الفهرس

الفهرس... 1

مُقدمة بقلم صاحِب النيافة الأنبا بنيامين. 5

تقديم. 7

كلمة شُكر. 8

حياة الكنيسة في عصور الاستشهاد. 9

بدايِة المُخاض : 9

عائِلة الله عبر التاريخ. 12

الاِضطهادات العشرة في العصر الروماني. 14

الاِضطهادات العشرة التي. 14

عبرت على الكنيسة. 15

الاِضطهاد الأول : 15

الاِضطهاد الثاني : 15

الاِضطهاد الثالِث : 16

الاِضطهاد الرابِع : 16

الاِضطهاد الخامِس : 17

الاِضطهاد السادِس : 18

الاِضطهاد السابِع : 18

الاِضطهاد الثامِن : 18

الاِضطهاد التاسِع : 19

الاِضطهاد العاشِر والأخير : 19

موقِف المسيحيين وسط العالم في أيام الاضطهاد. 22

عدم مُقاومة الشر : 22

الصلاة : 23

ازدهار الكِتابات اللاهوتية والروحية : 23

المحبة : 24

الارتباط السري بين الصلاة وقبول الآلام : 24

الاستعداد للآلام بفرح : 25

كيف أعدَّت الكنيسة أولادها 26

للاستشهاد ؟. 26

دور الكنيسة في الإعداد للاستشهاد : 27

ديمومِة الاستشهاد في. 34

المسيحية. 34

أسباب انتصار المسيحية : 34

سِر انتصار الإيمان المسيحي ( المحبة ) : 35

الأساس الكنسي السِّرِّي لديمومة الاستشهاد : 37

القِيَم الروحية للاستشهاد المسيحي : 37

أنواع شهادات كثيرة : 40

معمودية الدم : 40

الشهادة ذبيحة افخارستيا : 41

قوِّة الاستشهاد وامتداد الكرازة : 42

الشهادة كِتابياً 46

الشهادة في حقبة العهد الجديد. 46

أطفال بيت لحم الشُهداء : 46

مفهوم كلمة ” شاهِد “ : 46

كلمة ” شاهِد “ في كتابات القديس يوحنا الرَّائي : 48

القديس إستفانوس أول الشُّهداء : 48

الكرازة الإنجيلية والشهادة في بدايات المسيحية : 50

الشهادة في رسالِة بولس الرسول إلى العبرانيين : 50

الشهادة في سِفر الرؤيا : 51

الشهادة في المنظور الكنسي. 51

الاستشهاد سِر كنسي : 52

الشهادة في المبنى الكنسي : 54

الروح القدس والاستشهاد. 58

الشهادة في التاريخ الكنسي. 59

القبطي. 59

وثائِق تاريخية عن أعمال الشُّهداء. 62

وعصر الاستشهاد. 62

أنواع العذابات التي احتملها شُهداء الكنيسة : 62

نهايِة المُضطهدين : 64

الشهادة والاستشهاد. 65

في. 65

المفهوم الآبائي. 65

عِلْم المارتيرولوچي Martyrology : 65

سيكولوچية الشُّهداء. 80

صلوات الشُّهداء وأدعيتهُم لحظِة استشهادهُم. 81

من روائِع سِيَر الشُّهداء. 83

صلواتِهِم قبل استشهادهم. 83

القديس أغناطيوس الأنطاكي : 83

” أحد الآباء الرسوليين سنة 107م “. 84

الشهيد بوليكاربوس ( الكثير الثِمار ) : 84

” أسقف سمِيرنا ( 167م ) “. 84

شُهداء ليون عام 177م : 85

The Martyrs of Lyons. 85

الأسقف فيلكس الشهيد : 87

الأسقف إيريناوُس سيرميوم Sirmium : 88

شُهداء أبيتين Abitine ( شمال أفريقيا ) 304م : 88

كاربوس وبابيليوس وأچاثونيك : 89

لوسيان ومرقيان : 89

بيونيوس ومثرودوروس : 89

روجاتيان الموعوظ وأخوه دونتيان : 89

” استشهدا في مدينة Nantes. 90

الشهيد إيبولُّوس بصقليَّة ( 304م ) : 90

ثيئودوسيوس والعذارى السبع : 91

” استشهدوا بأنقرة سنة 302م “. 91

چينسيوس المُمثِّل سنة 285م : 91

بونيفان الطرسوسي ( 306م ) : 91

الشهيد برلعام : 92

” قيصرية الكبادوك ( القرن الرَّابِع ) “. 92

الشهيد نكفوروس : 92

” شهيد التسامُح من أنطاكية “. 92

الشهيدة تكلة رسولة الرُّسُل أُولى الشهيدات : 92

” مدينة أيقونية “. 92

الشهيدة أجنس Agnes : 94

” روما – أواخِر القرن الثالِث “. 94

الشُّهداء بابياس ورُفقاؤه : 95

” سنة 284م “. 95

الشهيد بابيلاس : 96

الشهيد بتروكليوس : 96

الشهيدة ببلياس : 96

” سنة 177م “. 96

الشهيد برصنوفيوس Barsenuphius : 97

الشهيدان بروتاسيوس وجرفاسيوس : 97

الشهيدة بربتوا Perpetua وفيليستاس Felicity : 97

” قرطاچنَّة 203م “. 97

الشهيد بسادة الأسقف : 99

الشهيد أبو فام الأُوسيمي : 99

الشهيد أبوانا من شبشير منوفية : 100

الشهيد سانكتوس ( الشهيد شماس ليون ) : 100

البابا ديسقوروس الأسكندري البطريرك ألـ 25 : 101

مارِبقطر الجُندي : 101

” الأسكندرية سنة 177م “. 101

الشهيد أباهور السرياقوسي : 101

الشهيد إسحق الدفراوي : 102

الكتِيبة الطيِبيَّة : 102

” الأقصر “. 102

شُهداء إسنا الأماجِد : 102

الأُم دولاجي وأولادها الأربعة : 103

تكريم الشُّهداء في الطقس القبطي. 104

عيد النيروز في المنهج الكنسي الليتورچي : 104

تطويب الشُّهداء : 105

رُتبة الشُّهداء : 106

مكانتهُم في العبادة الليتورچية القِبطية : 106

سلام الشُّهداء : 107

شفاعة الشُّهداء وصلواتهُم عنَّا : 108

تكريم أجساد الشُّهداء حسب التقليد الكنسي : 109

تِذكارات الشُّهداء وأعيادهُم : 111

شهادتنا نحن اليوم. 114

مجالات الشهادة الآن. 114

لكن ماذا بعد ؟ هل انتهى عصر الاضطهادات ، وبَطُلَت الشهادة ؟. 114

شهادتنا اليوم : 116

مراجِع البحث.. 118

المراجِع العامة. 124


بسم الله القوي

مُقدمة بقلم صاحِب النيافة الأنبا بنيامين

    شهية حقاً هي سِيَر الشهداء والشهيدات ...

    وهذه السِيَر تفوح منها رائِحة الطِيب غالي الثمن أي رائِحة الحب الذي في قلب كل من استُشهِد لأجل السيِّد المسيح ، هذه الرائِحة التي عطَّرت كل الكنيسة المُقدسة حتى صارت مُعطرة بالمُر واللُبان كما جاء في سِفر نشيد الأناشيد ...

    لقد قدَّم الشهداء والشهيدات دليل محبتهم الحقيقية للسيد المسيح ... فمن السهل أن يدَّعي أحد محبته لله ولكن قد لا يجد الدليل الذي يُقدِّمه ! أمَّا الشهداء فقد حملوا في أجسادِهِم علامات هذا الحُب الصادِق والأمين لمُخلِّصهم وفاديهم الذي اشتراهم بدمه الثمين ... لذلك نقول في خِتام الثؤطوكيات الواطُس في التسبحة :0

    يأتي الشهداء حاملين عذاباتهم ويأتي الصِّدِّيقون حاملين فضائِلهم ... يأتي ابن الله في مجده ومجد أبيه ويُجازي كل واحدٍ كأعمالهِ التي عملها ..

    حقاً سيأتون حاملين عذاباتِهِم دليل حُبَّهم للرب الذي سيُكافِئهُم بالمجد الدائِم والنعيم الحقيقي حيث التمتُّع بحضرتِهِ الإلهية في مجمع الملائِكة والقديسين إلى أبد الآبدين ...

    ولعلَّ البعض يتساءل كيف واجه الشهداء والشهيدات الموت بدون خوف بل بجرأة وفرخ بل وباشتياق وشغف .. ؟!!

    وللإجابة على هذا التساؤل كان هذا الكتاب الشيق المُتكامِل في تقديم صورة كاملة عن الشهادة للمسيح من خلال سجِل التاريخ الحافِل بالمواقِف الجديرة بالتسجيل التي سجلها آباؤنا وأُمهاتنا بدمائِهِم الذكية النقية النابضة بالحب للرب ...

    إذ ستجد أيها القارِئ العزيز في هذا الكتاب فكراً روحياً مُتكامِلاً يُحدِّثك عن تاريخ الاستشهاد في الكنيسة المُقدسة ووصفاً دقيقاً لفضائِل الشهداء والشهيدات والمعاني السامية التي وردت في أحاديث هؤلاء الشهداء والروح التي سادت في الكنيسة في عصور الاستشهاد الطويلة والتي تغنَّى بها كل القديسين وبالذات المشهورين منهم في أقوالِهِم الذهبية التي تُجسِّد بحق هذه الروح المُشتعلة حُباً بالعريس السماوي ...

    وإني إذ أفخر بهذا العمل المُبارك الذي تعب فيه مجموعة كبيرة من خُدام وخادمات الأسكندرية المُباركين تحت إشراف ومتابعة الابن المُبارك أنطون فهمي ... يسُرني أن أُقدِّمه لكم أيها الشعب المُحِب للكنيسة ولشهدائها لكي تنعموا بما شمله من سِيَر وأقوال وتاريخ وفضائِل وتعيشوا مشاعرهم المُلتهبة بحب الله وبحب الأبدية ... لتتنسموا عبير الحرية من قيود المادية التي يفرضها هذا العصر على الكثيرين ويتوه بسببها الكثيرون في برية هذا العالم ...

    الرب قادِر أن يعوض من تعبوا في ترجمِة وكتابِة ومراجعة هذه المادة الدسمة التي شملتها هذه الفصول البليغة والمُعبِّرة بصدق عن الشهادة الحقيقية للرب الفادي ...

                                                       مع رجاء الصلاة عني .......

    7 أغسطس 1990م                                          بنيامين

    1مسرى 1706ش                         أسقف المنوفية ونائِب قداسِة البابا بنعمة

    بِدء صوم السيِّدة العذراء                                 الله حَفَظَهُ الرب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تقديم

    الاستشهاد قصة المسيحية وشهوِة المسيحيين ، فشكراً لله أبينا السماوي الذي سمحت إرادته الصالحة الكاملة الطوبانية ، بهذه الدراسة الشيقة التي نتنسم فيها رائحة دماء شهداء الكنيسة البَرَرَة ، أرواح المُكملين ، الأبرار المكتوبين سحابِة الشهود .

    وقد اعتمدت في هذه الدراسة على مراجِع كثيرة ، بقصد التمتُّع الروحي ببركات وأمجاد أبطال الكنيسة من الشهداء والمُعترفين ، الذين سُجِّلت سِيَرِهِم بالدماء .

    ويتناول هذا البحث البنية العامة لعِلْم المارتيرولوچي ، من حيث حياة الكنيسة في عصور الاستشهاد ، وسلسلة الاِضطهادتن العشر في العصر الروماني ، وكيف كان موقف المسيحيين الأُوَل وسط الاِضطهاد ، وكيف أعدَّت الكنيسة أولادها للإستشهاد ؟

    وكذا مفهوم الشهادة إنجيلياً وكَنَسِياً وتاريخياً وليتورچياً وآبائِياً ، وأخيراً مجالات شهادتنا اليوم ...

    المسيح ربنا الشاهِد الأمين ، يجعل هذا العمل لمجد اسمه القدوس ، لنكون له شهوداً أُمناء حتى النَّفَسْ الأخير ، بطِلبات وشفاعات خورس الشهداء والمُعترفين ، وبصاوات أبينا الطوباوي المُكرَّم البابا شنوده الثالث بابا الأسكندرية وبطريركط الكرازة المرقُسية ، له المجد في كنيسته إلى الأبد أمين .

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمة شُكر

    شُكراً لله أبو ربنا ومُخلِّصنا يسوع المسيح الذي سمحت إرادته باكتمال هذا البحث ... فله وحده المجد كل المجد .

    وكلمة شُكر ومحبة لحبيبنا جزيل البركة نيافة الأنبا بنيامين – أسقف كرسي المنوفية والنائِب البابوي بالأسكندرية ، الذي تفضَّل بالرغم من الأعباء التي تثقَّل بها كاهله بمراجعة هذا البحث وأضاف له من عِلْمه اللاهوتي وعُمقه النُسكي وخِبرته الروحية الشاهدة التي تدعونا إلى أن نمتثِل به ، كما هو بالمسيح الشاهِد الأمين ..

    يشجعنا على الدراسة والإجتهاد ، ويشملنا بأُبوته التي لا تُقارن ، ويسنِدنا بصلواته ومحبته العجيبة ، ليُعطيه الرب القوة ، وليؤيده بالنعمة ، من أجل الخدمة وبُنيان ملكوت الله .

    وإنه لمن دواعي سرورنا أن تتزامن مراجعة نيافته لهذا البحث ، مع ليلة احتفالنا بعيد جلوسه الرابع عشر ، على كرسي إيبارشية المنوفية ، ليحفظه الرب بسلامٍ وعدلٍ في كنيسته المُقدسة .

    وإنَّ بنوتنا البارة للأب الموقر القُمص تادرُس يعقوب من أجل محبته وتعطفاته الجزيلة .

    وأننا لمدينون بالشُكر لجناب القمُص سيداروس عبد المسيح وكيل الكلية الإكليريكية بالمنوفية ، من أجل اِسهاماته وملاحظاته القيِّمة ، كما ونشكر الذين تعبوا في هذا العمل وبالأخص أُسرِة كوبي سنتر والعاملين فيه ..

وللثالوث القدوس كل المجد والكرامة إلى الأبد أمين ،،،

                                                                            المُؤلِف

 

                                           

 

 

 

حياة الكنيسة في عصور الاستشهاد

بدايِة المُخاض :

    لقد قال المسيح رب المجد لتلاميذه ” يُسلِّمونكُم إلى ضيقٍ ويقتلُونكم وتكونون مُبغضين من أجل اسمي . والذي يصبُر إلى المُنتهى ذاكَ يخلُص “ ( مت 24 : 9 ) .

    وبهذا يكون المسيح رب المجد قد أوضح طبيعة الحياة معه ، ونوعية المِحن والضِيق الذي سينال كل من يشهد لإنجيله ، ومن ناحية أخرى أظهر عِظَم مكافأة مُحبيه الذين حفظوا صبره وإيمانه ” اِفرحوا وتهللوا لأنَّ أجركم عظيم في السموات “ .

    لذلك نجد أنَّ التلاميذ بعد ما كرزوا بالمسيح قُبِضَ عليهم وقُدِّموا للمُحاكمات ” فلما سمعوا حنقوا وجعلوا يتشاورون أن يقتلُوهم “ ( أع 5 : 33 ) ، ولكن التلاميذ ” ذهبوا فَرِحين لأنهم حُسِبوا مُستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه “ ( أع 5 : 41 ) .

    لقد حلَّت التجربة الأولى بالكنيسة باستشهاد إستِفانوس الذي سبَّب ألماً عظيماً للكنيسة ، وضِيقاً وتشتيتاً للجميع ... ولكن هذا التشتُّت أصبح بركة للعمل الكرازي ، لأنَّ الذين تشتَّتوا جالوا مُبشرين بالكلمة ..

    ويُعد الشهيد إستفانوس رئيس الشمامِسة الذي رُجِمَ سنة 36م ( أع 8 ) ، ويعقوب الكبير بن زبدي الذي قتلهُ هيرودِس بالسيف سنة 44م ( أع 12 : 2 ) من أشهر الشهداء.

    وكأنما منح هذا الاستشهاد الكنيسة قوة لتمتد أُفقياً وتفترِش أراضي جديدة تنضم لحساب الملكوت ، وصارت شهادة الدم سبب بركة للكنيسة المُقدسة بعد أن أصبح دم الشهيد بِذار للإيمان بالمسيح ، وبعد أن أصبح الضيق والتشتُّت كرازة وبشارة لاسم المسيح رب الكنيسة وعريسها .

    ثم جاءت التجربة الثانية بقتل يعقوب بن زبدي أخي يوحنا الحبيب ، إنه ثمن التبعية للمسيح والشهادة لاسمه العظيم القدوس لكي يتبارك ويرتفِع ..

    وهنا تعمَّق في وجدان الكنيسة الأولى أنَّ الاستشهاد ليس أمراً استثنائياً ولا جزءاً إضافياً ، بل ضرورة حتمية للإيمان المسيحي ... فجميع الذين يعيشون بالتقوى في المسيح يسوع يُضطهدون ... ويقول لسان العِطر بولس الرسول ، أنه يحمِل في جسده سِمات الرب يسوع ، التي هي جروحه وآلامه المُخلِّصة المُحيية ، لذلك يُوصي الكنائِس والمؤمنين أن يحملوا إماتات الرب حتى تظهر حياة يسوع فيهم ( 2كو 4 : 10 ) .

    وبانتقال الرعيل الأول من التلاميذ والرسل ، الذين استُشهِد غالبيتهم ، تسلَّمت الكنيسة ذخيرة حيَّة من التعاليم والتقاليد التي تحِث المؤمنين على الشجاعة والصبر والجَلَدْ ، وتحبَّب إليهم الموت لأجل اسم المسيح ، فيستعذِبون الألم لينالوا المجد ، بالاِتحاد بذبيحته بواسطة الاستشهاد .

    وازدادت الشجاعة في بعض القديسين حتى صارت شوقاً وتلهُفاً إلى الاستشهاد ، وانتقل الآلاف من دمنهور إلى الأسكندرية المدينة العُظمى لكي يستشهِدوا ، والقديس أبا فام الجندي لمَّا دُعِيَ للإستشهاد ، لَبَسَ أفخر ثيابه ، وقال ” أنَّ هذا هو يوم عُرسي “ .

    والقديس أغناطيوس الأنطاكي ، خاف أن تأخذ المؤمنين الشفقة عليه فيحرموه من حلاوِة الاستشهاد ، بل وازدادت قيمة الاستشهاد لمَّا اكتشفت فيه الكنيسة كرامة تجعل صاحبها على مستوى كرامة الرسل ، الذي وعدهم المسيح أنه متى جلس على كرسي مجده سيجلسون على اثني عشر كرسي ، وكان أول من أعلن هذه الكرامة الشهيد الأنطاكي أغناطيوس – أحد الآباء الرسوليين – عندما ذهب ليستشهِد وقال :

” لقد ابتدأت أن أكون تلميذاً للمسيح “

    وأكَّد العلاَّمة أكليمنضُس السكندري ، في أواخِر القرن الثاني ، أنَّ الاستشهاد عقيدة راسخة في الكنيسة ، ولم يعُد للكنيسة شرف أعظم من تقديم الشهداء للسماء ، إذ ليس هناك ما يُعادِل كرامتهم ..

    ولمَّا تزايد عدد الشهداء ، رأت الكنيسة أنَّ كلمة ” شهيد “ وحدها ليست كافية للتعبير عن كرامِة الذين دفعوا دمائِهِم ثمناً للإيمان وغلبوا العالم بكلمة شهادتِهِم ، فألحقت بها صفات أخرى مثل :0

    الكامِل – المغبوط – الطوباوي – السعيد ... وغيرها من الألقاب التي أضفتها الكنيسة على شُهدائها .

    وكان الشهداء يرون أنَّ الاستشهاد هو أقصر طريق يؤدي إلى الأفراح الأبدية .. إنها مجرد لحظات يكونون بعدها في أحضان آبائنا إبراهيم وإسحق ويعقوب ، في نور القديسين ، حيث مجد إلهنا وحيث لا تقف أمامه خليقة صامته .

    كانوا يرونه شَرِكة في آلام المسيح وفي موته ، وأيضاً شَرِكة في مجده ، لذلك كان كثير من الشهداء يرون أكاليلهم ومجد السموات وابن الله قائِم عن يمين العظمة ، فكانوا يثقون بالإيمان بما أعدُّه الله لمُحبي اسمه القدوس ..

    لقد رأى هؤلاء الكاملون شُهداء المسيح ، أنَّ الاستشهاد خير تعبير عن محبتهم لله وصِدق رجائهم الذي مَلَك على قلوبِهِم ، فما كانوا يرون الموت إلاَّ انطلاقاً من سجن الجسد ، بعد أن كشف لنا ربنا يسوع المسيح قائِد الشهداء وربهم عن أعماق مفهوم الاستشهاد الحقيقي ، وبعد أن خرج غالِباً ولكي يغلِب ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عائِلة الله عبر التاريخ

    لم يقف الشيطان الذي واجه السيِّد المسيح على جبل التجربة ، مكتوف الأيدي أمام امتداد الكنيسة شرقاً وغرباً ، فَرَاحَ يشِن عليها موجات من الاِضطهادات والمُقاومة ، فحرَّك رئيس هذا العالم الملوك والأباطرة ضدها ..

    وسجَّل سِفر أعمال الروح القدس ( الإبركسيس ) ما تعرَّضت له الكنيسة من أتعاب            ” وحدث في ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة “ ( أع 8 : 1 ) .           

    وأيضاً ” في ذلك الوقت مدَّ هيرودس الملك يديهِ ليُسِئ إلى أُناسٍ من الكنيسة فقتل يعقوب أخا يوحنا بالسيف ... وعاد فقبض على بطرس أيضاً ... ولمَّا أمسكهُ وضعهُ في السجن “ ( أع 12 : 1 – 4 ) .

    وتوالت الاِضطهادات في عصر الدولة الرومانية من القرن الرابع الميلادي ، أيام الأباطرة : نيرون ( سنة 64م ) ، تراجان ( 106م ) ، وكان أشدها هولاً اضطهاد دقلديانوس ( 284م ) ، وقيل أنَّ عدد الذين استُشهِدوا في عصره بلغ ( 144 ألفاً ) . وقال آخرون أنه ( 800 ألف ) ، ولكن بالرغم من أهوال الاِضطهادات ، ظلَّت كنيسة الله تنمو وعدد التلاميذ يتكاثر جداً ( أع 6 : 7 ) .

    لأننا إذ نصير مسيحيين ، نرى مجد الآلام التي بها نتشبه بموته ، لذلك استشهد القديسون عبر التاريخ اِختيارياً ...

    وتميزت أسماء المسيحيين في القرون الأولى بأنهم التلاميذ ، المؤمنون ، المُختارون ، القديسون .. وثمة أمر هام ينبغي أن نُشير إليه ألا وهو أنَّ الاسم علامة من العلامات الأساسية للشخصية ، ولذلك سجل يوسابيوس القيصري أنَّ الشهيد Sanctus وهو شماس من كنيسة ڤيينا عندما سُئِل عن بلده واسمه ، وهل هو عبد أم حُر ، أجاب إجابة واحدة ” أنا مسيحي “ ( ك 5 : 1 ) ، وسجل ذهبي الفم نفس الإجابة على نفس الأسئلة التي وُجِّهت إلى الشهيد لوقيانوس ( عظة 46 في مدح الشهيد لوقيانوس : 2 – 6 ) ، وهؤلاء الشهداء هم أهل العقيدة dogma الذين حفظوا وديعة الإيمان بالدم ... الذين ذهبوا إلى العالم أجمع وكرزوا بإنجيل الملكوت للخليقة كلها الذين دعوا العالم كله إلى شخص المسيح ابن الله الوحيد ، الراعي والفادي والمُخلِّص ، الذي ليس بأحد غيرهِ الخلاص ، حيث ملكوت النور والفرح الأبدي الذي ليس من هذا العالم ..

    وهكذا تحالفت قُوى الشر مُجتمعة ضد المسيح والمسيحيين . فوقفت ضد الكنيسة ، وتمت نبوة المُرنم ” قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معاً على الرب وعلى مسيحه “ ، فماذا كانت النتيجة ؟ ” الساكن في السموات يضحك بهم “ ( مز 2 ) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الاِضطهادات العشرة في العصر الروماني

                                                   ( اِضطهاد الوثنية للكنيسة المسيحية )

    ما أعجب هذه الكنيسة الفتية !! فبعد كل هذا الذي تحملته ، بقيت راسخة على مدى الدهور !! ما أكثر وأعتى العواصِف والتجارب التي حاولت أن تعصِف بها ، لكنها في كثرِتها وعُنفوانها شهدت لاسم الله في الكنيسة من جيل وإلى جيل وحتى الآن ، لصِدق نبوة المسيح مَلِكنا وربنا ورب الجميع ، الذي وعدنا :

” أنَّ أبواب الجحيم لن تقوى عليها “

    لقد مرت الكنيسة في عصور الاستشهاد بعشرة حلقات من الاِضطهاد وخرجت منها قوية مُرهبة كجيش بألوية ، وقد اعتاد المؤرخون والكُّتاب المسيحيون منذ القرن الخامِس الميلادي تقدير الاِضطهادات بعشرة أحقاب على مدى حوالي المائتين والخمسين عاماً خرجت منها الكنيسة وأبواب الجحيم حقاً لم تستطِع أن تقوى عليها ..

    ومن كثرِة المُعاناة التي تحمَّلها المؤمنون ، كانت الكنائِس تُشيَّد على دِماء الشهداء             ( الجماعة الحيَّة ) ، واحتفظ لنا القديس چيروم باسم جميل لمبنى الكنيسة وهو ( مجمع الشهداء ) أو Conciliabula Martyrwn .

ويقول لكتانتيوس في دِفاعه عن المسيحية أنه في زمان اضطهاد دقلديانوس كان الوثنيون قد قرروا ” سفك دم المسيحيين حتى أنهم في فريچيا أحرقوا جماعة كاملة في الكنيسة حيث اعتادوا أن يجتمعوا “ ، ويسجِل أرنوبيوس نفس الكلام في دِفاعه ويقول ” لماذا تحرِق كُتبنا المُقدسة في النار ؟ لماذا تُهدم كنائِسنا وتُحرق ؟ “ .

 

 

 

الاِضطهادات العشرة التي

عبرت على الكنيسة

الاِضطهاد الأول :

تحت حكم الإمبراطور نيرون سنة 64م .

    أمر بحرق مدينة روما على أيدي جنوده وضُباطه وخَدَمُه ، وأثناء احتراق المدينة العظيمة صعد إلى برجٍ عالٍ وأخذ يلعب على أوتار قيثارته ويُغنِّي على حرق روما ، ولمَّا عاد إلى وعيه وأدرك فِعلتُه الشنعاء ، ألقى بالذنب على المسيحيين في مملكته ، وكان هذا هو المُبرر لبدء أول اضطهاد مُنظَم ضد المؤمنين بالمسيح ..

    ومن الأسماء التي يذكُرها التاريخ من شهداء هذا العصر : القديسان بولس وبطرس الرسولان العظيمان ، والقديس مارمرقُس الرسول كاروز الديار المصرية ( رغم أنه استُشهِد بمصر عام 68م بيد رومانية ومصرية ) ، أرسترخُس المقدوني ، تروفيموس من أفسس الذي آمن على يد بولس الرسول وشريك خدمته ، ويوسف المُلقب بارسابا ، حنانيا أسقف دمِشق – الذي لاقى الرسول بولس – ، وكل هؤلاء من عِدَاد السبعين رسولاً ..

    لقد أحدث نيرون كرنڤال من الدماء لم يشهده العالم قط حتى أنَّ البعض قالوا أنَّ ما حدث كان إجابة قوات الجحيم لحركِة التبشير المُثمِرة التي قام بها بطرس وبولس الرسل .

    ومن المشاهِد الوحشية في تعذيب المسيحيين على يد نيرون أنه كان يُشعِل النار فيهم ويتركهم يُضيئون كالمشاعِل لتسلية الجماهير .. وصار نيرون أول مُضطهدي الكنيسة .

الاِضطهاد الثاني :

تحت حكم الإمبراطور دوميتيان سنة 81م .

    شن الاِضطهاد الثاني ضد المسيحيين ، ومن بين شُهداء ومُعترفي هذا العصر : سمعان الأسقف الذي جلس على كرسي أورشليم خليفة للقديس يعقوب الرسول ( مات مصلوباً ) ، القديس يوحنا الرسول الذي عُذِّب بالزيت المغلي ثم نُفِيَ إلى بطمُس حيث رأى رؤياه وسجلها في سفر الرؤيا ..

    وفي عصره صدر قانون صريح : ” لا يُفرج عن مسيحي أمام المحكمة ما لم يجحد دينه “ .

    وفي عهده كان يُلقى باللوم على المسيحيين بسبب أي مجاعة أو زلزال أو وباء يحدث في البلاد .

    ويُؤكد التقليد الكنسي والقديس إيريناوس وچيروم ويوسابيوس أنَّ دوميتيان اضطهد كنائِس آسيا الصغرى ، ومن بين الذين استُشهِدوا إبان عهده أنسيموس وديونيسيوس الأريوباغي – الذي آمن على يدي بولس الرسول في مجمع آريوس باغوس بأثينا والذي منه أخذ لقبه – الأريوباغي – مع امرأة أخرى اسمها دامرس ( راجِع أع 17 ) .

الاِضطهاد الثالِث :

بدأ في عصر تراجان سنة 106م .

    في هذا الاِضطهاد الثالِث تقدَّم رجل وثني مُثقف مشهور اسمه ” بليني الثاني “ وكتب إلى الإمبراطور يُدافِع عن المسيحيين ، لأنه يُحكم عليهم بالموت وهم لم يأتوا أي ذنب ضد القانون الروماني ..

    حرَّم تراجان المسيحية نهائِياً .. وفي عهده صُلِب سمعان أسقف أورشليم سنة 108م ، وهو في سِن المائة والعشرين ، وفي نفس هذه السنة استشهد الأسقف الأنطاكي أغناطيوس الرسولي الذي خَلَفْ الرسول بطرس على كرسي أنطاكية وأُلقِيَ للوحوش الضارية في الكلوسيوم ، ثم ازداد الاِضطهاد قسوة وضراوة في عهد هادريان خليفة تراجان حيث استُشهِد في أيامه حوالي عشرة آلاف مسيحي .

الاِضطهاد الرابِع :

تحت حكم مرقُس أوريليوس أنطونيوس عام 161م .

    حيث كان الشهداء يسيرون بأقدامِهِم المجروحة الدامية فوقَ الأشواك والمسامير والقواقِع المُدببة .

    وفي هذا العهد استُشهِد القديس بوليكاربوس أسقف أزمير ، تلميذ القديس يوحنا الحبيب ، ويوستينوس القيلسوف ، وبلاندينا السيدة المسيحية من ليون بفرنسا .

    وقيل في وصف حياة المسيحيين في هذا العصر : ” اِضطهاد فوق الأرض ، وصلاة تحت الأرض “ ، نسبة إلى بِدء استخدام السراديب الخفية تحت الأرض للعبادة والقُداسات والاِجتماعات الروحية بعيداً عن أنظار الشرطة الرومانية ، وقد انتشرت هذه السراديب في روما والأسكندرية ونابلُس وسيسليا ( صقليَّة ) وأفريقيا وآسيا الصغرى .

    كان هذا الإمبراطور يرى في المسيحية خُرافات مُصطنعة ، فملأت جُثث الضحايا الطُرُقات ، ومن أشهر الذين استُشهِدوا في هذا العهد ، الفيلسوف المُدافِع يوستين الشهيد سنة 166م والأسقف بوثينوس والصبي بونتيكوس .

الاِضطهاد الخامِس :

بدأ مع تولِّي ساويرُس العرش عام 193م .

    كان ساويرُس قد شُفِيَ من مرض شديد على يد مسيحي ، فحفظ الجميل للمسيحيين على وجه العموم ، لكن التحيُّز الأعمى للوثنيين من أتباعه وخضوعه لغضب الغوغاء ، سُرعان ما قلبه على المسيحيين ، كما أنَّ سُرعِة انتشار المسيحية في الإمبراطورية أثارت حفيظة الوثنيين ، فأراد الإمبراطور إرضاء حقدِهِم ، لكن بالرغم من هذا الاِضطهاد فإنَّ الإنجيل ووصاياه السامية تألَّق تألُقاً شديداً في حياة المسيحيين اليومية .  ” بليني الثاني “

    وقد قال العلاَّمة ترتليان المُدافِع المسيحي الذي عاش في هذا العصر : ” اِبحثوا لي عن مسجون مسيحي واحد في سجون الإمبراطورية مُتهم بتهمة أخرى غير كونِهِ         مسيحياً “ .

    وفي هذا العصر استُشهِد ڤيكتور أسقف روما ( 201م ) ، ولاونديوس والد الفيلسوف المسيحي السكندري أوريچين ، وكثيرون من تلاميذ أوريجانوس ، وكذلك القديسة بوتامينا العفيفة والضابِط الروماني باسيليدس الذي تأثَّر بقداسِة القديسة بوتامينا وحَفَظَهَا للعفة وكرامِة جسدها وآمن بالمسيح ، وإيريناؤس أبو التقليد الكنسي أسقف ليون بفرنسا ، وبربتوا السيدة المُتزوجة الشابة التي تبلُغ من العُمر 22 عاماً ورفيقتها فيليستاس السيِّدة الحامِل ورُفقائِهِما ، واسكليباس أسقف أنطاكية وكاليستوس وأوربان أسقفا روما المُتتابِعان ( 224م ، 232م ) .

    أصدر الإمبراطور مرسوماً بمنع المسيحيين من تبشير غيرهم فحلَّت الاِضطهادات في مصر وشمالي أفريقيا ، حيث قدَّمت لنا كنائِس تلك الأقاليم أينع زهورها على مذبح الاستشهاد .

الاِضطهاد السادِس :

في عهد مكسيميانوس التراقي سنة 235م .

    كان هذا الإمبراطور دموياً ، فمكِّن الشعب من اضطهاد المسيحيين ، وأمر بقتل الأساقفة والرعاة ظناً منه أنَّ هذه هي نهايِة المسيحية ..

    ولم تعرِف البشرية في كل تاريخها شُهداء كشهداء المسيحية الذين نالوا الجعالة من أجل ثباتهم في الإيمان إلى النَّفَسْ الأخير .

الاِضطهاد السابِع :

في عهد ديسيوس Decius سنة 250م .

    أصدر هذا الإمبراطور مرسوماً ، يُحتِّم فيه ضرورة إعادِة ديانِة الدولة الوثنية ، وكل من لم يخضع لهذا المرسوم عرَّض نفسه لبربرية وحشية غاية في العنف .

    وساد اضطهاد عام وشامِل في عهده ، اِستشهد فيه طغمة كبيرة من الشهداء الذين تمسَّكوا بإيمانهم ومحبتهم للمسيح العريس السماوي بغيرة عجيبة وشجاعة نادرة مُذهلة ، وكان الولاة أكثر شراسة مع الأساقفة والرعاة والخدام ، الذين أخذوا بركِة الاستشهاد حُباً في الله .

    ومن أشهر شُهداء هذا العصر القديس مرقوريوس أبي سيفين وبابيلاس الأنطاكي ...

الاِضطهاد الثامِن :

على يد ڤاليريان الطاغية سنة 257م .

    نفى الأساقفة والقسوس والشمامِسة ، بعد أن أعدم كثيرين منهم ، وجرَّد المسيحيين من مناصِبهم ... وكل من أصر وتمسَّك بديانته بَتَرْ رأسه .

    تمعن في إذلال المسيحيين ، فقيدهم ونفاهم ليعملوا في ضِيَاع الإمبراطورية ، وحرَّم الاِجتماعات الدينية ..

    ومن أشهر شُهداء ذلك العهد ، الشهيد الأفريقي كبريانوس القرطاچي أسقف قرطاچنة .

    ونُفِيَ أيضاً في ذلك العهد البابا ديونيسيوس الأسكندري في منطقة خفرو في مجاهِل صحراء ليبيا ، وقد رافقه في منفاه عدد غير قليل من أبنائِهِ المصريين .

    وفي عام 260م توفى ڤاليريان وخَلَفُه غالِّينوس ابنه ، وتمتعت الكنيسة – مع بعض الاِستثناء – بسلام في أيام حكمه الذي دام سنوات قليلة .

الاِضطهاد التاسِع :

في عهد أوريليان عام 274م .

    أوِّل الشهداء في عصره كان فيلكس أسقف روما ، وأغابتيوس أحد أغنياء روما الكُرماء ثم خَلَفْ أوريليان الإمبراطور تاسيتوس ثم بروبوس الذي قُتِل في عاصفة رعدية،  فخَلَفَهُ ابناه كارنيوس ونوميران ، وخلال كل هذا تمتعت الكنيسة بالسلام .

    أصدر أوريليان مرسوماً بقتل المسيحيين كان من أثره مذابِح مُروعة في أماكن شتى ويذكُر يوسابيوس المُؤرخ الكنسي أنَّ الفترة التي تلت أوريليان وانتهت بارتقاء الطاغية الإمبراطور الدموي ، كانت فترة هدوء وسلام نِسبي في الكنيسة ، إلى أن أتى دقلديانوس المُتوحِش الذي شن سلسلة من المتاعب الضارية بهدف سحق الكنيسة المسيحية ، فَسَجَنْ جميع رؤساء الكنائِس وعذَّبهم ليُرغِمَهُم على جحد الإيمان ومحو المسيحية .

الاِضطهاد العاشِر والأخير :

عهد دقلديانوس سنة 284م .

                                                   بِدء التقويم القبطي على رسم الشهداء

    نظرة في تُراثنا التاريخي نصل بها إلى عام 284م التي اعتلى فيها دقلديانوس العرش الإمبراطوري في روما ، تُرينا أنه في البداية أظهر تعاطُفاً كبيراً مع المسيحيين ، وفي عام 286م أشرك مكسيميان معه في الحكم ليكون إمبراطور الشرق ومنذ ذلك الوقت ذاق المسيحيون كأس الاستشهاد واصطبغوا بها ثانيةً ، مثل زوئي زوجة السَّجان ، التي كانت تعتني بالشهداء الذين تحت حراسة زوجها ثم تنصرت ، فعُلِّقت على شجرة تشتعِل بالنار في جذعها ، ثم أُلقِيت في نهر وقد عُلِّق حجر كبير في عُنُقها .

    وفي عام 286م اِستُشهِدت الكتيبة العسكرية الطيبية عن آخرها وكان كل أفرادها من أبناء الأقصر ، لأنهم رفضوا الاِذعان لأمر الإمبراطور مكسيميان بتقديم الذبائِح للأوثان والنطق بالقَسَمْ على إنهاء المسيحية في بلاد الغال – التي أرسل إليها أفراد هذه الكتيبة – وكان ذلك في 22 سبتمبر عام 286م .

    وأصدر دقلديانوس مع زميله غاليروس منشوراً بهدم كل الكنائِس المسيحية وإحراق الكتب الكنسية ، واعتبار المسيحيين خارجين عن القانون .

    وفي 25 نوڤمبر عام 311م وبأمر الإمبراطور مكسيميان الذي كان يملُك على الشرق استُشهِد البابا بطرس البطريرك السابِع عشر في خلافِة مارمرقُس الرسول .

    ويقول يوسابيوس المؤرِخ الكنسي ، أنَّ في مصر كان يوجد جمع غفير لا يُحصى من المؤمنين مع زوجاتِهِم وأطفالِهِم ممن عانوا من كل أنواع العذابات والموت من أجل الإيمان .

    وفي عصر دقلديانوس قام أريانوس والي أنصِنا بتعذيب عدد كبير من المسيحيين في بلاد الصعيد منهم : الشهيدة دُولاجي الأُم وأبنائها ، والقديس أبو قلتة ، والأنبا بضابا الأسقف وغيرهم آلاف آلاف ....

    ويذكُر التاريخ أنَّ هذا الوالي قد تنصَّر إثر معجزة باهرة حدثت له آمن على أثرها بالمسيح ، وأرسل إلى الإمبراطور دقلديانوس رسالة يُجاهِرفيها بإيمانه ويندم على كل الاِضطهاد الذي أوقعه على المسيحيين ، فأمر الإمبراطور بقتله .

    ويقول المُدافِع والعلاَّمة ترتليان عن تقييمه لعدد شهداء مصر من المسيحيين : ” لو أنَّ شهداء العالم كله وُضِعوا في كفة ميزان ، وشهداء مصر في الكفة الأخرى ، لرجحت كفة المصريين “ .

    ويُقدَّر عدد شهداء الأقباط بحوالي ثمانمائة ألف شخص .

    وعبَّر أيضاً العلاَّمة ترتليانوس عن قوة المسيحية ونقاوة فضائِلها ومدى انتشارها بلا سند من قوة زمنية ، وهو الذي عاصر الاِضطهادات دون أن يرى نهايِتها – بقوله ” دِماء الشهداء بِذار الكنيسة “ .

    لقد كان امتناع المسيحي عن بعض ممارسات الحياة الوثنية كفيلاً بكشف أمره وهكذا كان يُمات كل ساعة ، وهكذا كانت الشهادة كل النهار ، كل خطوة تنطوي على اعتراف حَسَنْ وشهادة أمينة لله لذلك كان سيف الموت مُسلَّط دائِماً على رِقاب المسيحيين – بحسب تعبير العلاَّمة ترتليان – لأنه لا يجوز للمؤمن أن يشترِك مع الوثنيين في الملبس والمأكل أو في أي مظهر ، علاوة على امتناع المؤمنين عن بعض الحِرَف التي لها صِلة بعبادة الأصنام ، وتركهم لها فجأة كان يُعرِّضهم للمحاكمة العامة ..

    وقد أورد كلٍ من يوسابيوس القيصري في تاريخه الكنسي والعلاَّمة ترتليان والشهيد يوستين الشهيد في دفاعياته كيف كان المسيحيون يُستبعدون من المناصِب العامة ومع ذلك كانوا يحبون الإمبراطورية ويُصلُّون من أجل العدل والسلام ، ولكنهم لا يعبدون الأباطرة،  مُظهرين غيرة شديدة نحو الإيمان .

    واعتُبِرَت المسيحية أبشع جريمة يموت من أجلها كل من دُعِيَ عليه اسم المسيح ، فضلاً على أنَّ الدُهماء والغوغاء اضطهدوا الكنيسة أشد اضطهاد ، وها التاريخ يُعيد  نفسه ، فأحياناً بالاِقتحام والسلب ، وأحياناً بالتحطيم والحرق والسطو ، كما حدث في زمان البابا ديونيسيوس الأسكندري .

    أخيراً لابد أن نُشير إلى أنَّ تلك الاِضطهادات ، هي الحرب التي صنعها الوحش مع الخروف الجالِسة عليه امرأة سكرى من دم القديسين ودم شُهداء يسوع ( رؤ 17 : 3 ) .

    ويذكُر التقليد الكنسي أنه في سنة 313م وفي مدينة ميلانو صدر مرسوم للتسامُح مع المسيحيين ، يُعرف باسم ” مرسوم ميلان “ أُعطِيت به الحرية الدينية للمسيحيين ، وكان هذا على يد الإمبراطور قسطنطين المُحِب للإله ، الذي يُعتبر آخر الأباطِرة الوثنيين وأول المسيحيين .

    لقد تفاقم الإحساس بالمرارة من الاِضطهاد الطويل الذي عانت منه الكنيسة ، وقد كان ترتليان والشهيد يوستين والمُدافِع لكتانتيوس أول من دافع عن حرية العقيدة ، وواجهوا الوثنيين بأنَّ ( الدين أساساً هو مسألة إرادة حرة وأنه ينتشر بالاِقناع لا بالفرض ، بالتعليم لا بالقوة الجبرية ) .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

موقِف المسيحيين وسط العالم في أيام الاضطهاد

عدم مُقاومة الشر :

    تلخَّص موقف المسيحيين في عدم المُقاومة ولا حتى ظِل المُقاومة ، وبالطبع دون أي مُقاومة مُسلحة .                         

    التزم المسيحيون تجاه الاضطهاد المُنظَّم ضدهم بالتطبيق المُباشِر والبسيط لمبدأ ” لا تُقاوموا الشر “ فتركوا أنفسهم بهدوء وتسليم للإبادة وأحنوا رؤوسهم ورِقابِهِم للسيف لا صاغرين بل فَرِحين غالبين الآلام ، الأمر الذي أدهش الوثنيين .

    وعندما أدركتهم الضيقات قبلوا الموت بقلب راضِ وأحنوا رؤوسهم للسيَّاف بلا مُقاومة ولا حتى مُجادلة ، وهم شاكرين قابلين الآلام ، حتى ارتجف الجنود من شدة إيمانِهِم .

    تعال لترى معي إستفانوس العظيم رئيس الشمامسة وأول الشهداء ماذا قال لراجميه ؟ ” يارب لا تقِم لهم هذه الخطية “ .

    فكما غفر المسيح ربنا ورب الجميع لصالبيه لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون ، هكذا فَعَلْ إستفانوس شهيد المسيحية الأول ، وهكذا سلك كل شهود وشُهداء المسيح .. شهادِة الحق بوداعة ، شهادِة الدم بلا مُقاومة ولا حتى مُجادلة ..

    إنَّ الاضطهاد والآلام هِبة وهدية مُقدمة من الرأس إلى أعضاء جسدهِ حتى تنمو الكنيسة بلا مُقاومة ولا إكراه ، بل بالحب والكرازة وبشارِة الفرح .

الصلاة :

    كانت الصلاة هي حصنهم المنيع سواء الصلاة الفردية أو الصلوات الجماعية                    ( الليتورچيَّة ) ، لأنها سلامهُم الوحيد ، مواظبين على الصلوات مُدركين وِحدتهم الروحية مع رب المجد يسوع وفي ذلك كمال الفرح وكثرِة التعزية فأي فرح يشملنا لأننا شُركاء المسيح ومن أجله نتألم !! .. ” نالني ضيق وحُزن وباسم الرب دعوت “ ( مز 116 ) .

    حتى أنَّ كثير من الشهداء صلُّوا لكي ينالوا عطيِة الشهادة فنالوها ، وصلُّوا لكي يهِبهُم الله روح النُّصرة عندئذٍ رأوا ولمسوا عمل الله في شهادتِهِم ، واقترنت العبادة بحدوث المُعجزات والعجائِب ، بنعمة الرب العاملة فيهم .

ازدهار الكِتابات اللاهوتية والروحية :

    في عصور الاستشهاد ، صاحب الصلوات والعبادة ازدهار الكِتابات اللاهوتية والروحية لأنَّ الآلام والاضطهاد كما قال القديسون هي بمثابِة معصرِة العنب أو فرك الزهور ذات الرائِحة الطِّيِبة فهي تُسفِر عن رؤية روحية ومعرفة إلهية لأعماق حقائِق الإيمان ... لذا نجد الآباء المُلتمسين أو المُدافعين  Apologistsمثل أكلمنضُس السكندري والعلاَّمة أوريجانوس وهيبوليتيس والبابا ديونيسيوس السكندري وخُلفائِهِم وتلاميذِهِم الذين ازدهرت كتاباتِهِم اللاهوتية والدفاعية وكذا رسائِلهم مثل رسائِل كبريانوس وأوريجانوس  ( الحث على الاستشهاد ) والمُدافِع ترتليان ( ترياق العقرب Scorpiacum ) ، ودِفاعات لكتانتيوس ويوستين الشهيد وغيرِهِم من الآباء الذين تركوا لنا تُراثاً حياً .

المحبة :

    إنَّ الثبات والاحتمال والوداعة التي أثبتها المُعترفون والشهداء بلا استثناء أمام أعدائِهِم ، كانت خبرة المحبة المسيحية الحقيقية ..

    لم يثوروا ولم يتمردوا ، بل أحبَّ الشهداء أعدائِهِم ، وشهدوا بمحبتهم قبل أن يشهدوا بدمائِهِم وصمودِهِم وصبرِهِم ووداعتِهِم ، فالتزم الكل بأعمال المحبة وهم في عمق أتون الاضطهاد ، ومحبة لكل المُضطهدين والمُقاومين ، فغلبوا بمحبتِهِم مُعذبيهم الذين اقتبلوا الإيمان لمَّا رأوا ولمسوا محبة شُهداء المسيحية ، الذين حسبوا العالم كله نِفاية من أجل فضل معرفة الله ، وحسبوا الشتائِم منفعة لهم ، والاضطهادات بركة الحياة وشهادِة الدم أقصر طريق للأبدية .

    فالاستشهاد حُب مُنسكِب بالروح القدس في قلب الشهيد ، حُب لرب المجد يسوع ، وحُب للمُضطهدين والمُضايقين ، فكثيرون قد تُسفك دمائِهِم وليس لهم نصيب مع الشهداء وكثيرون لم تُسفك دمائِهِم يُشارِكون الشهداء أكاليلهم ..

    إنَّ هناك قوة جبارة دفعت شُهداءنا لقبول الآلام ، تلك هي المحبة التي جعلتهم يتقدمون الصفوف ، وهناك من كانت قلوبهم تلتهِب حُباً نحو الرب ، ولم تُتَح لهم فرصة لسفك دمائِهِم .

    لقد أحبوا فاستحقوا ، ولم يفضلهم عن محبة المسيح لا عُلو ولا عُمق ولا خليقة أخرى ... فغمرتهم محبِة الفادي ليشهدوا حتى الدم لمحبتهم من أجل الرجاء العتيد .

الارتباط السري بين الصلاة وقبول الآلام :

    يظُن البعض أنَّ الاستشهاد عمل بطولي مثله في هذا مثل الأعمال البطولية الأخرى في كافة الميادين ... لكن الاستشهاد المسيحي يتميز بأنه شَرِكة حقيقية مع آلام رب المجد يسوع المُتألِم ... فالصلاة تنتعِش وتزكو رائِحتها في معصرة الاضطهادات إذا كانت بحق شَرِكة في الآلام والعذابات ...

    فهل نحن الآن نعيش بنفس الروح الإنجيلية الآبائية والرسولية التي تسلمناها في بدايِة المسيحية ؟ هل نعيش ببساطِة الإيمان بقوة الروح وخبرِة المخافة وقبول الألم بشكر وصلاة ؟

    هذا الاختبار السرِّي اجتازه المسيحيون الأوائِل ببساطة لذلك تمجَّد الله في آلامهم وعذاباتهم وأظهر لهم قُّوته ومجده ، حتى أنه كلما كان اضطهادهم شديداً كلما كان عيدهم بهيجاً ، وكان المكان الذي يذوقون فيه أشد العذابات لابد أن يُقيموا فيه أهم الاحتفالات .

    ولقد ميَّز المسيحيين ظاهرتان واضحتان ، هما شهوِة الاستشهاد ومحبة البتولية ، تلك الروحانية العميقة التي عاشوها والسمو العجيب الذي حققوه باحتقار الجسد فحيث الاستشهاد لابد أن توجد الطهارة ، لذلك كانت الحياة الرهبانية هي ظِل الاستشهاد ، وجاءت الرهبنة بعد عصر الاستشهاد مباشرةً ، وكأنَّ الاستشهاد والشهادة لم تنتهي ... بل مستمرة وحتى مجئ ربنا يسوع الثاني ليأخذ كنيسته .

    وأكَّد الاستشهاد على صِدق الإيمان المسيحي فلو أنه مجرد خُرافات مُصطنعة لِمَا قدَّم هؤلاء الشهداء دماءِهِم رخيصة من أجل محبة الملِك المسيح ، هو تألم وهم يتألمون من أجله .

الاستعداد للآلام بفرح :

    كانت نفسية الشُهداء والمُعترفين فَرِحة وشُجاعة واثقة ، تسندهم المعونة الإلهية التي وعد الله بها جميع المُضطهدين من أجل اسمه ( لو 21 : 21 ) .

    لقد أحس المُعترفون بشرف تألُّمهم ( في 3 : 10 ؛ كو 1 : 24 ) مُتطلعين إلى المجد العظيم الذي ينتظرهم وينتظر جميع الذين يُحبون ظهوره أيضاً .. وقد تعزُّوا من الرؤى العظيمة المُشجعة ، والتي جعلتهم يرون أكاليلهم ويتطلعون لميراثهم الأبدي حيث المسكن المُستعِد في المدينة التي لها الأساسات .

    لقد استعذبوا الألم وسعوا ورائه ، فبهروا العالم كله لا في قبولهم الآلام واحتمالهم العذابات المُرَّة ، بل بفرحِهِم بها وشكرهم عليها وسعيهم ورائها كعطية ، فحوَّلوا السجون إلى كنائِس يُسمع فيها صوت التسبيح ... ليُعطينا الرب أن نفرح في الضيق وأن نسبح في الألم ، عالمين أننا نتألم لنتمجَّد ..

    كثير من الأُمهات كُنَّ يرفُضنَ الاستشهاد ، إلاَّ بعد الاطمئنان على استشهاد أبنائِهِنَّ أمام أعيُنهِن خوفاً عليهم من البقاء بين الوثنيين ، وكثيرون أرسلوا يُشجعون أقربائِهِم في السجون ويحسدونهم على نعمة الاستشهاد ، حقاً إنَّ الآلام صعبة لكن الانشغال بالمسيح الإكليل واللؤلؤة يُعطي للألم لذة وللنَّفْس سلام وثبات .

    لقد عانق الشُهداء الموت في فرح وهدوء وتسليم عجيب أذهل مُضطهديهم ، بعد أن أيقنوا حلاوة المجد الأبدي والميراث الذي ينتظرهم .

    ويُمكننا أن نقول أنَّ كل من تمتَّع بخلاص الله العجيب إتحد بالمُخلِّص المصلوب يُصلب عن العالم ، ومن مات عن العالم تمتَّع بالعِشق الإلهي والفرح .

 

 

 

كيف أعدَّت الكنيسة أولادها

للاستشهاد ؟

    إنَّ الاستشهاد اختبار تَقَوِي يومي يحيا فيه المؤمن ، والكنيسة كجسد المسيح المُتألِم ، يلزمها قبول سِمَات المسيح الرأس حتى تكون لها شَرِكة الحُب الحقيقي والوحدة التي بين العريس المُتألم وعروسه ، بين الرأس والجسد ( الأعضاء ) .

    لذلك الكنيسة العروس تُكمِّل نقائِص شدائِد المسيح بالألم ( كو 1 : 24 ) فالمسيح هو العريس والرأس وحجر الزاوية ...

    ولمَّا كانت الكنيسة أُم جميع المؤمنين ، لذلك سلَّمت أولادها صراحة الإيمان ، وجعلتهم يستعدون للمعركة الروحية غير واضعين أمامهم سوى مجد الحياة الأبدية وإكليل الاعتراف بالرب ، غير مُهتمين بما يُقابلهم من عذابات ، لأنها ستكون كتلك التي عبرت وانتهت ...

    ولأنَّ الحرب قاسية وشديدة تلك التي تُهدد جنود المسيح ، لذلك هيَّأتهم ليشربوا كأس دم المسيح اليومي حتى يُعطيهم إمكانية تقديم دمهم مسفوكاً لأجله ، لأنَّ من قال أنه ثابِت فيه ينبغي أن يسلُك كما سَلَكَ ذاك ( 1يو 2 : 6 ) .

    المسيح عريس الكنيسة ورأسها وأُسقفها هو الذي يُتوِج خُدامه الذين أُعِدَّت أفكارهم وحياتهم للاعتراف والاستشهاد ... فهو لا يرغب في دَمِنَا بل يطلُب إيماننا .

    لهذا حرصت أُمنا البيعة المُقدسة على إعداد أولادها للاستشهاد لا بخوف كالعبيد بل بحُب كما يبيق بأبناء أحرار ، فيا لها من كنيسة مجيدة ومُطوبة تلك التي صار فيها دم الشُهداء مُمجداً !!

    لقد كانت بيضاء قبل استشهاد هؤلاء العِظَام ، والآن بعد أن أعدَّتهُم الكنيسة للشهادة فشهدوا ، صارت قُرمُزية بدم الشُهداء ، ولم يعُد ينقُصها زهور بيضاء ولا زنابِق حمراء ، لذلك تُجاهد الكنيسة لتُعِد أولادها بجهاد عظيم غير مُتزعزِع لأجل المجد ، فينال أولادها أكاليل بيضاء بجهادِهِم في غير زمن الاستشهاد ، وينالون أكاليل قُرمُزية مُخضبَّة بدِماء شهادتِهِم في زمن الاستشهاد ، عندئذٍ يكون في السماء لكلٍ منهم زهوره التي يتمجد بها جنود المسيح .

دور الكنيسة في الإعداد للاستشهاد :

    كان دور الكنيسة الأساسي الذي قامت به أثناء الاضطهادات المُريعة التي صادفتها خلال الثلاثة قرون الأُولى ، هو إعداد أبنائها لاجتياز تلك الاضطهادات التي كانت في عهد الأباطرة المُضطهدين :0

(1) نيرون

سنة 64م

(2) دوميتيان

سنة 81م

(3) تراجان

سنة 106م

(4) أوريليوس

سنة 161م

(5) ساويرُس

سنة 193م

(6) مكسيميانوس

سنة 235م

(7) ديسيوس

سنة 250م

(8) ڤالريان

سنة 257م

(9) أورليان

سنة 274م

(10) دقلديانوس

سنة 303م لكنه سالم الكنيسة منذ تَوَلِّيه سنة 284م حتى سنة 303م

    ومن إحصائية قام بها بعض المؤرخين للسنوات التي عاشتها الكنيسة تحت الحرمان والاضطهاد ، تبيَّن ما يأتي :0

 

 

القرن الأول

سِت سنوات اضطهاد ، مُقابِل 28 سنة تسامُح .

القرن الثاني

86 سنة اضطهاد ، مُقابِل 14 سنة تسامُح .

القرن الثالِث

24 سنة اضطهاد ، مُقابِل 76 سنة تسامُح .

القرن الرابِع

10 سنوات اضطهاد ، حتى صدور مرسوم ميلانو .

    فالكنيسة عاشت تحت الحرمان والاضطهاد والمُطاردة إبتداءً من عصر نيرون سنة 64م إلى سنة 313م ، حتى مرسوم ميلان السلامي الذي أصدره قُسطنطين الكبير ... ومع أنَّ الاضطهادات لم تكن بدرجة واحدة في العُنف ، إلاَّ أنَّ الكنيسة من سنة 249م حتى تملَّك قُسطنطين الكبير ذاقت اضطهادات ومُطاردات ومذابِح عظيمة .

    وكانت الأجيال المُتلاحِقة تُدرِك تماماً أنها تعيش تحت خطر الاستشهاد الذي ينبغي الاستعداد له ... فكان هذا واجب الأساقفة وقادة الكنيسة من إكليروس وعلمانيين .

    فكانت تُلقِن أولادها إنهم مُجاهدون لأنَّ حياة المُجاهِد تستوجِب التدريب على النُسك والجهاد ... ويذكُر التاريخ والتقليد الكنسي أنَّ هناك شُهداء لم يكونوا مُستعدين ولا مُدربين لذلك عجزوا عن الشهادة ، وكذلك نجد أنَّ القديس كبريانوس الأسقف والشهيد سنة 249م يُؤكد على حمل سلاح الله .. فصار تدريب الكنيسة الروحي المُستمر هو الاستعداد للموت وتصفية النَّفْس .

    وتكلَّم أيضاً العلاَّمة ترتليان عن مبدأ الاستعداد بقوله : يجب أن تجعل النفس تألف السجن وتُمارِس الجوع والعطش وتقبل الحرمان من الطعام حتى يمكن للمسيحي أن يدخل السجن ، بنفس الكيفية كما لو كان خارجاً منهُ حالاً ، فيصير تعذيب العالم لنا ممارسة عادية ... فلنمضي للجهاد بكل ثقة دون جزع كاذِب ، وليصير الجسد مُدرع بسلاح فيوجد يابساً . لذلك نقرأ في سيرِة الشهيد يوحنا الهرقلي أنه عاش كيوحنا المعمدان بتولاً ، والشهيد أنبا إيسي من صعيد مصر الذي فضَّل البتولية وحذا حذو أُخته تكلة .

    كما وحرصت الكنيسة على أن يهتم أولادها بالكتاب المُقدس ، يحملونه وينسخونه ويعيشونه ، فالكنيسة تُغذِّي أولادها بكلمة الحياة منذ حداثتهم ليشُبُّوا بقلوب مُستنيرة لا يهابون الوُلاة بل بجرأة مُنقطِعة النظير يشهدون للمسيح الراعي والفادي والمُخلِّص .

    وقامت الكنيسة بتصوير أمثلة وقصص العهد القديم على الفرسكا والرخام والنقش على الأحجار لتعميق الأثر الإنجيلي في قلب الشعب عن طريق الرؤية الروحية ، ومن أبرز المناظِر الإنجيلية التي ركِّزت عليها الكنيسة في أزمِنة الاضطهاد :0

·       الفتية في الأتون .

·       دانِيال النبي في جُب الأُسود .

·       يونان في بطن الحوت .

    تلك المشاهِد التي تُلهِم الثقة بالمعونة الإلهية وتُوحي بنجاة إعجازية اقتناعاً بخلاص الرب الذي يصنعه في حينه ، فيتم التعليم عن طريق تصوير أمثلة وقصص العهد القديم ، من أجل التلمذة على الكتاب المُقدس ( الإنجيل المُعاش ) .

    ففي سيرِة شُهداء سكيلِّلي شمال أفريقيا الذين استُشهِدوا بقرطاچنة سنة 180م يسأل الوالي ساتورنينوس أحدهم : ما هذا الذي تحمِله على صدرك ؟ أجاب سبارتوس : كُتُب ورسائِل مُعلِّمنا بولس ...

    والقديسة تكلة الشهيدة من صعيد مصر تُوصي ابنها أبولونيوس بالاهتمام بالكتب المُقدسة للبيعة .

    واهتمت الكنيسة أيضاً بدراسِة الحقائِق اللاهوتية ، وكان التعليم الكنسي مهمة البطارِكة والأساقفة ، وهنا برزت في التاريخ الكنسي شخصيات عظيمة أمثال المُدافِع يوستين الشهيد ، والعلاَّمة أوريجانوس ، والقديس كيرلُس الأورشليمي ، والقديس كبريانوس أسقف قرطاچنة الشهيد الأفريقي ، والقديس البابا كيرلُس الأول عمود الدين ، والبابا العظيم أثناسيوس الرسولي الذي لُقِّب بمؤسس المسيحية الثاني ...

    ولمَّا كانت الثقافة الروحية والتعليم الكنسي مُتأصِل لدى الشعب بل وحتى لدى العامة،  لذا تمسَّك الشُهداء بعقيدتهم حتى الدم مُحتملين العذابات والتقطيع .

    فكيف لشعب لم يتعلم عقيدته ولم يعرِف إيمانه أن يُقدم شهادِة دم أو شهادِة فم                       ( كرازة ) ؟ ... وكنيستنا كنيسة العلم واللاهوت كانت سبَّاقة في تعليم أعضائها العقيدة القوية وتسليمهم صراحِة الإيمان المُسلَّم مرَّة للقديسين .

    وكانت الكنيسة تُوزِع مقالات وكتابات أعدَّها مُعلِّمو البيعة بخصوص الحث على الاستشهاد للتذكير بالوصايا والمواعيد الإلهية والأمجاد السمائية ، وتعليم الشعب حقائِق الإيمان وجوهر العقيدة ، مع التحذير من الضعفات ..

    وقد انبرى آباء الكنيسة وقاموا بدور عظيم ، مثل القديس أنطونيوس الكبير الذي أرسل عدَّة رسائِل إلى الكهنة والشمامِسة يحثهم على تشجيع المُعترفين وتثبيتهم في الإيمان .. فقامت بمهمة تثبيت المُعترفين في سجونِهِم وتعزيتهم في وسط ظلام السجون ، مع تقديم العون لهم والسهر على روحياتِهِم .

    وعلَّمت الكنيسة أولادها حياة التسبيح والتهليل حتى إذا تقدموا في حلبِة الاستشهاد ، امتزجت دماؤهم بالصلوات والتسابيح المُفرِحة واحتفظوا بشجاعة ناصعة بلا عيب ، فبلغوا إلى الموت مُسبحين الحي إلى أبد الآبدين ، ثابتين غير هيَّابين ولا مهزومين في الإيمان ، بعزم الإرادة والاعتراف وسط القيود ، بتسبيح شكر يُتمم مجد الاستشهاد .

    وقد اهتمت الكنيسة اهتماماً خاصاً لا يتناقص بمن هم في السجون ، الذين اعترفوا بالرب اعترافاً حسناً ، وخدمت هؤلاء البواسِل ، واعتنت بأجساد من فارقوا الحياة وانتهوا نهاية مجيدة في السجون ، أو ماتوا قبل التعذيب ، فشجاعتهم ليست أقل ممن عُذِّبوا ، بعد أن قاسوا ما كانوا عازمين ومُستعدين أن يُقاسوه واعترفوا وصبروا إلى النهاية .

    كما وسلَّمت الكنيسة أبناءها روح الحُب ، من خلال موائِد ( الأغابي ) ، وافتقاد السجون وزيارِة المُعترفين ورعايتهم عن طريق ولائِم المحبة ( الأغابي ) والتي كانت تُقام بالسجون .

    لم تُعلِّم الكنيسة أولادها التذمُر بل كانت تُثبِّت فيهم روح الحب للجميع وبالأخص للمُضطهدين ، وتُصلي من أجل أولادها لأنها تعرِف ضعف البشرية ونقصها ... وعلِّمت الكنيسة أولادها البُعد عن الإثارة حتى أنَّ القديس بطرس خاتِم الشُهداء قدَّم نفسه للاستشهاد خِفية ، حتى لا يثور الشعب ضد المُضطهدين ، ولكن في الوقت عينه دافعت الكنيسة عن أولادها ، وكتب الآباء باستفاضة دفاعيات قُدِّمت بشجاعة للولاة الوثنيين ، دون أن يحرضوا أو يُثيروا الشعب .

    ركِّزت الكنيسة في برنامجها الروحي على أنَّ الصوم يُعلِّم الاستشهاد ، لذلك علِّمت أولادها الجهاد والنُسك ، لأنه كيف لإنسان أن يُقدِّم دمه وهو لم يتدرب أن يصوم أو يعطش من أجل الله ، وكيف للنَّفْس التي لم تتهذب بالجهاد والأصوام والتداريب أن تتقدم بثبات أمان الأتون والهنبازين والصُلبان وكل صنوف العذابات ، فالنُسك كحياة زُهد هو المدرسة الأُولى التي تتلمذ فيها المسيحي استعداداً للاستشهاد .

    ولأنَّ كنيستنا كنيسة نُسكية علِّمت المسكونة كلها النُسك والرهبنة ، لذلك هي أيضاً أُم الشُهداء ، التي بتدريبها لأبنائها على الصوم والجهاد جعلت منهم مُصارعين وشُهداء ، فلا يخافون من أي عدو خارجي ، لأنهم انتصروا على أنفُسهم فغلبوا العالم كله ، والنُّصرة إنما تبدأ من داخل ...

    لم تنسَ الكنيسة الرعاية الاجتماعية لأُسَر الشهداء ، من خلال حياة الشَرِكة                     ( الكينونيا ) ، فكان الأغنياء يضمون إليهم المُشردين ، وكان البطارِكة والأساقفة يتخفون في ملابِس الفقراء ويزورون الأُسَر المُشرَّدة ويُقدِّمون لهم العطاء ، مع مُتابعة هذه الأُسَر اجتماعياً وروحياً ومساعدتهم مادياً . حتى أنَّ العلاَّمة ترتليان في رسالته إلى بعض المُعترفين الذين في السجون ، يقول لهم ” أنَّ الكنيسة لم تترُككم مُعوزين شيئاً “ .

    ونستطيع أن نقول أنَّ الذين يجرأون على تقديم عمل نبيل للشُهداء وسط الأخطار ، تهون عليهم حياتهم إذا تعرَّضوا للاستشهاد .

    أيضاً قامت الكنيسة برعايِة المُعترفين ، وسهرت على الذين قدَّموا حياتهم ثمناً للإيمان بالثالوث القدوس ونالوا العذابات .. اهتمت بهم وهم في السجون وتحت المُحاكمة .

    ولم يفُت الكنيسة أن تقوم بالرعاية النفسية لأبنائها المُقبلين على الاستشهاد ، سواء بالافتقاد للمحبوسين ، أو بمُساندتهم روحياً بالعِظات والرسائِل التي تحِث على الثبات وتُوضِح بركات الاستشهاد ، فضلاً على اهتمام الكنيسة بإقامِة الصلوات الخاصة من أجل طلب مراحِم الله ومعونته من أجل هؤلاء الشُهداء أبناء الكنيسة ، مع تسجيل يوم استشهاد كُلاً منهم حتى يمكن الاحتفال بتذكاره بين الشُهداء .

    وقامت الكنيسة بالرعاية الروحية لهم ، ونبِّهت المُعترفين والشُهداء إلى الاحتراس من المديح والسقوط روحياً ، وإيقاظ وعيهم ببركات الألم ، حتى أنَّ كبريانوس الشهيد بعث رسالة للمُعترفين يقول فيها ” كأننا نحن محبوسين بينكم ، لأننا بالقلب معكم ... نفتخِر بافتخاركم “ .

    ركِّزِت الكنيسة على الأعضاء الضعيفة ، والمُرتدين والجاحدين ، بالارشاد والصلوات والافتقاد وبمزيد من الرعاية .

    واهتمت الكنيسة بالرعاية الروحية وتجديد النفوس وشحنها روحياً عن طريق الحث والتعليم الروحي ، كذلك اهتمت ببُناء النفوس في الإيمان الأقدس من خلال الاجتماعات الروحية ، والمواظبة على الصلاة ، وخدمِة التعليم والوعظ واليتورچيات .

    حثت الكنيسة أولادها على حياة التوبة ( الميطانيا ) من أجل قبول بركِة ونِعمة الاستشهاد ، وقدِّمت لهم الإنجيل ( كيريجما ) مشروحاً بالآباء ومُعاشاً في القديسين ، وأيضاً حفِّزتهم على الخدمات المُتنوعة ( دياكونيا ) من أجل نمو الكنيسة بالنعمة والتعليم ، ولم تُهمِل الكنيسة خدمة التدبير الرعوي ( الأيكونوميا ) بالافتقاد والرعاية المُركزة لكل نفس من أجل خلاصها واعدادها للشهادة ( مارتيريا ) من أجل اسم المسيح ...

    وثِمة ركيزة هامة أعدَّت بها الكنيسة أولادها ، تلك هي العبادة الليتورچية ، التي يختبِر فيها كل عضو اتحاده بالرأس وبالأعضاء سواء كانت الأعضاء المُنتصرة في السماء ، أو الأعضاء المُجاهدة على الأرض .. فتدرب أولادها على المواظبة الليتورچية والتقدُّم إلى شَرِكَة كأس المسيح وجسده ، لأنه بهذا فقط يُمكنهم أن يسفكوا دماءِهِم لمن سُفِكَ دمه عنهم ، وحرصت الكنيسة على أن تُقدِّم الزاد السمائي أي الجسد والدم لنفوس الذين يتقدمون إلى الشهادة سواء في السجون أو أماكن الاستشهاد ، فكانت تُقدِّم الأسرار للمؤمنين قبل الاستشهاد لأنهم لابد أن يستعدوا ويتسلحوا لأجل الجهاد .. وكيف أنَّ شخصاً لم يتحِد بالمسيح الذبيح يصير هو نفسه ذبيحة وكيف أنَّ الذي لم يُواظِب على شَرِكَة كأس دم المسيح أن يُقدِّم هو دمه ؟

    لذلك لم تترُك الكنيسة أولادها بدون ذخيرة دفاعية ، بل ليصطفوا فِرَقاً فِرَقاً تحت سِتار جسد ربنا يسوع المسيح ودمه ، تُشبِعهم الكنيسة من الزاد السمائي ( الافخارستيا ) دِرعهم الحصين ، وبهذا الاهتمام الشديد كانت تُعِد أبنائها للاستشهاد ، مُعتنية بتكوينهم الروحي والأخلاقي والأدبي وبمعرفتهم للكتاب وعَيْشُه لكي تُكمِل ذبيحة الذين يعترفون بالمسيح يسوع ويضمن عبورهم تلك الضيقات والعذابات بروح مسيحية عالية .

    أخيراً عنت الكنيسة بالحفاظ على ذخائِر الشُهداء وأجسادِهِم ، مع جمع سِيَرِهِم والحِفاظ على إيمانهم لأنه بركة الكنيسة كلها ، مع الحِرص على كتابِة وثائِق سِيَرِهِم وأعمال شهادتِهِم وارسال كل شهيد إلى بلده .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                        

 

ديمومِة الاستشهاد في

المسيحية

أسباب انتصار المسيحية :

    قدَّمت المُثُل المسيحية اجابة وشبع لأعمق أحاسيس البشرية ، التي تمت بالفداء الذي أكمله المسيح ، ويحكي لنا التاريخ قداسِة المسيحيين الأولين وطهارتهم وصلاحِهِم وسُمُوِهِم العجيب ، تلك القِيَم الروحية المسيحية التي علَّمنا إياها السيِّد له المجد .

    واشراق الحياة المسيحية العملية التي مارسها المسيحيون وطبَّقوها بشجاعة وحُب وهدوء نادِر ، وكذا المحبة التي أظهرها ومارسها المسيحيون نحو مُضطهديهم ، حتى أنَّ يوسابيوس المُؤرِخ الذي عاش وسط الاضطهادات يُسجل لنا ” أنَّ النِساء لم يكُن أقل من الرجال في الدفاع عن تعاليم الكلمة الإلهية ببسالة ، حتى أنهن نِلنَ نصيباً مُتساوياً من الأكاليل من أجل الفضيلة “ .

    المُفارقة بين الديانات ، لقد وجد الناس في تعليم الإنجيل والرُّسُل وآباء الكنيسة الأوائِل ما كان يُعوزهم وأشبع نِفوسِهِم ، فالتعاليم السامية أسرت نفوس الناس ولكن بدون أن تُجبرهم بالقوة ، وهكذا تكلمت المسيحية إلى قلوب الناس بطريقة لم ترقَ إليها أي ديانة أُخرى قط ... فالشهيدة بوتامينا اجتذبت بمحبتها ورِقتها وطهارِة جسدها الجندي باسيليدس ليصير شاهِداً وشهيداً ، والشهيدة بربتوا التي لم تنسَ أن تُغطِّي جسدها بردائها الذي تمزَّق من تعذيب الثيران لها ..

    يا لها من مُفارقات عجيبة ، جعلت الذين من خارِج يشهدون لإله المسيحيين ..

    جامعية الديانة المسيحية ، كانت سبب في انتشارها ، فخاطبت قلوب الناس جميعاً ، وهذا يُعطينا الوجه الجديد لديانة تتميز عن الديانات التي سبقتها ، هذا الوجه هو : الشخصية الجامِعة للمسيحية ، فالدعوة هي للجميع ، للفقير والعظيم ، للمُتعلِّم والبسيط ، وكل أحد يتجاوب مع الدعوة حسب قبوله واستجابته ، وهكذا قدمت المسيحية لكل جنس ولون ولِسان ما يُشبِع اشتياقات روحه الأبدية .

    أعطت سِجِلات قديسي الكنيسة العُظماء بُرهاناً على صِدق الإيمان وعلى القوة الإلهية التي يمنحها إله المسيحية للمؤمنين باسمه ، والتي ترفعهم لأسمى درجات القداسة والطهارة والشهادة واختباراتِها .

    ومن الأسباب الرئيسية أيضاً في انتصار المسيحية ، أنَّ الاستشهاد لم يكن في متناول من يريده ويشتهيه ، فالموت كان يُوافي المُعترِف في نهايِة الآلام ، بعد جولات من الاضطهاد والتعذيب الجسدي والأدبي .. لذلك كان بعض الوُلاة والجنود والوثنيين عندما يرون صبر الشُهداء والمُعجزات التي تُصاحِب شهادتِهِم ، كانوا يُؤمنون بالمسيح ، كانت القيود الحديدية تنكسِر وتنفك من تلقاء ذاتها ، وكانت النيران تُطفأ سريعاً حينما يتقدمون إليها بثبات ، وكان المُتفرجون ينظرون إليهم بدهشة يُوقرونهم ، الأمر الذي دفع بكثيرين للإيمان بل وللشهادة حتى الدم .

سِر انتصار الإيمان المسيحي ( المحبة ) :

    إنَّ شهادِة الكنيسة المُضطهدة تكمُن في كونِها مُضطهدة وفي كونِها ذات رجاء ، رجاء وفرح واثِق فيمن تؤمن به ... كنيسة غير عدائِية ولا انقيادية للباطِل ، لا ميل للذوبان في العالم .

    رفضوا عبادِة الأوثان ، وكان مطلبهم الوحيد هو التمسُك بإيمانهم وعقيدتهم ، عاشوا حياة الشَرِكَة المسيحية بتلقائية حرة لا إلزام فيها ، كانوا مَثَلاً للحُب والعفة والقداسة والصلاح والصبر والتعفف والرحمة واحترام المحبة الزوجية ، يسعون لأن يُقابِلوا الإساءة بالاحسان ، وأن يخدموا الجميع بلا تفرِقة .

    لقد باركوا الحياة وعرفوا كيف يجعلوها بركة للآخرين ، حتى في أوقات الاستشهاد والألم .

    يشهدون بنعمة الحياة الإلهية التي يحملونها في كيانهم والتي تُختبَر وتثبُت أمام جميع العذابات والمُفزعات والاضطهاد المُهين ، وكل أنواع الآلامات كما في ساحِة الاستشهاد ، هادئين فَرِحين ثابتين واثقين مُتشجعين ، فصاروا للعالم مصدر حماية ، وكل الاهانات التي يُلاقونها جعلتهم أداة خِصب للعالم ... بِذار الله ، صورته ، أولاده الوارثين ، لهم مهمة من أجل القصد الإلهي السامي نحو العالم كزرع مُقدس حفظ كل وصية بحسب تعبير العلاَّمة أكلمنضُس السكندري .

    وبالجملة نستطيع أن نقول أنَّ المحبة التي لمسها المُعانِدون في شُهداء المسيحية ، جعلتهم يتساءلون من هو إله المسيحية هذا ؟ إنه إله المحبة الذي أرسلنا كغنم في وسط ذِئاب ، لكي تفترِسنا الذئاب الكثيرة فتتحوَّل هي إلى غنمات ...

    كثيرون منا يُقدمون الخد الآخر ، لكنهم لم يتعلَّموا كيف يُحبون ضاربيهم ، فلنُصلِّ إلى الله لكي يُعيننا على رِضاه .

    ولعلنا نلمس سِر انتصار الإيمان المسيحي من قصة الأربعين شهيداً شُهداء مدينة سبسطية ... القصة الذائِعة الصيت التي تحدَّث عنها القديس باسيليوس الكبير فقال : ” كم تجتهدون لتجدوا شخصاً واحداً قوياً في صلاته ، لكي يرفع من أجلكم صلاة إلى الآب ، هوذا أربعون يُصلُّون معاً بصوتٍ واحد ...

    أيها المُتألِم اهرب إليهم

    أيها المُبتهِج أسرِع نحوهم

    المُتألِم سيجد راحة ، والمُبتهِج سيُحافِظ على أفراحه ...

    هيا ارفعوا تضرعاتكم مع هؤلاء الشُهداء ... أيها الرجال احذوا حذوهم ... أيها الآباء صلُّوا لكي يكون لكم إيمان مثلهم ... وأنتُنَّ أيتها الأُمهات ، فلتأخُذنَ درساً من هذه الأُم الرائِعة ، هي أُم لواحد من هؤلاء الشُهداء ... رأت الجميع وقد ماتوا فقد أخذتهم البرودة وكان ابنها لايزال حياً ...

    أتى المُعذبون لكي يحملوا الأجساد ، فلم يأخذوا ابنها على أمل أن يغيَّر رأيه ويرتد ، رَفَعَتُه هي بنفسها ووضعته في العربة ليُساق مع رُفقائِه إلى الحريق ... بالحقيقة إنها أُم شهيد “ .

    تلك هي قوة انتصارات الإيمان المسيحي ، في عمل الصلاة وطلب الشفاعة وانتشار الكرازة وثبات العقيدة ...

 

الأساس الكنسي السِّرِّي لديمومة الاستشهاد :

    الكنيسة هي الأساس السِّرِّي Mystical للشُهداء ، ففيها يتدرب الشهيد أميناً على رسالِة القيامة مُتمسِكاً بعهد الافخارستيا ، يعيش الوصية ويتذوق حياة الكنيسة ، يتحد بالمسيح كياناً وصميمياً واتحادياً ، إلى وقت أوان الحصاد والشهادة بالدم ، فهم بركة وحِصن وأعمدة الكنيسة ...

    إنَّ المسيحيين الأوائِل كانوا يُقتلون ولكنهم بهذا يربحون الحياة الدائِمة ، يُحتقرون لكنهم في هذا الاحتقار يجدون مجدهم ... يُفترى عليهم غير أنهم يتبررون ، يُلعنون فيُبارِكون ، والمسيحيون يحيون كمُقيدين في سجن العالم بكلمة شهادتهم .

    لقد عاشوا مُتسلحين ومُستعدين للجهاد الذي يُثيره عليهم العدو ، مُستعدين للشهادة كما شرح العلاَّمة ترتليان والشهيد كبريانوس بالأصوام والعطش والجوع دون جزع كاذب من جهة الجسد فلا يكون للتعذيب فرصة للتأثير لأنَّ المسيحي مُدرع بجسد يابِس من النُسك وله خوذة تقبل الضربات ، وعُصارات جِسمه قد سبقته إلى السماء ، والآن تُسرِع النَّفْس خلفها لتتمتع بالأحضان الأبوية .

    لذلك حرصت الكنيسة على أن تُعِد أولادها في مدرسة الاستشهاد ، حتى إذا أتى الحاصِد ومعه منجله للحصاد يجد الثمر قد نضج ...

القِيَم الروحية للاستشهاد المسيحي :

    لقد كانت المطابِق والسجون في عصور الاضطهاد غاية في البشاعة ، عبارة عن أماكن محرومة من الهواء والنور ، تنتشِر فيها القاذورات والأمراض بشكل يفوق  الوصف ، حتى أنَّ كثيرين ماتوا بسبب الازدحام والتكدُّس والخنق لعدم تجدُّد الهواء .

    قيود حديدية ، خنق ، جوع ، عطش ، مقطرة ، الإلقاء في المحارِث الداخلية والمطابِق المُعتِمة الأكثر سواداً من الظلمة ، الضَّيِقة الجهات حيث الليل الأبدي ورُعبة الموت ... وبالرغم من كل ذلك ، كانت القيود للمسيحيين كالقلائِد الإيمانية ” مرحباً بالسلاسِل التي هي أغلى من قلائِد الذهب !!! “ .

    حتى أنَّ البابا بطرس السابِع عشر عندما زار القديس صرابامون في سِجنه داخل زنزانته قبَّله وقبَّل جراحاته وقيوده ، وهو ما حدث مع أغناطيوس الأنطاكي .

    ومن بين القِيَم الروحية التي سادت في وسط الآلام نجد الأغابي والافتقاد والتشجيع والحرارة الروحية وعدم التهيُّج ، ويذكُر التاريخ الكنسي أنَّ القديس يوليوس الأقفهصي كرَّس كل ثروته وخُدَّامه لافتقاد المسجونين بالأسكندرية والترفيه عنهم ، وكتابِة محاكمة وقضية كل شهيد والعناية بجسده ، والاحتفاظ بهذه الذخائِر المُقدسة .

    هؤلاء الشُهداء أحبوا المسيح وسفكوا دماءِهِم من أجله ، كانوا أقوى من مُعذبيهم وأشجع من مُضطهديهم حيث ذروة التشبُّب الروحي ، وخاصة بافتقاد السماء ورؤية رب المجد يسوع وسحابِة الغالبين ، مما أثار دهشة الوثنيين ، وجعلهم هم يُؤمنون بالمسيح ربنا وسط التهليل والتسبيح والدماء الطاهرة .

    يا لها من عصور أُشعِلت فيها النيران في المسيحيين بعد أن دهنوهم بالقار والزيت والصمغ وسمَّروهم في الأعمدة ليُضيئوا كالمشاعِل لتسلية الجماهير .

    إلاَّ أنَّ الشهداء تمسَّكوا بالحياة الأبدية ( 2كو 4 : 17 + 1كو 7 : 29 ) ، وبأنهم غُرباء ( 1بط 1 : 17 ) عالمين نهايِة الضيقات التي تؤول لمجد عظيم فس السماء               ( يو 12 : 25 ) ، فزهدوا كل شئ عالمي ( 1تي 6 : 7 ) ، واشتهوا الانطلاق                      ( في 1 : 21 ) ، محبة في الملك المسيح ( يع 4 : 4 ؛ 1كو 7 : 31 ؛ أع 20 : 24 ).

    وعندما اقتُيدَ الشهداء القديسون إلى الأسكندرية ، تبعهم القديس العظيم أنطونيوس كوكب البرية تارِكاً مغارته قائِلاً : لنذهب نحن أيضاً إذا ما دُعينا لذلك ، وتاق إلى الاستشهاد ولكنه إذ لم يشأ تسليم نفسه خدم المُعترفين في المناجِم والسجون ، وكان يُصلي لكي يصير هو نفسه شهيداً ، لذلك كان يبدو عليه كأنه حزين لأنه لم يستشهِد ولكن الرب كان يحفظه لمنفعتنا ، لكي يصير مُعلِّماً للكثيرين عن النُسك ، وعندما كف الاضطهاد أخيراً ، استُشهِد المغبوط بطرس بطريرك الأسكندرية السابِع عشر خاتِم الشُهداء ، وانصرف أنطونيوس العظيم واعتزل العالم ثانيةً في مغارته ، وكان هناك كل يوم يستشهِد بضميره ويُجاهِد جهاد الإيمان .

    ووسط كل هذه الأحداث كانت المُعجزات تُصاحِب الاستشهاد ، حتى أنَّ حُكام كثيرين آمنوا ( مناس وهرموچين حاكما الأسكندرية ، أركانيوس والي سمنود ، وسوكيانوس والي أتريب ، وأريانوس والي أنصِنا وچنيانوس والي القيروان ) .           

    بل وآمنت جموع كثيرة على اثر استشهاد مارجرجس وبفنوتيوس المُتوحِد ، ومكاريوس ابن الوزير ، وأباهور القِس البردنوهي الذي بسبب معجزة استشهاده أكمل 920 شخصاً شهادتهم ، لقد صار الاستشهاد شهوة ، حتى أنهم كانوا يُرعون إلى الحكام والوُلاة مُعلنين مسيحيتهم دون أن يبحث عنهم أحد ، أو يستدعيهم أو يقبُض عليهم ،                ” عُذِّبوا ولم يقبلُوا النجاة لكي ينالُوا قيامةً أفضل “ ( عب 11 : 35 ) ، حتى أنَّ القديس أبو فام الأوسيمي الجندي لَبَسَ لُبَاس عُرسه يوم استشهاده فَرِحاً مسروراً بلقاء الملك المسيح .

    إنها شجاعة الاستشهاد التي أذهلت الجموع المُشاهِدة للحرب الإلهية السمائية الروحية،  فالمُعذبون أكثر شجاعة من مُعذبيهم ، لقد غلبت الأعضاء المُمزقة الآلات التي مزقتها ، وأضحت بعض الوحوش مُستأنسة لهؤلاء الشُهداء ، بعد أن تكلم الروح القدس على أفواههم ، فكانوا عُظماء في بساطتِهِم وقداستِهِم وقوة إيمانهم وسط كل المخاطِر .

    وإن كان الشُهداء قد قُتِلوا بالسيف وبالصلب وبالنار .. إلاَّ أنَّ الله لا يتخلى عن قديسيه ولا يتركهم في أيدي الأشرار ، وإن كان الجسد قد سُلِّمَ لهم ، إلاَّ أنَّ النَّفْس خرجت ظافرة مُنتصرِة ، لقد رأى الشُهداء أنَّ الموت هو بِدء التلمذة الحقيقية ، والذين أكملوا عمل الشهادة تمتَّعوا بالتلمذة الحقيقية للسيِّد .. وصار إكليل الشهادة هو ذروة climax حياة الإنسان المسيحي على الأرض فهو الجعالة التي ينبغي أن يطمع فيها الجميع .

    لم يكن المسيحيون يختلِفون مع السلطات بل كانت شهادتِهِم ضد العالم ، من منظور أسخاتولوچي وليس سياسي ، فعاشوا بروح مجيئية .. ( الشيطان عدوهم ، والباراقليط المُدافِع والمُحامي عنهم ) ..

    فقدَّموا الكنيسة – التي هم أعضاؤها المُخلَّصون – كأُم عذراء عفيفة تشهد للحق ، وفي نفس الوقت كان الشيطان يُثير الحكام والعامة لتعذيبهم ، وتلك هي أسلحته ، وهذه هي غلبتهُم ..

أنواع شهادات كثيرة :

    كنيستنا تنوعت فيها وتعددت أنواع الشهادة وفِئات الشُهداء ، شهادِة حياة ، شهادة من أجل الثبات في الإيمان ، شهادة من أجل الحِفاظ على العفة والطهارة ، شهادة من أجل التَّمسُك بالعقيدة .

    فهذه بوتامينا العذراء العفيفة التي حلفت برأس الإمبراطور أن لا يجردوها من ثيابها،  بل يَدَعُوها تنزِل في القار قليلاً قليلاً ، حتى يروا أية قوة احتمال أعطاها المسيح الذي لم يعرفوه ، وتلك هي بربتوا من قرطاچنة التي عندما أُبقِيَت للثور الهائِج الذي ضربها بقرونه وسقطت على الأرض نصف ميتة ، لم تنسَ أن تُغطي جسدها بردائها المُمزق .

    وهذه ثيودورا التي حفظت طهارِتها وسعت وراء إكليل شهادتها وڤيرونيا العذراء التي من دير قُرب أخميم ، حفظت عِفِتها وتكريسها بحيلِة الزيت .

    والقديس بولس الأسقف 351م ، الذي نُفِيَ وقُتِلَ من أجل الدفاع عن العقيدة ضد الأريوسيين .

    ومما هو جدير بالذِكر أنَّ كنيستنا أُم الشهداء قدَّمت للسِفر السمائي خمسة آلاف راهب مع أسقفهم الأنبا يوليان بصحراء أنصِنا على يد الحاكم مرقيان مدة الاضطهاد الذي آثاره دقلديانوس وأعوانه .

    إنَّ شهداء العصور الأولى لم يخافوا الموت بل كانوا يصيحون وهم في طريق الاستشهاد ” الشُّكر لله Deo Gratlas “ لأنَّ أمانِة شهادتِهِم تهِبهُم المُجازاة والجعالة ... وعذابات الشهيد لها قيمتها ، فنقرأ في التقليد المسيحي عن ” معمودية الدم “ .

    ذلك أنَّ دم الشهيد يُطهِّر مَنْ لم يقتبِل معمودية الماء ، ويمحو خطايا مَنْ اعتمد فعلاً بالماء كمعمودية ثانية ، وتُقِر الديداكيَّة ” التقليد الرسولي “ رُتبة الذين يعتمدون بالدم .

معمودية الدم :

    جاء في الوصايا والقوانين التي وضعها ربنا يسوع المسيح والتي وردت في التقليد الرسولي ” بالديداكيَّة “ :0   

    ” إن أُلقِيَ القبض على أحد لأجل اسمي وهو موعوظ ، ويسعى في طلب قبول نعمة المعمودية فلا يرتاب الراعي ، بل يُعطيه العِماد ، ولا يضطرب ، فإذا قُتِل وهو في  القيود ، ولم يقتبِل بعد نعمة العِماد الثاني الفوقاني يكون قد اعتمد بدمه “ .

    إنها الصبغة التي يصطبِغ بها من يشهد للمسيح المُخلِّص ، الصبغة الأولى للجميع             ( الماء والروح ) ، والصبغة الثانية لمن أعطى لهم ( بالدم ) .

الشهادة ذبيحة افخارستيا :

    لقد كانت الشهادة اقتداء بآثار المسيح رب المجد وشَرِكَة كأس آلامه ، حتى أنَّ القديس أغناطيوس شهيد أنطاكية كان يعتبِر الاستشهاد ذبيحة افخارستيا ، لذلك اشتاق أن يكون هو نفسه افخارستيا .. تلك هي ذبيحة إيماننا لأنَّ ” الذينَ يتألمون بحسب مشيئة الله فليستودِعوا أنفُسهم كما لخالِقٍ أمين في عمل الخير “ ( 1بط 4 : 19 ) .

    ويُشير أسقف أنطاكية الشهيد ، إلى أهمية هذه التفسير الافخاريستي للشهيد ، وكذلك القديس إيريناؤس أبو التقليد الكنسي .. ، لذلك كان كل شهيد يشهد

” أنا إنسان حر ولكن عبد المسيح “

    مُتشبِه بصبر المسيح المُخلِّص ، بينما الوثنيون يصيحون مُرددين الموت للمسيحيين .

    ويُمكننا أن نقول أنَّ شهادِة الدم كما أنها معمودية ثانية ، هي أيضاً ذبيحة افخارستيا .

    وعندما نأتي إلى القديس كبريانوس شهيد قرطاچنة الذي اعتبر أنَّ الافخارستيا هي سلاح الشُهداء ، نجده يُعلِّمنا قائِلاً ” لنُسلِّح اليد اليُمنى بسيف الروح حتى ما ترفُض بشجاعة ذبائِح الأوثان المُميتة “ ، وعندما حُوكِم كبريانوس قال الوالي ” قررنا أنَّ سليوس كبريانوس يُقتل بالسيف “ ، أجاب كبريانوس ” Deo Gratlas الشُّكر لله “ .. وهذه هي الافخارستيا والذبيحة الحقيقية ، وهذا هو التفسير الافخاريستي للقديس كبريانوس .

    وتُعتبر صلاة بوليكاربوس أسقف سميرنا ، وهو على كومة من الحطب المُهيئة  لحرقه ، مَثَلاً من أجمل الأمثلة على الفكر الافخاريستي الذي يُحرِّك قلبه وهو يتقدم للشهادة ” أيها الآب الذي للابن المُبارك المحبوب يسوع ، أُبارِكك لأنك جعلتني أهلاً أن أُحسب في عِدَاد شُهدائك ، وأن أُشارِك في كأس مسيحك من أجل الحياة الأبدية “ .

قوِّة الاستشهاد وامتداد الكرازة :

    لقد أصبح الاستشهاد قوة للعمل الكرازي ، وسبباً في نمو الكنيسة وامتدادها ، فكان الرب يضُم كل يوم للكنيسة الذين يخلُصون ، وصار الاستشهاد بِذار الكنيسة وبُرهان عملي على صِدق إيماننا المسيحي والفضيلة المسيحية التي عاشها هؤلاء الشُهداء الطوباويون ، والمُعترِفون المغبُوطون والبواسِل ، هؤلاء الشجعان البررة ، أرواح الأبرار المُكملين المُتسربلين بالبأس وقوة العزيمة والرجاء ... الذين تحمَّلوا الآلام والاهانات بفرح تعجَّب له مُعذِبوهم ، وملأوا الساحات بدمائِهِم فاندهش الوُلاة والحكام وآمنوا بالمسيح الذي آمن به هؤلاء المُتسابقون على الفردوس . وما أكثر اقرارات التوبة التلقائية للمُشاهدين ، فنحن نعرِف ذلك عن الذي قاد يعقوب ابن زبدي للمُحاكمة ، والجندي باسيليدس عند استشهاد بوتامينا وغيرِهِم .

    لم يحتملوا هذه الآلام بقوَّتِهِم الخاصة ولا بقُدراتِهِم الجسدانية ، بل بعمل وفِعْل روح الله القدوس الذي عمل فيهم وبهم ، فصار فضل القوة من الله لا منهم ، حتى أنَّ المُعجزات التي تزامنت مع شهادتِهِم صارت سبباً في امتداد الكرازة وإيمان الكثيرين بالمسيح يسوع.

    كان الشهداء أقوياء فلم تُثنيهم العذابات عن إيمانهم بل أخذوا من العذابات قوَّة للثبات في المعركة الروحية والسباق نحو المسيح العريس الحقيقي السماوي ، مُمتلِئون بالحيوية والشجاعة التي تفوق قُدرِة البشر ، مُتوشِحون بأسلحة الإيمان ، فكانوا أكثر قوَّة من مُعذبيهم ، بالحقيقة عزيز هو الموت الذي يشتري الأبدية مُقابِل الموت ، كم كان المسيح فَرِحاً وكم يسُرُّه أن يُحارِب ويغلِب في شخص هؤلاء الشُهداء ، لقد كان حاضِراً بنفسه في تلك الشهادة التي أُثيرت من أجل اسمه .

    لقد أعان وقوَّى وثبِّت وبعث الحيوية في نفوس شهدائهُ وأبطاله ، حتى أ