سوى المتكبرين؟

كن طفلاً ، لأنك لو شئت أن تكون كبيراً نظير الحكيم والعاقل فلا تنكشف لك طريق الرب.

اسمع الرسول{زعموا أنهم حكماء فصاروا حمقي"روميه22:1"}.

أتخذ لك علاجاً يضاد هذا القول: إن كنت تصير جاهلاً لمجرد ادعائك الحكمة فما لك سوى ان تعترف بجهلك لتصير حكيماً.

ولكن قل هذا القول وفكر به باطنياً لأن الحقيقة باطنية.

وإذا قلت ، فل تقل أمام الناس وحسب بل فليكن كلامك أمام الله . يقوم المعتقد المسيحي على التواضع ويوصي به ، فلا تفاخر أنت ألا بصليب ربنا يسوع المسيح. غلاطية14:6".

ليس من الحكمة أن تفاخر بحكمة المسيح إنما خير لك أن تفاخر بصليبه من اجله يحتقرك الكافر ويمتدحك التقي . إن المسيحي يفاخر بما يحتقره المتكبر.

قال بولس الرسول أنه لا يعرف شيئاً ألا يسوع المسيح وإياه مصلوباً"1كور2:2". إذا كانت معرفته محصورة بهذا الشكل فمعرفة الباقي مضمونة له.

أنه لشرف للإنسان أن يعرف المسيح مصلوباً ، لكن المسيح قد وضع كنزه أمام الصغار وكأنه خفي.

ما أكثر غني هذا الكنز الباطني؟ {احذروا منة أن يسلبكم أحد بالفلسفة والغرور الباطل حسب سنّة الناس على مقتضي أركان العالم لا على مقتضي المسيح المكنون فيه جميع كنوز الحكمة والعلم...)كولسي"3،8:2".

 احذر من أن تسلبك الحكمة بإسمها . ولذلك فأطلب الكنز المخفي وصلّ كي ينكشف لك . أيها الفيلسوف العالمي الحمق تطلب ما ليس شيئاً ، وتغُفل ما هو كنز لك!!

وماذا ينفعك العطش إلي المعرفة يا من تمر أمام الينبوع ولا تتوقف عليه؟ تحتقر التواضع لأنك لا تعترف بالعظمة ، لكن الحكمة تصغي إلي ما تأبي الكبرياء أن تصغي إليه.

لا تطلب ما يرتفع في قلبك بل أطلب ما يستحق قلبك أن يسمو إليه . إن تعلمت أن تفتخر بالمصلوب أخذت المجد من الملك . كثيرون رأوا الهدف وما اكتشفوا السبيل إليه . لقد أحبوا الوطن العلوي وجهلوا سبيل التواضع.

أبحث عن كنزك في ما تخجل منه الفلسفة المتكبرة لأنك لن تستطيع الوصول إلي كنزك إذا احتقرت الحجاب الذي يغطيه.

في التواضع العظمة وفي الضعف القوة وفي الموت الحياة ، إن أردت الوصول إلي الواحد فلا تحتقر الأخر.

لا تستكبر ، فالإيمان نعمة من الله تعُطي مجاناً وليست أجراً على عمل ، بل رحمة من قبل المعطي. إيمانك هبة من الله وليس حقاً لك.

أسمع قول الرب:(لا يقدر أحد أن يقبل إليّ ما لم يعط له ذلك من أبي"يوحنا66:6". ويُمارس هذا العنف على القلب وليس على الجسم.

آمنْ  فتأتي وأحبب فتُدعي.

عذبة هي تلك الشدة وطيبة ، وطيبتها تدعوك.

النعجة الجائعة تندفع إلي العشب حيث تراه ! أليس كذلك؟

هلمَّ إلي المسيح ولا تخف من طول الطريق : آمن وتعال.

يقُبل الإنسان إلي من هو في كل مكان ، سالكاً سبيل الحب دون البحر ، وبما أنه طريق محفوف بشتى التجارب والعواصف والأنواء . آمن بالمصلوب يمكن إيمانك على خشبة الصليب في مأمن منها . إذ ذاك تُحمل على الخشبة وتنجو من الغرق.

إن كنت مؤمناً فأفرح بما أعطيت . أشكر . بقلب متضع ، الربّ الذي أحسن إليك لئلا تخسر متكبراً ما نلته متواضعاً.

عواطف وصلوات.

ربّ ، أنا لست نوراً لذاتي . باستطاعتي أن أكون عيناً لا نوراً ، وما نفع العين المفتوحة ، السليمة إذا غاب النور؟

أهتف وأقول : إنك أنت سراجي الربّ إلهي ينير ظلمتي(مزمور29:17).

ظلمة أنا ، أما أنت فنور يبدد ظلمتي وينير لي بضياء لا ينبثق عنى بل عنك وحدك.

أنت النور وأنا السراج المضاء . وكل ما يضاء قابل للإنطفاء . سأرفض ريح الكبرياء مخافة أن ينطفئ السراج.

الحكماء والفهماء أنفسهم نوراً ، وهم ظلام ، ولذلك فهم لا يستنيرون . أما أنا الظلمة ، والمعترف بأني ظلمة ، فعليَّ أن أكون طفلاً ، متواضعاً ، غير متكبر.

علّى أن اعرف نفسي وأسبحك . أغثني كيلا أبتعد عن طريق الخلاص . بقلب نقي أتجه إليك قدر ما تسمح لي حقارتي ، وإليك أرفع شكري الحميم ، ملتمساً ، من صميم فؤادي حلاوة فيك لا توصف حتى إذا حسنت أمامك صلاتي قبلتها . صدَّ عني أيها القدير عدوَّ أفعالي وأفكاري ، وزدني إيماناً وأضبط فكري وهبني الأفكار الروحية وبلغني السعادة بابنك يسوع المسيح أمين.

الفصل السابع: في أنه لا يجوز أن تخجل من الإيمان بالمسيح.

 على الوجه جبين وفي الضمير جبين.

وغالباً ما يحمر الجبين الخارجي إذا ما صفع الجبين الباطني ك يحمرّ خجلاً أو يصفر خوفاً.

من المهم جداً أن تعرف علامة المسيح فيك : أفي قلبك هي فقط أم على جبينك وفي قلبك.

إن حملت في قلبك تواضع المسيح على جبينك تواضعه علامةً أقول هذا لأن الكثيرين يؤمنون به في قلبهم ويخجلون من الاعتراف به يشفاهم . وما نفع الإيمان الباطني للبر إذا كان اللسانُ يتردد في التعبير عما في القلب.

الله يري الإيمان الباطني ولكنه غيرُ كاف . أنك تخشي المتكبرين فتمتنع على أن تقر بتواضعك وتفضل المتكبرين على الذين لم يرضهم بسببك وتخشى أن تعترف بتواضع ابن الله : أنت لا تخجل من الاعتراف بكلمة الله عظيماً وقديراً وحكيماً ؛ بيد أنك تخجل من الاعتراف به مولوداً ومصلوباً ومائتاً. إن العلى المساوي للأب خالق كل شيء الذي خلقك وصيرّك ما أنت عليه قد صار بشراً وولد ومات من أجلك.

أيها المريض كيف تبرأ من مرضك وأنت تخجل من دوائك؟ أختر الوقت :

ها هوذا الزمن قد حضر لأنه سوف يأتي ممجداً ، من قد أحتُقر ، ودياناً من قد حكم عليه ، وسوف يقيم الناس من قد قتل وسوف يؤيده الكل بعد أن رذل.

تأمل في الحاضر والمستقبل : الحقيقة الآن هي موضوع إيمان ، أما بعد فستظهر وتنجلي ، أختر الآن النصيب الذي تريده لك في المستقبل .

أتخجل من اسم المسيح ؟ ان ذاك الذي تخجل منه اليوم بين الناس سوف يخجل منك عندما يأتي ممجدا "ليمنح الصالحين ما وعدهم به وينزل بالاشرار ما هددهم به .

وانت اين تكون ؟ وماذا تعمل ان تفرس فيك العلي قائلا": ((خجلت من تواضعي فلن تتمتع بمجدي))؟ اطرح عنك الخجل الكاذب وأقم محله جرأةً خلاصية ان حق لنا ان نسميها جرأة .

لا تخجل باسم المسيح : تُهان لانك تؤمن بالمصلوب الذبيح .

انك لتؤمن حقا" بمن نفذ فيه حكم الموت .ولكن لولا دمه المسفوك لبقي عليك صك خطاياك. فضلاً عن ذلك أنت تؤمن بهذا المصلوب .

 لكن الذي مات فيه هو ما اخذه منك وليس تلك القدرة التي بها خلقك . منك اخذ صورة العبد ولأجلك أخذها فولد فيها وتألم وقام وصعد الي السماء .

لقد قلت أربعة اشياء: ولد ومات وقام وصعد إلي السماء.

اثنان للبداية واثنان للنهاية: الأول والثاني ولادة وموت ، والثالث والرابع قيامة وصعود إلي السماء في البداية أظهر طبيعتك البشرية وفي النهاية علمك ما ستكون مكافأتك.

تعلمُ بأنك مولود حكم عليه بأن يموت ؛ وتجهل أنه يجب عليك أن تقوم من الموت وتصعد إلي السماء.

لقد أخذ ما كنت تعرف وأظهر ما كنت تجهل ، فتحمَّل ما أخذ وترجّ ما أظهر (أيها التابع المصلوب المتعبد شراً لميت ، والمعجَبُ بمتألم ، عليك أن تفاخر بإهانة توجّه إليك من أجل المسيح.

إن خجلت في مثل هذه المناسبة متّ.

تأمل كلام ذاك الذي ما غش البتة أحداً حيث قال:{من ينكرني قدام الناس أنكره قدام ملائكة الله"متى33:10"}. 

إذا أهين المسيحُ ، فأخر وأرفع رأسك . ومم تخشى على جبينك الذي سلحته بعلامة الصليب؟ المسيح مات لأجلك يا كافر . ومع أنك كنت عدواً له فقد صالحك الله بموت ابنه.

ها أنت تلقي من المسيح أعظم محبة : لقد قدمّ حياته لأجلك يوم لم تكن له صديقاً وأسلم ذاته عنك يوم كنت له عدواً . فما أعظم محبة الله وتضحيته في سبيلك . لقد أحبك يا خاطئ حباً دفعه إلي الموت من أجلك.

أتؤمن بهذا وتخجل من الأعتراف به؟ آمن ولا تخجل من المجاهرة بإيمانك حباً بخلاصك . أسمع قول الرسول.{بالقلب يؤمن الإنسان للبر وبالفم يعترف للخلاص"رومية10:10"}. 

ما ترددتَ ولا خجلتَ بإيمانك في البدء يوم قبلت على جبينك ، في مقر الشرف ، علامة المسيح . ارسم الإشارة من جديد على جبينك ، لئلا يُفسدَ عليك صفوك لسان غريب.

لا تخجل من عار الصليب الذي قبله الله نفسه ، حباً بك ، ورّددْ مع الرسول:{أمَّا أنا فحاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح"غلاطية14:6"}.

إن ذاك الذي صلبه شعب واحد يملُكُ الآن حقاً في قلوب جميع المؤمنين به.

عواطف وصلوات.

ربّ ، أريد أن أضع شعارك على جبيني ؛ ولن أخجل منه إذا طبعته في قلبي.

شعارُك التواضع : بالنجم عرفك المجوس فكان هبة سماوية نيّرة منك إليهم ؛ ولم تشأ أن يكون النجم شعاراً لك فوق جبيني ، بل الصليب.

تواضعك عنوان مجدك يا رافع المتواضعين بتنازلك وتواضعك.

صليبك مصباح كبير ، وإن أردت أن أضيء فلن أخجل من خشب المصباح.

عجزتُ على أن أنير ذاتي لأكون سراجاً وما تمكنتُ من اتخاذ محل فوق المصباح: تمجدت يا من أعطيتنيه ، سوف أتمجد بك فوق المصباح ؛ إن راح المصباح سقطت أنا .

حاشا لي أن افتخر إلا بصليبك ، وليصلب لي العالم كما أنا صلبتُ للعالم ، أغثني كيلا أطلب السعادة من العالم . وأغثني فابتعد عن سعادته.

العالم يمالق ، فجنبي فساده . العالم يهدد . فأجعلني لا أخشي هجماته . مجدي فوق المصباح ، علىَّ أن احتفظ لسراجي بالتواضع مخافة أن تطفئه الكبرياء.

 

الفصل الثامن: في أن الإيمان بدون أعمال ميت.

عظيم هو الإيمان ن إنما لا فائدة منه إن خلا من المحبة.

ارفع الإيمان يسقطْ ما تؤمن به وارفع المحبة يسقط ما تعمل ، لأن غاية الإيمان أن تؤمن وغاية المحبة أن تعمل.

إن كنت تؤمن ولا تحب فلست تسعي إلي الصلاح ، وإن سعيتَ فسعيَ عبد لأسعى ابن ، وخوفاً من العقاب لا حباً بالبر.

فالإيمان الذي ينقيّ القلب هو الذي يعمل عن محبة.

إن آمنت بالمسيح ، ضماناً للطمأنينة في الخطأ . ضللتَ كثيراً ، لأن المسيح الذي تنازل وجاء لمساعدتك ، شفقة عليك ، لن ينفعك اسمُه متى باشر قضاءه الصارم.

{ليس من يقول لي يا رب يا رب يدخلُ ملكوت السماوات بل من يعمل مشيئة أبي ، وكثيرون يقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب باسمك أكلنا وشربنا "متى21:7-22"}. الشجب هو نهاية جميع المدمنين.

على أمثال تلك الأفعال:ـ ومتى رأيت عدداً كبيراً منهم لا يكتفون بتلك الأفعال بل يعذرون من يقوم بها ويشجعونه ، ألتزم أنت شريعة الله ولا تتبع مخالفيها.

ولن تدان بحسب أفكارهم ، بل وفقاً لحقيقة الشريعة ، ولا تقتصر على ما أستحقَّه لك إيمانك من فضل ؛ بل زدْ عليه الرجاء والمحبةَ ولا تقلق لما سيكون.

المحبةُ لا تستطيع ألا أن تعمل ، أعطني محبة خاملة ، جامدة لا تعمل. أليس الحب هو الذي أتي الأفعال السيئة والقبيحة والقتل وسائر السفاهات؟

نقّ حبَّك وحولّ إلي البستان ماء القاذورات . وأجعل ما في حبك للعالم من زخم دافعاً له إلي خالق العالم.

وما نفعك من التبشير بالحقيقة إذا كان قلبُك مخالفاً للسانك؟ وما نفعك من سماع الحقيقة إن كنت لا تبني على صخرة؟

إن سمعت وعملت بنيت على صخرة ، أما إن سمعت ولم تعمل بنيت على الرمل وإن بنيت على الرمل فللخراب تبني: إن لم تبن على صخرة طمي السيل وجرفك وصرت بلا مأوي.

إن سمعت كلام الله ولم تعمل به كن كمن يأكلُ جيداً ويصعب عليه أن يهضم ما يأكل ، فلا يستبقي خلاصة ما يأكل بل ينبذ الطعام فضلاً عن التقزز الذي يتسبب له من عسر الهضم.

وأيّ نفع لك من الإيمان إن كنت تجدّف؟ أنت تعبد المسيح في رأسه وتجدّف عليه في جسده. إن كنت قد انفصلت عن الجسد فالرأس لا ينفصل عن جسده بل يناديك من فوق{بلا سبب تكرمني}.

إن الإعتراف بالمسيح حباً بعبادته شيء والاعتراف به ، صدّا له ، شيء أخر . قال بطرس تمسّكاً بالمسيح{أنت هو المسيح ابن الله الحي "متى16:16"}. وقالت الشياطين صدّا له عنهم{نعرف أنك أنت ابن الله "مرقس12:2}.

إيمان المسيح متحد بالمحبة وإيمان الشيطان خال من المحبة: ومن لا يؤمن فهو شر من الشيطان وأكثر تأخراً منه.

وإن قالت الشياطين نعرف إنَّك أنت ابن الله{فهل هذا يعني إنهم يملكون معه إلي الأبد؟ حاشا.

وعلى سؤال المعلم:{من أنا على حدّ قولكم؟} أجاب بطرس:{أنت المسيح ابن الله الحي} فقال له الرب:{طوبي لك يا سمعان بن يونا"متى15:16"}.

وقال له الشياطين الكلام عينهَ . ولماذا ليسوا سعداء؟ لأنهم قالوا ذلك عن خوف . وبطرس قال عن محبة . إنك سمعت اعترافاً مماثلاً إنما لا تجدُ محبةً مماثلة.

الكلام هو هو ؛ إنما الرب يسأل الأصلَ ولا يسأل الزهرة.

أسمع القديس يعقوب{ما المنفعة يا أخوتي إذا قال أحد أن له إيماناً وليست له أعمال؟ ألعلّ الإيمان يستطيع أن يخلصه؟ الإيمان بغير الأعمال ميت "يعقوب14:2-20"}حتى ما ينخدع أولئك الذين يعدون نفوسهم بحياة خالدة انطلاقاً من إيمان ميت؟ أسألك أتؤمن أم لا ؟

 قل لي . وتقول: أني أؤمن . أعمل بما تقول . وذلك هو الإيمان ولا تسبح الله بصوتك وحسبُ ؛ بل فلتأتلف أعملك مع صوتك في تسبيحه.

تنشد ، أحياناً بصوتك ، وأحياناً أخري ، سكت ، أجعل حياتك كلها نشيداً مستمراً وليكن صوتك في أعملك . أكفر بالعالم أو لا تصدق على المحتاج .

 وأنبذ ما يهواه العالم ولا تبال بالإهانات ، ولا تبغ انتقاماً من احد ، بل قدّم خدك لمن يصفعك وصلّ لأعدائك ولا تطالب أحداً بمال لك أخذه وإن أسأت إلي أحد في رزقه فعوّض علية أربعة أضعاف.

وليكن حبك لله ، في ما تصنع حباً منزهاً عن كل شيء وحبُك لقريبك ، خيراً.

لا شيء لك تقدمة إلي الله ؛ إنما لك ما تعطي القريب : آس البائس يغزُر فضلك ، وأعط مما لك   من لا يملك شيئاً، ووزع الفائض عنك على الفقراء.

إن كنت ذا مال فأطعم المسكين ، وأكس العريان ، وابن كنيسة وأعمل الخير جهدك.

وإن كنت ذا فطنة فدبرّ القريب وبدّد منه ظلام الشك بنور التقوى.

وإن كنت ذا علم فخذ من مخزن الرب ، وغذ أخوتك وقوّ المؤمنين وأدع التائهين وأبحثْ عن الضالين وأعمل كل ما تستطيع.

إننا لنجدُ بين المساكين أنفسهم من يعرفون كيف يبذلون نفوسهم فيقدم هذا رجله لأعرج وذاك عينه لأعمي وآخر يعود المرضي وآخر يدفن الموتى .

أنها لأمور يستطيع كل واحد أن يقوم بها ، وبات من الصعب جداً وجود من لا يستطيع أن يقدم لقريبه شيئاً.

وعلى هذا النحو تتم وصية الرسول{أحملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا أتموا ناموس المسيح"غلاطية2:6"}. إن كان هذا الإيمان إيمانك فأنت أحد المختارين المنتخبين المبرًّرين فأعمل إذن على أن تنمية فيك.

عواطف وصلوات.

يا سيدي يسوع المسيح إني أؤمن فأجعلني أحبك بهذا الإيمان : لن من يؤمن بك يحبك لا كما كان الشياطين يؤمنون ولا يحبون: ومع أنهم آمنوا فقد كانوا يقولون{مال لنا ولك يا ابن الله}؟(متى29:8).

أجعلني أقرن المحبة بالإيمان ، فلا أقول:(ما لي ولك؟) بل لقد افتديتني يا رب فسأتمسك بك.

إليك أصرخ ، أغثني لئلا تخرس فيًّ أعمالي ويظل صوتي مدوياً.

إليك أصرخ ، كافراً بالعالم وملذاته وموزعاً مالي على المساكين.

إليك أصرخ ، قائلاً بحياتي لا بل فيًّ : لقد صلُب لي العالم وأنا صُلبت للعالم "غلاطية14:6").

إليك أصرخ ، موزعاً مالي على الفقراء والمحتاجين.

سوف أقرن حياةً مستقيمة بإيمان مستقيم ! أعترف لك بكلامي فأنطق بالحق ، وأعترف لك بأعمالي فأحيا حياة صالحة.

الفصل التاسع : في أن الرجاء هو رفيق الإيمان.

إن كنت حائزاً الإيمان الذي يعمل بالمحبة فمن الضروري أن ترجو ما وعد الله به لأن الرجاء للأيمان رفيق.

الرجاء ضروري طال لما أنك لا تري ما تؤمن به ، خوفاً من أن تيأس ممّا لا تري فتفقد الإيمان.

أنت تحزن لأنك لا تري ، ولكن تعزًّ لأنك ترجو أن تري . فليكن الرجاء معك رفيقاً للإيمان.

ضيقُّ لك في الزمن الحاضر ورجاءُّ في المستقبل ، فإذا لم تجد عزاء عن ضيق لك حاضر في رجاء المستقبل هلكت لا محالة.

ليس فرحُك ، الآن واقعاً بل رجاء . ولكنه رجاءُّ أكيد ، كما لو كان حقيقة ، إذ لا خوف على ما وعدتْك به الحقيقة لأنها لا تغش ولا تغش ولذلك فمن المستحسن أن ترتبط بها ، إن ثبتت في كلامها حررتك.

في الحاضر تؤمن وفي المستقبل تري ، طال لما أنت تؤمن فالرجاء قائم في هذا الزمان.

وحين تري يصبح الرجاء حقيقة والمشاهدة تكون وجهاً لوجه.

طال ما أنت في هذا الجسد فأنت بعيد عن المسيح.

أنت مسافر تتقدم بالإيمان وليس بالمشاهدة.

إذا سافرت وسرت بالإيمان بقيت على الطريق وما بلغت الوطن . ولكن إذا لم تؤمن فلست تبلغ الوطن ولا تسير على طريقه.

وبالنتيجة عليك أن تسير سيراً يحفظك على الطريق . مَلكَ الوطن جعل نفسه طريقاً أثبتْ في كلام الرب إلهك لئلا تخجل عند مجيئه.

خلاصك الآن قائم على الرجاء ، وليس على الحقيقة ، لأنك لم تنل حتى الآن ما وعدُت به بل ترجوه.

الواعد أمين لا يغشك ، إنما ترجوه ألا تتركه بانتظار ساعة الجزاء. إياك والكذب ، كأن تقول شيئاً وتعمل آخر . أحفظ إيمانك يحفظ لك وعده . وإذا لم تحفظ الإيمان حرمت نفسك بنفسك ولا شأن للواعد بما قد يحدث.

اسمع صوت الله الذي يعد . وكأني به يقول:

صوت المسيح.

إني أحفظ لك ما وعدتك به : رجاء الكفرة في الحاضر ورجاؤك للمستقبل ، رجاؤهم كاذب ورجاؤك حق . إذا دعوتني جئتك وكنت لك ثروة .

أنا ثروتك . بكل جوارحك تطلُب ما تريد . ولمَ تريد في الوقت الحاضر صندوقاً مليئاً وضميراً فارغاً؟؟

أنا لا أملأ الصندوق بل القلب . وأي نفع لك من الثروات الخارجية إذا كان الفقر الداخلي يضغط عليك؟

إن الذين يدعونني . طمعاً بالمكاسب الزمنية والخيور الأرضية والحياة الحاضرة والسعادة العالمية . لا يدعونني حقاً.

عُدْ إلي عذوبة الروح القدس تعلّمك من الداخل ما لا يستطيع الناس أن ينطقوا به ، وبما أنك لا تقدر أن تري فأجعل رغبتك واجبة.

حياة المسيحي الصالح رغبة مقدسة : أنت تري ما لا تشتهي ، ولكن ، حين تشتهي ، تصبح أهلاً لأن تحوز ما تشتهي . ومتى جاء زمن المشاهدة تذوق كمال ما تشتهي.

وكما أنك إذا أردت  أن تملأ كيساً ووجدت أن ما تريد أن تلقيه فيه كبير فتشدًّ بأطرافه باسطاً إيًّاها كذلك أصنعُ معك فارجىء المشاهدة لأزيد من شوقك فيتسع قلبك ويصبح أكثر جدارة.

الشوق المقدس يدرّبك متى فصلْت مطامعك عن حب العالم.

عليك أن تمتلئ خيراً وتطرح الشرّ جانباً ، وأعلم أني لا أريد أن أملأك عسلاً إذا كنت مملوءاً خلاً وأين أضع العسل؟ 

أسكُب ما في الإناء وطهّره .

أرفع قلبك وتنشًّق هواء الحياة والحرية التي لا أضمن منها ، لأني أعطيتك أن تصير ابناً لله جميل هو وغير قابل للتصديق ، على ما يبدو ، ما قد وعدتُك به.

ومن ذا يتصور بأن ابن الإنسان يصير ابن الله؟

شيّد الرجاء في قلبك وأطرد منه عدم الأمانة : ها قد صنعت من أجلك من اهو أهم من ذلك بمقدار.

أتعجب حين تتأمل في الحياة الأبدية؟ أتعجب حين تفكر بأنك قادر على البلوغ إليها؟ حريّ بك أن تزداد تعجباً لكوني ذهبت إلي الموت من أجلك . وهل تشك في الجزاء الموعود بعد أن أخذت عنه هذا العربون؟

صلاة.

واثقُّ أنا يا رب من مواعيدك : الماضية آمنت بها ، والحاضرة عرفتها ، والمستقبلة أرجوها

لا تدع العدو يبعدني عن الطريق ، يا من تقبلني تحت جناحيك فرخاً لم ينبتْ له ريش لئلا يختطفني الباز.

ها هنا رجائي ، وفي أرض الأحياء نصيبي : إن هذه الأرض هي أرض الأموات وعنها أرحلُ . المهم هو أن أعرف إلي أين أرحل؟

الإنسان الصالح والإنسان الشرير يسافران معاً على هذه الأرض فيعبران عليها عبوراً لكنهما لا يسيران نحو الغاية عينها؟

وهنالك أمكنة مختلفة معدهّ لاستقبالهم ، وفقاً لاستحقاقات كل منهم . بين الصالحين والأشرار هوةّ لا يمكن عبورها . وبما أني أسير هنا بعيداً عنك . علىّ أن أحتمل مختلف الضيقات والأحزان والأخطار.

الاتحاد بك حياة والابتعاد عنك موت . في كنفك أرجو فأحمني وأرحمني.

سوف تحمل الشيوخ والأطفال . طال ما أنت فأنا قوي ، ولكن إذا تركتني لوحدى فقرتًّي ليست إلا ضعفاً . خير لي أن أكون بقربك وإن ملتُ عنك وأنحرفت أصبحت فاسداً.

هبني أن أعود . منذ الآن ، أيها الرب ، لئلا أنقلب ، خيري ثابت فيك إلي الأبد .

أخشى بعد أن أذهب وأتيهُ ألا أجد ملجأ أعود إليه . بيتي أنت وأبديتّك لا تسقط خراباً في غيابي.

الفصل العاشر : الرجاء في سفرك تعزيةُّ لك.

الرجاء ضروري لك ، أيها المسافر ، وعزاءُّ في الطريق.

حين تتعب في سفرك ، تحتمل أتعابك ، أملاً بالوصول . أنزع عنك الأمل بالوصول تفقد ، للحال القدرة على السير.

 احتفظ بضمير لتحافظ على الأمل ؛ وإن عذَّبك الضمير الشرير فقدت الرجاء ورحت تنتظر الشجب.

أجعل لك ضميراً صالحاً ثم آمن وأعمل أملاً بالملكوت . ولكن ، تواضع قبل كل شيء ، فالله يعزي المتواضعين بالرجاء فلا يستكبر أحد معجباً بنفسه ، ولا ييأس إنسان وإن وضيعاً ؛ لأن وعد الله نافذ أكيد ثابت ، أمين لا يتزعزع ولا يخامره أدني ريب ، وهو للحزانى عزاء.

حياة الإنسان على الأرض تجربة ، ولكن أيا كان مقامُك فيها فليس لك ملجأ سوي الله تحوًّلت فيك المحبة والسعادة فلم تنُزعا نتم بل تحوًّلتا . لا يحصل الإنسان على جميع مسرات هذه الحياة . لكنَّ الأمل بها ثابت فيجعلها أفضل أفراح هذا العالم ، وفقاً لما جاء في الكتاب:{تلذًّذ بالرب"مزمور4:36}.

إن لم تحصل حتى الآن على ما يشتهيه قلبك فهل تلتذ بالرب لولا علمك بأنه أمين ومدين لك بوعده؟

المتكبرون ، بالسعادة الحاضرة يفرحون ، وبالمراتب التي نالوها ، يفاخرون وبالذهب البراق يزهون وبالخدام العديدين يحُاطون ، والعملاء المخلصون حولهم يلتفون: ولكن هذه كلها مظاهر كالظل تمر.

وحين يتم الوقت الذي به يفرح جميع الذين وضعوا رجائهم على الرب يلفّهم آنذاك حزن لا ينقضي.

وإذ ينال المتواضعون الجزاء الذي كان يسخرُ منه المتكبرون تنقلب غطرستُهم ويدوّي ذلك الصوت الذي عرفته في كتاب الحكمة قائلاً:

{هذا الذي كنا حيناً نتخذه سخريةًّ ومثلاً للعار كيف أصبح معدوداً في بني الله وحظهُ مع القديسين . فماذا نفعتنا الكبرياء وماذا أفادنا افتخارنا بالأموال؟ قد مضي ذلك كله كالظل"..حكمة8،3:5"}.

هم توكلوا على الخيور الباطلة ففسد رجاؤهم ، بخلاف رجائك ، فإنه سوف يتحقق.

اتَّق الرب وسرْ في سبيله ولا تغرْ ممًّن لا يسيرون في سبله فتراهم سعداء ، ولا سعادة لهم ، بيننا الشهداء سعداء في عذابهم.

جلادوهم كانوا يحبون ما يرون ، أما هم فكانوا يسرعون إلي الخير الذي لا يرون وكلّما تأخر الموت عنهم اعتبروا تأخره خيبة أمل لهم.

وهذه هي حالك : لك الآن أن تتعب ، لك أن تجني الثمر التعب عينه مقرون بالفرح القائم على الرجاء.

الآن تأكل خبز الألم ، ولولا بعض اللذة فيه لما أكله إنسان: وأية لذة يجد في البكاء إنسان يصلي ؟ إنًّ دموع المصلين لأعذب من أفراح رواد المسارح . أشكُ همّك إلي الله وصعدّ زفراتك إليه ، بانتظار مشاهدته شوقاً إليه ، حينذاك تحلو دموعك المنبعثة مع أشواقك .

 وسوف يأتي إلهك ويمسح دموعك ويكون لك خبز الدموع فتسمن إلي الأبد.

أنت تعمل الآن ما يرجُى منه ثمر ؛ ثم تذوق ثمرة شغلك . ومع أنك تأكل أتعاب أعمالك . فأنت سعيد وكم تكون سعيداً أوان القطاف ؟! إن كان للرجاء هذا القدر من العذوبة ، فما أعذب الحقيقة؟!

عواطف وصلوات.

ربّ ، تبارك وجودك عن كل ما أعطيتني من خير وعما لم تعطني . هذا الخير أنا أعتبره ديناً لي عليك . أنت مدين لي ، لا لأنك أخذت منى شيئاً بل لأنه قد حسن لديك فأغدقت على الوعود ، وفي الواقع فأنا أقول لإنسان عكس ما أقول لك : لي عليك ما أعطيتك ، هو مني أعطيكه مقابل شيء ما وليس بالمجًّان.

أما حين أقول : لي عليك وعد، فاني أطالب بما لم أعط . صلاح الواعد يعطي مخافة إن تنقلب الثقة خبثا لان من يخدع شرير. ولكن، هل أقول لك: رد لي ما أعطيتك؟ وماذا استطعت إن أعطيك، إن الذي أخذت منك كياني كله وكل ما في من صلاح؟ أنا لم أعطك شيئا. أني لا أطالبك كمن له دين علي أخر إنما أقول: اعطني ما وعدتني به بعد أن عملت بحسب آمرك، اجل، وقد قمت بعملك لان الله ساعدك. ارني رحمتك يارب، وما أسعدني أن أظهرت لي رحمتك! فلا استكبر أنا بل اقنع بان كل ما لي من خير هو هبة من جودك. وحين أري أن كل ما لي ليس هو مني، أدرك آنذاك أن كل ما يستحق الثناء في، هو رحمة منك ولا فضل لي فيه. وحين أري هذه الحقائق الواضحة لن استكبر ولن اشمخ. وان لم اشمخ أنجو من خطر السقوط، فاثبت واستمسك بك واخلص لك ثم افرح بك واغتبط يا ربي والهي. يا خالقي، أنت سعادتي التي لن يفسدها احد علي، ولن ينتزعها احد مني. ارني رحمتك وهبني خلاصك: اعطني مسيحك الذي فيه رحمتك. لقد تجددت بنعمة تبني أولادك لكي أصبح لك ابنا. وحقا أني ابن لك بالإيمان والرجاء لا في الواقع. لقد خلصت بواسطة الرجاء، أه ما أسعدني! فمن ينتزع مني غبطتي؟

الفصل الحادي العشر : في الغرور.

صوت المسيح:

أن سرت في الطريق المستقيم فلا تنسبه لنفسك مخافة أن تحيد عنه. ولذلك فاني أعلمك التواضع من الكتاب قائلا: ( اعمل لخلاصك بخوف ورعدة) فليبي 2: 13. وبما أني قلت: (اعمل) فلا تستنتج من خلال ذلك انك تقدر أن تعمل من نفسك بل أكمل حيث يقول: ( أنا هو) (أي الله) الذي اعمل فيكم الإرادة والعمل علي حسب مرضاته، أنا أنا الذي اعمل فيك... فيلبي 2 :13.             

اقبل العبث بخوف ورعدة الوديان العميقة تمتلئ والمرتفعات تجف. الغيث نعمة. ولم تعجب مني أنا الذي أقاوم المتكبرين وأعطي المتواضعين نعمتي؟( لا تستكبر بل خف): رومية 2:11، خف لكي تمتلئ، ولا تستكبر لئلا تجف. الزهو بالقدرة الشخصية اضعف الكثيرين، لا يقوي احد بي إلا إذا اعترف بضعفه. لست انظر إلي ما تستحق بل إلي نعمتي ورحمتي انظر.  

إذا ضعفت عضدتك وان اعترفت بضعفك قويتك. 

لا تغتر بنفسك مخافة أن تفقد بغرورك ما اكتسبته بضعفك.

كثيرون اغتروا بنفوسهم وقواهم فوقعوا في اليأس.

وكثيرون تركوا ما لهم وتبعوني فوعدوا نفوسهم بالجلوس معي للحكم ، بيد إنهم يعتدون بنفوسهم وعندهم شيء من التيه والعجرفة لا يعرفه أحد سواي .

لا تعتمد على قواك لأن ما تظنه لك باطل . إن أردت أن تعتمد على قواك سقطت.

تأملّ بطرس : اغتر في البدء بنفسه واعتمد عليها فسقط في الجبن والكفر وأكدّ لي بأنه مستعد أن يموت عني ، يوم كان على أن أموت عنه فقلت له(أأنت تبذل نفسك عني؟) أتظن نفسك قادراً على أن تسبقني وأنت عاجز عن السير ورائي ؟ ولمَ تدعيّ لنفسك هذه القدرة؟

ما هو رأيك بنفسك؟ ومن أنت؟ الحق الحق أقول لك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات"يو38:13". كان بطرس يحسّ بما في قلبه من رغبات ، أما قواه فما كان ليدرك حقيقتها . كان يفتخر مريضاً بعزمه ، أما أنا طبيبه فكنت أنظر إلي ضعفه ، وهو يعد وأنا أدرك ما سيكون من وعوده.

وهو يؤكد ما يجهل وأنا أدرك ما سوف يصير وابئه عنه . ولم يحدث ما توقعه المريض بل تمّ ما أنبأه عنه الطبيب.

وقالت الخادمة البوابة لبطرس:(أما أنت من تلاميذ هذا الرجل؟ فقال ما أنا منهم"يوحنا17:18").

وهوذا أقوي عمود يرتجّ بأسره لأول هبًّة ريح.

أين ذلك الوعد الجريء وتلك الثقة بالنفس ؟ كم من شيوخ وشبان من الجنسين قد عملوا فيما بعد ما لم يستطعه بطرس ، وليّ مفاتيح الملكوت!

إن الذي أغتر بنفسه فأكد لي بأنه يموت عني أنكرني ثلاثاً ، أنا حياته . هكذا تنكشف ذاتك يا من تتكلم بتأكيد إن كنت جاهلاً عجزك .

لا تغتر بنفسك بل ضع رجاءك كله فيّ ، لأن قواك بأسرها فيّ ، يا من انتصرت بي ، لا بغرورك.

إن إعترفت الآن بضعفك فأفزع من الحدأة إلي جناحي أمك ، فرخاً ضعيفاً.

الحداء قوات جوية ، وهي إبليس وملائكته الذين يريدون أن يخطفوك أيها الضعيف.

أفزع إلي جناحي أمك الحكمة ، فأنا الحكمة اللامخلوقة صرت ضعيفاً من أجلك . وكما أن الدجاجة تستضعف نفسها مع فراخها لتحضنها تحت جناحيها هكذا فإني وإن كنت ذا طبيعة إلهية فلم اعتد مساواتي لله اختلاساً لأصير صغيراً معك أحميك تحت جناحيّ ، فأخليت ذاتي آخذاً صورة عبد صائراً في شبه البشر وموجوداً كبشر في الهيئة:(فيلبي6:2).

عواطف وصلوات.

)برضاك ، ربّ ، رسخت جبل عزتّي ثم حجبت وجهك فصرت مرتاعاً"مزمور8:29.( أريتني بأن كل غناي منك ، وأريتني مصدر الرغبات الصالحة ولمن يجب أن  . أعزوا ما أحصل عليه ، ولمن أشكر ، والينبوع الذي يلزمني وروده ريّان ، فامتلئ ، والمكان الذي يضمن لخصبي البقاء. سوف توجهني أيها المحسن إليّ فلا أخسر شيئاً مما أعطيتني ، لألانك أنت تحفظه لي . سوف أحافظ على قوتي بقربك ، ولكي تجعلني أدرك هذا الأمر حجبت  وجهك عني فصرت مرتاعاً .

لقد كنت مرتاعاً فيبست ويبست لأني ارتفعت . علىّ أن أعترف بما أنا فيه من اليبوسة والجفاف لكي أمتلئ من جديد : نفسي أمامك أرض قاحلة.

صرخت فاستمع لي : إليك أوجهّ صلاتي بإرادة حرة ثابتة فلا تتخل عن حقارتي أيها العطوف.

أحفظني كحدقة العين وفي ظل جناحيك أسترني وداخل سور محبتك ورحمتك أحمني.

أجعل رجائي دائماً فيك : إن كنت في ظلك تواضعت وكان رجائي دوماً فيك. ولن أغتر البته بقواي  أسكرني من خصب بيتك وأروني من نهر ملذاتك فأشرب ولا أرتوي من ذاتي لأن ليس فيّ ينبوع بل فيك ينبوع الحياة.

الجبال لا ترتوي ولا تستنير بذاتها . بنورك أري النور ولو أردت أن أكون نوراً لنفسي لخسرت النور الذي ينيرني . وبما أني أعرف أنه لا يسقط ألا من أراد أن يكون لنفسه نوراً برغم أنه ظلمة بظلمة ، سألتك أن تبعد الكبرياء عني كيلا تهزنيّ أيدي الخطاة.

الفصل الثاني عشر : في الحذر من الغرور واليأس.

 يا من يتأرجح بين ضعف يعترف به وغرور به يزهو ، غالباً ما تصاب بجراح من هنا وهناك . وسوف تسقط في هوة ، أيا كانت الجهة التي تقع فيها ، إن بقيت متبعاً هذا النهج.

إن فكرة الضعف تؤثر عليك فتقول عليك أن الله الرحيم يغفر ، للخطاة المدمنين. خطاياهم أياً كانت شرط أن يؤمنوا بالله مخلصاً وغفوراً ، إذا لا يجوز في النهاية لأي مؤمن ، وإن خاطئاً ، أن يهلك أجل إن كان هذا رأيك فسوف تسقط بسببه.

وأما أن تجاسرت وزهوتَ مغترًا بنفسك ومتوكلاً على قوتك وبرك وصممت على ممارسة الخير متمماً مراسيم الشريعة بحذافيرها واعتقدت أن حياتك بيدك وأنك في عصمة من الزلل والسقوط بفضل إرادتك القوية .

وأتيت ما يراه الناس صلاحاً ولم يجدوا في حياتك ما يستحق اللوم فإن الله يشجب فيك هذا الغرور وتلك الغطرسة.  وماذا يحدث لو بررت نفسك بنفسك وكنت ببرك مغروراً ؟ سوف تسقط . ولكن إذا نظرت إلي ضعفك وتأملته ؛ وتوكلت على رحمة الله ثم أهملت تنقية حياتك من الإثم وثابرت على الغوص في لجًّة الفوضى سقطت أيضاً.

إن اعتماد الخطاة على برهّم ، هو بمثابة اليد اليمني لهم ، وعدم معاقبتهم هي بمثابة اليد اليسرى .

أصغ إلي صوت الرب {لا تمل يمنة ولا يسرة "أمثال27:4"}. لا تعتمد في ملكك على برك ولا في خطئيتك على رحمة الله.

وصية الرب تصدّك عن أمرين: عن الارتفاع وعن الانخفاض . إن ارتفعت عالياً هبطت إلي أسفل وإن سقطت في اللجة ابتلعتك.  

احفظ جيداً في قلبك ما أردده عليك من جديد : لا تعتمد على برك لتملك ولا على رحمة الله لتخطأ.

إن رأيت ذاتك منحرفاً عن الطريق فعد إليه وإن كنت عليه فسر حتى تصل . احذر الكبرياء خارجاً عن الطريق واحذر الكسل عليه.

أصلح إيمانك ووجهه ثم قومّ سيرك : إن كانت لك ساقان قويتان فسر مطمئناً وأركض لأنك على الطريق تسير . وكلما ازددت سرعة كلما وصلت بسهولة.

وقد تتعثر أحياناً في سيرك ، إنما لا تمل عن الطريق ، وول تأخرت في الوصول ، فسوف تصل ، لا تلتفت إلي الوراء ولا تمل.

سوف تكون سعيداً ، لا لأن الله لن يجد فيك خطيئة : الكل خطأه قدامه ، لا لأنا جميعاً قد خطئنا وفاتنا مجده ؛ بل سوف تكون سعيداً إذا غفر الله خطاياك . النعمة جزاؤك . وإن كانت النعمة جزاء لك فهي هبة تعطي وتبقي مجاناً.

أنت لم تأت صلاحاً ؛ ومع ذلك فقد غُفرت لك خطاياك وأجريَ الفحص على أعمالك فوجدت كلها سيئة ، ولو أن الله أعطاك ما استحقتْ أعمالك لشجبك حتماً . وعقاب الخطيئة الموت.

أما الله فلم ينزل بك عقاباً استحققته بل أعطاك ما لم تستحق أعمالك. كان له أن ينتقم منك فإذا به يسامحك . وبفضل غفرانه هذا تبدأ تكون مؤمناً ، وهوذا الإيمان الذي سما بواسطة الرجاء والمحبة قد راح يعمل صلاحاً ، ولكن لا تفتخر ولا تتشامخ.

تذكرّ من أين أخذك ووضعك على الطريق المستقيم ، وأذكر ما كنت عليه من الضلال برغم خطي لك سليمة وسريعة : وأذكر انك لو مرضت وارتميت على الطريق شبه ميت لنقلت على ظهر فرس إلي الفندق.

إن شئت أن تكون للنعمة عدواً فافتخر بأفضالك وإن عدت إلي الله مبتعداً عن طريق السوء فثق بأنه يغفر لك خطاياك الماضية وإن دفعت كل ما يترتب عليك من ديون فسوف يفتح لك حساباً جديداً.

خطاياك كلها سوف تغفر لك ؛ ولا تتصور بأنه قد تبقي عليك خطيئة لا يشملها غفران لتكون مصدر قلق بالنسبة إليك ؛ وحذار من أن تطمئن إلي الشر فتستمر في الخطيئة . شيئان يقتلان النفس : اليأس والأمل الفاسد ، وفي الواقع ، كما أن الرجاء الصحيح ينجيّ فالفاسد منه يخدع. هناك أناس يفكرون بآثام صنعوها فيعتقدون بأن غفرانها مستحيل ؛ وإذ يعتقدون إنهم إلي الهلاك سائرون حتماً .

يهلكون يأساً ؛ قائلين في ضميرهم : {لم يعد لنا ادني أمل} لقد إرتكبنا خطايا فظيعة يستحيل علينا نيل الغفران عنها وبالتالي فلم لا نشبعُ رغباتنا؟ فلنشبع على الأقل رغبة حاضرة طال ما أن أجر المستقبل محظور علينا . فلنصنع ما طاب لنا ، وأن حراماً حتى تحصل على عذوبة زمنية طال ما أنت لن تستحق الأبدية: هؤلاء يهلكون يأساً.

وهنالك أناس يفكرون تفكيراً مختلفاً تماماً دون أن يكون أقل خطراً حين يقولون في ضميرهم : إذا رجعنا يوماً عن طريق الإثم فالله الرحيم ينسى خطايانا كلها.

ولمَ يتوب أحدنا اليوم وليس غداً؟ فلينقض اليوم الحاضر كالأمس الغابر متشبعاً من اللذة الأثيمة في لجة المخجلات والتمتع الميت.

غداً أتوب يقول لك يا من تهلك بسبب غرورك{لا تؤخر التوبة إلي الرب ولا تتباطأ من يوم إلي يوم فإن غضب الرب ينزل بغتة ويستأصل في يوم الانتقام"يشوع بن سيراخ8:5-9"}.

ولكن ماذا يقول لك أنت يا من وجدت في خطر اليأس ...){والمنافق إذا تاب جميع معاصيه التي صنعها لا تذكر له؟} حزقيال21:18" لقد أراك ميناء الغفران وترك يوم الموت مجهولاً لمن هم في خطر بسبب غرورهم يعللون النفس بأن يستمرَّ التأخير.

يومك الأخير تجهله وتنكر الجميل لأن لك اليوم الحاضر لتصلح نفسك . حذار من المستقبل إن كنت إلي الماضي مطمئناً : احفظ رسوم الرب لتجد ما يعدك به . لا تتأخر من يوم إلي يوم ولا تغلق باباً مفتوحاً بوجهك.

هوذا ما نح الغفران يفتح لك الباب ، فلمَ تتباطأ في الوصول؟ أفرح حين تقرع فيفتح لك . أنت لم تقرع الباب ومع ذلك فقد فتح لك وبقيت خارجاً ؟ ولمَ التردد؟؟ إن من أشفق عليك يوم كنت خاطئاً لن يتخلى عنك يوم تصبح ورعاً.

والذي وهب الخاطئ موت ابنه يحتفظ بكل شيء لمن يخلص بموت ابنه ، أطمئن وتمسك بالمدين لك يا من آمنت بوعوده.

عواطف وصلوات.

ربّ أني لفي خطر من اثنين : من الرجاء الفاسد واليأس . وللأشياء المتناقضة عواطف متناقضة.

أرجو بغير حق فأنخدع حين أقول : أنت صالح ورحيم سوف أعمل ما يروقني ويطيب لي ، فأطلق العنان لشهواتي وأشبع ملذاتي . ولماذا؟ لأنك رحيم صالح ووديع.

وأنخدع في يأسي حين أفكر بأن لا شيء يبقي لي برغم أني تائب.

وأنخدع في يأسي حتى أظن أن الغفران مستحيل في توبتي فأقول في نفسي الصائرة حتماً إلي الهلاك. لقد حكم علىّ بالهلاك فلمَ لا أصنع ما أريد؟

ولكني أرفض خطيئة اليأس وأرفض خطيئة القبول برجاء فاسد: ويل لي من اليأس وويل لي من رجاء فاسد.

أمام هذين الخطرين وهذين الشرين تصمد رحمتك عوناً لي ويدعوني من جديد إلي الرجاء صوتُك قائلاً: ليست مرضاتي بموت المنافق لكن بتوبة المنافق عن طريقه فيحيا "حزقيال11:33". وأعود إلي الرجاء ولكني أخشى فخاً آخر ؛ أخاف إن ازداد خطأ من جزاء هذا الجزاء الفاسد لأن خبثي يوسوس إليّ قائلاً: حين تتوب إلي الله يغفر لك كل شيء فأصنع الآن ما تشاء.

وإذا بي أسمعك الآن تقول لي ، لا تؤخر توبتك إلي الرب ولا تتباطأ من يوم إلي يوم فإن غضبي ينزل بغتةً ويستأصل في يوم الانتقام.

إني لا أقول : غداً أتوب وغداً أرضيك فتغفر لي كل ما أتيته بالأمس واليوم ، قلت أنك وعدت توبتي بالغفران ولكنك لم تعد إهمالي بالغد.

أيها الصالح سأتوب إليك وستغفر لي خطاياي وستكون لي الجزاء الذي يرجوه كل من تبرر من إثمه.

أيها الرب إلهي ، أملْ إلي وارنيه ، فأخلص.

الفصل الثالث عشر: في مديح المحبة.

أنا لا أدري إن كانت الدعوة إلي المحبة أفضل من القول (الله محبه "1يو16:4") أنه لمديح وجيز وعظيم: وجيزُّ لفظاً وعظيمُّ معنى.

وما أسرع هذا الكلام : الله محبة ! وما أوجزه ، فإن أحصيته وجدته كلمة واحده وإن زنته فكم يكون؟

(الله محبة ومن يثبت في المحبة يثبت في الله والله فيه "1يو16:4"}. ليكن بيت الله لك بيتاً ، وكن أنت بيت الله ، أثبت في الله يثبت الله فيك.

الله يثبت فيك ليضبطك ، وأنت في الله لئلا تسقط . لقد قال الرسول في الحبة عينها(المحبة لا تسقط أبداً "1كور8:13".)

وكيف يسقط من كان الله به ممسكاً ؟ الرسول يوصي بأمور ثلاثة حين يقول :(والذي يثبت الآن هو الإيمان والرجاء والمحبة ، هذه الثلاث ، وأعظمهن المحبة "1كور:13:13").

إن كانت الوصيتان مع المحبة ؛ فالمحبة أعظمهن وإن لم تكن وحيده ومن يستطيع أن يحصيها أو يميزها؟ أنظُر إلي كلام الرسول :(المحبة هي الناموس بتمامه)روميه10:13".

متى وجدت المحبة ، فماذا ينقص ؟ ومتى انتقت المحبة فماذا ينفع؟ فالمحبة التي بها تحب الله والقريب تنطوي بتأكيد على كلام الله السامي والشامل: المعلم السماوي يعلّمك دون سواه قائلاً:{أحب الرب إلهك من كل نفسك ومن كل عقلك وأحب قريبك كنفسك) بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء:متى41،37:22".

وإذا لم تستطع مطالعة الكتب المقدسة وكشف حُجُب كلام الله وإدراك أسرار كتبه ، فعليك بالمحبة حيث تجد كل شيء . وعلى هذا النحو تحتفظ ما تعلمت من الكتب وما تتعلمه منها.

إن عرفتَ المحَّبة تعلًّمتَ بواسطتها ما كنت تجهله . المحبةُ تكشف لك ما يمكنك أن تفهمه من الكتب وتخفي عنك ما لست أهلاً لفهمه في الوقت الحاضر.

إن رعيت المحبة في سلوكك الخلُقي حفظت ما غمُض عليك من كلام الله وما أتَّضح.

ولذلك ، ارتبط بالمحبة بهذا الرباط الفكري السليم والخلاصي الذي به يصبح الفقير غنياً و بدونه يعود الغني فقيراً : المحبة تصير في الشدة وتتَّسم بالاعتدال في الازدهار ، بها ينشط الإنسان ضد أمياله ، ويفرح بصلاح أعماله ويصمد بوجه التجربة ، ويسخو في ضيافته . المحبة تتغبط كثيراً بين الأخوة الحقيقيين وتتصلح بالصبر الطويل أمام من يريدون أن يخدعوها .

المحبة  قبول في ذبيحة هابيل واطمئنان في نوح أثناء الطوفان وإخلاص تام لإبراهيم في أسفاره وعذوبة لموسى في تجاديفة ورحمة واسعة لداود الغارق في تجاربه.

وللأطفال الثلاثة الذين لفحتهم النار بلهيبها ، رجاءُّ بري وللمكابيين صبر على النيران القاسية وشجاعة ، ولسوسنَّة طهارةُّ أمام الرجل ، ولمريم طهرُّ بمعزل عن الرجل ، إنها حرية لبولس في الاتهام ووداعة لبطرس في الطاعة وإنسانية في المسيحيين للاعتراف ؛ ولاهوت في المسيح للغفران.

ولكن ، أي كلام أعظم وأغني ممَّا جاء على لسان الرسول في المحبة حيث أظهر الرسول الطريق التي تفوق سواها؟

 (لو كنت أنطق بألسنة الناس والملائكة ولم تكن فيَّ المحبة فإنما أنا نحاس يطن أو صنج يرن وول كانت لي النبوة وكنت أعلم جميع الأسرار والعلم كله ولو كان لي الإيمان كله حتى أنقل الجبال ولم تكن فيَّ المحبة فلست بشيء ولو بذلت جميع أموالي لإطعام المساكين وأسلمت جسدي ليحرق ولم تكن في المحبة فلا أنتفع شيئاً .

المحبة :ـ المحبة تتأني وترفق . المحبة لا تحسد ولا تتباهي ولا تنتفخ ولا تأتي قباحة ولا تلتمس ما هو لها ولا تحتد ولا تظن السوء ولا تفرح بالحق وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء .

 المحبة لا تسقط أبداً . أما النبوءات فستبطل و الألسنة تزول والعلم يبطل{1كور8:13}.

وكم هي ضرورية للجميع؟

 إنها للأدب روح ، وللنبوءة قوة ، وللأسرار فاعلية ، وللعلم أساس وللإيمان ثمره ، وللفقراء غني ، وللمائتين حياة.

وهل أكرم من الموت عن الكفرة؟ وهل من صلاح أعظم من محبة الإنسان لأعدائه ؟ هي وحدها لا تحزن لسعادة الآخرين لأنها لا تحسد أحداً.

وهي وحدها لا تفتخر بسعادة حصلتُ عليها لأنها لا تستكبر ، وهي وحدها لا تعرف عذاب الضمير الشرير لأنها لا تأتي شراً.

إنها في الحزن سلام ، وفي البغضاء إحسان في الغضب سكينة ، وفي المكائد براءة ، في الإثم انسحاق قلب وفي الحق نشوة فرح.

وهل أقوي منها على الثأر بل على الظلامات.

وهل أوفي منها ، لا للأنانية ، بل للأبدية؟

إذا كانت المحبة تحتمل كل شيء في الحياة الحاضرة فلأنها تؤمن بكل ما في الأخرى ، وإذا كانت تحتمل كل شيء ها هنا فلأنها ترجو ما وعدت به في السماء.

أرع المحبة وتأمل فيها بقداسة تجن منها ثمار البر . حقاً إنها لا تسقط أبداً . وأعمل إذاً على أن يتجلَّى في سلوكك الخلقي أغني ما تجده في مدائح المحبة لأنه يحسن بأن يكون كلام الشيخ وقوراً ووجيزاً.

الفصل الرابع عشر: في أن المحبة تجعل نير المسيح عذباً.

صوت المسيح

(إن أردت أن تتبعني فكفر بنفسك وأحمل صليبك وأتبعني )"متى24:16

 )أحمل نيري عليك لآن نيري طيب وحملي خفيف"متى29:11".(  حين أقول لك بأن تكفر بنفسك إذا أردت أن تتبعني ، فهل تجد وصيتي هذه قاسية وثقيلة ؟ ليست قاسية عليك ولا ثقيلة لأني أنا بعونك.

المحبة تخفف من قسوة الوصية . لقد عرفت مدي فاعلية المحبة: كم من صعاب واجهت وكم من مشقات تحملت لتصل إلي ما أحبت.

غالباً ما يكون الحب عينه قابلاً للذم ، كم يشقي الناس في سبيله ولا يشعرون ؛ وكلما تكاثرت العقبات أمامهم كلما جدُّوا في طلبة.

كم من مخاوف يقاسى البخلاء؟ وكم من هموم تعذب الطمَّاعين؟ وكم من متاعب يرضاها الفجَّار إشباعاً لشهواتهم؟

وعليه ، بما أن هؤلاء جميعاً يكونون ما يحبون ، وبما أن همّ الإنسان الوحيد يقتصر على اختيار موضوع حبه في هذه الحياة . فلماذا تعجب من الكفر بنفسك حباً بي إن كنت حقاً تحبَّني وتريد أن تتبعني؟؟

إن هلكت في حبك وجدت نفسك في الكفر بنفسك.

هلك الإنسان للمرة الأولى بسبب أنانيته ولو لم يفضل ذاته علىّ لآثر الطاعة لي على التمردّ علىّ ، إتماماً لإرادته.

ومن أحب نفسه أتمّ إرادتها . قدمّ إرادتي على تلك الأمور كلها وتعلّم أن تحب نفسك بأن تبغضها.

    صوت النفس.

أنا أعلم يا ربّ بأنك لا تستطيع أن تخدعني ؛ بيد أني وأنا أتأمل بأولئك الذي يحملون نيرك القاسي على رقابهم المرتعدة ويقبلونه فوق مناكبهم الطيّعة ، أراهم جد مضطربين يواجهون صعوبات هذا العالم ، وكأني بهم يدعون إلي العمل بدلاً من الراحة.

ولقد قال لي الرسول سابقاً:(وجميع الذين يريدون أن يحيوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون"2تيمو13:3").

وكيف تقول : تعال إليّ أيها التعب والثقيل الحمل وأنا أريحك؟

ولمَ لا تقول بالأحرى تعالَ أيها البطّال وأعمل؟

لقد وجدتَ بطّالين فأخذتهم إلي كرمك ليتحملوا حرّ النهار.

صوت المسيح

يتحمل القديسون شتي المشقات والعذبات: لكن الروح القدس ينقيّ فيهم شيئاً فشيئاً إنسانهم الباطني من فساد الإنسان الخارجي ؛ وإذ يذوقون الراحة الروحية في وفرة ملذاتي راجين السعادة العتيدة يستعذبون الضيقات الحاضرة ويستخفون الأثقال التي يحملونها.

لقد استخفوا الضيقات والتهديدات التي لا أقسى منها ، حين نظروا إليها بعين الإيمان الباطنية وقدروا تفاهة الزمنيات أمام الحياة الأبدية ، وتجنبوا العقبات اللامتناهية المحفوظة لكفرة ، وتمتعوا مطمئنين بسعادة الأبرار الخالدة.

ويتحمل الناس البتر والحرق ، لا لكي يتجنبوا آلاماً أبدية بل لكي يقصّروا قليلاً مدي جرح ما ولا يكترثون لأشد العذبات حدة.

كم يجابه التجار من زوابع وعواصف! وكم يواجهون من بحور هائجة وأجواء مضطربة كسباً لثروات باطلة سرعان ما تعرضّهم لمخاطر أخري فور الحصول عليها!

أي حرّ وقرّ وأية أسفار وأخطار بين الحيوانات المفترسة يتحملها الصيادون سعياً وراء فريسة يصطادونها.

وكم يقاسى الأطفال في سنيهم الأولى من آلام وعذابات؟

وكم يحُيون من سهرات في مدارسهم ويُقاسون من حرمان ، لا لكي يتلقنوا الحكمة ، بل لكي يتمكنوا من تحصيل الثروات وإحراز النجاح الباطل ، بعد اضطلاعهم بأصول الحساب وتمرسهم بالكلام الزائف.

جميع الناس يتحمَّلون الأتعاب عينها بيد أنها تبدو ثقيلة على من لا يحبون ، وخفيفة على من يحبون. الحب  يجعل الآلام والأخطار سهلة القبول أو بالأحرى يصّيرها كلا شيء.

بأية ثقة وسهوله تكون المحبة سعادة حقه للذين أوصلتهم الشهرة إلي الشقاء! سرعان ما يقبل المرء ضيقاً زمنياً ، تجنباً لعذاب أبدي ، ونبلاً لراحة أبدية.

لذلك أن نيري طيبّ وحملي خفيف ؛ أن اختار القليلون الطريق الضيّق ، فإنه سهل على من يحبون.

ها أني أبحث عن مناكب طيّعة حين أقول:(نيري طيّب وحملي خفيف). غيرُ حملي يشدّ عليك ويثقل أما حملي فلا يثقل عليك ، بل يرفعك ، للحمل الغريب ثقل ولحملي جناحان: إن أنت أمسكت العصفور بجناحيه نزعت عنه حملاً ، وكلما أمعنت في نزع هذا الحمل عنه كلما أبقيته لاصقاً بالأرض .

إن من أردت أن تساعده ، ملقي على الأرض ، لن يطير لأنك نزعت عنه حمله ، أمّا إذا استعاده فإنه يطير حالاً.

هكذا هو حمْلي: أحمله ولا تكن كسولاً ولا تنظر إلي من يرفضون حمله ؛ أحمله بطيبة خاطر ، ما أخفّه وأعذبه وأطيبه أنه يقتلع من الأرض ويرفع إلي السماء!

صوت النفس.

ربّ ، من يعطيني جناحين كجناحي الحمامة لأطير وأستريح؟ الجناحان هما وصيتا المحبة اللتان هما كل الناموس والأنبياء . الوصية الكائنة فيما هي حمل خفيف.

وإن كان الصعب في الوصية سهلاً على من يحب فزدني يا رب حباً ، إن خف حملك بمساعدة الروح القدس الذي به تفاض المحبة في قلوبنا(رومية5:5). فأعطينه لأعمل عن حب ما أعمله عن خوف . أحملُ بإرادتي نيرك وحملك ، وأحسّ الآن بأن لي مرشداً فأقول لك:(أرشد خطاي بحسب كلمتك) أكُدْنني تحت نيرك وحملك وأعطني أن احبك فيخف حملك ويطيب نيرك: سوف يكون نيرك طيباً على من يحب وقاسياً على من لا يحب.

الفصل الخامس عشر: في نظام المحبة.

يعيش في برُّ وقداسة من يقدر كل شيء حق قدره ، فينظم حبه كيلا يحب مالا يجوز ، ويحب ما يحب ، فلا يحب كثيراً ما يلزم أن يحب قليلاً ولا يحب على السواء من وجب له الحب قليلاً أو كثيراً.

للحب بداية ونمو واكتمال

تأمل أولاً الحقيقة التالية: كل حب أو ميل في الإنسان يعود للشخص عينه وتلك هي حال الشيء الخارجي ، موضوع الحب.

إن كنت تحب الذهب فأنت تحب أولاً نفسك وتحب الذهب حباً بنفسك لأنك إن متَّ فلن يبقي من يملك الذهب.

الحب في الإنسان يبدأ في النفس وبخلاف ذلك فهو مستحيل ؛ ولا حاجة لأن يُحث الإنسان على محبة نفسه.

باشر بأن تحبَّ  شيئاً ما: وسيكون أما أنت وأما ما هو أحط منك قدراً أو أسمي.

إن كنت تحب ما هو أحط منك فأحبة تمتعاً به وتفريجاً عنك ولا تحبه على سبيل الارتباط به.

أتحب الذهب؟ فلا ترتبط به: كم أنت أفضل منه!

الذهب تراب برَّاق ، أما أنت فمخلوق على صورة الله لتستنير بنوره. ومع أن الذهب من صنع الله فلم يصنعه على صورته بل صنعك أنت على صورته . وبالنتيجة ، بعد أن فضّلك على الذهب وجب عليك أن تحتقر الذهب. 

أتَّخذ تلك الأشياء للاستعمال دون سواها ولا ترتبط بها برباط الحب كما على دبق . لا تجعل لك أعضاء تعذّبك وتؤلمك حين تريد أن تبترها.

تنزَّه عن الحب الذي تحب به ما هو أدني منك ،وباشر بمحبة ما هو مساو لك ، أي ذاتك ، ولو شئت لقمتَ به سريعاً.

لقد بينّ لك الربُ عينه ، في الإنجيل ، وأظهر لك ، بوضوح ، نظاماً إن أتبعته حصلت على الحب الحقيقي والمحبة الصحيحة حين قال:

{أن تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك وأن تحب قريبك كنفسك"متى37:22").

عليك إذن أن تحب الله فنفسك ثمّ قريبك كنفسك ، لأنك إن لم تستطع أن تحب نفسك فكيف تحب حقاً قريبك؟

يظن الكثيرون بأنهم يحبون نفوسهم حباً شرعياً حين يسلبون الناس أموالهم ويسكرون ويتعَّبدون لشهواتهم ويحصّلون كسباً حراماً عن طريق النميمة والخداع . فعلي أولئك أن يصغوا إلي الكتاب المقدس القائل:(من الحب الجور أبغض نفسيه"مزمور6:10").  

إن أنت أحببت الجور أبغضت نفسك وما أحببتها ، فكيف تدّعي ، من ثمَّ ، حبّ الله والقريب!

وبالتالي إن شئت أن ترعي نظام المحبة الصحيحة فأصنع البرّ وكن رحيماً وأهرب من التطرّف وأبدأ عملاً بوصية الرب ، بالمحبة لأصدقائك ولأعدائك.

ومتى حاولت أن ترعاه من كل قلبك بإخلاص تمكنّت من الترقي في تلك الفضائل كمن يَرْقي على درج لتستحق أن تحبّ الله من كل قلبك ومن كل قوتك.

وبالنتيجة يبدو لي أن التحديد الموجز والصحيح للفضيلة هو: النظام في المحبة . ذاك ما تعلّمنا إياه الكنيسة نقلاً عن نشيد الأناشيد القائل:(نظّموا فيَّ المحبة)).

خذ القياس وأعط كل ذي حق حقه ، ولا تضع تحت ما هو فوق . أحبّ والديك إنما قدمّ الله على والديك في حبك.

تأمل في كلام أم المكابيين(يا بني لقد حبلت بكم وولدتكم إنما لم أستطع أن أكونّكم فاسمعوا الله وقدّموه علىّ ولا تتوانوا مخافة أن أبقي بدونكم) لقد أوصت فاتبّعوها.

تعليم الأم لبنيها هو عينة تعليم السيد المسيح إلي الشاب حين قال له:(أتبعني) تذكرَّ دائماً المحبة في وصيتها:(أحبّ إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل عقلك وأحب قريبك كنفسك)"متى37:22".

فكّر بهذا الكلام وتأمًّل به دوماً واحفظه وأعمل به وكمّله.

محبة الله هي الأولي بين الوصايا ومحبة القريب هي الأولي في نظام العمل.

إن الذي  أمرك بهذه المحبة في وصيتيها لم يوصك بمحبة القريب أولاً ثم بمحبة القريب أولاً ثم بمحبة الله ، بل بمحبة الله أوصاك ثم بمحبة القريب.

أمّا فلأنك لا تري الله تحب القريب الذي تراه لتؤهل لأن تحب الله  الذي لا تراه وإذ تحب قريبك تطهّر عينيك لتشاهد الله .

 وفقاً لما قاله يوحنا بوضح:(إن قال أحد أني أحب الله وهو مبغضُّ لأخيه فهو كاذب لأنَّ من لا يحب أخاه الذي يراه كيف يستطيع أن يحي الله الذي لا يراه"1يوحنا20:4").

أحببت قريبك وفكّر في ما يدفعك إليه تعرف إن كنت تحب الله.

ولكن لا يجوز أن تحب الخاطئ لكونه خاطئاً بل أن تحب الإنسان لكونه إنساناً حباً بالله ، أما الله فأحبّه حباً بذاته . وعليك أيضاً أن تحب الجميع على السواء ؛ ولكن بما أنك لا تستطيع أن تكون نافعاً للكل فمن الأفضل أن تهتمّ بمن ترتبط بهم ارتباطاً وثيقاً بحكم المكان والزمان وأسباب أخري مختلفة.

أقمْ درجات وأرق عليها ، وتقدَّم كل يوم في هذا الحب بالصلاة وعمل الخير حتى إذا ما أيدك ذاك الذي أوصاك بالمحبة ومنحك إياها ، غذاها فيك وأنماها حتى يكتمل عمله فيك.

بتلك المحبة أرضي الله آباؤنا القديسون وبطاركتنا وأنبياؤنا ورسلنا بفضلها جاهد الشهداء الحقيقيون ضد الشيطان فأراقوا دماءهم وانتصروا لأن المحبة لم تفتر قط فيهم ولا انقطعت.

بها يتقدم المؤمنون الصالحون كل يوم لأنهم لا يبتغون ملكوتاً زائلاً بل ملكوت السماوات يطلبون . ولا يرجون ميراثاً زمنياً بل أبدياً . ولا يتوقون إلي خيور عالمية بل إلي مشاهدة الله التي تفوق بطيبتها وعذوبتها كل وصف وتفكير.

ولكن حذار مما يظهر بمظهر الصلاح دون أن يكون له اصلُّ في المحبة.

للزهور أشواك: بعضها يبدو قاسياً ومهدداً ولكن سرعان ما يتحول تحت تأثير المحبة.

بكلمة واحدة أعطيت الوصية:(أحبَ وأعمل ما تشاء).

إن سكت فعن محبة أسكت وإن هتفت فعن محبة أهتف وإن اصلحت فعن محبة أصلح وإن رحمت فعن محبة أرحم وأجعل المحبة متأصلة فيك من الداخل لئلا يصدر عنك ما ليس خيراً. 

عواطف وصلوات.

اللهم أيها الدائم الأبدي أعطني أن أعرفك وأعرف نفسي ، علّمني ما يجب أن اعلّم وأحفظ . علّمني أن أعمل : علّمني أن اعمل مشيئتك . لأني إن أصغيت وحفظت في ذاكرتي ولم أعمل بموجب ما حفظت صرت كمن لم يتعلّم شيئاً.

أنظر إليَّ وأرحمني بحسب رأي من يحبون اسمك يا من سبقت فأحببتني. وإذا أحبك أحب نفسي ، لكي أحّبك وأحب القريب حباً خلاصياً كنفسي.

من كل قلبي ومن كل نفسي ومن كل عقلي أريد أن احبك وأحب القريب كنفسي.  ببرك أحبَّني وليس ببري ، أي أملأني من تلك المحبة التي أشتهيها.

 ساعدني فأعمل ما تأمرني به وقونيّ لكي أطيع.

ببرك أحييني لأني أحمل في ذاتي جرثومة موتي ولا أجد الحياة خارجاً عنك. أيها المسيح أنت بري يا من صرت لي من قبل الأب حكمة وبراً وقداسة وفداء.

وفيك أجد الوصايا التي أتوق إليها لكي أحيا فيك.

أنت هو كلمة الله الذي صار بشراً ليصير قريباً لي.

الفصل السادس عشر : في محبة الله.

المحبة كلمة عذبة وأعذب منها هو العمل بها.

لا يسعك التحدث عنها لكثرة أشغالك المتنوعة التي تتجاذبك من كل جهة وتمنعك عن الرجوع اليها في الحديث وان يكن موضوعها افضل المواضيع .

بيد انك تستطيع ان تحيا في من لا يسعك التحدث عنه .

اتسبّح الله دوماً في ترانيمك؟ إنك تسبّح الله طوال ساعة على الأكثر ثم تتفرغ إلي شيء أخر ولكن إن كنت لا تقدر أن تسبّح الله دوماً بكلامك فسبحّه بسلوكك الخلقي إن أعمال الرحمة والمحبة وقداسة النفوس وصفاء الطهارة واعتدال القناعة لأمور يجدر بك أن تتمرَّس بها.

وفي الواقع أنيّ كنت: في الخارج أم في بيتك ؛ أمام الناس أم في مخدعك أنطقت أم سكتت أعملت أم لم تعمل فمن الواجب عليك أن تمارس هذه الفضائل التي سّميتها لأنها باطنية.

رسّخ المحبة في قلبك: لكل محبة طاقتها التي تعمل في النفس حتماً فتسّيرها.

وكما ان الحب العاطل يضرم النفس ويدفعها إلي طلب الملذات الأرضية الفانية التي تؤدي بها إلي الهلاك فاللجة ؛ هكذا فإن الحب المقدس يسمو إلي الأعالي إلي ما هو خالد إلي ما لا يزول ويرفعها من أعماق الأرض إلي السماء.

أتريد أن تعرف نوع الحب الذي فيك؟ أنظر أين يقودُك . لستُ أحثّك على ألا تحب شيئاً إنما أحثُك على عدم التعلّق بالعالم لكي تظل حراً في حبك الله خالق العالم.

لقد أظهر محبته لك يوم كنت خاطئاً فمات لأجلك ، ومات البار عن الخاطئ.  حين أخذ الجسد أخذ ما فيك من قبح ، أخذ موتك ، لكي يساويك ويسالمك ويهيب بك إلي أن تحب الجمال الباطني.

لقد رأيته معلَّقاً على الصليب . لا منظر له ولا جمال . ترك منظره وجماله ليعطيكهما.

البهاء والجمل هما موضوع المحبة: عليك أن تعدُوا محباً وتحبّ عادياً. ها قد صرت جميلاً لكي يحبك الله . باختصار ، إن الله يقدّم لك ذاته فأحبه لكي تحصل عليه لأنك تستطيع أن تحبه إذا لم تحصل عليه. ولكن لست تري الله ، فأحبه لكي تراه.

لا تبحث ألا عن الله ، أطلبه وحده فيستجيبك وقبل أن تنهي حديثك سيقول لك: هاأنذا حاضر .     ماذا تريد؟ وماذا تطلب؟ لا تطلب سوي الله ، لأن كل ما يعطيكه هو دونه قدراً . خُذ الله واستمسك به.

ومع أنك لا تستطيع ، منذ الآن أن تحصل عليه بكليته فتقرّب إليه عن طريق الإيمان لتتحد به؛ إذ ذاك يريحك من أثقالك ويؤهلك لآن تكون بكليتك له فيتحول هذا المائت إلي ما لا يموت وتكون مساوياً لملائكته وتشاهد دائماً وجهه وتفر ح فرحاً لا يقدر أن ينتزعه منك أحد لأنك طلبته فأستجابك ومن ضيقاتك نجّاك.

إن أحببتَ الله فأحبّه مجاناً ؛ وإن أحببتَ الله حقاً فليكن لك الجزاء المنشود ، وإن وجدتَ أفضل منه فأطلبه.

أحبًّ الله من أجل الله وأحب نفسك فيه من اجله ، وإن أحببتَ الله أحببتَ نفسك حباً حقيقياً ؛ أمّا لأنه فيك وأمّا لكي يكون فيك.

ارتفع إلي الله بالحبة: كلما ذدت له حباً زدت معه ارتفاعاً . ولماذا تبحث عن الطريق؟ تعلَّق بمن نزل وصعد فجعل نفسه طريقاً . أتريد أن تصعد؟

الله ذاته طريق فتمسًّك به صعداً.

إن أردت أن تصعد مطمئناً فالله الذي تعبده يكون مكافأة لك أكيدة: وجزاؤك أن تراه كما هو ، وحسبك الله جزاءً.

وحسبك الله جزاءً أياً كان بخلك: في الواقع تستطيع بطمعك أن تحوز الأرض بأسرها ، وزدُ إليها السماء . لكن الذي صنع السماء والأرض هو أعظم منها.

أحب الله حباً ينسيك نفسك.

 ما أكثر يبحثون عن الله حباً بنجاح زمني! وما اقلّ الذين يطلبون حباً بيسوع!

سألتك الدرجة التي سلكتها في المحبة، مقياساً للتقدم الذي أحرزته . لو أنَّ الله جاء وتحدث إليك بصوته الشخصي قائلاً (أتريد أن تخطأ؟ أخطأ وأصنع ما طاب لك. ليكن لك فوق الأرض كل ما تبتغي وليضمحل من أمامك كل ما يزعجك .

وإن شئت فأسلب وأقتل وأشجب وأستعبد لك من تريده مُلْكاً ، فلا يقاومك أحد ولا يقول لك أحد: ماذا تفعل هنا؟ ولا يمنعك أحد عن شيء ولا يطالبك بشيء . ولتكن لك كل تلك الخيرات التي تشتهيها فلا تستمتع بها إلي زمن بل إلي الأبد . ومع ذلك فلن تري وجهي.

وإذا اضطربت لدي سماعك الكلام: لن تري وجهي وبكيت وانتحبتَ وقلت لله: بحقّك عرنّي من كل هذه الأمور ودعني أرً وجهك ، واحدةً سألتك وهي أن أقيم في بيتك حياتي كلها . أجل إن اضطربتَ لذلك كله فأنت تحب . وإن اضطرب قلبك لأنك لن تري وجه الله واعتبرته قصاصاً لك صارماً فأنت تحب مجاناً.

إن كان في قلبك شرر من ذلك الحب المجاني فغذّه وأنشد التواضع بالصلاة والتوبة المرة وحب البر والأعمال الصالحة وصادق الزفرات وخالص الأمانة التي تزيده اضطراماً . أنفخ فيه من الحب النزيه وغذّه حتى ينمو ويرسل لهيباً منبسطاً وأكولاً فيحرق تبن الشهوات اللحمية بأسرها.

عواطف وصلوات.

ربّ ، أنت تحثنّي على أن احبك . وهل يسعني أن أحبك قبل أن تحبني؟ إن توانيتُ عن محبتك . فلا تدعني أتأخر على أن أبادلك حباً بحب.

أنت سبقت فأحببتني ولم يكن حبي لك سبّاقاً.

لقد أحببت الخاطئ وحللته من الإثم وأحببت الخائن فيمّزقه عن الإثم وأحببت المريض فعدته لتشفيه وظهرت محبتك فيّ حين جئت إلي عالمنا هذا لأحيا أنا فيك.

أنا لا أريد أن أمجدك وأحبك وأعانقك وحدي إذ لولا حماسي واندفاعي في تمجيدك لما استطعت أن أمد يديّ  لإخوتي وأجلبهم إليك.

أجعلني أخجل من نفسي إن كنت أحبك غيرةً من الآخرين.

بحبي لك أشمل أهل بيتي وجميع الذين يرتبطون بي: وأسعى جاداً للسموّ ، بمن أقدر، عن طريق التشجيع والتوسل والمناقشة وتقديم البراهين ، بكل صبر ووداعة وأحمل الجميع في حبي حتى إذا مجدوك رفعنا إليك آيات الحمد.

وهل أعذب من هذه المحبة؟ أحبك فأحب ما هو خير لي ؛ وليس ما هو خير لك ؛ وإلاّ لكنت أسيء إلي نفسي وليس إليك.

وإن لم احبك فلن يعوز لاهوتك شيء: أنت نميتني ولست أنا أنميك ، ومع ذلك سبقت وأحببتني وجئت إلي العالم لتموت عني قبل أن أحبك وصرتَ واحداً مناّ ، يا من خلقتنا.

الفصل السابع عشر : في محبة الذات الصحيحة.

لا يسعك إلا أن تحب نفسك حباً خلاصياً إن كنت تحب الله أكثر من نفسك.

وكيف يحب الإنسان الله أكثر من نفسه؟

اسمع الكلام الذي كان يقبله الشهداء ويتلقفونه بشوق ويستسلمون إليه بكل نياط قلوبهم فيصبح جزءاً من كيانهم(من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه أجل فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني)"متى24:16".

وكيف يكفر بنفسه من يحبها؟أنه لسؤال معقول ولكن بنظر الناس يقول الإنسان للإنسان : كيف يكفر بنفسه منه يحبها؟ أمّا الله فيقول للإنسان : كل من يكفرُ بنفسه يحبها ومن يحب نفسه يهلكها ومن يكفر بنفسه يجدها(يو25:13). 

لقد أمَرَ من عرف كيف تأمر ويرشد ويثقّف ويجدّد ذاك الذي تنازل وخلق.

من المؤسف أن يخسر الإنسان ما يجب ، بيد أن الزارع يخسر ما يزرع فيخرج الحب ويبذره ويتخلّى عنه ويُطمر في التراب.

ولمَ تتعجب ؟ المبذَّر المحتقر يصبح حصاداً بخيلاً.

وينقضي الشتاء ويقبل الصيف ويكون لك من الزارع راية ومن الحصاد غبطتُه.

فمن أحبَّ نفسها فليهلكها ، وإن سألت نفسك ثمرة فأزرعها . ذاك ما تعنيه عبارة(أكفر نفسك) كي لا تخسرها أن أحببتها حباً مضاداً.

أطلب في الحب ما هو حق وأحذر ممَّا هو شر ، فإنك إن أحببت الإثم تخلَّيت عن الله وإن تخلَّيت عن الله حباً بنفسك تخليت عن الله وما ثبَّت في نفسك وخرجتَ من نفسك بعيداً جداً عن قلب ك باحتقار ك ما هو باطني وتعلّقك ما هو خارجي . أين أنت أيها المحب لنفسه؟ في الخارج.

هل أنت المال الذي تحب؟ أنت خلَّيت عن الله حباً بنفسك ، لقد تخلَّيت عن نفسك حباً بالمال تخلَّيت عن نفسك ثم هلكت هات ميزان الحق ودع ميزان الشهوة وضعْ نفسك في إحدى كفتيه وفي الأخرى المال وها أنت تزن بأصابع الغش التي للشهوة لكي ترجح كفّة المال.

توقف ولا تزن: أنت تريد أن تغش نفسك وأنا أري ما تفعل.

توقَّف وأترك الميزان لله: أنه لا يغش ولا يُغش.

هوذا الله يزن: أصغ إليه محذراً قائلاً(ماذا يفيدك لو ربحت العالم كله؟)(متى26:16).

أنه الصوت الإلهي صوت القاضي الذي لا يغش صوت من ينبّه ويحذّر كنتَ تضع المال في كفّة والنفس في كفّة أخرى فأنظر أين وضعت المال؟ وبما يجيب الوزان؟ لقد وضعت الله. وماذا ينفعك لو ربحت العالم كله وخسرت نفسك؟

أردت أن تزن نفسك بالمال فزنها مع العالم: وأردت أن تهلك كسباً للأرض بيد أن نفسك تزن أكثر من السماء والأرض.

أنت تتصرف بهذا الشكل لأنك حين تتخلّي عن الله حباً بنفسك تخرج من نفسك وتزداد اعتباراً لما هو خارجي.

عدْ إلي نفسك وتطلع من جديد إلي فوق حين تعود إلي نفسك فلا تمكث في نفسك.

عدْ أولاً إلي نفسك مما هو خارج عنها ثم سلمَ نفسك إلي خالقك الذي بحث عنك ضائعاً ووجدت ضالاً وردّك إليه كافراً به.

إذن عدْ إلي نفسك وكمّل سيرك إلي خالقك.

اقتد بذاك الابن الأصغر الشاطر ـ وقد تكون مثله ـ الذي انغمس في اللذة وافتقر في الملاهي وبذّر مواهبه ولمَّا أصبح فقيراً راح يرعى الخنازير وإذا تألم من هذه الحالة تذكرّ أصله فقال في نفسه(رجع إلى نفسه و قال كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز و أنا اهلك جوع أقوم و اذهب إلى أبي و أقول له يا أبي أخطأت إلى السماء و قدامك. و لست مستحقا بعد ان ادعى لك ابنا اجعلني كأحد أجراك"لوقا17:15).